عندما أُعلن في أكتوبر/تشرين الأوّل 2025 عن وقف إطلاق النار في غزة، جرى الاتفاق على ما يسمى “الخط الأصفر” بوصفه خط سيطرة إسرائيلية “مؤقتة” لقوات الاحتلال شرق القطاع.
ثم ظهرت خرائط إسرائيلية داخلية تضيف “الخط البرتقالي”، وهو نطاق أوسع لا يظهر بوضوح على الأرض لكنه يحدد أين تصبح الحركة مرهونة بالتنسيق مع جيش الاحتلال. فما قصة الخطين وكم تلتهم “إسرائيل” عبرهما قطاع غزة؟
ماذا تقول الخريطة؟
وفق خريطة وقف إطلاق النار، بقي جيش الاحتلال داخل مساحة واسعة شرق القطاع، قُدرت بنحو 53% من غزة ضمن الخط الأصفر غير المرئي الذي يعني الموت لمن يقترب منه.
فالحزام الذي انسحب إليه جيش الاحتلال يصل في بعض المناطق إلى عمق 7 كيلو مترات، ويشمل معظم الأراضي الزراعية، ونقاطًا مرتفعة، ومعابر حدودية، ما يحصر أكثر من مليوني فلسطيني في شريط أضيق على الساحل ووسط القطاع.
أي أن الخط لم يكن مجرد علامة حدودية، بل بنية تحكم في الأرض والإمداد والرؤية العسكرية، وفي المكان الذي يستطيع الفلسطيني أن يزرعه أو يدخله أو يمر منه، لكنه رغم ذلك لم يبق ثابتًا، فقد تحرك غربًا خلال الأشهر الستة التالية للهدنة.
وقدّر تحليل لـ Forensic Architecture أن مساحة سيطرة جيش الاحتلال من خلال “الخط الأصفر”، ارتفعت إلى 58% من القطاع بحلول ديسمبر/كانون الأول 2025.
وفي مناطق عدة، نُقلت الكتل الإسمنتية الصفراء، وبُنيت سواتر ترابية ونقاط محصنة وأبراج مراقبة، حتى بلغ عدد المواقع العسكرية على امتداد الخط 32، بينها 7 مواقع جديدة.
لم يتوقف الأمر هنا، فقد بدأ جيش الاحتلال بالحديث عن خط آخر باللون البرتقالي مطلع العام 2026 ضمن خرائط التنسيق الإنساني التي تعاملت معها وكالات الإغاثة.
وأرسلت “إسرائيل” خرائط محدثة للخط البرتقالي إلى منظمات الإغاثة العاملة في القطاع منتصف مارس/آذار 2026 لتضيف طبقة جديدة من السيطرة غير المعلنة على المدنيين.
وتدّعي سلطات الاحتلال أن المنطقة الواقعة بين الخطين الأصفر والبرتقالي تهدف لتنظيم حركة المنظمات الدولية وإخضاع الوصول الإنساني للإذن العسكري.
لكن قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية “أوتشا” إن حدود هذه المنطقة “تُحدد وتُحدّث” من قبل جيش الاحتلال وفق التقييم العملياتي ودون إبلاغ المدنيين، ما يعني أن الخريطة تصبح أداة تحكم يومي بالنار.
الفرق بين اللونين إذن ليس تفصيلًا بصريًا، فالخط الأصفر يحدد منطقة انتشار وسيطرة فعلية، أما البرتقالي فيصنع حزامًا رماديًا بين الحياة ومنطقة إطلاق النار ويخضع حركة الإغاثة والسكان لمزاج القرار العسكري.
ونقلت صحيفة الغارديان عن منظمات عاملة في غزة أن “الخط البرتقالي” لا يُعلّم على الأرض وأن المسافة بينه وبين “الخط الأصفر” قد تتراوح بين 200 و500 متر.
وعندما يتحرك “الخط الأصفر”، لا يكون السكان قد عبروا إلى الخطر بالضرورة؛ بل قد يكون الخطر نفسه قد تحرك نحوهم. ونقلت رويترز عن سكان يعيشون بين الخطين أنهم لا يعرفون أين تبدأ الحدود وأين تنتهي، وأن الخط قد يكون في مكان اليوم ثم يتغير في اليوم التالي.
بذلك تتحول الخريطة من وسيلة تنظيم إلى مصدر خطر: من لا يراها، أو لا يملك حق التنسيق معها، يصبح معرضًا للقتل أو النزوح أو الحرمان من الخدمات.
ما أثر هذه الخطوط؟
أثر هذه الخطوط لا يظهر في الخرائط وحدها، بل في توزيع السكان والخدمات، إذ قدّرت أوتشا نهاية يناير/كانون الثاني وجود 14,133 أسرة بين الخطين الأصفر والبرتقالي، بينها تجمعات جديدة في شمال غزة، مع وصول محدود إلى الخدمات الأساسية.
وبعد ذلك، في فبراير/شباط، قيّمت أوضاع أكثر من 1,800 أسرة قرب “الخط البرتقالي” في دير البلح، ووجدت أن احتياجاتها الأساسية تشمل مياه الشرب، الغذاء، مضخات المياه، الخيام، مواد النظافة، ومستلزمات الشتاء، ما يعني أن الهدنة لا تقسم الأرض فقط، بل تصنف الناس أمنيًا بحسب قربهم من خط لا يرونه ولا يملكون حق معرفته.
وتطال القيود البنية الإنسانية نفسها، إذ أفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” بأن 127 منشأة تابعة لها تقع داخل المنطقة العسكرية خلف “الخط الأصفر” أو في مناطق يتطلب الوصول إليها تنسيقًا.
بينما قالت الغارديان إن تحرك “الخط البرتقالي” أدخل 10 منشآت أممية أخرى، بينها ملاجئ طوارئ للنازحين، إلى الجانب الخطر من الخط.
وحين تصبح الحركة مشروطة بالإذن، تتحول المساعدة نفسها إلى عملية محفوفة بالخطر، فقد ذكرت أوتشا أنه بين 17 و24 مارس/آذار جرى تنسيق 32 حركة إنسانية داخل غزة مع سلطات الاحتلال، لكن 12 فقط سُهّلت بالكامل، بينما واجهت أخرى عراقيل أو رُفضت أو أُلغيت.
يتجاوز الأمر ذلك إلى توسيع دائرة الاستهداف، فقد استشهد ثلاثة فلسطينيين يعملون مع منظمات إغاثية أجنبية، بينهم اثنان مع يونيسف وآخر مع منظمة الصحة العالمية، منذ منتصف مارس/آذار في المنطقة الواقعة بين الخطين.
بينما نقلت الغارديان أن التوسع المتواصل جعل السكان يستيقظون أحيانًا ليجدوا أنفسهم داخل منطقة إطلاق نار. وقال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في مارس/آذار إن “أكثر من نصف القطاع” تحت سيطرة “إسرائيل”.
واليوم تتمثل النتيجة الميدانية لهذا التطور في ثلاث مناطق غير متكافئة: منطقة خلف “الخط الأصفر” تحت سيطرة جيش الاحتلال وقد أُفرغت إلى حد كبير من السكان.
ومنطقة بين الخطين تعمل كحزام غامض يحتاج إلى إذن وتنسيق، ثم شريط ساحلي وغربي أضيق تحشر فيه غالبية سكان غزة.
وقال جاد إسحق، مدير معهد الأبحاث التطبيقية في القدس، إن هذه المعادلة تترك جيش الاحتلال مسيطرًا فعليًا على 64% من غزة، وتحشر ما يقارب مليوني فلسطيني في مساحة ساحلية ضيقة، معتبرًا أن الهدف هو وضع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين في أصغر مساحة ممكنة.