دخلت مالي مرحلة بالغة التعقيد من الاضطراب الأمني، مع تصاعد غير مسبوق في وتيرة العنف، بالتزامن مع عودة الهجمات المسلحة المنسقة التي تجمع بين التنظيمات الجهادية والحركات الانفصالية في مواجهة الجيش المالي المدعوم روسيًا، ما أسفر عن سقوط مدينة كيدال، المعقل التاريخي لشمال البلاد، في قبضة جبهة تحرير أزواد (FLA)، إلى جانب مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا وعدد من أفراد عائلته إثر هجمات عنيفة استهدفت العاصمة باماكو.
هذا المشهد يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الأزمة، التي لم تعد مجرد صراع بين الدولة وجماعات متمردة أو جهادية، بل باتت أقرب إلى حرب مركبة متعددة الأطراف، تتشابك فيها المصالح المحلية مع رهانات إقليمية ودولية، ما يوسع نطاقها ويعقّد فرص احتوائها.
وفي هذا السياق، تضع الضربات المنسقة التي طالت قلب باماكو ومناطق استراتيجية أخرى المجلس العسكري الحاكم أمام اختبار وجودي هو الأخطر منذ استيلائه على السلطة عام 2021، بينما تفتح الباب أمام سيناريوهات مفتوحة لمستقبل مالي ومنطقة الساحل بأكملها، في ظل تصاعد مؤشرات الانفلات الأمني وتآكل قدرة الدولة على فرض السيطرة.
لم يكن مفاجئًا.. تصعيد متوقع
لم تكن موجة العنف الراهنة في مالي مفاجئة للمتابعين، إذ تعيش البلاد منذ اندلاع الصراع المسلح عام 2012 بين الشمال والجنوب حالة مزمنة من الاضطراب وعدم الاستقرار، تخللتها دورات متكررة من التصعيد والانفلات الأمني، وقد فاقمت الانقلابات العسكرية المتعاقبة—التي بلغت ثلاثًا خلال عقد واحد—من هشاشة الدولة، وأضعفت مؤسساتها، واستنزفت مواردها، بما مهّد لبيئة خصبة لاستمرار العنف وتجدده.
ومع انسحاب بعثة حفظ السلام التابعة لـ الأمم المتحدة (مينوسما) نهاية عام 2023، برز فراغ أمني واسع النطاق، حاول الجيش المالي ملأه بدعم من روسيا، إلا أن هذا الجهد لم ينجح في احتواء التهديدات المتصاعدة.
– ترددت أنباء قوية عن مقتل وزير الدفاع المالي، الجنرال ساديو كامارا، إثر هجمات منسقة استهدفت منزله ومواقع عسكرية حيوية، وسط استمرار الاشتباكات في مدينة كاتي (معقل المجلس العسكري قرب العاصمة).
– أعلن المتمردون الطوارق (جبهة تحرير أزواد) سيطرتهم الكاملة على مدينة كيدال شمالي… pic.twitter.com/3BloQDZFqQ
— نون بوست (@NoonPost) April 26, 2026
في المقابل، استغلت الجماعات المسلحة—بمختلف توجهاتها العرقية والجهادية—هذا الفراغ لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها العملياتية وترتيب البيت من الداخل، ما انعكس في هجمات واسعة النطاق أسفرت عن سقوط مدن استراتيجية، أبرزها كيدال، واغتيال وزير الدفاع.
وكانت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، قد أعلنت مسؤوليتها عن الهجمات التي استهدفت مطار باماكو الدولي وعددًا من المدن في الوسط والشمال، مشيرة إلى تنفيذها بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد، وهي العمليات التي أكدها الجيش المالي، مشددًا على أن قواته تدخلت لاحتواء الوضع واستعادة السيطرة، في مؤشر على احتدام المواجهة واتساع نطاقها.
أرض خصبة للصراع
منذ عام 2012، تحولت مالي إلى بؤرة مفتوحة للصراع وعدم الاستقرار، حيث تذبذب المشهد بين اشتباكات محدودة ومواجهات واسعة النطاق، في ظل تراكم أزمات بنيوية عميقة، وأسهمت الانقلابات العسكرية المتعاقبة (2012، 2020، 2021) في تكريس حالة الهشاشة السياسية، إذ أضعفت مؤسسات الدولة واستنزفت قدراتها، ما انعكس بشكل مباشر على تراجع السيطرة الأمنية، خاصة في مناطق الشمال والوسط.
ولم يكن البعد الاقتصادي بعيدًا عن هذا المسار، إذ أدى انتشار الفقر المزمن وغياب التنمية، لا سيما في المناطق الريفية، إلى تفاقم مستويات الاحتقان الاجتماعي، كما غذّت الصراعات على الموارد بين القبائل والعائلات حالة التوتر، ما أوجد بيئة مواتية استغلتها الجماعات المسلحة لتعزيز حضورها وتوسيع قاعدة تجنيدها.
وعلى مستوى آخر، لعب العامل الإثني والقبلي دورًا حاسمًا في تعقيد الأزمة، مع تصاعد التوترات بين الطوارق والعرب في الشمال من جهة، ومجموعات أخرى مثل الفولاني والدوجون من جهة ثانية، وهو ما تطور تدريجيًا إلى صراعات مسلحة مفتوحة.
وفي ظل هذه البيئة الهشة، والأرضية المعبدة سلفًا، وجدت التنظيمات المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية فرصة سانحة للتمدد، مستفيدة من ارتباطاتها العابرة للحدود لتعزيز نفوذها وترسيخ وجودها داخل المشهد المالي.
الجهادي والانفصالي.. تحالف الضرورة
يتصدر مشهد العنف في مالي حاليًا عدد من الجماعات المسلحة ذات الطابع الجهادي والعرقي، التي نجحت في إعادة تنظيم صفوفها وقيادة موجة تمرد جديدة، تمكنت من خلالها من استعادة السيطرة على كيدال وإلحاق خسائر ملموسة بالجيش المالي، مستفيدة من تطور قدراتها العملياتية خلال السنوات الأخيرة، في ظل تراجع نسبي لفاعلية الدولة وأجهزتها الأمنية.
وفي مقدمة هذه القوى، تبرز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كأحد أخطر التنظيمات الجهادية في غرب أفريقيا، والتي تأسست عام 2017 نتيجة اندماج عدة فصائل مرتبطة بتنظيم القاعدة، وقد استطاعت الجماعة خلال فترة وجيزة ترسيخ نفوذها في وسط وشمال مالي، مستفيدة من هشاشة الدولة وتراكم الأزمات، قبل أن توسّع عملياتها إلى دول الجوار، خاصة النيجر وبوركينا فاسو، ما جعلها فاعلًا عابرًا للحدود يتجاوز الإطار المحلي.
أعلنت دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر تأسيس تحالف عسكري مشترك، قوامه نحو 5 آلاف جندي، لمواجهة الجماعات المسلحة التي ترتبط بتنظيمي القاعدة و"داعش" وأخرى انفصالية، وتأمين الحدود في واحدة من أكثر مناطق إفريقيا هشاشة أمنيًا.
القرار جاء خلال قمة تحالف دول الساحل في باماكو، وهي الثانية… pic.twitter.com/Qo2Cnmf1kW
— نون بوست (@NoonPost) December 25, 2025
وبالتوازي، تمثل جبهة تحرير أزواد أحد أبرز اللاعبين الجدد في الساحة، وهي حركة انفصالية ذات طابع طوارقي حديثة التشكّل، تضم عدة فصائل مسلحة، وتتبنى مشروعًا قائمًا على استقلال شمال مالي، وقد شهدت الجبهة في الآونة الأخيرة تناميًا في قدراتها التسليحية والتنظيمية، مستفيدة من ضعف الجيش المالي وتشابك علاقاتها الإقليمية، ما عزز حضورها الميداني.
ورغم التباين الأيديولوجي بين الطرفين—حيث تنتمي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى التيار الجهادي، بينما تمثل جبهة تحرير أزواد مشروعًا قوميًّا انفصاليًا—إلا أن تقاطع المصالح أفرز ما يمكن وصفه بـ“تحالف الضرورة”، في مواجهة السلطة المركزية في باماكو، وقد انعكس هذا التنسيق في تبني هجمات مشتركة، منحت العمليات المسلحة زخمًا وتأثيرًا أكبر مقارنة بالعمليات الفردية لكل طرف على حدة.
ماذا عن الدور الروسي؟
عندما تولت السلطة الانتقالية بقيادة آسيمي غويتا الحكم في مالي عقب انقلابي 2020 و2021، رفعت شعار استعادة الأمن وبسط سيطرة الدولة على كامل التراب الوطني، في مواجهة إرث ثقيل من الاضطرابات المتواصلة منذ 2012، غير أن هذه التعهدات اصطدمت بواقع ميداني معقد، تفاقم مع انسحاب القوات الفرنسية والأممية، ما ضاعف الضغوط على السلطة الجديدة وقيّد قدرتها على احتواء التهديدات المتصاعدة.
في هذا السياق، اتجهت باماكو إلى تعزيز تعاونها مع روسيا، مستعينة بخدمات مجموعة فاغنر—التي أعيد تسميتها لاحقًا بـ“الفيلق الأفريقي”—لتقديم الدعم العسكري، عبر التدريب وتوفير العتاد والمشاركة في العمليات الميدانية ضد الجماعات المسلحة، سواء الانفصالية في الشمال أو الجهادية في الوسط، وقد تُوّج هذا التعاون مؤقتًا باستعادة السيطرة على كيدال في نوفمبر 2023، وهي خطوة اعتُبرت آنذاك إنجازًا ميدانيًا مهمًا.
إلا أن المقاربة التي اعتمدتها القوات المدعومة روسيًا، والقائمة على الحسم العسكري والأدوات الأمنية الخشنة، أفرزت تداعيات عكسية على المدى المتوسط، فقد أدت اتهامات بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان إلى تأجيج الاحتقان الشعبي، ووفّرت للجماعات الجهادية مادة تعبئة وتجنيد، كما أسهمت في توسيع نطاق التنسيق بينها وبين بعض الفاعلين العرقيين في الشمال.
تخطط وزارة الدفاع الروسية أن تجعل مقرّ الفيق الجديد في المنطقة الشرقية التي يسيطر عليها حفتر، للانتشار منها إلى بقية البلدان الأفريقية
📍الفيلق الأفريقي.. نسخة جديدة من #فاغنر في القارة السمراء 👇
تقرير لـ @Moh_Gamea https://t.co/akHLfAsFXt— نون بوست (@NoonPost) January 12, 2024
وفي المحصلة، بدا أن هذا النهج الذي تبنته موسكو في الداخل المالي قد عمّق من عسكرة الصراع، وقلّص فرص التسوية السياسية، بل وساهم في تقاطع مصالح غير مسبوق بين قوى متباينة أيديولوجيًا، في مواجهة السلطة المركزية في باماكو، الأمر الذي أوصل المشهد إلى مرحلته الراهنة.
يرى محللون أن روسيا تواجه اليوم اختبارًا حاسمًا في الساحة المالية، باعتبارها نموذجًا كاشفًا لحدود وفاعلية النفوذ الروسي في منطقة الساحل، ومدى قدرة موسكو على توفير مظلة أمنية مستدامة لحلفائها بعد انحسار الدور التقليدي لـ فرنسا.
وفي هذا السياق، سيُحدد مآل التجربة الروسية في مالي—نجاحًا أو إخفاقًا—اتجاهات دول المنطقة في إعادة تموضعها الاستراتيجي، بما قد يفتح الباب أمام استدعاء شركاء غربيين جدد، ليس بالضرورة فرنسيين هذه المرة، بل ربما يمتد الخيار إلى الولايات المتحدة أو قوى دولية أخرى.
مالي إلى أين؟
المقلق في المشهد داخل مالي أن مختلف الأطراف المنخرطة في الصراع تسعى إلى توظيف التطورات الأخيرة لخدمة أجنداتها الخاصة، فالمجلس العسكري الحاكم يعمل على ترسيخ بقائه في السلطة مستندًا إلى الدعم الخارجي، وفي مقدمته روسيا، في حين تجد التشكيلات شبه العسكرية المرتبطة بها، وعلى رأسها مجموعة فاغنر—المعروفة حاليًا بـ”الفيلق الأفريقي”—فرصة لتعزيز حضورها الأمني والاقتصادي داخل البلاد.
في المقابل، تسعى الجماعات المسلحة، سواء الانفصالية في الشمال أو الجهادية في الوسط، إلى تعظيم مكاسبها الميدانية، مستفيدة من هشاشة الدولة واستمرار الدعم الذي تتلقاه من شبكات داخلية وخارجية، ما يفاقم من تعقيد المشهد ويطيل أمد المواجهة.
مثل هذه الديناميات تُنبئ بتحول الأزمة من صراع داخلي إلى نزاع إقليمي ممتد، قد يتسع نطاقه ليشمل منطقة الساحل وغرب أفريقيا، مع احتمالات امتداده إلى دول مثل بنين وتوغو، باعتبارها ساحات مرشحة لتمدد نشاط الجماعات المسلحة.
أما على الصعيد الدولي، فتسعى روسيا إلى ترسيخ موقعها كلاعب رئيسي في القارة الأفريقية عبر هذا الاختبار المعقد، في وقت يظل فيه المجال مفتوحًا أمام عودة قوى غربية، أوروبية أو أمريكية، لمحاولة استعادة نفوذها المتراجع خلال السنوات الأخيرة، قبل أن تسقط باماكو رسميًا في قبضة الجهاديين.
وفي ضوء ذلك، تقف مالي أمام مفترق طرق حرج، يتحول فيه الصراع إلى ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الإقليم، بينما تتحمل شعوب المنطقة الكلفة الأثقل، سواء على مستوى التدهور الاقتصادي والمعيشي أو تفاقم الأزمات الإنسانية.