تحت قبة القصر العدلي في قلب العاصمة السورية دمشق، وبحضور صور الطفلين حمزة الخطيب وثامر الشرعي كشهودٍ صامتين، إلى جانب ذوي الضحايا، انطلقت أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا في عهد بشار الأسد، ضمن أولى قضايا مسار العدالة الانتقالية، وسط متابعة حقوقية وإعلامية واسعة وتفاعل في أوساط الشارع السوري.
ومَثُل عاطف نجيب في قفص الاتهام، فيما تضمّنت قائمة المتهمين ثمانية أسماء لرموز النظام السابق جرى النداء عليها غيابيًا، وهم، بشار حافظ الأسد، ماهر حافظ الأسد، فهد جاسم الفريج، محمد أيمن عيوش، لؤي علي العلي، قصي إبراهيم مهيوب، وفيق صالح ناصر، وطلال فارس العسيمي.
كانت المحاكمة العلنية الأولى لمسؤول بارز في نظام الأسد الساقط قصيرة زمنيًا، واستمرت نحو 15 دقيقة، جرى خلالها عرض قائمة المتهمين مع تكرار النداء على الغائبين، وإصدار قرارات تتعلق بمنحهم مهلًا قانونية وتبليغها أصولًا، والنداء على المدّعين من ذوي الضحايا، ثم تقرر تعليق انعقاد الجلسة إلى تاريخ 10 من مايو/أيار المقبل عند الساعة العاشرة صباحًا.
صورة حمزة الخطيب وثامر الشرعي حاضرة في جلسة محاكمة عاطف نجيب المتهم بقتلهما. pic.twitter.com/zRxcVmbmCo
— نون سوريا (@NoonPostSY) April 26, 2026
بداية مسار العدالة من درعا
يُعد عاطف نجيب (66 عامًا) من أبرز ضباط نظام الأسد، وقد شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا من عام 2008 إلى 2011 حين اندلاع الثورة، وتُربط باسمه حادثة اعتقال مجموعة من أطفال درعا والتعامل العنيف معهم، إضافة إلى ما رافق ذلك من إساءة لوجهاء المدينة خلال مطالبتهم بالإفراج عنهم، وهو ما ساهم في تأجيج غضب الشارع واتساع رقعة الاحتجاجات آنذاك.
وفي 31 من يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت مديرية الأمن العام في محافظة اللاذقية إلقاء القبض على عاطف نجيب. وفي يوليو/تموز من العام نفسه، أعلنت وزارة العدل بدء استلام ملفات عدد من الموقوفين على خلفية ارتكاب جرائم وانتهاكات بحق السوريين، من بينهم نجيب، قبل أن تنفي في أكتوبر/تشرين الأول صدور أي أحكام بالإعدام بحقه، عقب تداول إشاعات بهذا الشأن.
وقبل ساعات من بدء الجلسة، قال وزير العدل مظهر الويس إن أولى المحاكمات ستكون حول أحداث درعا، لأنها ليست مجرد محاكمات عادية، بل جزء من مسار كشف الحقيقة وتخليد الذكرى، مضيفًا أن العدل يقتضي أن تكون من درعا انطلاقة المسار القضائي المختص بالعدالة الانتقالية، لأن منها كانت بداية الثورة.
فرح ممزوج بالدموع على وجوه سيدات سوريات من ذوي الضحايا خلال محاكمة علنية للمجرم بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب ورموز أخرى من النظام المخلوع في القصر العدلي بدمشق. pic.twitter.com/1qXBYyN0Qv
— نون سوريا (@NoonPostSY) April 26, 2026
وعن جلسة محاكمة نجيب، اعتبرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أنها خطوة متقدمة على طريق العدالة الانتقالية، مشيرة إلى انعقادها بمشاركة الممثل عنها، رديف مصطفى، رئيس لجنة المساءلة والمحاسبة، لافتة إلى أن المحكمة قررت تأجيل الجلسة لاستكمال الإجراءات ضمن المسار القانوني المعتمد.
وأكدت الهيئة أن انطلاق المحاكمة يمثل تقدمًا فعليًا في معالجة ملفات الجرائم والانتهاكات الجسيمة، وضرورة إعلاء مبدأ سيادة القانون وسير عملية المحاكمة وفق الأصول المعمول بها.
قبل انطلاق المحاكمة، اعتبر القاضي الذي ترأس الجلسة، فخر الدين العريان أنها أولى خطوات العدالة في مواجهة من أذاقوا السوريين ويلات القتل والتعذيب والقهر، مضيفًا أن صوت الضحايا حاضر أمام القضاء وأن حقوقهم لن تُنسى، مشيرًا إلى ذوي الشهداء والمعتقلين والمهجرين وسكان المخيمات وكل من تأثروا بالدمار والتهجير وفقدان الأحبة.
ورغم الجدل القانوني ووجود بعض التحفظات على بدء المحاكمات، بسبب غياب إطار قانوني واضح للتعامل مع جرائم نظام الأسد ونقص الأدوات اللازمة لمعالجة الجرائم الواسعة مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إلا أن بدء المحاكمة العلنية كان له وقعه في الشارع السوري وفي وسائل التواصل الاجتماعي.
وشهدت المحكمة حضور ذوي الضحايا القادمين من عدة محافظات، خاصة من درعا، وسط أهازيج وتكبيرات ودعوات بالقصاص والإعدام وإنصاف الضحايا، ومطالبات بأن تطال العدالة جميع المتورطين بدماء الشعب السوري.
لحظة انتصار على الظلم
لطالما ترقّب السوريون محاسبة مجرمي الحرب في سوريا، ممن تورطوا في عمليات القتل الممنهج للمدنيين وتدمير القرى والمدن، وارتفعت الأصوات بضرورة إطلاق مسار العدالة مع لحظة سقوط نظام الأسد، في ظل إرث واسع من الانتهاكات ومنظومة متكاملة ارتبطت بارتكاب الفظائع الجماعية.
يقول الصحفي يحيى الصفدي، أحد الحاضرين لجلسة محاكمة عاطف نجيب، لـ”نون بوست”، إن شعوره ببدء المحاكمات كان مزيجًا من الفخر والعزة بعد سنوات من الألم والدماء، مضيفًا أن الوصول إلى هذه اللحظة بدا صادمًا بعد كل ما مرّ من وقت.
ويشير الصفدي إلى أن الشعور بالإنصاف أكبر من واقع المحاكمة، لكن المحاكمة تعيد جزءًا من حقوق السوريين، معتبرًا أن دماء طفل واحد تفوق في ميزان العدالة كل دماء المجرمين، معربًا عن أمله في أن تشكّل هذه المحاكمات عِبرة للظالمين، وأن تكون أيضًا رادعًا وتذكيرًا بضرورة ترسيخ العدالة في بناء الدولة، دون الوقوع في الغرور كما فعل قتلة النظام مع فارق الحال والتشبيه.
“جئتُ للمطالبة بإعدام عاطف نجيب من درعا البلد”.. سيدة من محافظة درعا تصل إلى القصر العدلي في دمشق لحضور محاكمة عاطف نجيب، أحد أبرز مسؤولي النظام المخلوع، والمتهم بقتل وتعذيب أطفال درعا. pic.twitter.com/jcWH4L8kRP
— نون سوريا (@NoonPostSY) April 26, 2026
من جانبه، أعرب الصحفي والناشط السياسي ماجد عبد النور عن شعوره بالسعادة لبدء المحاكمات، قائلًا إن هذا الشعور يعكس مشاعر كل السوريين المظلومين والضحايا، الذين ينتظرون محاكمة المجرمين والقصاص العادل منهم، وانطلاق مسار العدالة الانتقالية وتطبيق برامجها بشكل كامل.
وأكد عبد النور في حديثه لـ”نون بوست” أن الأمر لا يقتصر على لذة الشعور بتحقيق العدالة، إنما رغبة بتعزيز الطمأنينة والتفاؤل وبناء الاستقرار في البلاد، محذرًا من أن غياب هذا المسار قد يؤدي إلى الفوضى والعنف خارج إطار القانون، ومشددًا على أن هذه الخطوة أساسية للمضي نحو سلم أهلي حقيقي قائم على دولة القانون وليس على شريعة الغاب.
واعتبر أن اختيار عاطف نجيب، وكذلك بدء مسار المحاسبة من درعا، ليسا أمرًا عبثيًا، إنما يحملان رسالة من وزارة العدل للسوريين مفادها أن مسار العدالة يبدأ من حيث انطلقت أولى الانتهاكات في الثورة السورية.
وأعرب ماجد عبد النور عن تطلعه إلى أن يُنفذ برنامج العدالة الانتقالية بوتيرة أسرع وبقدر أعلى من الشفافية، وأن يشمل محاسبة جميع المتورطين دون استثناء، إضافة إلى كشف مصير المفقودين، رغم إدراك حجم التحديات والعقبات القائمة.
أما مدير “فريق الاستجابة الطارئة” وأحد حاضري الجلسة، فراس منصور، فقال لـ”نون بوست” إنه خرج من منزله في إدلب فجرًا ليتمكن من حضور المحاكمة، مضيفًا أن الشعور يصعب التعبير عنه بالكلمات أو الوصف لتخليد هذه اللحظة.
كبر وأصبح شابًا.. معاوية الصياصنة، أحد أطفال درعا الذين عذّبهم عاطف نجيب وقتل بعضهم في الأيام الأولى من الثورة السورية عام 2011، يقف اليوم وجهًا لوجه أمامه ويروي شعوره.@HadiAlabdallah pic.twitter.com/thHdlcrMsx
— نون سوريا (@NoonPostSY) April 26, 2026
ويوضح أنه عندما شاهد عاطف نجيب يُحاكم شعر بانتصار يمتد لسنوات الثورة، وانتصار للحق على الباطل، وانتصار لكل من عانى من الفساد والظلم وعانى في المخيمات، بمن فيهم الأطفال الذين عاشوا دون آباء أو حُرموا من التعليم والرعاية، والنساء اللواتي فقدن أزواجهن.
ويضيف أنه شعر بسعادة أكبر عند رؤية أهالي الضحايا الحاضرين الذين قدموا لمشاهدة من تسبب بمقتل أبنائهم، معتبرًا أن بدء المحاكمات يُعد ثمرة من ثمار الثورة، متمنيًا أن يعيش جميع السوريين هذه اللحظات، وأن تجوب هذه المحاكمات مختلف المناطق في سوريا، حتى يعيش المظلومون ومن ذاقوا الويلات شعورًا بالعدالة.
وكذلك حضر الصحفي حمزة الفهيد المحاكمة، الذي اعتبر أن ما جرى يمثل بداية لمسار العدالة، مع ترقب محاكمة جميع المتورطين في الانتهاكات بحق الشعب السوري، مشيرًا إلى أن نجيب يُعد حلقة ضمن سلسلة الإجرام المرتبطة بالنظام البائد، وأنه استمد نفوذه وإجرامه من صلته العائلية ببشار الأسد كونه ابن خالته، بالإضافة إلى سلطته العسكرية والأمنية.
ويقول فهيد لـ”نون بوست” إن مشهد محاكمة نجيب مثّل فرحًا لدرعا ولكل السوريين الذين رأوه في قفص الاتهام، معتبرًا أن الفرحة باعتقاله ومحاكمته لا تقل عن فرحة سقوط النظام، وأن ما جرى يعيد بعض الحق إلى الضحايا وذويهم ضمن إطار القانون.
ويؤكد أن بدء المحاكمة ومواصلة اعتقال المجرمين يشكّل بداية لمسار قضائي لا يزال طويلًا وأكثر تعقيدًا، مع وجود ملفات وقضايا لا تزال قيد التحقيق، معربًا عن ثقته بالقضاء في استعادة حقوق الضحايا وإنصافهم.