فتحت تسريبات ثلاثة تسجيلات مصوّرة من داخل سجن صيدنايا بابًا جديدًا على واحد من أكثر الملفات السورية إيلامًا وحساسية، معيدة إلى الواجهة قضية المعتقلين والمفقودين بما تحمله من ذاكرة مثقلة بالانتهاكات والأسئلة المؤجلة، إذ استحضرت هذه المشاهد جراحًا لم تندمل لدى الناجين وذوي الضحايا، ولم تجد طريقها إلى معالجة عادلة أو توثيق مؤسسي منظم.
يكشف التداول العشوائي للمقاطع المسرّبة، التي تتضمن مشاهد مجتزأة لا تعكس حجم الفظائع داخل “المسلخ البشري” أو “مصنع الموت” أو “الثقب الأسود”، مع غياب أي توضيح رسمي بعد مرور أكثر من 24 ساعة على نشرها، وحوادث طالت المعتقلات تباعًا، عن ثغرات وإشكاليات مستمرة في إدارة هذا الملف، منذ بدء معركة “ردع العدوان” التي أطاحت بنظام بشار الأسد حتى الآن.
مقاطع تعبث بالجراح والأدلّة
في منتصف ليل 28 أبريل/نيسان الحالي، نشر حساب على “فيسبوك” باسم “حيدر التراب” ثلاثة مقاطع من سجن صيدنايا قبل حذفها لاحقًا، تُظهر غرفة المراقبة، وغرفة انتظار للمحاكم والزيارات يظهر فيها معتقلون بوضعية القرفصاء ورؤوسهم محنية، إلى جانب لقطات لعسكريَين داخل غرفة تنظيم الزيارات.
انتشرت الفيديوهات على نطاق واسع، واعتبرها حقوقيون وقانونيون أنها تعبث بجراح الناجين وتشكل أذى لهم ولذوي المفقودين، فيما قال الصحفيان السوريان حمزة عباس وعمر نزهت إنهما توصّلا إلى ناشرها، وهو شقيق أحد المعتقلين، مشيرَين إلى أنه جرى تسليم نسخ كاملة من الملفات إلى الجهات المعنية.
بالتزامن مع الساعات الأخيرة لسقوط نظام الأسد، أظهرت مقاطع صُوّرت في الدقائق الأولى لدخول السجن وفتح الزنازين وتحرير المعتقلين وجود شاشات وكاميرات مراقبة داخل السجن. وفي وقت لاحق، أعلنت رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا أن “شبيحة ولصوص” سرقوا أجهزة الكمبيوتر من غرفة المراقبة وبعض الملفات من القلم الأمني في السجن، وشاركت معلومات عنهم مع الجهات العسكرية.
واعتبر مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أنه ينبغي على الحكومة التعامل مع التسجيلات بوصفها أدلة جنائية محتملة لا مواد إعلامية للتداول العام، وتأمين النسخ الأصلية وحصر الوصول إليها بجهات تحقيق مختصة وتوثيق سلسلة الحيازة، وإخضاعها لفحص تقني مستقل للتحقق من سلامتها وعدم تعديلها مع حماية هويات الشهود والضحايا.
ويرى عبد الغني أن هذه التسجيلات يمكن أن تسهم في تحقيق العدالة إذا استخدمت لتحديد هوية الضحايا والجناة وربط الانتهاكات بأماكن وأزمنة محددة، مع دعمها بشهادات الناجين وذوي الضحايا، وإثبات أنماط الاحتجاز والتعذيب والإخفاء القسري داخل منظومة السجون، بما يعزز ملفات الملاحقة القضائية ويمنع الإفلات من العقاب.
من جانبه، يقول هادي هارون، عضو فريق التوثيق في رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، إن المقاطع المنشورة لا تعكس حقيقة الكارثة والفظائع التي كانت تحدث داخل السجن، مشيرًا إلى وجود محاولات من موالين لنظام الأسد لاستغلال خلوها من مشاهد الضرب والشتائم، للادعاء بأن السجن كان مراقبًا بالكاميرات، وبالتالي نفي وجود التعذيب وتقديم صورة عن التزام الجنود بالانضباط واللباس الرسمي.
ويرى هارون أن نشر هذا الجزء المحدود من الفيديوهات يهدف إلى تبرئة أشخاص يواجهون محاكمات حاليًا، عبر إظهارهم بصورة من لا يملك القدرة على القتل أو التعذيب.
هشاشة في تأمين “مسارح الجريمة”
بعد انطلاق معركة “ردع العدوان” وتوالي فتح السجون والمعتقلات في المدن التي حررتها قوات إدارة العمليات العسكرية من جنود الأسد وحلفائه، برز غياب إدارة واضحة لهذا الملف، من عدم توثيق أسماء الناجين، وفتح الأبواب أمام الجميع دون تمييز لمرتكبي الجنايات، وترك “مسارح الجريمة” مفتوحة أمام السوريين الباحثين عن معلومة أو أثر أو رفات، أو أمام من سعوا إلى إتلاف أو طمس الحقائق، وأمام التعاطي غير المسؤول من وسائل إعلام و”مؤثرين”.
مع إدراك تعقيد وثقل ملف المعتقلات، واجهت الجهات الرسمية انتقادات بالتقصير والإهمال في التعامل معه، إذ كانت منظومة سجون ومراكز الاحتجاز التابعة لنظام الأسد تمتد فوق الأرض وتحتها، حيث وصل عدد المفرج عنهم بعد فتحها إلى نحو 24 ألفًا و200 شخص، فيما يُقدَّر عدد المفقودين والمختفين قسرًا بين 150 و300 ألف شخص.
من الصعوبات التي برزت في هذا الملف ما واجهته فرق “الدفاع المدني السوري” خلال عمليات البحث عن معتقلين والاستجابة لمناشدات الأهالي لمواقع يُشتبه بوجود معتقلين فيها، إلى جانب مشاركة فرق تركية في البحث عن أقبية سرية محتملة في “صيدنايا”.
وبعد يومين من هروب الأسد، أعلن مدير “الدفاع المدني” رائد الصالح (وزير الطوارئ حاليًا) إرسال طلب إلى الأمم المتحدة عبر وسيط دولي لمطالبة روسيا بالضغط على رئيس النظام المخلوع لتسليم خرائط مواقع السجون السرية، وقوائم بأسماء المعتقلين لتسهيل الوصول إليهم في أسرع وقت ممكن، دون ظهور استجابة.
ويرصد “نون بوست” أبرز الحوادث والثغرات وأوجه القصور في التعاطي مع ملف السجون من قبل الإدارة السورية الجديدة، مع الإشارة إلى صعوبة الإرث الذي خلّفه نظام الأسدين، وتعرّض بعض الوثائق للإحراق والنهب من قبل عناصر الأمن والمخابرات قبل فرارهم، وهي وثائق كانت تتضمن معلومات حيوية حول هيكلية الأجهزة الأمنية والمخابرات، وهوية المسؤولين عن جرائم خطيرة، وتفاصيل تتعلق بالمعتقلين المحتجزين في هذه المواقع.
- حادثة سرقة لأجهزة الكمبيوتر من غرفة المراقبة وبعض الملفات من القلم الأمني في سجن صيدنايا، على يد مجموعة تضم 14 شخصًا من “الشبيحة وفلول النظام المخلوع”، إذ سلّم أحد عناصر المجموعة نفسه، ولا معلومات بعدها.
- عمليات سرقة “تعفيش” لمعدات واستخراج لحديد ونحاس وسحب لأنابيب المياه من عدة مواقع داخل سجن صيدنايا، دون وجود رقابة ، بالتوازي مع حالة فوضى للوثائق والملفات المتناثرة على الأرض.
- ترك السجون والوثائق ومواقع المقابر الجماعية دون تأمين أو حفظ كافٍ للأدلة، ما دفع منظمات حقوقية سورية ودولية إلى دعوة حكومة دمشق لاتخاذ خطوات عاجلة لتأمين هذه الأدلة، وهي دعوات تكررت في أكثر من مناسبة.
- عمليات بحث وحفر واسعة لساحات سجن صيدنايا وأرضياته ومحيطه، بحثًا عن ناجين أو جثث، في ظل تداول معلومات وإشاعات عن وجود زنازين وطوابق سرّية، مع إقرار بصعوبة احتواء المشهد أمام أهالٍ مكلومين تمسّكوا بالأمل في العثور على مفقوديهم.
- فتح السجون والمعتقلات أمام صناع المحتوى و”المؤثرين“، عبر تصاريح وموافقات من وزارة الإعلام، دون ضوابط مهنية واضحة من الأشخاص تراعي حساسية وحرمة هذه المواقع، وما نتج عنها من نشر وتداول معلومات وأخبار مضللة عن السجون، ما يؤثر سلبًا على الحقيقة وشهادات الناجين.
- طلاء فريق يُدعى “سواعد الخير” لإحدى زنزانات فرع الأمن السياسي في اللاذقية، ما أثار موجة غضب باعتبار أن الخطوة تُسهم في طمس الأدلة، فيما رأى المشاركون فيها بادرة أمل. ولاحقًا قال الفريق، الذي حذف حساباته بعد الحادثة، إنه حصل على موافقة مسبقة، في مقابل وعود حكومية بمتابعة الجهة التي منحت التصريح، دون إعلان نتائج لاحقة.
- إقامة فعالية لإشهار “رابطة معتقلي الثورة السورية” في ساحة سجن صيدنايا، وحضور شركات لتسويق منتجاتها، بينها “بن الحموي” و”بسكويت لاتار”، إضافة إلى وجود “عراضة” احتفالية، ما أثار استياءً واسعًا باعتباره استخفافًا بآلام الضحايا وذويهم. لاحقًا، صدرت بيانات توضيحية من الرابطة ومن شركة “بن الحموي“.
- عدم التعاطي الإعلامي الجدّي مع ملف المعتقلات وترك المعلومات المتداولة تغذّي احتقان الشارع، منها الجدل حول تصوير أعمال درامية داخل السجون، بين مطالب بوقف أي أعمال تصور داخل السجون والمراكز الأمنية، ونفي متأخر من اللجنة الوطنية للدراما لتصوير أي مشاهد داخل سجون أو فروع أمنية شهدت انتهاكات خلال حكم النظام السابق، مؤكدة أن التصوير اقتصر على باحة خارجية لأحد المواقع الإدارية التابعة لفرع “فلسطين”.
ولا يقتصر الأمر على التجاوزات التي طالت “مسارح الجريمة” أو القصور في تأمين حمايتها، إذ تسلط حادثة إنهاء الشاب محمد علي شلة لحياته في نيسان/أبريل الحالي، وهو معتقل سابق في سجن صيدنايا، الضوء على تقصير في التعامل مع ملف الناجين، الذين لم يحظوا حتى الآن ببرامج كافية لإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي، حيث لا تزال الجهود تقتصر على مبادرات فردية محدودة.
يقول الباحث عبد الرحمن الحاج ومدير مؤسسة “الذاكرة السورية”، إن مسألة السجون لم تكن في خطة قيادة معركة “ردع العدوان”، إذ كان الهاجس الرئيس إسقاط النظام والتظلّم وحماية مؤسسات الدولة من النهب والتدمير عند دخولها.
ويضيف الباحث في حديثه لـ”نون بوست” أن عمليات تحرير السجون لم تكن جزءًا من الخطة، إنما جاءت كنتيجة، وتدخّلت فيها أطراف عديدة وأبرزها “الدفاع المدني”، الذي لعب دورًا رئيسيًا في الحفاظ عليها ابتداءً من اليوم التالي لسقوط النظام، مشيرًا إلى ازدياد الاهتمام بالسجون والمجرمين الفارّين بشكل ملحوظ في الأيام التالية، لأنهم يشكلون خطرًا على استقرار الأمن.
ويشير الحاج إلى أن العمليات العسكرية وتحوّل قسم من السجون إلى ثكنات لقوات النظام، أدّيا إلى تدمير عدد منها وعدم صلاحيتها للاستخدام حتى اليوم، لافتًا إلى أن انهيار جهاز الجيش والأمن تطلّب وقتًا من الحكومة الجديدة لبناء قوات أمنية وإنشاء مؤسسات متخصصة للعدالة الانتقالية والمفقودين مهمتها حفظ السجون والأرشيف الخاص بها.
ويوضح أن حماية الأرشيف من الفوضى والنهب لم يكن ممكنًا في تلك المرحلة، وربما كان بالإمكان التقليل من حجم الفوضى وصيانة الأرشيف بشكل أفضل، لكن غياب القدرة ووجود التحديات لم يتيحا للحكومة فعل ذلك بسهولة ويسر.
ويلفت إلى وجود جهود حكومية متزايدة مع تقدم بناء الجهاز الأمني للحفاظ على مسارح الجريمة ومنع العبث بها، بما في ذلك المقابر الجماعية، مشيرًا إلى دور بارز لعبته منظمة “الخوذ البيضاء” (الدفاع المدني)، التي أصبحت جزءًا من وزارة الطوارئ، إلى جانب تنامي إمكانات الدولة وتزايد حضور المنظمات الحقوقية على الأرض السورية.
ويرى الباحث أن التعامل مع السجون ومسارح الجريمة شهد تطورًا تدريجيًا توازيًا مع تطور قدرات الدولة ومؤسساتها الأمنية.
خطوات لإدارة السجون.. “أرشيف مركزي” ضرورة
حول ملف السجون في سوريا ما بعد الأسد، يركّز الحديث الرسمي على تغييرات تنظيمية وإدارية في إطار إعادة صياغة وظيفة السجون وتحويلها إلى مراكز إصلاح وتأهيل، أكثر من التطرق إلى مسارح الجريمة وحفظ الأدلة، حيث ذكر وزير الداخلية أنس خطاب، في نيسان/أبريل 2025، أن الوزارة اتفقت مع إدارة الإنشاءات على إعادة تأهيل السجون الحالية بشكل مؤقت، ريثما يتم تجهيز مراكز توقيف جديدة تسهم في تحقيق العدالة وتكفل احترام حقوق الموقوفين، وتبعها الإعلان عن تأسيس إدارة خاصة للسجون والإصلاحيات.
وأعلن النائب العام في حماة القاضي أيمن العثمان في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 استحداث مكتب قانوني داخل سجن حماة المركزي للإشراف على الإجراءات القانونية وتنظيمها، وتقديم الاستشارات والتوجيه القانوني لكادر السجن إلى جانب التوعية القانونية للنزلاء، فيما افتتحت محافظة درعا مخفر بلدة صيدا بتصميم يحاكي الطراز الغربي للسجون من حيث البناء والهيكلة العمرانية، في كانون الأول/ديسمبر 2025.
وتمت إعادة تأهيل واستخدام مبنى فرع “الأمن العسكري” في حلب ليصبح مركزًا لتقديم الشكاوى، ما أثار مخاوف حقوقية من احتمال طمس الأدلة، فيما أوضح مكتب العلاقات العامة في قيادة الأمن الداخلي بحلب لـ”نون بوست” أن السجون لا تتبع لها، بل تقتصر مسؤوليتها على النظارات، وأن السجون تخضع لإدارة مركزية في وزارة الداخلية، ولم يتسنَّ لـ”نون بوست” التواصل مع الجهة المعنية للتعليق.
القصة الكاملة لنشر تسجيلات من سجن صيدنايا وتحقيقات الأمن العام في القضية.
خاص | نون سوريا📌في ليل 28 أبريل | نيسان من يوم الثلاثاء، بدأت تنتشر فيديوهات من التسجيلات الخاصة بسجن صيدنايا قبل سقوط نظام الأسد على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديدًا عبر منصة فيسبوك من حساب شخصي تحت… pic.twitter.com/6bbiJhzslk
— نون سوريا (@NoonPostSY) April 29, 2026
وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، أفادت وكالة “رويترز” بأن ما لا يقل عن 28 سجنًا ومركز احتجاز من عهد الأسد عادت للعمل خلال عام 2025، كما جمعت أسماء ما لا يقل عن 829 شخصًا اعتُقلوا لأسباب أمنية منذ سقوط الأسد، فيما ردّت وزارة الإعلام السورية للوكالة بأن إعادة فتح بعض مراكز الاحتجاز وعمليات الاعتقال ترتبط بضرورة تقديم المتورطين في انتهاكات عهد الأسد إلى العدالة.
وفي فبراير/ شباط 2026، أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، مرسومًا بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره، متضمنًا تخفيف عقوبتي السجن والاعتقال المؤبدة إلى 20 سنة سجن، ومستثنيًا الأحكام ذات طابع الادعاء الشخصي، إلا إذا أسقط المتضرر حقه.
وذكر وزير العدل السوري مظهر الويس أن نحو نصف مليون سوري يستفيدون من مرسوم العفو، مؤكدًا أنه يستثني جميع من ارتكبوا انتهاكات أو فظائع بحق الشعب السوري، كما نفى وجود أي “معتقلين سياسيين”، رغم استمرار اعتقال المعارض الإماراتي جاسم الشامسي منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
ولا توجد جهة واحدة تتولى ملف السجون وتشعباته، إذ تتقاسم عدة جهات المسؤوليات وفق اختصاصاتها وبدرجات متفاوتة، في مقدمتها وزارة الداخلية التي تعلن، ضمن مهامها، بشكل دوري عن توقيف متورطين بانتهاكات جسيمة، بينهم سجّانون، منهم اللواء أكرم سلوم العبد الله، الذي يُعد من المسؤولين المباشرين عن تنفيذ عمليات تصفية داخل سجن صيدنايا.
ومن مهام هيئة العدالة الانتقالية محاكمة المتورطين بالانتهاكات الجسيمة، فيما تواصل الهيئة الوطنية للمفقودين عملها رغم انتقادات تتعلق بالبطء، في ظل تعقيدات البحث في مئات آلاف الوثائق والتحقق من المقابر الجماعية المكتشفة تباعًا، بينما تؤكد وزارة العدل أنها حفظت الأرشيف القضائي ووثّقت الأدلة المرتبطة بجرائم النظام السابق ومنعت طمسها.
يقول الباحث عبد الرحمن الحاج لـ”نون بوست” إن سوريا تفتقد إلى مؤسسة للأرشيف الحكومي، مشيرًا إلى أن العمل بالأرشيف المركزي متوقف منذ ستينيات القرن الماضي، ما يعني أن الدولة الآن بلا أرشيف مركزي، إلى جانب عدم وجود أرشيف للوثائق العسكرية أو قوانين تحكم ذلك، وهو ما يشكّل فجوة حوكمة ضخمة في سوريا تعمّد أن يحدثها نظام الأسد وقبله انقلابيو “البعث”.
ويضيف أن الأرشيف المتوفر هو أرشيف مؤسسات، فلكل مؤسسة أرشيفها، من بينها أرشيف الأجهزة الأمنية المسؤولة الرئيسية عن الانتهاكات إلى جانب الجيش، مشيرًا إلى ضرورة واضحة لإنشاء أرشيف مركزي يتعلق بوثائق الانتهاكات يُجمع من جميع الأجهزة الأمنية التي كانت والجيش، ليكون أساس أعمال الجهات العاملة بالانتهاكات في عهد الأسد.
ويوضح الباحث ثلاثة أبعاد مهمة لوجود أرشيف مركزي؛ أولًا، للتخصص الذي يسمح بخبراء في التوثيق والأرشفة مختلفين عن خبراء متابعة أثر المفقودين أو المحاسبة ضمن مسار العدالة الانتقالية. ثانيًا، لأنه يحل التنازع بين الجهات على الوثائق ويساعد على تلبية احتياجاتها. ثالثًا، يمنح التفرغ للوصول إلى الوثائق المنهوبة من الفروع العسكرية والأمنية والسجون.
وفي حال تعذّر إنشاء هذه المؤسسة أو الوحدة التوثيقية المتخصصة، والتي يجب أن تكون بإشراف وزارة الداخلية، فإن العبء سيتوزع بين ثلاث مؤسسات هي وزارة الداخلية وهيئة العدالة الانتقالية وهيئة المفقودين، ما من شأنه أن يزيد من تشتيت الجهود والوثائق، وفق الباحث.