• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

من الكاريكاتير إلى المعارض: كيف يواجه الفن السوري القمع والنسيان؟

ريم العوير٣٠ أبريل ٢٠٢٦

من معرض معتقلون ومغيبون - سانا

على مدى قرون طويلة، لعب الفن في المجتمعات البشرية دورًا يتجاوز الأبعاد الجمالية ليصبح شهادةً حية على حياة الشعوب وأحداثها المصيرية. في الحروب عبر التاريخ، كان الفن أداةً لتسجيل المعاناة، وتخليد ذكرى الضحايا، واستعادة الذاكرة الجماعية التي تهددها آلة الدمار والنسيان.

في الشأن السوري، يأتي معرض “معتقلون ومغيّبون” الذي يضم عشرات اللوحات والصور الفوتوغرافية توثق قصص المعتقلين والمفقودين خلال سنوات الحرب ليس كسجل بصري للألم فحسب، بل كمحاولة لمقاومة النسيان في بلد عاش عقودًا من الصراع.

منذ عهد الاحتلال الفرنسي وصولًا إلى مجزرة حماة عام 1982، ومرورًا بثورة 2011، وما تلاها من حرب، وصولًا إلى اللحظة الراهنة بعد سقوط نظام الأسد، ظلّ الفنانون السوريون يحملون الفن كسلاح في معركة التوثيق وحرية التعبير، هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ما الدور الذي لعبه الفن السوري في توثيق الحرب والثورة؟ وكيف تحوّلت اللوحة والصورة إلى أرشيف حيّ يقاوم محاولات طمس الجرائم؟

معرض “معتقلون ومغيّبون”.. شهادة بصرية

يعد معرض “معتقلون ومغيّبون” نموذجًا متقدمًا لفعل فني يوثق التداعي العميق الذي ألحقته الحرب بالمجتمع السوري، جامعًا بين الذاكرة الفردية والجمعية ليقدم صورة مركبة عن الواقع الإنساني خلال السنوات الماضية، يحتوي العنوان على مأساة عشرات الآلاف من السوريين الذين اختفوا في سجون النظام السابق. 

افتتح المعرض في المتحف الوطني بدمشق في الخامس من أيار/مايو 2024، بتنظيم من منصة “ذاكرة إبداعية للثورة السورية” برعاية وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف. انتقل بعدها إلى حلب ثم حمص ووصل أخيرًا إلى إدلب، في خطوة تهدف إلى جعله فعالية تجوب مختلف المدن السورية لتصبح مساحة وطنية مشتركة، يضم المعرض أعمالًا تمتد زمنيًا بين سنوات الثورة والحرب، مرتبة وفق تسلسل مراحل الصراع وأحداثه التاريخية.

يُعد المعرض أول محاولة سورية منظمة لجمع الذاكرة البصرية المرتبطة بالاعتقال القسري في مكان واحد، استند المشروع إلى أكثر من عشر سنوات من الأرشيف الفني قبل أن يتوسع لاحقًا ليصبح، كما يرد في تعريفه الرسمي، “مشروعًا يتتبع ذاكرة الناس عبر سنوات الثورة والحرب من خلال إنتاجاتهم الفنية والثقافية عن موضوع يعد من أهم المشتركات في وجدان عموم السوريين اليوم. “

يضم المعرض اليوم أكثر من 1700 وثيقة، ويعد سادس مشاريع “ذاكرة إبداعية للثورة السورية”، وتوضح سنا يازجي، مديرة المنصة، أن المعرض يضم قرابة 200 عمل من كافة أصناف الإبداع الشعبية تغطي موضوع الاعتقال والتغييب، مما يجعل بنيته أقرب إلى أرشيف بصري يمتد لنحو 10 سنوات 2011-2020. وتضيف يازجي أن “ذاكرة الاعتقال والتغييب للأسف الشديد هي الذاكرة الوحيدة التي تجمع كل السوريين”.

يرى المعرض في قراءة ثقافية أوسع خطوة تقاوم عملية التطبيع مع النسيان، إذ لا تظهر الألم فحسب، بل تقدم ووثائق وشهادات بصرية تسهم في بناء ملف العدالة. وتؤكد يازجي في تصريحاتها لراديو “روزنة” أن أهمية المعرض مرتبطة بموضوع العدالة، سواء كانت انتقالية أم دائمة، مشيرة إلى أن المجتمع بحاجة إلى خطاب واضح يشير إلى أن الدولة الجديدة تعترف بهذه الجريمة كمدخل لبناء أي عقد اجتماعي.

دخول الكاريكاتير السياسي إلى الصحافة السورية

لم يكن الفن التشكيلي والكاريكاتير في سورية مجرد وسيلة للتعبير الجمالي، بل تحول منذ عقود إلى سلاح بصري وسجل تاريخي موازٍ للحقائق، في بلد عانى من عقود من القمع والرقابة، حيث كانت الكلمة المكتوبة والملفوظة تخضع لرقابة صارمة، وجد السوريون في الفن مساحة بديلة للتعبير والتوثيق؛ قادرة على نقل الشعور والحقائق بحدة مباشرة وصادمة، وبلغة يفهمها الجميع مهما اختلفت لغاتهم.

في عام 1928، أسس حبيب كحالة مجلة “المضحك المبكي”، التي عدت أول مساحة سورية تمنح الكاريكاتير السياسي سلطة النقد العلني، وتضعه في صدارة المشهد الثقافي، كانت المجلة فعل مقاومة يومي ضد سلطة الانتداب الفرنسي وضد النخب السياسية المحلية المتحالفة معه.

“إننا نعاهد القارئ أن تكون المجلة صريحة، صادقة، ولو أغضبت البعض.. فنحن سنسعى إلى أن نخاف الله في صراحتنا، وأما عبيد الله، فإذا غضبوا، ونحن نقول الحقيقة، فليشربوا البحر.”

بهذه الكلمات افتتح كحالة العدد الأول من مجلته، معلنًا أن الكاريكاتير لن يكون ترفًا بصريًا أو زينة صحفية، بل أداة مواجهة مباشرة مع السلطة، وكان كحالة يرى أن الكاريكاتير يجب أن يكون “سلاحًا في يد الشعب ضد الاستبداد”. ومع اتساع انتشارها، أصبحت المجلة عبئا على سلطات الانتداب التي ضيقت عليها مرارًا، وعلقت صدورها أكثر من مرة، بل واعتقلت كحالة نفسه بسبب الرسوم التي كشفت ما كان يحاك ضد السوريين في واحدة من أكثر مراحل تكوين الهوية الوطنية حساسية. 

ومع أن المجلة لم تستمر طويلًا، إلا أنها أرست أسسًا جديدة لعلاقة الفن بالسلطة في سوريا، حيث أصبح الكاريكاتير أداة نقد سياسي مباشر. استمر هذا التوجه عبر العقود التالية، مع ظهور مجلات مثل “الجريدة” و”الحياة” التي وفرت مساحات أوسع للكاريكاتير السياسي، خاصة خلال فترة ما بعد الاستقلال. استمرت المجلة في الصدور حتى عام 1966، حين ألغيت رخصتها نهائيًا بعد وفاة كحالة في بدايات عهد البعث.

مع اندلاع الحروب العربية الإسرائيلية، تحوّل الفن السوري إلى أداة تعبير قومية بامتياز، ووجد فنانو كُثر في القضية الفلسطينية متنفسًا للانخراط السياسي رغم قيود الرقابة. من بين هؤلاء برز نعيم إسماعيل، الذي حمل إحساس المنفى طوال حياته، وجسّده في لوحته الشهيرة “الفدائيون” التي قدّم فيها النكبة بصريًا. وفي المسار ذاته، أدخل محمود حماد الحرف العربي عنصرًا تشكيليًا في لوحاته التجريدية، وتوّج اشتباكه مع القضية من خلال جداريته الضخمة “فلسطين… من النكبة إلى التحرير” التي عرضها في الجناح الفلسطيني بمعرض دمشق الدولي عام 1962. 

ولم يكن هذا الانخراط حكرًا على الأسماء الكبيرة؛ لؤي كيالي رسم في الثامنة عشرة من عمره لوحةً تجسّد حرب 1948، معبّرًا عن إحساس جيل كامل بأن معركة فلسطين امتدادٌ طبيعي لمعركة الاستقلال عن الانتداب. أما برهان كركوتلي فقد عاش القضية عن قرب حين التقى منذ عام 1948 في فندق والده بعسكريين فلسطينيين لجأوا إلى دمشق، ودخل السياسة مبكرًا عبر محاضرات أحزاب تلك الحقبة بحسب تقرير للعربي الجديد، فأصبح هذا الاحتكاك بعالم المنفيين أساسًا في لغته البصرية وأعماله السياسية اللاحقة.

وفي عام 1982، شكلت مذبحة حماة نقطة تحول في تاريخ سورية الحديث، بعدما قصف نظام حافظ الأسد المدينة، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وفي ظل الرقابة المشددة والقمع الشديد في تلك الفترة، فإن الأعمال الفنية التي تناولت مذبحة حماة مباشرة نادرة جدًا، وجاء معظمها بعد عقود من الحادثة.

ومع ذلك، ظهرت لاحقًا محاولات لتوثيق المجزرة، من أبرزها جدارية عزيز أسمر في مدينة بنش بريف إدلب، حيث أعاد الفنان عام 2021 رسم فصول ما جرى في حماة، ولكن المقاومة بالفن اتخذت أشكالًا أعمق من التوثيق المباشر؛ الباحث زاهر عمرين حوّل الألم الجماعي إلى عمل رقمي بعنوان “بلا وجه 82” عام 2014، جمع فيه تسعون وجهًا ضبابيًا مستعادًا من بطاقات هوية الضحايا ودفاتر عائلاتهم، مجسّدًا بتقنية التمويه ذاتها المحوَ القسري الذي مارسه النظام، وقد اقتنى المتحف البريطاني العمل عام 2016 بوصفه أرشيفًا بصريًا لمأساة ظلّت مكبوتة لعقود. 

ثورة 2011 إلى ما بعد التحرير

مع انطلاق الثورة السورية في مارس 2011، تحوّل الفن إلى سلاح مقاومة جماهيري، مستخدمًا أساليب متعددة لكسر الرواية الرسمية؛ من السخرية السياسية المباشرة، إلى فضح العنف اليومي، وصولًا إلى تحويل صفحات الإنترنت إلى مساحات مفتوحة للمواجهة. علي فرزات الذي كشف الفساد برسوماته منذ السبعينيات، وأسس صحيفة الدومري قبل أن تُغلق بقرار سياسي، كُسرت أصابعه عمدًا في أغسطس/آب 2011 على يد رجال موالين للنظام، ليصبح رمزًا عالميًا لحرية التعبير. 

أما أكرم رسلان فقد اعتُقل عام 2012 من مقر عمله، وقُتل تحت التعذيب، تاركًا إرثًا بصريًا يفضح العنف الممنهج، ويجسّد كيف يدفع الفنان حياته ثمنًا. وقد وجد فنانون آخرون مثل موفق قات في وسائل التواصل الاجتماعي مساحةً من دون قيود، إذ يرى قات أن الكاريكاتير “شارك، ويشارك بفاعلية كبيرة في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد”، وهو ما تجلّى في المعرض الذي نظّمه في عدة دول أوروبية بمشاركة أكثر من أربعين فنانًا سوريًا، ناقلًا الشهادة البصرية السورية إلى الرأي العام الدولي.

ومع تحوّل الثورة إلى نزاع مسلح وتشتّت السوريين في المنافي، لم يفقد الفن وظيفته السياسية بل طوّرها؛ فبدلًا من المواجهة المباشرة مع النظام، أصبح أداةً لاستعادة ما دمّرته الحرب ومقاومة محو الذاكرة الجماعية. محمد حافظ، الفنان والمهندس السوري، الأمريكي، قدّم أحد أبرز الأمثلة على هذا التحوّل عبر منحوتاته المصغّرة التي يعيد فيها بناء مشاهد من مدن سورية محطّمة بتفاصيلها الشعبية من حارات وأزقة وزخارف، وفي سلسلة “حقائب سفر” استخدم الحقيبة، رمز اللاجئ الذي يحمل حياته كلّها في يده، ليعيد صياغة معاناة الفارّين من الحرب بصريًا.

ولعل ما يثبت أن الفن لم يفقد وظيفته السياسية بعد سقوط النظام هي صحيفة “الثورة السورية” التي أُعيد إطلاقها في الأول من كانون الأول 2025 تحت شعار “فاصلة الحق رافعة العمران”، بعد أن كانت النسخة القديمة من الصحيفة التي حملت اسم “الثورة” فحسب واحدة من ثلاث صحف رسمية كرّس من خلالها نظام الأسد هيمنته على الإعلام منذ السبعينيات، قبل أن يوقف إصدار كل الصحف الورقية عام 2020.

بلغت الصحيفة عددها المئة هذا الشهر، وهي تفتح صفحاتها لأعمال فنانين يتناولون المشهد السياسي السوري الراهن بحرية. تنشر اليوم الصحيفة أعمالًا فنية تعالج قضايا المرحلة الانتقالية وتحدياتها من إعادة الإعمار إلى العدالة والمحاسبة، في فضاء وصفه وزير الإعلام حمزة المصطفى بأنه “مرآة لوجع الناس وحياتهم اليومية وآمالهم في فضاء من النقاش الحر”.

تاريخ عالمي من التوثيق والمقاومة

منذ غابر الأزمان، ارتبط الفن التشكيلي بالحروب كأداة أولية لتوثيق الانتصارات وتخليد القادة، كما في نقوش معركة قادش على جدران المعابد المصرية، أو على الأعمدة التذكارية كعمود تراجان في روما الذي يسرد بانوراما كاملة للحملات العسكرية، لكن مع تطور وسائل النشر مثل المطبعة والملصقات الجماهيرية في القرنين التاسع عشر والعشرين، تحول الفن من مجرد تسجيل تاريخي إلى سلاح سياسي حاد.

وخلال الحربين العالميتين أنتجت كل الأطراف المتحاربة ملصقات دعائية (propaganda posters) بملايين النسخ صُمّمت لتحريض الجماهير على التجنيد وتحويل الخوف والغضب إلى طاقة جماعية موجّهة، قبل أن تنقلب المعادلة في النصف الثاني من القرن العشرين، ويصبح الفن سلاحًا ضد الدعاية لا في خدمتها، هذه الملصقات، أثبتت قدرة الفن البصري على تبسيط الأفكار المعقدة وتحويل أحاسيس الخوف والغضب إلى طاقة جماعية موجهة سياسيًا.

اليوم تحول الفن في سوريا إلى أرشيف حي للذاكرة الوطنية؛ إذ يعمل الفنانون السوريون، في الداخل والخارج، على توثيق عقود من القمع والحرب بجرأة إبداعية، ويأتي معرض “معتقلون ومغيبون” كمشاركة تساهم في صياغة الرواية التاريخية، محولًا القصص إلى شهادات بصرية لا يمكن محوها، لتكون ركيزة أساسية في بناء الوعي الجماعي السوري.

علاماتالحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري ، العدالة الانتقالية في سوريا ، العدالة في سوريا ، المجتمع السوري
مواضيعالأزمة السورية ، الثورة السورية ، الشأن السوري ، المجتمع السوري ، سوريا

قد يعجبك ايضا

مجتمع

تسريبات صيدنايا: فوضى تُربك مسار العدالة

حسن إبراهيم٢٩ أبريل ٢٠٢٦
مجتمع

قصة “المكتومين”: كيف تشكّلت أزمة عديمي الجنسية في سوريا؟

زين العابدين العكيدي٢٨ أبريل ٢٠٢٦
مجتمع

“جزار التضامن” وعاطف نجيب في قبضة العدالة: هل يشهد الضحايا خاتمة أحزانهم؟

سجود عوايص٢٧ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑