• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

هل تستطيع السعودية الاستمرار في سياسة الموازنة؟

ماريا فانتابي٢٦ أبريل ٢٠٢٦

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، جدة، السعودية، مارس/آذار 2026.

ترجمة وتحرير: نون بوست

على مدار ستة أسابيع من الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، أثار ضبط النفس الذي أبدته السعودية حيرة بعض المراقبين؛ ففي النهاية، امتدت الحرب إلى الخليج العربي بشكل شبه فوري. وقد أنهت الهجمات الانتقامية الإيرانية على البنية التحتية في دول الخليج – ثم إغلاق طهران لمضيق هرمز وما تلاه من حصار واشنطن له – نموذجًا أمنيًا كان سائدًا لعقود وساعد على الصعود المذهل لاقتصادات الخليج. ورغم أن السعودية سمحت للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها، إلا أنها امتنعت عن الرد مباشرة على الضربات الإيرانية. وأصدرت تحذيرات دبلوماسية مقتضبة، لكن على عكس الإمارات، لم تدعُ إلى استمرار الحرب أو تعد بالانضمام إلى الحملة الأمريكية الإسرائيلية. وعلى عكس عمان وقطر، فقد قصرت تواصلها الدبلوماسي مع إيران، وبدلاً من ذلك دعمت ضمنياً جهود باكستان للتوسط من أجل تخفيف حدة التوتر.

ويعتبر موقف الرياض، إلى حد ما، امتداداً لإستراتيجية التحوط التي تتبعها منذ فترة طويلة؛ فالمملكة تخشى إيران إذا ما أصبحت قوية للغاية، وبعد انقطاع العلاقات في عام 2016، لم تعودا البلدان إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية إلا في عام 2023، بموجب اتفاق توسطت فيه الصين. لكن منذ ذلك الحين، أصبحت المملكة تخشى طموحات إسرائيل في الشرق الأوسط أيضاً، فهي لا تريد أن تصبح إيران أو إسرائيل قوة مهيمنة في المنطقة. وقد عرقلت الحرب التفاهم بين الرياض وطهران، لكن لا تريد أي من العاصمتين أن ترى العلاقات تنهار تماماً.

وحتى الآن؛ تتبنى الرياض سياسة الترقب والانتظار، فهي حريصة على الحفاظ على وقف إطلاق النار مع الحوثيين، وهو نتاج تطبيع علاقاتها مع إيران. ومن شأن مشاركة السعودية الصريحة في الحرب أن تستدعي هجمات الحوثيين، مما يعرض صادرات النفط السعودية العابرة للبحر الأحمر للخطر. لكنها تدرك أنها لا تستطيع الوثوق بالولايات المتحدة لضمان أمن الشرق الأوسط أيضاً. وإذا صعدت إيران من هجماتها، مستهدفة البنية التحتية الحيوية السعودية، فقد تدخل الرياض الحرب، وتستخدم قوتها الجوية وقدراتها الصاروخية.

ومهما كانت نهاية الصراع، تدرك السعودية ضرورة الحفاظ على اقتصادها واستقلالها الإستراتيجي. وسوف تستمر في التطلع إلى الولايات المتحدة للحصول على بعض الدعم، لكن سيتعين عليها استكمال ذلك بتعميق تحالفها الإقليمي مع مصر وباكستان وتركيا، والسعي إلى اعتماد أكبر على الصين. كما ستحتاج إلى البحث عن ترتيبات جديدة مع إيران لإدارة تداعيات ما بعد الحرب. وإذا تمكنت من فعل ذلك وحشدت دعم كافة دول مجلس التعاون الخليجي خلف موقفها (بما في ذلك الإمارات والبحرين اللتين تضغطان باتجاه موقف أكثر حدة تجاه طهران)، فستحظى بفرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي والعالمي بعد انتهاء الحرب، بدلاً من رؤيته يتضاءل.

اختلال التوازن

ولطالما فضلت السعودية وجود إيران ضعيفة ومُحتواة، لا تشكل تهديدًا لأمن الرياض أو خططها الاقتصادية. وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؛ راقبت السعودية بقلق تزايد النفوذ الإيراني في العالم العربي. وقد أثار دعم الجمهورية الإسلامية للمتمردين الحوثيين في اليمن قلقاً خاصاً لدى الرياض، مما دفعها للتدخل عسكرياً هناك، وهو ما أدى بدوره إلى تفاقم التوترات مع إيران. وانهارت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين بعد أن هاجم حشد غاضب السفارة السعودية في طهران عام 2016، وبعد ثلاث سنوات، تعمقت الخلافات أكثر بعد أن هاجم الحوثيون – بإيعاز من إيران – منشآت نفطية سعودية، مما أدى لفترة وجيزة إلى تعطيل نصف إنتاج البلاد من النفط.

وقد صدم هذا الهجوم المباشر القادة السعوديين، لكن ما صدمهم بالقدر ذاته كان فشل الولايات المتحدة في الرد بقوة، وتجاهلها لالتزاماتها بالدفاع عن شريكها وحماية أمن الطاقة العالمي. وتلك التجربة أقنعت الرياض بأنها لا تستطيع الاعتماد على ضمانات أمنية أمريكية؛ فاستثمرت في إنتاجها الخاص من الصواريخ، وهددت بحيازة أسلحة نووية، وتوجهت إلى بكين لمساعدتها في تطبيع العلاقات مع طهران. وفي الوقت نفسه، سعت السعودية للحصول على معاهدة دفاع رسمية مع الولايات المتحدة وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وشكل هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 والرد العسكري الإسرائيلي المكثف تحدياً جديداً للسعودية؛ فقد اعتبرت الولايات المتحدة التطبيع الدبلوماسي بين إسرائيل والسعودية شرطاً مسبقاً لإبرام اتفاق دفاعي، لكن العمليات الإسرائيلية في غزة جعلت التطبيع مستحيلاً سياسياً، على الأقل في المدى القريب. كما حولت حرب غزة إسرائيل إلى قوة عسكرية جبارة مصممة على تشكيل مستقبل الشرق الأوسط. 

وكانت السعودية تخشى إيران، لكنها كانت غير راغبة بنفس القدر في أن تُقيد بنظام إقليمي تحدده إسرائيل بالكامل. ولتوسيع خياراتها، وقعت السعودية اتفاقية دفاع مع باكستان العام الماضي، وأصبحت تلك الاتفاقية أساساً لتحالف إقليمي أوسع، يضم أيضاً مصر وتركيا، لردع واحتواء التهديدات التي تواجه المصالح السعودية من كل من إيران وإسرائيل، وهو تنسيق مهد الطريق لجهود الوساطة الباكستانية في الصراع الحالي. وكانت العلاقات الثنائية بين الدول الأربع موجودة قبل الحرب الأخيرة، لكنها لم تتخذ شكل محور متعدد الأطراف إلا بعد الحرب.

وعلى الرغم من أن الرياض لم تكن تريد هذه الحرب؛ إلا أنها باتت ترى أيضاً فائدة ضئيلة في وقف إطلاق نار هش لن يؤدي على الأرجح إلا إلى جولات قتالية إضافية، مما يطيل خطر الصراع المطول إلى أجل غير مسمى؛ حيث إن الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي أطاحت برؤوس القيادات الإيرانية التي كانت موجودة قبل الحرب قد أدت إلى صعود شخصيات أكثر حدة وتشدداً. ونظراً لأن إدارة ترامب لم تعلن عن إستراتيجية متماسكة لإدارة الحرب أو حماية دول الخليج بشكل فعال من الانتقام الإيراني، فإن الرياض لا تثق في واشنطن لاستعادة الأمن الإقليمي بعد انتهاء الصراع. 

ولم تتبع دول مجلس التعاون الخليجي نهجاً موحداً تجاه الحرب، ووضعت السعودية نفسها في موقع الوسط بين عُمان وقطر – اللتين نأتا بنفسيهما عن الصراع وأعلنتا أنهما ستعملان مع إيران بعد انتهائه – وبين البحرين والإمارات، اللتين شجعتا إسرائيل والولايات المتحدة على إضعاف الجمهورية الإسلامية أو كسرها بشكل حاسم. (ويبدو التباين مع الإمارات حاداً بشكل خاص، إذ هاجمت الإمارات منشأتين نفطيتين إيرانيتين في اليوم الذي اتفقت فيه إيران والولايات المتحدة على وقف إطلاق النار).

المستقبل

وتتمثل أولوية السعودية في تجنب التورط في صراع يعرض بنيتها التحتية الحيوية واقتصادها وتنميتها المستقبلية للخطر. ومع ذلك، إذا هاجمت إيران بنيتها التحتية على نطاق أوسع، فقد تدخل الرياض الحرب؛ وإذا التزمت البحرين والإمارات بالكامل بمحاربة إيران، فقد يؤثر ذلك أيضًا على حساباتها. لكن الانضمام إلى الحرب قد يجبر السعودية على التطبيع مع إسرائيل دون الحصول على تنازلات ذات مغزى بشأن القضية الفلسطينية، وهو أمر مهم للشعب السعودي والعالم العربي الأوسع الذي يرغب السعوديون في قيادته. وتعتقد السعودية أن إسرائيل تنظر إلى الحرب كوسيلة لجعل دول الخليج العربية تعتمد عليها وإقحام إيران والسعودية في صراع أطول، مما يعزز هيمنة إسرائيل ويحول دول الخليج إلى مجرد منتجين للنفط ذوي أهمية استراتيجية ضئيلة.

ومع ذلك؛ حتى لو بقيت السعودية بمنأى عن الصراع وانتهت الحرب بسرعة، فقد ينتهي بها الأمر إلى فوضى يتعين عليها إدارتها. فإيران، رغم جراحها، قد تستمر في تهديد جيرانها والأمن البحري في الخليج العربي. وتفترض طهران، من جانبها، أن هجماتها على دول الخليج لن تعيق التعاون المستقبلي. بعد حربها التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، في يونيو/ حزيران 2025، أبلغت إيران دول الخليج أنها إذا اندلعت الحرب مرة أخرى، فسترد على الدول التي تستضيف قواعد أمريكية. وعندما استؤنفت الحرب في أواخر فبراير/ شباط، ذهبت إيران إلى أبعد من ذلك، حيث استهدفت البنية التحتية للطاقة والمواقع المدنية في الخليج وأغلقت مضيق هرمز.

وتعتقد إيران أن الضرر الذي ألحقته الحرب بعلاقاتها مع جيرانها في الخليج يقابله الرسالة التي أرسلها التصعيد: وهي أن التحالفات مع الولايات المتحدة لا يمكن أن تضمن أمن دول الخليج. وتعتقد أن دول الخليج ستدرك، بعد انتهاء الحرب، أن ازدهارها الاقتصادي يتطلب منها التعامل معها. وقد أدركت أن فرض سيطرتها على مضيق هرمز يمكن أن يكون أداة استراتيجية قوية لردع أي عدوان مستقبلي. وأصبح من المعتاد في الأوساط السياسية في طهران القول بأن إيران لو لعبت ورقة هرمز في وقت أبكر، لما واجهت عقوبات عقابية أو حرباً في المقام الأول. كما أدركت إيران إمكانات المضيق كمصدر للدخل إذا فرضت رسوماً على التجارة البحرية كما تفرض مصر رسوماً على العبور في قناة السويس.

وقبل بدء الحصار الأمريكي، طرحت إيران فكرة إدارة مضيق هرمز بالتعاون مع عُمان. وبموجب هذا الترتيب، يمكن لطهران تقييد وصول البحرية الأمريكية إلى الخليج العربي (بل وحتى كسر الحصار) والتفاوض على تنازلات اقتصادية وسياسية من الدول التي تعتمد على التجارة عبر المضيق. كما اقترحت أن تلعب الصين دوراً أكبر يتجاوز دورها السابق في التوسط لتطبيع العلاقات بين الرياض وطهران. غير أن الرياض تحرص بشدة على تجنب تحول الشرق الأوسط إلى ساحة للتنافس بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى.

وتسعى الرياض لبناء تحالفات جديدة لتعزيز موقفها أمام خيارين غير مريحين، القبول بهيمنة إسرائيل على الشرق الأوسط أو التعايش مع تهديد إيراني مستمر، فبعد اندلاع الحرب مباشرة، عقدت مصر وباكستان والسعودية وتركيا اجتماعًا طارئًا لوزراء خارجية الدول الإسلامية، ما أتاح لباكستان أن تبرز كوسيط. لا يخدم هذا المسار السعودية في إنهاء الحرب فحسب، بل يضمن أيضًا ألا تُستبعد من أي اتفاق قد يُبرم بين طهران وواشنطن. وإذا تعمّق التعاون بين هذه الرباعية، فقد يمنح ذلك الرياض وزنًا استراتيجيًا يتجاوز مجلس التعاون الخليجي والمظلة الأمنية الأميركية. فمصر وباكستان وتركيا تمتلك جيوشًا كبيرة مجهزة بأسلحة متطورة، فيما تمتلك باكستان السلاح النووي وتُعد تركيا عضوًا في حلف الناتو.

ومن الواضح أن الرياض تبحث عن شركاء أمنيين غير واشنطن، وتأمل أن تتمكن الدول الأربع من التأثير على إسرائيل والولايات المتحدة بشكل أكثر فاعلية مما تستطيع السعودية بمفردها، وقد تسعى للحصول على قدرات دفاعية في مجال الطائرات المسيّرة من قوى أخرى مستاءة من تقلب مواقف واشنطن، مثل كندا وبعض الدول الأوروبية. وقد بدأت في ذلك بالفعل، فقد وقّعت أوكرانيا اتفاقًا مع السعودية في أواخر مارس/ أذار لمساعدة المملكة على دمج تكنولوجيا الطائرات المسيّرة في أنظمة الدفاع الجوي. وإذا عززت هذه الرباعية تعاونها في مجال الردع الدفاعي، فستكون السعودية في وضع أفضل للتكيف مع أزمة طويلة الأمد وللعب دور الوسيط في ساحات أخرى مثل لبنان أو غزة.

وستحتاج السعودية أيضًا إلى وضع إطار عملٍ خاص بها لأمن الخليج، عبر حشد بقية دول المجلس والرباعية لدعم اتفاق مع إيران بشأن الأمن البحري في الخليج. وستطالب إيران السعودية بضمان ألا تُستخدم القواعد الأميركية على أراضيها في شن هجمات ضد الأراضي الإيرانية. أما الرياض، فستتوقع ضمانات بألا تكون أراضيها هدفًا لعمليات انتقامية من جانب إيران أو وكلائها. ولكي ينجح اتفاق عدم الاعتداء هذا، سيتعين على السعودية الاستثمار في جعل مجلس التعاون مؤسسة متعددة الأطراف قادرة فعلاً على تأمين الصمود الاقتصادي والدفاع لجميع أعضائها، كما يجب أن يشمل الاتفاق ضمانات أمنية لبقية دول المجلس التي تنضم إليه. 

وقد اتبعت عُمان وقطر بالفعل نموذجًا مقاربًا للتعامل مع إيران ولم تتعرضا لهجمات على أراضيهما خلال الحرب الأخيرة؛ وقد ترى دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى مصلحة في أن تحذو حذوهما. وبالطبع، قد ترى إسرائيل أن تحركات المملكة لتعزيز شراكاتها مع مصر وباكستان وتركيا والتعامل مع إيران ما بعد الحرب خطيرة. ولكن إذا أصبحت الرباعية أكثر نفوذًا بشكل ملموس وتم التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء بين إيران والسعودية؛ فقد يعود ذلك بالنفع على إسرائيل من خلال احتواء إيران ووكلائها والمساعدة في تمهيد الطريق لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية.

وتنظر الرياض إلى القيادة الجديدة في طهران بريبة شديدة، معتبرة إياها أكثر تشددًا وأكثر انقسامًا في الوقت نفسه، مما يجعلها شريكًا غير مرجح في صياغة ترتيب أمني إقليمي قابل للتطبيق. لكن إيران والسعودية ستظلان جارتين دائمًا؛ والجغرافيا تحد من خياراتهما. والبديل عن التعايش هو دوامة صراع مستمرة من شأنها أن تقضي على كل من إيران ودول الخليج العربية.

المصدر: فورين أفيرز

علاماتالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة السعودية ، السياسة السعودية في المنطقة ، الشأن السعودي ، العلاقات السعودية الأمريكية
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السعودية ، الشأن السعودي ، العلاقات السعودية الأمريكية ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

كيف يقتلع الاحتلال الفلسطيني من بيته؟.. حوار في السياسة والأثر النفسي

سندس بعيرات٢٦ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

اعتقال “جزار التضامن”.. خطوة أولى في طريق العدالة

حسن إبراهيم٢٦ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

لماذا تخوض إسرائيل حروبًا بلا نهاية؟

ذي إيكونوميست٢٦ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑