في ظل تسارع التطورات الإقليمية وتنامي المخاوف من التحولات الجيوسياسية المتلاحقة نتيجة التصعيد الأمريكي الإسرائيلي تجاه إيران، تأتي زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة -بحسب الخارجية السورية- كخطوة لدفع مسار العلاقات الثنائية بين مصر وسوريا نحو مرحلة جديدة، في وقت تتبنى فيه دمشق الجديدة سياسة خارجية تتخذ من كسر العزلة بوصلة رئيسية ومن تنويع الشراكات الدولية استراتيجية صلبة.
كما تأتي هذه الزيارة غير البروتوكولية بعد سلسلة جولاته المكوكية شرقًا وغربًا، شملت روسيا وأوروبا ومنطقة الخليج، قبل أن تتوج بمحطته في القاهرة، ما يفتح المجال لتساؤلات حول الملفات التي يحملها الشيباني وأهدافه الاستراتيجية في توقيت حساس إقليميًا، يعكس ديناميات متغيرة وتفاعلات جديدة على مستوى الشرق الأوسط.
سياق مهم.. دلالة التوقيت
تأتي زيارة الشيباني إلى القاهرة في توقيت تشهد فيه العلاقات المصرية السورية حالة من الفتور النسبي، رغم مؤشرات الانفتاح الحذر خلال الأشهر الماضية، وذلك في ظل تباين في الرؤى حيال عدد من الملفات الإقليمية، إلى جانب تصاعد خطاب إعلامي غير منضبط في بعض المنصات، أسهم في تغذية حالة من الاحتقان على المستوى الشعبي.
ومن بين أبرز القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، ما يُتداول بشأن أوضاع الجالية السورية في مصر التي يتجاوز عددها 1.5 مليون في ظل حديث متكرر عن تحديات تتعلق بالإقامة وتضييقات إجرائية، وهو ما زاد من حدة النقاش الشعبي بين الجانبين.
كما ساهم قرار محافظة حمص تغيير اسم شارع يحمل اسم الفريق عبدالمنعم رياض إلى “18 نيسان” في تصاعد هذا الجدل، فرغم تأكيد الجهات المحلية أن الخطوة تأتي في سياق تخليد أحداث داخلية، إلا أنها قوبلت بردود فعل غاضبة في الأوساط المصرية، نظرًا لما يحمله الاسم السابق من رمزية وطنية.
في المقابل، تتزامن الزيارة مع تقارب متسارع بين دمشق وعدد من العواصم الخليجية، تجلّى في استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة طرح سوريا كشريك عربي فاعل، وهو سياق لا يمكن فصله عن قراءة تحركات الشيباني، بما في ذلك زيارته إلى القاهرة، التي تبدو امتدادًا لهذا المسار الأوسع لإعادة التموضع العربي.
وتأتي هذه التحركات في ظل تصعيد إقليمي متزايد على خلفية التوتر الأمريكي الإسرائيلي تجاه إيران، وهو ما أعاد خلط أوراق التوازنات الإقليمية، ودفع العديد من القوى إلى إعادة تقييم تحالفاتها وسياساتها الخارجية، كما يتقاطع ذلك مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في أكثر من ساحة، بما في ذلك لبنان وسوريا، في ظل محاولات لفرض وقائع ميدانية جديدة تحمل تداعيات مباشرة على الأمن القومي العربي.
تعزيز العلاقات الدبلوماسية
يتصدر ملف إعادة تفعيل العلاقات الدبلوماسية بين دمشق والقاهرة أجندة زيارة وزير الخارجية السوري، في ظل تعثر سابق حال دون استكمال إجراءات اعتماد دبلوماسيين سوريين للعمل في السفارة بالعاصمة القاهرة، نتيجة عدم اكتمال عودة العلاقات بشكل رسمي.
وتشير تقديرات داخلية إلى أن الزيارة الحالية تمثل فرصة لتهيئة المناخ السياسي والدبلوماسي لإعادة ترتيب التمثيل بين الجانبين، بما يشمل تسوية أوضاع الكوادر القائمة وفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارًا في إدارة العلاقات الثنائية.
وفي سياق أوسع، تمضي دمشق بخطى متسارعة نحو إنهاء العزلة السياسية التي فُرضت عليها خلال المرحلة السابقة، عبر تبني مقاربة دبلوماسية متعددة الاتجاهات، تتسم بالمرونة والابتعاد عن الاصطفافات الأيديولوجية، بما يتيح لها الانفتاح المتزامن على الغرب والشرق والعالم العربي، في إطار استراتيجية قائمة على تنويع الشراكات وتوسيع هامش الحركة السياسية.
⭕ #واشنطن و #دمشق.. مواجهة دبلوماسية أم بداية لتفاهمات جديدة؟
🗓️ في خطوة لافتة، قدّمت الولايات المتحدة قائمة مطالب إلى الحكومة السورية، تتضمن:
-تدمير ما تبقى من الأسلحة الكيميائية
-تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب
-إبعاد المقاتلين الأجانب عن مراكز النفوذ
📩 نكمل في المقال… pic.twitter.com/X9ATCn71JI
— نون بوست (@NoonPost) April 9, 2025
وتعكس تحركات الدولة السورية الجديدة نهجًا براغماتيًا واضحًا في إدارة سياستها الخارجية، وهو ما يتجلى في خريطة الزيارات التي قادها الشيباني ومسؤولون آخرون خلال الفترة الماضية؛ بدءًا من الانفتاح على الولايات المتحدة بهدف بحث ملف العقوبات، مرورًا بدول الخليج في إطار مسار التطبيع وتعزيز الشراكات، ووصولًا إلى أوروبا سعيًا لاكتساب قدر أكبر من الشرعية الدولية، بالتوازي مع تعزيز الحضور الداخلي.
وفي هذا الإطار، تكتسب زيارة القاهرة أهمية خاصة، إذ تأتي في سياق السعي لتحقيق توازن عربي يعيد تموضع سوريا داخل الإقليم، انطلاقًا من إدراك مشترك لدى دمشق والقاهرة لدورهما المحوري كركيزتين أساسيتين في معادلة الاستقرار الإقليمي.
برغماتية مشتركة
في المقابل، وبينما تسعى دمشق من خلال هذه التحركات الدبلوماسية إلى إعادة تموضعها عربيًا بعد سنوات من العزلة، تتحرك القاهرة في اتجاه موازٍ لترسيخ دور متوازن داخل الإقليم، قائم على الحفاظ على شبكة علاقات مستقرة مع مختلف الأطراف.
ولم يكن البعد الاقتصادي غائبًا عن المشهد، إذ تسعى القاهرة إلى ترسيخ حضورها في ملف إعادة إعمار سوريا، مستفيدة من ما تمتلكه من خبرات فنية وقدرات لوجستية تؤهلها للعب دور فاعل في هذا المسار، في المقابل، تنظر دمشق إلى السوق المصري باعتباره بوابة اقتصادية واعدة لتعزيز انخراطها التجاري والاستثماري، لا سيما في ضوء النجاحات اللافتة التي حققتها الجالية السورية في مصر خلال العقد الأخير، بما يوفر أرضية عملية يمكن البناء عليها لتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وفي هذا السياق، تبدو المقاربة المصرية أقرب إلى تغليب منطق المصالح المشتركة على نقاط الخلاف الأيديولوجي، بما يفتح المجال أمام إعادة تنشيط العلاقات الثنائية واستعادة زخمها، وهي علاقات لطالما شكّلت، على مدار عقود، إحدى ركائز التوازن والاستقرار في المنطقة، بما يجعل إعادة تفعيلها اليوم جزءًا من معادلة أوسع لإعادة ضبط الإيقاع الإقليمي.
اختبار لمرحلة جديدة في توقيت حساس
في ظل التحديات المشتركة التي تواجه كلًا من سوريا ومصر والتي تفاقمت حدتها بفعل تداعيات الحرب والتحولات الإقليمية يبدو أن تدشين مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة البلدين على التكيف مع المتغيرات المتسارعة، عبر إعادة تقييم طبيعة علاقتهما بما يضمن تغليب المصالح الاستراتيجية على أي تباينات أيديولوجية أو خلافات ظرفية.
وتحمل الزيارة في طياتها إمكانية أن تكون مدخلًا لمرحلة أوسع من الانخراط المتبادل، قد تتجسد في تبادل زيارات رفيعة المستوى بين قيادتي البلدين، أو الدفع نحو إبرام اتفاقات تعاون وشراكات استراتيجية، فضلًا عن معالجة الملفات العالقة التي أسهمت في توتير الأجواء خلال الفترة الماضية.
وفي المحصلة، قد تمثل هذه الزيارة محطة مهمة في مسار تفكيك نقاط الخلاف وإعادة ترتيب أولويات التحالفات، في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين، بما قد يمهد للانتقال من نمط العلاقات الحذرة إلى شراكة أكثر تكاملًا، وهو مسار إن تحقق سيعزز من قدرة البلدين على مواجهة التحديات المشتركة.. فهل تنجح مهمة الشيباني في تحويل هذا الزخم إلى واقع ملموس؟