في تطور يعكس اتساع فجوة التباين بين ضفتي الأطلسي، نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول أمريكي أن رسالة بريد إلكتروني داخلية داخل البنتاغون طرحت خيارات تصعيدية، من بينها تعليق عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي، إلى جانب مراجعة موقف الولايات المتحدة من دعم سيادة بريطانيا على جزر فوكلاند المتنازع عليها مع الأرجنتين.
وبحسب المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، فإن هذه الطروحات التصعيدية تعكس حالة استياء داخل واشنطن مما تعتبره موقفًا أوروبيًا متحفظًا إزاء دعم العمليات الأمريكية ضد إيران، خاصة بعد تردد بعض الحلفاء في منح تسهيلات عسكرية تتعلق بالتمركز وعبور الأجواء، ورفض طلب الرئيس دونالد ترامب في المشاركة في تأمين مضيق هرمز بعدما أغلقته قوات الحرس الثوري الإيراني.
وتكشف هذه المؤشرات عن مستوى غير مسبوق من التوتر داخل بنية التحالف الغربي، بما يطرح تساؤلات جدية حول تماسك هذا الكيان في المرحلة المقبلة، فتصاعد الخطاب الأمريكي الضاغط والذي يقابله حذر أوروبي متزايد، لاشك وأنه سيدفع دول القارة إلى إعادة تقييم موقعها داخل المنظومة الأمنية التقليدية، في وقت يبدو فيه مستقبل الناتو مرهونًا بقدرته على احتواء هذه التباينات ومنع تحولها إلى شرخ استراتيجي أعمق.
– كشف بريد إلكتروني مسرب من البنتاغون عن خيارات قيد الدراسة لمعاقبة حلفاء في "الناتو" (مثل إسبانيا وبريطانيا) لرفضهم دعم العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران.
– المقترحات تشمل "تعليق عضوية إسبانيا" في الحلف، ردًا على رفض مدريد استخدام قواعدها العسكرية أو أجوائها لشن هجمات على… pic.twitter.com/jNpf5Ai2RA
— نون بوست (@NoonPost) April 24, 2026
ليس التهديد الأول.. إيران تؤجج الخلاف
لا يمكن التعامل مع ما أوردته وكالة رويترز باعتباره تطورًا استثنائيًا في مسار العلاقات عبر الأطلسي، فالتوتر بين واشنطن والعواصم الأوروبية ممتد منذ سنوات، كما أن الخطاب التصعيدي الذي تبناه دونالد ترامب تجاه أوروبا وحلف شمال الأطلسي ليس جديدًا، بل تعود جذوره إلى ولايته الأولى وتعمّق مع عودته إلى السلطة.
ثم جاءت الحرب الإيرانية لتكشف بشكل أوضح عن هشاشة التوافق داخل المعسكر الغربي، إذ تتجه الولايات المتحدة نحو توسيع دائرة المواجهة، بينما تميل أوروبا إلى الحذر والتمسك بخيار التهدئة والمسار الدبلوماسي، دون الانخراط الكامل في الضغوط الأمريكية لحشد دعم واسع للحرب.
وقد عكست مواقف الدول الأوروبية هذا التباين بوضوح؛ إذ عبّرت إسبانيا عن رفضها للضربات باعتبارها تصعيدًا يهدد استقرار المنطقة، فيما حافظت فرنسا على أولوية الملف الأوكراني، متجنبة الانخراط في مواجهة جديدة، بينما اتجهت المملكة المتحدة إلى النأي بالنفس عن الصراع، مؤكدة أن هذه الحرب ليست حربها.
هذا الموقف البرغماتي الأوروبي أثار استياء ترامب، الذي صعّد لهجته محذرًا من “مستقبل سيئ للغاية” قد ينتظر الناتو إذا لم يقدّم الحلفاء دعمًا عمليًا لتأمين مضيق هرمز، في وقت يواجه فيه اضطرابات متزايدة، كما لوّح ماركو روبيو بإمكانية إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع الحلف بعد انتهاء الصراع، في رسالة ضغط سياسية تعكس عمق الخلاف داخل التحالف الغربي.
انكشاف الهشاشة الأوروبية
بعيدًا عن الصورة التقليدية التي قدّمت أوروبا كفاعل دولي وازن يستند إلى إرث سياسي وعسكري طويل، كشفت الحرب الحالية—بما فرضته من اختبارات قاسية لتوازنات القوة—عن قدر ملحوظ من الهشاشة في الموقف الأوروبي، فالتقديرات التي منحت القارة دورًا محوريًا في صناعة القرار الدولي اصطدمت بواقع مغاير، أظهر محدودية قدرتها على التأثير في مسار الأزمات الكبرى، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بصراعات تقودها الولايات المتحدة.
ففي هذه الحرب، وجدت أوروبا نفسها خارج معادلة التأثير الفعلي؛ بدءًا من اتخاذ ترامب قرار التصعيد دون تنسيق واضح مع الحلفاء، مرورًا بالتباين الأوروبي في المواقف والعجز عن بلورة رؤية موحدة، وصولًا إلى الاكتفاء بدور المراقب دون امتلاك أدوات ضغط حقيقية على الأرض.
ويبدو هذا المشهد امتدادًا لتجارب سابقة، أبرزها الحرب في أوكرانيا، حيث لم تتمكن الدول الأوروبية من حسم المواجهة مع روسيا رغم مرور سنوات، فضلًا عن تراجع حضورها في الشرق الأوسط وأفريقيا لصالح نفوذ أمريكي ودولي أكثر فاعلية.
ولا تتوقف هذه الهشاشة عند البعدين السياسي والعسكري، بل تمتد إلى البنية الاقتصادية الأوروبية، التي باتت أكثر انكشافًا أمام الاضطرابات الجيوسياسية، فقد كرّست أزمات متلاحقة—من الحرب الأوكرانية إلى حرب غزة وصولًا إلى المواجهة مع إيران—واقعًا اقتصاديًا هشًا، تتأثر فيه القارة سريعًا بتقلبات أسواق الطاقة واختلال سلاسل الإمداد، ما ينعكس على معدلات النمو والاستقرار، ويحدّ من قدرتها على لعب دور مستقل في إدارة الأزمات الدولية.
هل يجرؤ ترامب على تنفيذ تهديداته؟
لاشك وأن تصاعد نبرة دونالد ترامب تجاه أوروبا لم يكن ليبلغ هذا الحد لولا قناعته بتراجع الوزن النسبي للموقف الأوروبي في موازين القوة الدولية، ما شجّعه على تبني خطاب ضاغط تجاه الحلفاء، غير أن السؤال الأهم يبقى: إلى أي مدى يمكن أن تتحول هذه التهديدات إلى خطوات فعلية، خاصة في ما يتعلق بمستقبل حلف شمال الأطلسي والعلاقة مع الشركاء الأوروبيين؟
من الناحية القانونية، يظل تهديد تعليق عضوية إسبانيا غير قابل للتنفيذ، إذ لا تتضمن معاهدة الناتو أي آلية لتعليق أو طرد الأعضاء، بينما تقتصر المادة (13) على منح الدول حق الانسحاب الطوعي بعد إخطار الولايات المتحدة ودخول القرار حيز التنفيذ بعد عام.
وقد استند رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى تلك الركيزة القانونية حين أكد أن بلاده “شريك موثوق داخل الحلف وتفي بالتزاماتها”، مشددًا على أن التعامل يكون مع المواقف الرسمية لا التسريبات، وأن التعاون مع الحلفاء يتم دائمًا في إطار الشرعية الدولية.
أما التلويح بإعادة النظر في موقف أمريكا من جزر فوكلاند المتنازع عليها بين بريطانيا والأرجنتين، فيبقى بدوره خيارًا عالي الكلفة سياسيًا، بالنظر إلى الانحياز الأمريكي التاريخي للندن في هذه القضية، فالإقدام على خطوة من هذا النوع قد يفتح بابًا واسعًا لتوترات غير مسبوقة بين واشنطن وأحد أقرب حلفائها، ويثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقة الخاصة بين البلدين داخل المنظومة الغربية.
إذا ماذا يريد الرئيس الأمريكي؟
بعيدًا عن اللغة الانفعالية، تشير المقاربة الأقرب للواقع إلى أن المجازفة بحليف استراتيجي ليست خيارًا سهلًا داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، سواء لدى ترامب أو المؤسسات السيادية، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول أهداف هذا الخطاب التصعيدي المتكرر، الذي يبدو أنه يتجاوز كونه تمهيدًا لخطوات عملية، إلى كونه أداة ضغط لإعادة ضبط مواقف الحلفاء.
في هذا السياق، يتضح أن ترامب يوظف التهديدات كورقة تفاوضية لزيادة الضغط على الشركاء الأوروبيين، ودفعهم إلى إبداء قدر أكبر من المرونة والاستجابة للمطالب الأمريكية، وينطبق ذلك على طرح فكرة تعليق عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي، وكذلك التلويح بإعادة النظر في ملف حساس مثل جزر فوكلاند، بما يعكس محاولة لتوسيع هامش المناورة عبر إدخال قضايا ذات طابع رمزي لكنها عالية التأثير السياسي.
وبغض النظر عن مدى ترجمة هذه التهديدات إلى إجراءات فعلية، فإن أدوات الضغط البديلة—مثل تقليص الوجود الدفاعي الأمريكي في أوروبا أو إعادة النظر في مساهمة واشنطن داخل الناتو—تظل قائمة، وهو ما يضع أوروبا أمام اختبار معقد يتعلق بمدى قدرتها على تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، قد تدفع هذه الضغوط العواصم الأوروبية إلى إعادة تقييم تموضعها وتحالفاتها، في محاولة لتحقيق توازن أدق بين الشراكة مع واشنطن ومتطلبات السيادة والاستقلال، بل يتجاوز الأمر إلى تصاعد المخاوف بشأن تفكيك التحالف الأوروبي بأكمله وسط مناقشات مكثفة حاليًا داخل الأوساط الأوروبية حول مستقبل الناتو والاتحاد على حد سواء في مواجهة تلك التحديات.
الناتو إلى أين؟
كشف الصدام الأخير داخل المعسكر الغربي عن تحوّل لافت في طبيعة العلاقة عبر الأطلسي، حيث لم تعد الولايات المتحدة تمنح حلفاءها في حلف الناتو مظلة أمنية غير مشروطة، في مقابل تراجع ثقة أوروبا في استدامة هذا الالتزام، مثل هذا التباين يدفع القارة إلى إعادة تقييم موقعها الاستراتيجي، والسعي إلى تعزيز أدواتها الذاتية لتفادي سيناريو التآكل التدريجي في النفوذ والقدرة على التأثير.
وفي هذا السياق، يبرز اتجاه متنامٍ نحو “أوربة” الحلف، أي دفع أوروبا للاعتماد بدرجة أكبر على قدراتها الذاتية، سواء عبر زيادة الإنفاق الدفاعي، أو توثيق التعاون العسكري بين دولها، أو العمل على توحيد القرار السياسي والأمني داخل القارة.
وفي ذات السياق تتجه العواصم الأوروبية إلى تنويع شبكة شراكاتها الدولية، السياسية والعسكرية والاقتصادية، من خلال توسيع التعاون مع قوى مثل الصين والهند ودول الشرق الأوسط والخليج، في محاولة لتقليل الاعتماد الحصري على المظلة الأمريكية.
يواجه الناتو وأوروبا اختبارًا حساسًا يتعلق بالسيادة والاستقلال الاستراتيجي، ورغم أن الانقسامات الراهنة لا ترجّح انهيارًا وشيكًا للعلاقة مع واشنطن، فإن مستقبل الحلف سيظل مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن جديد، يتيح له قدرًا أكبر من الاستقلال في القرار والتمويل الدفاعي، دون التفريط في الشراكة عبر الأطلسي.