هز اعتقال أمجد يوسف الشارع السوري، وأطلق موجة تفاعل واحتفالات فرحًا بوقوع أبرز المسؤولين عن مجزرة حي التضامن جنوبي دمشق في يد قوى الأمن الداخلي، وجدد مطالب السوريين بتسريع مسار العدالة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
هذا الفرح كان مصحوبًا بغصّة مع استحضار المجزرة عام 2013 التي قُتل فيها 41 مدنيًا في مقبرة جماعية على يد أمجد يوسف، وهي واحدة ضمن سلسلة أوسع من المجازر التي شهدها الحي، إذ أشار تحقيق صحيفة “الغارديان” إلى وقوع 288 ضحية في الحي، فيما اعترف بعض المتورطين عن مقتل نحو 500 رجل وامرأة.
رغم اعتقال عدد من المتورطين بدم السوريين بعد سقوط نظام بشار الأسد، إلا أن إلقاء القبض على أمجد يوسف كان له وقعه في الشارع وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وامتد صداه إلى مستويات رسمية، ما حمل دلالات تتصل بملف العدالة في سوريا ورمزية في الوعي الجمعي، خاصة لدى أهالي الضحايا الذين واجهوا لسنوات صور التنكيل بذويهم في “حفرة الموت”.
اعتقال “مجرم حرب”
صباح يوم الجمعة 24 من أبريل/ نيسان الحالي، أعلنت وزارة الداخلية إلقاء القبض على أمجد يوسف بـ”عملية أمنية محكمة” داخل منزله في قرية نبع الطيب التابعة لمنطقة السقيلبية بريف حماة، بعد أن كان متواريًا عن الأنظار منذ سقوط نظام الأسد، سبق ذلك محاولة غير ناجحة لاعتقاله أواخر أيلول/سبتمبر 2025.
وسبق الاعتقال عمليات رصد ومتابعة استمرت لأشهر، إذ كان يوسف مدرجًا على قائمة أبرز المطلوبين لدى إدارة العمليات العسكرية بعد التحرير، وحصل تنسيق داخل غرفة عمليات “رفيعة المستوى”، لعبت فيها قيادة الأمن الداخلي في حماة الدور الأبرز، وفق المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا.
View this post on Instagram
وأعلنت وزارة الداخلية اليوم 25 من أبريل/نيسان، توقيف عدد من أقارب أمجد يوسف، بينهم والده، إضافة إلى أشخاص آخرين، للاشتباه بتورطهم في التستر على اختفائه خلال الفترة الماضية.
ويُتهم أمجد علي يوسف بارتكاب عدد من الجرائم بحق المدنيين خلال سنوات الثورة السورية، وهو من مواليد عام 1986 في قرية نبع الطيب، وتعود أصول عائلته إلى مدينة القرداحة في محافظة اللاذقية، وقد التحق بالأمن العسكري وتنقّل في العمل العسكري والفروع الأمنية، ويعرف بـ”جزار التضامن”.
“لقد قتلت كثيرًا، قتلت كثيرًا ولا أعرف عدد الأشخاص الذين قتلتهم”، يؤكد اعتراف لاحق من أمجد يوسف، سبقه مشاهد موثقة بالصوت والصورة مسؤوليته عن عمليات قتل جماعي للمدنيين في حي التضامن، حيث كانوا مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين، جرى اقتيادهم وإجبارهم على الركض نحو حفرة جماعية أُعدت مسبقًا، حيث أطلق أمجد يوسف النار عليهم النار خلال سقوطهم داخلها، ثم أحرقهم فيها.
المجزرة التي ارتكبها في نيسان/أبريل 2013 في شارع نسرين المتاخم لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، والتي كُشف عنها بعد نحو تسع سنوات عبر تحقيق نشرته صحيفة “الغارديان”، تُعدّ وفق مؤسسات حقوية وقانونية “جريمة حرب“.
وفي مقطع فيديو لم يُنشر، يظهر أمجد يوسف وهو يطلق النار على ست نساء في حفرة بينما تشاهد “فرقته الرباعية المميتة” المشهد (مجموعة من أربعة عناصر)، بل وتشارك أحيانًا في المذبحة، ثم تُضرم النيران في الحفرة، وتُستخدم جرافة لردمها بالرماد والحطام، في محاولة على ما يبدو لإخفاء جريمة حرب، وفق صحيفة “الغارديان“.
أصداء واسعة.. رمزية في ذاكرة السوريين
أثار اعتقال أمجد يوسف تفاعلات شعبية واسعة، حيث شهدت مناطق متفرقة تجمعات واحتفالات وتوزيعًا للحلويات في الشوارع مع مطالب بتسريع مسار العدالة وإنصاف الضحايا، فيما وصفه البعض بـ”يوم يشبه يوم التحرير”، وورد اسمه في مدرجات الملاعب ومنابر المساجد وبكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما شهد حي التضامن أجواء فرح وتجمّع للأهالي عند موقع المجزرة، ووضعوا الورود ورفعوا أعلام سوريا وفلسطين.
وعبّرت أمهات وزوجات معتقلين ومغيبين عن مزيج من الفرح والغضب والألم، اعتبرن أن الخطوة تمثل بداية لمسار طال انتظاره نحو العدالة، مع التشديد على أن أي مساءلة يجب أن تكون علنية وكاملة أمام ذوي الضحايا، وتجديد المطالب بالمحاسبة وعدم التسامح مع مرتكبي الانتهاكات، إلى جانب التأكيد على أن حقوق الضحايا لا تسقط بمرور الزمن، وأن ما جرى يشكل محطة أولى في طريق العدالة الانتقالية وليس نهايته، ودعوات لعدالة “لا تكون مخفية، ولا مؤجلة، ولا ناقصة”.
واعتبرت “رابطة عائلات قيصر” أن اعتقال أمجد يوسف يمثل بداية لمسار طال انتظاره نحو العدالة، وأن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لا تُعد نهاية الطريق، إنما مدخلًا لمحاسبة جميع المتورطين وكشف مصير الضحايا وإنصاف عائلاتهم التي ما زالت تنتظر الحقيقة.
وعلى المستوى الرسمي، أكد وزير الداخلية أنس خطاب أن أمجد يوسف ليس أول من يقع في قبضة الأجهزة الأمنية ولن يكون الأخير، مشددًا على مواصلة ملاحقة المجرمين “فردًا فردًا” لتقديمهم إلى العدالة، وتجديد الالتزام تجاه عائلات الضحايا والمكلومين باستمرار هذا المسار حتى النهاية.
من جهته، اعتبر وزير العدل مظهر الويس أن القبض على أمجد يوسف يؤكد مضي الدولة في مسار المحاسبة ومنع الإفلات من العقاب، مشيرًا إلى أن العدالة ستأخذ مجراها بما يضمن إنصاف الضحايا وصون كرامتهم، أما رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، فوصف عملية القبض بأنها خطوة مفصلية على طريق العدالة، مؤكدًا أن الجرائم لا تسقط بالتقادم وأن العدالة مستمرة حتى النهاية.
كما رحّب المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم برّاك بعملية الاعتقال، معتبرًا أنها خطوة مهمة نحو العدالة والتحول من الإفلات من العقاب إلى المساءلة، مشيرًا إلى أنها تعكس “نموذجًا جديدًا للعدالة” يتبلور في سوريا ما بعد الأسد، قائمًا على سيادة القانون والمصالحة الوطنية وتطبيق العدالة على قدم المساواة بغض النظر عن الانتماءات السابقة.
المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، يقول لـ”نون بوست” إن التفاعل الواسع الذي أثاره هذا الحدث بين السوريين، يرتبط إلى حد كبير بطبيعته الرمزية، إذ يتصل بقضية موثّقة تركت أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي، وبشعور عام متراكم بغياب المساءلة.
ويضيف أن الاعتقال جاء ليكسر، ولو جزئيًا، حالة الجمود، ويعيد إحياء الأمل بإمكانية تحقيق قدر من الإنصاف، حتى وإن كان محدودًا في هذه المرحلة، معتبرًا أن هذا التفاعل لا يعكس فقط اهتمامًا بحالة فردية، إنما يعبر عن مطلب أوسع يتعلق بحق الضحايا في العدالة والحقيقة.
دفعة إيجابية في مسار طويل
منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، لم يتوقف الحديث عن تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا وجبر ضرر عائلاتهم، ويتجدد بزخم أكبر مع كل إعلان عن اعتقال أحد المتهمين، وسط انتقادات متزايدة لبطء وتيرة هذا المسار رغم تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية وإعلان توقيف عدد من المتورطين في الانتهاكات، بينهم ضباط ووزراء سابقون، وقرب بدء محاكمات علنية للمتورطين في الانتهاكات الجسيمة بحق السوريين، بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام.
وتتزايد حالة الاحتقان الشعبي مع كل حدث يرتبط بمسار العدالة، مثل الحديث عن “منح الأمان” للمتهم بجرائم حرب ضد المدنيين، “فادي صقر”، بالإضافة إلى إجراء تسويات مالية مع رجال أعمال مرتبطين بنظام الأسد ومقربين منه، رغم تأكيد هيئة العدالة الانتقالية لاحقًا أن “التسويات لا تمنح صكوك غفران”.
يرى الباحث الحقوقي ومدير وحدة التوافق والهوية في مركز “الحوار السوري”، نورس العبد الله، أن اعتقال أي شخصية مرتبطة بانتهاكات ومجازر هزّت الضمير وذات بعد اجتماعي واسع، يسهم في تحسين صورة مسار العدالة الانتقالية في أذهان الضحايا والسوريين عمومًا، ويرفع مستويات الثقة بتحقيق العدالة، خاصة مع وجود انطباع سائد لدى شريحة من السوريين بوجود تراخٍ في التعاطي مع ملف العدالة، أو تقديم مسارات “التسوية” على حساب المساءلة والمحاسبة.
ويقول العبد الله لـ”نون بوست” إن اعتقال أمجد يوسف باعتباره شخصية شهيرة في إجرامها لدى السوريين وعلى مستوى دولي قبل سقوط نظام الأسد، من شأنه أن يمنح دفعة إيجابية لمسار العدالة الانتقالية، مضيفًا أنه مع مرور نحو عام ونصف على انطلاق المرحلة الانتقالية، تبرز الحاجة إلى تعزيز ثقة الجمهور وإدارة العلاقة بين الحكومة والسوريين في ملف العدالة الانتقالية، عبر خطوات وجرعات تعيد ترسيخ الثقة في المسار وتدعم البعد الاجتماعي له، محذرًا من أن تصاعد النظرة السلبية قد يقوّض هذه الثقة.
من جانبه، يرى الخبير القانوني المعتصم الكيلاني أن اعتقال أمجد يوسف يمثّل تطورًا ذا دلالة قانونية وحقوقية بارزة في سياق السعي إلى المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال الثورة السورية، معتبرًا أن هذا الاعتقال، من حيث المبدأ، يعكس تفعيلًا، ولو متأخرًا وجزئيًا، لفكرة أساسية في القانون الجنائي الدولي، وهي أن “جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا يمكن أن تُطوى بمرور الزمن أو تُستثنى من الملاحقة”.
ويشير الكيلاني في حديثه لـ”نون بوست” إلى أن الأدلة، بما فيها التوثيق الرقمي، باتت تلعب دورًا حاسمًا في بناء الملفات القضائية، ما يعزّز إمكانية تحريك مسارات العدالة حتى في سياقات معقدة.
وعلى مستوى العدالة الانتقالية، يقول الكيلاني إن هذا الحدث يحمل أبعادًا تتجاوز الشخص المعني بالقضية، إذ يعيد التأكيد على أن المساءلة ليست مسألة إجرائية فحسب، إنما ركيزة لإعادة بناء الثقة داخل المجتمع، مشيرًا إلى أن التجارب المقارنة في هذا المجال تُظهر بوضوح أن أي محاولة لتجاوز العدالة أو تأجيلها تحت ذرائع سياسية تؤدي عمليًا إلى تعميق الانقسامات، وليس إلى معالجتها.
وبناءً على ذلك، يقول الكيلاني إن هذا الاعتقال يمكن قراءته كإشارة إلى إمكانية إعادة إدراج ملف العدالة في قلب النقاش العام، بعد أن تم تهميشه لفترات طويلة لصالح مقاربات قصيرة الأمد.
ومع ذلك، فإن الأهمية الحقيقية لهذا التطور تبقى رهينة بمدى تحوله إلى مسار مستدام وشامل، لا يقتصر على حالات منفردة، بل يمتد ليشمل جميع المتورطين على اختلاف مواقعهم، بما في ذلك ضمن سلاسل القيادة، وفق الكيلاني، قائًلا إن “العدالة الانتقالية لا تتحقق عبر خطوات رمزية معزولة، إنما عبر عملية متكاملة تشمل المحاسبة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات”.
ويشير إلى حقيقة جوهرية لا يمكن تجاوزها، وهي أنه لا يمكن بناء سلم أهلي حقيقي في سوريا دون عدالة انتقالية، فالسلام الذي يقوم على تجاهل الانتهاكات أو القفز فوق حقوق الضحايا يظل هشًا وقابلًا للانهيار، لأنه لا يعالج جذور الصراع. وحدها العدالة، بما تتضمنه من مساءلة وإنصاف واعتراف، قادرة على وضع أسس مصالحة مستدامة، وتحويل الألم الجماعي إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا، وفق الكيلاني.
من جهته، يعتبر الباحث الحقوقي نورس العبد الله أن إدارة الرأي العام وبناء ثقة الجمهور بآليات العدالة الانتقالية عملية معقدة لا يكفي فيها حدث واحد أو خطوات متفرقة، إذ تتشكل قناعات ذوي الضحايا والسوريين عمومًا من تراكم مجموعة من الإجراءات.
ويضيف العبد الله أن اعتقال متهمين وبدء محاكمات مرتقبة خطوات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها، فالمسار يظل بحاجة إلى استكمال أدواته، مثل جبر الضرر، والعزل السياسي، ومعالجة إشكاليات استرداد الممتلكات، وإعادة المفصولين، وغيرها من الملفات المرتبطة.