بينما كانت شركتا “كاثي باسيفيك” التابعة لهونج كونج، و”الخطوط الجوية السنغافورية”، في أوج نجاحهما خلال منتصف الثمانينيات، سجّل أنطوني سامبسون في كتابه “إمبراطوريات السماء” عام 1984 ملاحظة لافتة قال فيها: “إن حجم شركات الطيران في آسيا لا يرتبط بعدد سكان بلدانها، فلدينا اثنتان من أصغر الدول تمتلكان اثنتين من أنجح شركات الطيران”. كانت تلك العبارة مدخلًا لما وصفه سامبسون بشركات “الدولة المدينة”.
وبعد عام واحد فقط من صدور الكتاب، انطلقت “طيران الإمارات” من دبي، قبل أن تبدأ “الخطوط الجوية القطرية” رحلتها عام 1994، ثم تلحق بها “الاتحاد للطيران” التي أسستها أبو ظبي بعد ذلك بنحو عقد. كانت هذه الشركات تجسيدًا لمفهوم “الدولة المدينة” بصورة أوضح، لكنها اختلفت عن كاثي باسيفيك والخطوط السنغافورية في كونها مملوكة للحكومات، ضمن رؤية أوسع تتجاوز قطاع الطيران نفسه.
هناك مخاض طويل، مليء أحيانًا بالدهشة وأحيانًا أخرى بالأزمات، سبق وصول شركات الطيران الرائدة ومطارات الشرق الأوسط إلى مرحلة تُرشَّح فيها لاستضافة 530 مليون مسافر بحلول عام 2043، مع توقعات بارتفاع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي بنسبة 150% خلال الفترة نفسها، لتصل إلى 730 مليار دولار.
في صيف عام 2015، برزت مفارقة لافتة بالتوازي مع الانهيار الحاد في أسعار النفط، الذي وصل تراجعه إلى نحو 70%، فبينما كانت الاقتصادات النفطية تواجه ضغوطًا متزايدة، تصدّر الشرق الأوسط عالميًا معدلات نمو الطاقة الاستيعابية للمقاعد الجوية، ولا تكاد أي منطقة أخرى تقترب منه، حيث تمكنت شركات الطيران الخليجية والخطوط الجوية التركية من مضاعفة أعداد ركابها ثلاث مرات، لتصل إلى 155 مليون مسافر في ذلك العام.
كانت تلك الأرقام، التي عرضتها شركة “OAG”، مؤشرًا على تحوّل أعمق في سياسات دول الشرق الأوسط، وخاصة الدول المصدّرة للنفط في الخليج، تجاه تقليل الاعتماد على العائدات النفطية، وتطوير قطاعات جديدة قادرة على حماية الاقتصادات من تقلبات الأزمات، ومنها قطاع الطيران.
فسر هذا التناقض الظاهري بين هبوط النفط وصعود الطيران، طموحًا كان لدى دول الخليج وتركيا، فمشروع الطيران لم يكن يومًا مجرد وسيلة نقل، بل أصبح مع مطلع القرن الجديد مشروعًا وطنيًا متكاملًا، جسد رهانات مختلفة باختلاف خطة كل دولة، على مستقبل ما بعد النفط.
تُدرك قطر والإمارات والسعودية وتركيا، كلٌّ بطريقتها، أن الطائرة التي تحمل شعار الدولة، وتحلّق من مطار إلى آخر، لا تنقل ركابًا وأمتعة، بل تحمل معها صورة الدولة وعلاقاتها وقوتها الناعمة، إلى جانب مشروع اقتصادي وطني متكامل، لكن الحيّز الجغرافي الذي تتحرك داخله هذه الطموحات، لم يكن دائمًا عاملًا مساعدًا على تحقيقها.
في هذه المعمقة، نحاول تتبّع مسار مشروع الطيران في دول الخليج وتركيا، كيف بدأ، وما الذي حمله في طيّاته إلى جانب جدواه الاقتصادية، وماذا حقق حتى لحظة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وفي ختامها، نحاول الإجابة عن سؤال نفترضه جدلًا: هل تعيد الحرب الجارية رسم صورة مشروع الطيران بالكامل، أم أنها مجرد أزمة أخرى عابرة؟
الجغرافيا.. اللعنة والمنة
في عام 2023، كان يُفترض بمنطقة الشرق الأوسط أن تدخل عصرًا جديدًا، لكن ذلك العصر، وببالغ الأسف، لم يحمل بشائر مطمئنة للعديد من دول المنطقة، وعلى رأسها دول الخليج وتركيا، التي وجدت نفسها خضم منطقة يُعاد تشكيلها من جديد تحت نيران الحرب الضروس بين إسرائيل وراعيّتها الولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى.
بلغت تلك الحرب ذروتها بعد جولات متتالية خلال عامي 2024 و2025، قبل أن تنفجر بصورة أوسع عام 2026، في حرب استمرت شهرًا كاملًا، ولا يزال مصيرها معلّقًا حتى الآن، لكن المشهد الأكثر لفتًا للانتباه خلالها كان: استباحة السماء.
أثبتت المسيّرات والصواريخ قدرتها على مراوغة أنظمة الدفاع الجوي المتطورة في دول الخليج، مثل “ثاد” و”باتريوت”، وكذلك “القبة الحديدية” في إسرائيل، وتحول المجال الجوي إلى مساحة معطّلة ومحتكرة بالكامل تقريبًا لصالح الصواريخ والمسيّرات، لا الطائرات المدنية.
وبينما كان مشروع الطيران يحمل أملًا سعيدًا بالاستدامة الاقتصادية بعيدًا عن النفط، وجد نفسه، شأنه شأن النفط، رهينة لحالة الحرب والقلقلة في الشرق الأوسط، والتي بدأ أنها تكبر يومًا بعد يوم ككرة ثلج لا تتوقف.
وأصبحت المطارات المدنية، التي كانت تستقبل آلاف الرحلات يوميًا، في مقدمة الأهداف العسكرية، فقد تعرضت مطارات في الكويت والإمارات والبحرين وقطر لهجمات وقصف إيراني، ما دفع بعض تلك الدول إلى نقل عدد من طائراتها إلى مطارات خارج البلاد كإجراء احترازي، لحمايتها من أي أضرار محتملة، وفق ما أفادت به تقارير صحفية.
وكان مطار دبي الدولي من بين أبرز الأمثلة على ذلك، إذ شهد عدة هجمات خلال الحرب الجارية. وأظهرت مقاطع فيديو انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي حالة من الذهول بين المسافرين داخل المطار، بينما كانوا يشاهدون أعمدة الدخان والنيران تتصاعد في محيط المطار الذي يُعد أحد أهم مراكز الطيران في العالم، والأكثر ازدحامًا عالميًا من حيث حركة المسافرين الدوليين.
هذا هو الشرق الأوسط ببساطة؛ منطقة تدفعنا دائمًا لاستحضار مقولة الجغرافي البريطاني تيم مارشال، التي افتتح بها كتابه الشهير “سجناء الجغرافيا”، حين قال: “غالبًا ما يتم تجاهل الحقائق الطبيعية التي تقوم عليها السياسات الوطنية والدولية، سواء في الكتابة عن التاريخ أو في التقارير المعاصرة عن الشؤون العالمية. من الواضح أن الجغرافيا جزء أساسي من معرفة الوقائع والأحداث وفهم أسبابها. قد لا تكون العامل الحاسم دائمًا، لكنها بالتأكيد الأكثر اعتبارًا”.
وبالنظر إلى الجغرافيا وحدها، تظهر حقيقة بسيطة تفسّر الكثير فيما يتعلق بمنطقة الخليج، فهي تقع في قلب العالم القديم، بين أوروبا وشرق آسيا، وبفضل الموقع الاستثنائي لدبي وأبو ظبي والدوحة والرياض، يمكن أن يصل المرء إلى معظم مدن العالم عبر رحلة مباشرة واحدة، أو في أسوأ الأحوال، عبر توقف واحد فقط.
تُضاف إلى ذلك مزايا أخرى تتعلق بعوامل التكلفة؛ فأسعار وقود الطائرات أقل، ورسوم المطارات أدنى بكثير من نظيراتها الأوروبية، بل إنها أحيانًا لا تتجاوز عُشر الرسوم المفروضة في مطارات العواصم الغربية، ولا قيود على الرحلات الليلية، ما يتيح تشغيل الطائرات بكفاءة أعلى مقارنة بكثير من مناطق العالم الأخرى، كما يشير الباحث جون أوكنيل إلى هذه العوامل في ورقته البحثية المعنونة “صعود شركة الطيران في الخليج العربي: نظرة على نموذج أعمال طيران الإمارات”.
إلى جانب ذلك، مكنت عوامل أخرى شركات الطيران الخليجية، باعتبارها حديثة العهد نسبيًا في هذا القطاع، على شق طريقها بسرعة نحو الصدارة، حيث استثمرت في أساطيل حديثة تتناسب تمامًا مع نموذج أعمالها. ففي البداية، حظيت طائرة “بوينغ 777” ذات المحركين بأفضلية واضحة، بفضل سعتها التي تصل إلى 300 مقعد ومدى طيرانها البالغ نحو 7000 ميل بحري. ولاحقًا، تحولت طائرة “إيرباص A380” العملاقة إلى أداة فعالة لنقل أكثر من 500 راكب من وإلى المطارات المزدحمة، حيث كانت مواعيد الإقلاع والهبوط محدودة، لكن بكلفة تشغيلية أكثر جدوى.
ويقول أندرو تشارلتون، أحد الخبراء الاستشاريين في قطاع الطيران: “أدت المنافسة إلى انخفاض الأسعار، وكانت شركات الطيران الخليجية عاملًا حاسمًا في تغيير قواعد اللعبة التنافسية، عبر إضافة سعات جديدة إلى أسواق الطيران طويلة المدى، بل وإنشاء أسواق جديدة بالكامل، وبالتالي، كان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى انخفاض أسعار تذاكر الطيران”.
في عام 2024، استقبل مطار دبي نحو 92 مليون مسافر، ليصبح أكثر مطارات العالم ازدحامًا بالمسافرين الدوليين، متفوقًا على مطار هيثرو في لندن الذي استقبل قرابة 83 مليون مسافر. وفي العام نفسه، استقبل مطارا أبو ظبي والدوحة مجتمعين نحو 87 مليون مسافر. وفي الظروف الطبيعية، تستقبل هذه المطارات الخليجية مجتمعة أكثر من 3000 رحلة جوية يوميًا، تشغّل الشركات الوطنية لمعظم تلك الدول النسبة الأكبر منها.
لكن الجغرافيا، وإن كانت قادرة على تفسير جزء كبير من نجاح المشروع، إلا أنها لا تكفي وحدها. الأردن، مثلًا، يتمتع بجغرافيا مشابهة نسبيًا لدول الخليج، وكان بإمكانه نظريًا أن يتحول إلى أحد مراكز الطيران المهمة عالميًا، لكن الموارد النفطية لعبت الدور الحاسم، حين قررت دول صغيرة مثل قطر والإمارات، التي لا يتجاوز مجموع عدد مواطنيها نصف عدد سكان الأردن تقريبًا، أن تجعل من الطيران مشروع دولة متكاملًا.
مع ذلك، يمكن للجغرافيا ذاتها أيضًا، إلى جانب النفط، أن تتحول أيضًا إلى كعب أخيل لهذه المشاريع عند أي كارثة تصيب الشرق الأوسط والخليج، كما كشفت الحرب الأخيرة، ففي الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، شهدت شركات الطيران في المنطقة تراجعًا ملحوظًا في معدلات استخدام خدماتها، فبرغم ارتفاع عدد الرحلات الجوية في يناير 2026 بنسبة 13% مقارنة بعام الجائحة 2020، إلا أن معدلات الاستخدام الفعلية انخفضت بصورة أكثر وضوحًا، حيث بلغت نسبة التراجع نحو 55% بين يناير ومارس، بالتزامن مع انخفاض مماثل في ساعات الطيران. وفي الأيام الأولى وحدها من اندلاع الحرب، أُلغي ما يقارب 30 ألف رحلة جوية.
الخليج الذي بنى اقتصادًا فوق السحاب
الإمارات وسفاراتها الطائرة
في الماضي، كانت دبي مجرد محطة متواضعة في عالم الطيران، تؤدي دور نقطة توقف للطائرات المائية الفاخرة التي كانت تقطع رحلات طويلة من المملكة المتحدة إلى أجزاء أبعد من الإمبراطورية البريطانية، مثل الهند وأستراليا. وبحلول ستينيات القرن الماضي، كان لديها مدرج بسيط وسط رمال الصحراء، تستخدمه الطائرات للتزود بالوقود قبل مواصلة رحلاتها إلى وجهات مختلفة.
لكن مع إقلاع أول طائرة تحمل شعار “طيران الإمارات” من مطار دبي الدولي باتجاه كراتشي ومومباي عام 1985، بدأت الإمارات تكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الطيران الخليجي، ورغم أن الطائرة وطاقمها كانا مستأجرين من “الخطوط الجوية الباكستانية”، وبميزانية لم تتجاوز عشرة ملايين دولار، فإن تلك اللحظة كانت بداية قصة “فلاي إيميريتس”.
وبحلول عام 2024، أظهرت التقارير أن مطار دبي الدولي استقبل 92.3 مليون مسافر خلال عام واحد فقط، بينما تنقل “طيران الإمارات” أكثر من 43 مليون مسافر سنويًا. وبالنسبة لدبي، أصبح قطاع الطيران أحد أعمدة الاقتصاد الرئيسية، إذ يساهم بنحو 27% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى 32% بحلول عام 2030، مقارنة بمساهمة النفط التي باتت بالكاد تصل إلى 1%.
أما الوجه الآخر لنجاح قطاع الطيران الإماراتي، فيتمثل في “الاتحاد للطيران”، الناقلة الوطنية لإمارة أبو ظبي، ففي الإمارة نفسها، تباهى مطار الشيخ زايد الدولي عام 2025 بقدرته على استقبال 32.5 مليون مسافر للمرة الأولى، بنمو بلغ 12.8%، وتزامن ذلك مع توسع “الاتحاد للطيران” عبر إطلاق 39 خطًا جديدًا، ضمن خطة تستهدف رفع عدد مستخدمي المطار إلى 39.3 مليون مسافر بحلول عام 2030، إلى جانب زيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لإمارة أبو ظبي إلى نحو 90 مليار درهم خلال الفترة نفسها. وعند جمع كل هذه الأرقام معًا، ندرك حجم الدور الذي يلعبه قطاع الطيران في الاقتصاد الإماراتي.
في أبريل 2025، أصدر الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا” تقريره المعنون “قيمة النقل الجوي بالنسبة للاقتصاد الإماراتي”. ويعتمد التقرير في قياس أثر قطاع الطيران على الاقتصاد على مجموعة من المؤشرات، أبرزها عدد الوظائف التي يوفرها القطاع، وحجم مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، بما في ذلك شركات الطيران ومشغلي المطارات والشركات العاملة داخلها ومقدمي خدمات الملاحة الجوية، إلى جانب الشركات المصنعة.
وبحسب هذه المعايير، قدّرت “إياتا” أن قطاع الطيران في الإمارات يوفر بشكل مباشر نحو 206,800 وظيفة، ويساهم في توليد 26.6 مليار دولار من الناتج الاقتصادي، أي ما يعادل 5.3% من إجمالي الناتج المحلي للدولة.
كما تضيف السياحة المدعومة بالطيران نحو 22 مليار دولار أخرى إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر ما يقارب 297,300 وظيفة. كما تشير بعض التقديرات إلى أن السياح الذين يزورون الإمارات ينفقون سنويًا نحو 47.7 مليار دولار داخل الاقتصاد المحلي، عبر شراء السلع والخدمات من الشركات والأسواق المختلفة.
ومن خلال سلاسل التوريد الواسعة، وإنفاق العاملين، والأنشطة السياحية المرتبطة بالطيران، يصل إجمالي مساهمة اقتصاد النقل الجوي في الإمارات إلى نحو 92 مليار دولار، أي ما يعادل 18% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توفير قرابة 991,500 وظيفة.
الخطوط القطرية ومعركة النجوم الخمس
في عام 1989، تأسست شركة “سكايتراكس” في لندن، وهي شركة متخصصة في مراجعة وتقييم وتصنيف شركات الطيران والمطارات حول العالم، وعلى سنوات مضت، راكمت الشركة سمعة واسعة كاحدة من أبرز الجهات المرجعية في هذا القطاع.
وبالنسبة لـ”سكايتراكس”، تُصنف “الخطوط الجوية القطرية” باستمرار ضمن فئة الخمس نجوم، لكن الأهم من ذلك، أنه منذ إطلاق الجائزة السنوية للشركة، المعروفة باسم “أوسكار النقل الجوي”، عام 1999، تمكنت الخطوط الجوية القطرية من تحقيق رقم قياسي بحصولها على لقب “أفضل شركة طيران في العالم” تسع مرات، كان آخرها عام 2025.
وتُمثل “الخطوط الجوية القطرية”، إلى جانب مطار حمد الدولي الذي افتُتح عام 2014 جوهرة تاج المشروع القطري، واحدة من أبرز قصص النجاح المرتبطة بالاقتصاد غير النفطي في الخليج، إذ يخدم المطار أكثر من 170 وجهة حول العالم، بينما تحتل الخطوط القطرية المرتبة العشرين عالميًا بين أكبر شركات الطيران من حيث السعة، وفق تصنيف شركة “OAG”. لكنها ترتفع إلى المرتبة السابعة عند قياس الأداء بعدد المقاعد المتاحة لكل كيلومتر (ASKs)، نظرًا لاعتمادها على رحلات طويلة المدى تتجاوز المتوسط العالمي.
ومنذ جائحة “كوفيد-19″، واصلت الشركة تحقيق معدلات نمو لافتة، إذ أصبحت سعتها التشغيلية أكبر بنسبة 12% مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة.
وتواصل “الخطوط الجوية القطرية” توسعها بخطى ثابتة؛ ففي عام 2024، ارتفعت أرباح المجموعة بنسبة 39%، بالتزامن مع زيادة أعداد المسافرين بنسبة 26% على أساس سنوي، بعدما قدمت خدماتها لأكثر من 40 مليون مسافر خلال ذلك العام. وفي السنة المالية التالية، تباهت الشركة بتحقيق زيادة قياسية جديدة في الأرباح بنسبة 28%، إلى جانب توسعة مطار حمد الدولي لرفع قدرته الاستيعابية إلى 65 مليون مسافر.
ولا ينفصل هذا التوسع عن الرؤية الاقتصادية الأوسع للدولة، فبحسب الخطة الاستثمارية القطرية لقطاع اللوجستيات، التي عُرضت عام 2024، بلغت قيمة سوق الخدمات اللوجستية في قطر نحو 10 مليارات دولار عام 2022، مساهمةً بما نسبته 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي. ويحتل القطاع موقعًا محوريًا ضمن “خطة التنمية الوطنية الثالثة”، مع توقعات بأن يسجل معدل نمو يبلغ 7.1% بحلول عام 2027، متجاوزًا العديد من الأسواق الإقليمية، ومستفيدًا من البنية التحتية المتطورة التي تشمل ميناء حمد، ومطار حمد الدولي، والخطوط الجوية القطرية.
الرياض وبوابة ما بعد النفط
تسعى السعودية لمضاعفة حركة مسافريها ثلاث مرات لكي تبلغ 330 مليون مسافر سنويًا بحلول 2030، من خلال مشاريع طموحة كمطار الملك سلمان الدولي الجديد في الرياض الذي يمتد على مساحة 57 كم مربع ويُخطط ليخدم 120 مليون مسافر بحلول 2030 و185 مليونًا بحلول 2050. تلك الأرقام، تجعله مرشحًا لأن يكون أكبر مطار في العالم. وإلى جانبه، توجد مطارات أخرى كمطار البحر الأحمر الدولي الذي يعمل بالطاقة المتجددة بالكامل، ومطار نيوم الذكي، من أجل دعم مشروع الطيران السعودي.
بينما سعت الدول الخليجية الصغرى إلى امتلاك مشاريع طيران قوية كدعامة اقتصادية لمرحلة ما بعد النفط، كان من العجيب أن الدولة الأكبر والأغنى نفطيًا في المنطقة تخلفت نسبيًا في دخول هذا المضمار، لكن “رؤية السعودية 2030” وضعت قطاع الطيران في صدارة أولويات المملكة، ضمن سباق إقليمي على بناء اقتصاد جديد يتجاوز الاعتماد التقليدي على النفط.
وتطمح السعودية إلى مضاعفة حركة المسافرين لديها ثلاث مرات، لتصل إلى 330 مليون مسافر سنويًا بحلول عام 2030، عبر مشاريع ضخمة يتصدرها “مطار الملك سلمان الدولي” الجديد في الرياض، الممتد على مساحة 57 كيلومترًا مربعًا، والذي يُخطط لأن يخدم 120 مليون مسافر بحلول 2030، و185 مليونًا بحلول 2050، وهي أرقام تجعله مرشحًا ليصبح أكبر مطار في العالم.
وإلى جانب ذلك، تعمل المملكة على تطوير مشاريع أخرى، مثل “مطار البحر الأحمر الدولي” الذي يعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة، و”مطار نيوم” الذكي، في إطار بناء منظومة متكاملة لدعم مشروع الطيران السعودي.
وفي قلب هذا التوسع تقف “طيران الرياض”، التي أُطلقت عام 2023 باعتبارها حجر الزاوية في رؤية 2030، فمن المتوقع أن تصل الشركة إلى أكثر من 100 وجهة بحلول نهاية العقد، عبر تشغيل أسطول يتجاوز 150 طائرة، بينها 60 طائرة من طراز “إيرباص”، وهو الطراز الذي يهتم مشروع الطيران السعودي كثيرًا بامتلاكه، إذ أعلنت المملكة عام 2025 عن أكبر صفقة “إيرباص” في تاريخها، بطلبية بلغت قيمتها 19 مليار دولار لشراء 105 طائرات من طراز A320neo، بهدف تزويد شركات الطيران الاقتصادية بها، وعلى رأسها “فلاي أديل”، التي تسعى بدورها إلى مضاعفة أسطولها إلى 100 طائرة بحلول عام 2030.
بعيدًا عن رؤية 2030، التي تهدف إلى توفير 200 ألف وظيفة إضافية، ورفع مساهمة قطاع الطيران في الناتج المحلي إلى 20 مليار دولار، لا يُعد اقتصاد المجال الجوي مساهمًا بسيطًا في الوقت الحالي، فوفقًا لورقة صادرة عن “أفييشن بيزنس الشرق الأوسط”، يُساهم قطاع الطيران حاليًا بنسبة 8.6% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، بقيمة تقارب 91 مليار دولار أمريكي، ويوفر حوالي 1.4 مليون وظيفة، وتلك الأرقام تمثل زيادة تتجاوز 150% مقارنة بوضع ذاك الاقتصاد عام 2016.
وعمومًا، تتوقع الورقة أن يتمكن القطاع بحلول عام 2043 من توليد أكثر من 200 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي، مع توفير نحو مليون وظيفة. أما على المدى الأقرب، فقد يصبح قطاع الطيران، بحلول نهاية العقد الحالي، مساهمًا في الناتج المحلي غير النفطي بدرجة تفوق قطاعات رئيسية أخرى مثل قطاع التعدين.
تركيا ورهان المئوية
بالنسبة لتركيا، ثمة نقطة أساسية يجب أخذها بالاعتبار عند النظر إلى مشروع “الخطوط الجوية التركية” واقتصاد النقل الجوي فيها، فتركيا ليست دولة نفطية أصلًا، ولا تبحث عن اقتصاد “ما بعد النفط” كما هو الحال في الخليج، بقدر ما كان دخولها عالم الطيران جزءًا من سعيها لبناء رافعة اقتصادية وجيوسياسية تعزز موقعها الإقليمي والدولي.
بدأت “الخطوط الجوية التركية” رحلاتها عام 1933 بخمس طائرات فقط، وأقل من 30 موظفًا، لكن بحلول عام 2025، أصبحت الشركة تصل إلى عدد من الدول يفوق أي شركة طيران أخرى في العالم، عبر شبكة تمتد إلى نحو 130 دولة وما يقارب 300 وجهة دولية. ولدى الشركة طموحات ضخمة مع اقتراب ذكراها المئوية، إذ تسعى بحلول عام 2033 إلى رفع حجم أسطولها إلى 800 طائرة. ولا يبدو هذا الهدف بعيدًا عن المنطق، إذا ما أُخذ بعين الاعتبار “مطار إسطنبول الدولي”، الذي افتُتح عام 2018 وصُمم ليستوعب في نهاية المطاف نحو 200 مليون مسافر سنويًا.
ولا تزال الحكومة التركية تضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية المرتبطة بالمطار، ففي مطلع عام 2026، أعلنت “الخطوط الجوية التركية” عن استثمار يتجاوز 2.3 مليار دولار لتحويل مطار إسطنبول إلى منظومة طيران متكاملة، تشمل توسيع محطة الشحن الجوي، ومركز صيانة المحركات، ومرافق التموين.
وخلال العقد الأخير، نجحت “الخطوط الجوية التركية” في ترسيخ مكانتها، ليس فقط بين كبرى شركات النقل الجوي، بل في قطاع الشحن الجوي كذلك، حيث صعدت خدمات الشحن التابعة لها بهدوء من لاعب متوسط الحجم إلى واحدة من أكبر ثلاث شركات شحن جوي في العالم، مستفيدة من تطوير محطة الشحن “سمارتيست” في مطار إسطنبول الدولي.
وتعمل الشركة حاليًا على المرحلة الثانية من المشروع، في إطار خطة تستهدف مضاعفة طاقة مناولة الشحن الجوي من نحو 2.2 مليون طن سنويًا إلى 4.5 مليون طن بحلول عام 2027. وإذا تحقق هذا الطموح، فسيضع إسطنبول بين أكبر مراكز الخدمات اللوجستية الموحدة في العالم، عبر ربط مراكز التصنيع الآسيوية بأسواق الاستهلاك الأوروبية، والاقتصادات سريعة النمو في أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال نقطة وصل واحدة.
وفي تقرير “إياتا” لعام 2025 حول قيمة الطيران بالنسبة للاقتصاد التركي، تظهر صورة أوضح لحجم هذا القطاع، حيث يساهم اقتصاد النقل الجوي بنحو 82.4 مليار دولار في الاقتصاد التركي، شاملاً الأثر الكلي لسلاسل التوريد، وإنفاق الموظفين، والأنشطة السياحية، وهو ما يعادل 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي لتركيا، إلى جانب توفير نحو مليوني وظيفة، منها 53 ألف وظيفة مباشرة في قطاع الطيران.
لكن الطموح التركي لا يتوقف عند هذا الحد، حيث تمتلك الشركة خطة استراتيجية مرتبطة بذكراها المئوية، تُعرف باسم “رؤية 2033″، والتي أشرنا إلى بعض أهدافها سابقًا، لكن الهدف الأهم فيها يتمثل في مضاعفة مساهمة “الخطوط الجوية التركية” في الاقتصاد الوطني تقريبًا، لتصل إلى 144 مليار دولار بحلول ذلك العام، إلى جانب توفير نحو 150 ألف وظيفة داخل الشركة نفسها.
كيف غزت شركات الطيران ملاعب العالم؟
ما قدمناه سابقًا، كان إلى حد بعيد، مجموعة من الأرقام الصامتة التي تعرض فقط حقائق اقتصادية تعكس نجاحات استطاع المشروع الوطني للطيران أن يحققها. لكن الصورة لا تكتمل بالحديث عن الاقتصاد وحده، فثمة ما تحمله الطائرات إلى جانب الركاب، وما تعكسه الأرقام إلى جانب معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي.
تُعد القوة الناعمة أحد أهم المعايير التي يمكن من خلالها قياس نجاح شركات الطيران كمشاريع وطنية، ففي ورقته البحثية “قدرات القوة الناعمة التركية: الجغرافيا السياسية للطيران والخطوط الجوية التركية”، يلفت الباحث نجاتي أناز الانتباه إلى أن “الناقلات الوطنية المُدارة بكفاءة قادرة على تحسين التصورات العالمية عن الدولة الحاضنة. ففي نهاية المطاف، الطيران مُيسر عظيم للقوة الناعمة، لأنه يقرب المسافات، ويصل بين الشعوب والثقافات والشركات والأفكار”. ويرى أن نجاح “الخطوط الجوية التركية” يكمن تحديدًا في تجسيد هذه الفكرة.
أما الباحثان زكاري كينيدي وكريستيان ألكسندر، فيصفان ذلك بـ”دبلوماسية الطيران” في دراستهما حول “طيران الإمارات”، باعتبارها أحد أشكال القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لتعزيز هويتها الوطنية وإبراز صورتها عالميًا، حيث يحمل طيران الإمارات و”الاتحاد للطيران” علم الإمارات إلى مختلف أنحاء العالم، بينما يرسّخ مطار دبي كمحطة عبور رئيسية بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، صورة المدينة باعتبارها مدينة عصرية وعالمية المستوى.
وتشير دراسة أكاديمية أخرى نُشرت عام 2020 إلى أن الأنشطة التسويقية لـ”طيران الإمارات”، إلى جانب الخدمات المقدمة على متن الطائرة، أسهمت بصورة إيجابية وملموسة في تشكيل صورة دبي كوجهة سياحية في أذهان المسافرين. فعمليًا، تبيع الطائرة المدينة قبل حتى أن تطأ أقدام الزائر أرضها.
تقوم تجربة “طيران الإمارات” على تقديم نموذج سفر فاخر بأسعار معقولة نسبيًا للمسافرين الدوليين، دون أن يقتصر تركيزها على درجة رجال الأعمال وحدها. ويشكّل الطعام والمشروبات ووسائل الترفيه جزءًا أساسيًا من هذه التجربة، إلى جانب التنوع اللغوي الكبير لدى طواقم الضيافة، الذي لعب دورًا مهمًا في الترويج للصورة الإماراتية عالميًا.
كما توفر الشركة للمسافرين الذين يملكون فترات توقف طويلة إقامة مجانية ووجبات وتأشيرات دخول، بما يشجعهم على استكشاف المدينة خلال فترة العبور. ومع ذلك، لا تنحصر القوة الناعمة داخل الطائرة وحدها، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
في صيف عام 2024، تعاقد نادي ريال مدريد الإسباني مع النجم الفرنسي كيليان مبابي، وحسب ادعاء ذكره برنامج “الشيرينغيتو”، الأشهر رياضيًا في إسبانيا، تابع أكثر من 20 مليون شخص مراسم تقديم اللاعب، بينما امتلأت مدرجات ملعب “سانتياغو برنابيو” بالكامل بنحو 80 ألف مشجع. وربما يكون الرقم الحقيقي للمشاهدات أكبر بكثير من ذلك، بالنظر إلى حجم التغطية العالمية والتفاعل عبر المنصات المختلفة.
لكن ما يعكسه هذا الحدث، إلى جانب الهوس الكروي المعتاد، هو أن شعار “فلاي إيميريتس” كان حاضرًا في كل زاوية تقريبًا من المشهد، ففي اللحظة التي كان فيها النادي الإسباني يقدم أحد أكبر نجوم كرة القدم في العالم، كانت شركة الطيران الإماراتية تحصد بدورها حضورًا بصريًا عالميًا هائلًا.
ومنذ عام 2011، يسافر ريال مدريد في رحلاته الخارجية على متن طائرات “إيرباص A380” التابعة لأسطول “طيران الإمارات”، بينما يحتل شعار الشركة منذ عام 2014 المساحة الأبرز على قمصان الفريق. ولا يقتصر هذا الحضور على ريال مدريد وحده، بل يمتد إلى أندية أوروبية عريقة مثل “أرسنال” الإنجليزي، و”بنفيكا” البرتغالي، و”ميلان” الإيطالي. بل إن المشهد يصل إلى ذروته حين تتبارى الأندية الإنجليزية في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي على ملعب “ويمبلي”، حيث تتدلى من الكأس الشهيرة شرائط حمراء تحمل عبارة “فلاي إيميريتس”.
ومن أجل تمديد عقد رعايتها الرئيسية لريال مدريد حتى عام 2031، ستدفع “فلاي إيميريتس” نحو 74 مليون يورو سنويًا على مدار السنوات الخمس المقبلة، وهو ما يعكس حجم الاستثمار الهائل الذي تضخه الشركة في بناء صورتها الذهنية عالميًا، كإحدى أدوات القوة الناعمة لدولة الإمارات.
وفي عام 2009، قدّر الباحث جولريمي لوهان حجم استثمارات الشركة في الرعاية الرياضية بنحو 300 مليون دولار، ضمن مساعيها لبناء علامتها التجارية عالميًا. ومن الواضح أن هذا الرقم تضاعف مرات عديدة منذ ذلك الحين، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الشركة ستدفع لنادي ريال مدريد وحده أكثر من هذا الرقم خلال السنوات المقبلة.
لكن، ماذا يعني كل ذلك فعليًا؟
القوة الناعمة لدولة استبدادية
اتخذنا “فلاي إيميريتس” على سبيل المثال لا الحصر، فمتابع كرة القدم سيلاحظ بسهولة الحضور المتنامي لشركات الطيران الخليجية والتركية في قلب المشهد الرياضي العالمي، فـ”طيران الرياض” يحمل اسمه أحد أكبر ملاعب إسبانيا، “رياض إير ميتروبوليتانو”، كما يظهر شعار الشركة على قمصان نادي أتلتيكو مدريد. وينطبق الأمر ذاته على الشركات الإماراتية، التي ارتبطت أسماؤها بملاعب وأندية كبرى مثل “ملعب الإمارات” الخاص بأرسنال، و”ملعب الاتحاد” الخاص بمانشستر سيتي.
أما قميص نادي باريس سان جيرمان، بطل أوروبا وأحد أشهر أندية العالم، فيحمل شعار “قطر إيروايز”، بينما ترعى “الخطوط الجوية التركية” بطولة دوري أبطال أوروبا، البطولة الأهم والأكثر مشاهدة في عالم كرة القدم، إلى جانب حضورها على قميص نادي “ريفير بليت” الأرجنتيني، أحد أكبر أندية أمريكا الجنوبية.
والحديث هنا عن كرة القدم فقط، هو أيضًا على سبيل المثال لا الحصر، فهذه العلامات التجارية باتت حاضرة بقوة في مختلف أنواع الرياضات، من التنس وسباقات السيارات إلى بطولات الغولف والفنون القتالية.
وفي عام 2023، دخلت الإمارات للمرة الأولى ضمن قائمة الدول العشر الأولى عالميًا في مؤشر القوة الناعمة الصادر عن “براند فاينانس”. وقد قفزت الدولة خمس مراتب دفعة واحدة، في تتويج لاستثماراتها الواسعة في أدوات القوة الناعمة، من “إكسبو دبي”، إلى المساعدات الخارجية، ومؤتمر المناخ، ومشروع استكشاف المريخ، وصولًا إلى شركات الطيران وانتشارها العالمي.
ورغم تراجع ترتيب عدد من الدول الخليجية في مؤشر القوة الناعمة لعام 2025، والاتهامات التي لاحقت الإمارات بشأن أدوارها في صراعات تمتد من غزة إلى القرن الأفريقي، إلا أنها ما تزال تحافظ على موقعها ضمن المراتب العشر الأولى عالميًا.
ويُرجع بعض النقاد هذا النجاح إلى ما يصفونه بـ”الغسيل الرياضي للصورة الذهنية”، حيث تُدمج الرياضة والطيران والترفيه في مشروع واحد يعيد تشكيل صورة الدولة عالميًا. ويرى هؤلاء أن هذا النموذج الخليجي يتجاوز، بدرجة ما، التصور التقليدي للقوة الناعمة الذي صاغه جوزيف ناي، عبر تحويل الترفيه والرياضة وشركات الطيران إلى أدوات نفوذ وصناعة صورة وتأثير سياسي وثقافي عابر للحدود.
يرى جوزيف ناي أن الأنظمة الاستبدادية لا تستطيع بناء قوة ناعمة فاعلة على المدى الطويل، مشيرًا إلى أن غياب الحريات الداخلية يُجفف منابع هذه القوة ويحدّ من قدرتها على الاستمرار والتأثير، لكن الحالة الخليجية تبدو، إلى حدّ بعيد، قصة مستفزة لهذا الإطار النظري الصلب الذي طرحه ناي، فقد نجحت دول الخليج في توظيف أدوات القوة الناعمة، من الإعلام والرياضة إلى الطيران والترفيه، دون أن تقرن ذلك بإصلاح سياسي داخلي واسع، وهو ما دفع باحثين مثل باول برنجان وريتشارد جوليانوتي إلى وصف هذا النموذج بأنه شكل من أشكال “غسيل الصورة الذهنية”.
وثمة مفارقة لافتة تساعد على توضيح الصورة بصورة أكبر، فالمستثمر الإماراتي سالم الشامسي يمتلك نادي “بيراميدز” المصري، بطل النسخة الأخيرة من دوري أبطال أفريقيا، والذي يحمل على قمصانه شعار شركة “ADQ”، إحدى أبرز الشركات الاستثمارية المرتبطة بإمارة أبو ظبي، ويرأس مجلس إدارتها طحنون بن زايد آل نهيان. وترتبط الشركة بشبكة استثمارات واسعة تشمل قطاع الطيران، إذ تُعد من أبرز المساهمين في شركة “طيران أبو ظبي”، التي تمتلك بدورها 50% من شركة “رويال جيت” للطيران الخاص.
وعلى متن الطائرة “A6-RJA” التابعة لـ”رويال جيت”، جرى ترحيل الشاعر المصري عبد الرحمن يوسف القرضاوي من لبنان إلى الإمارات. وقد نُفذت عملية التسليم رغم تلقي الشركة رسالة من “مجموعة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، تحذر فيها من أن العملية تنتهك المادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تنص على مبدأ عدم الإعادة القسرية.
لكن الشركة لم تُبدِ اكتراثًا يُذكر، خاصة أنها كانت تورطت، وفق تقارير حقوقية، في عملية تسليم مشابهة لمعارض بحريني من صربيا عام 2022، دون أن تواجه تبعات، وهو ما شجعها، على ما يبدو، على تكرار التجربة.
وتكشف هذه الحادثة وجهًا آخر من وجوه “دبلوماسية الطيران”، فالطائرات نفسها التي تنقل صورة المدينة الحديثة والمنفتحة إلى العالم، يمكنها أيضًا أن تتحول إلى أدوات لترحيل المعارضين والمطلوبين سياسيًا نحو مصائر مجهولة.
السماء المغلقة
من أجل أن نفهم الأزمة الحالية التي يواجهها قطاع الطيران في الشرق الأوسط، لا بد أن نحاول قرائتها على ضوء تجارب المنطقة السابقة. وهنا يبرز سؤال أساسي: ماذا تخبرنا الأزمات التي مرت بها المنطقة عن هشاشة مشاريع الطيران فيها وقدرتها على الصمود؟
في السادس من يونيو/حزيران 2017، أغلقت السعودية والإمارات والبحرين ومصر مجالاتها الجوية أمام الطائرات القطرية، في ذروة الأزمة الدبلوماسية التي عُرفت لاحقًا بـ”أزمة الحصار”، ما أجبر “الخطوط الجوية القطرية” على إعادة توجيه رحلاتها عبر الأجواء الإيرانية والتركية والعُمانية، وسط مخاوف واسعة بشأن مستقبل الطيران في منطقة تضم العديد من كبريات شركات الطيران في العالم.
ووفق بيانات شركة “OAG”، جرى تعليق نحو 70 رحلة جوية في أنحاء المنطقة خلال الساعات الأولى للأزمة، كانت الغالبية العظمى منها تابعة للخطوط القطرية. وفي صباح ذلك اليوم، بدا مطار حمد الدولي أشبه بمكان يضج بصمت ثقيل، بعدما أُلغيت أكثر من 30 رحلة دفعة واحدة.
وفي ذلك الوقت، قدّر مركز “كابا” الأسترالي المتخصص في شؤون الطيران أن الحصار ألحق بالخطوط الجوية القطرية ضررًا يفوق أي شركة طيران أخرى في الشرق الأوسط، بسبب اضطرارها إلى استخدام مسارات أطول عبر الأجواء الإيرانية والتركية، بما يعنيه ذلك من ارتفاع تكاليف التشغيل، وزيادة أوقات الرحلات، واستهلاك كميات أكبر من الوقود.
كذلك، كانت “الخطوط الجوية القطرية” مهددة بخسارة سوقها الإقليمية الأهم، فالإمارات كانت تمثل على الدوام نحو 7.3% من المقاعد المغادرة من الدوحة، تليها السعودية بنسبة 6.8%، كأكبر سوقين للشركة. وبصورة عامة، كانت دول الحصار مجتمعة تستحوذ على نحو 19% من حركة الشركة الأسبوعية.
وجاءت الأزمة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للناقلة القطرية، التي كانت تعاني أصلًا من ضغوط مالية وهوامش ربح محدودة، فكما يوضح الباحثان إيمالاين جونسون وغرانت هوكسهام: “ثمة حقيقة راسخة في هذه الصناعة، مفادها أن مقاعد الدرجة الأولى ودرجة الأعمال هي التي تولّد الأرباح، بينما تساهم مقاعد الدرجة الاقتصادية في تغطية تكاليف التشغيل”. وكانت الشركة قد أعلنت بالفعل عن خسائر تشغيلية بلغت 703 ملايين دولار للسنة المالية المنتهية في 2017، وذلك رغم حصولها على ما يقارب 500 مليون دولار في صورة دعم وإعانات.
آنذاك، قال خبير النقل في “كوميرتس بنك”، شتيفان شوبنر: “كان النمو يسير بوتيرة سريعة. لقد طلبوا عددًا كبيرًا من الطائرات، والآن تواجه الشركة ضغوطًا لملء تلك الطائرات بالمسافرين”. وأضاف أن صبر المساهمين، الذين تمتلك العائلة الحاكمة نحو نصف أسهم الشركة، بدأ ينفد، خاصة في ظل تراجع عائدات النفط والغاز، وانخفاض أسعار الطاقة عالميًا.
ومع ذلك، لم تتحقق أسوأ السيناريوهات، فرغم تراجع أعداد المسافرين بنحو 9% بحلول مارس/آذار 2018، وتكبّد خسائر مالية، استطاعت “الخطوط الجوية القطرية” التعامل مع الأزمة عبر البحث عن مسارات وأسواق جديدة، فقد افتتحت 24 وجهة إضافية، وعمّقت شراكاتها مع ناقلات أوروبية وآسيوية، في محاولة لتقليل اعتمادها على السوق الإقليمية. وفي ذلك العام، نجحت الشركة في تحقيق نمو بالأرباح بلغ 23%، بينما ارتفعت إيرادات الشحن الجوي بنسبة 34.4%.
ومنذ ذلك الحين، حافظت “الخطوط الجوية القطرية” على معدلات نمو مستقرة، وواصلت حصد الجوائز العالمية، بما في ذلك لقب “أفضل شركة طيران في العالم” الذي أشرنا إليه سابقًا. ومع انتهاء الحصار عام 2021، جاءت استضافة كأس العالم 2022 لتمنح المشروع دفعة أكبر بكثير، اقتصاديًا ورمزيًا، فبفضل البطولة، استطاعت الشركة تحقيق إيرادات سنوية بلغت نحو 21 مليار دولار، بعدما نقلت 31.7 مليون مسافر، بزيادة بلغت 71% على أساس سنوي. وخلال فترة كأس العالم وحدها، سيّرت الشركة نحو 14 ألف رحلة جوية، نقلت عبرها أكثر من 1.4 مليون مشجع إلى الدوحة ومنها.
الجنوح تحت ظل الجائحة
إذا كانت قطر قد واجهت بشكل خاص أزمة الحصار، فقد واجه العالم أجمعه لاحقًا حصارًا من نوع آخر مع جائحة “كوفيد-19”. وبالنسبة لشركات الطيران في الشرق الأوسط، التي كانت تُقدَّم بوصفها النموذج الأنجح عالميًا، لم يكن ممكنًا تجنب التأثر العنيف بالأزمة.
في أبريل/نيسان 2020، نشر الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا” تقريرًا حول توقعاته لخسائر قطاع الطيران في الشرق الأوسط نتيجة الإغلاقات والحجر الصحي. وأشار التقرير إلى أن نحو 1.2 مليون وظيفة في قطاع الطيران والصناعات المرتبطة به ستكون مهددة، أي ما يعادل نصف الوظائف المرتبطة بالقطاع في المنطقة، والبالغة 2.4 مليون وظيفة.
ومع انخفاض حركة الطيران بنسبة 51% مقارنة بعام 2019، توقع التقرير أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي المرتبط بقطاع الطيران في الشرق الأوسط بنحو 66 مليار دولار، من أصل مساهمة كانت تُقدّر بحوالي 130 مليار دولار.
ولم تكذب تقديرات “إياتا”، ففي عام 2021، وبعد انتهاء السنة المالية التي تزامنت مع الإغلاقات، أعلنت “طيران الإمارات” تكبدها أول خسارة سنوية منذ أكثر من ثلاثين عامًا، بلغت نحو 5.5 مليار دولار، بالتوازي مع تقليص القوى العاملة لديها بنسبة 31%.
واضطرت حكومة دبي إلى التدخل لدعم الشركة، حيث قدمت لها ما يقارب 3.1 مليارات دولار لتخفيف آثار الخسائر والحفاظ على استقرار عملياتها. أما “الخطوط الجوية التركية”، فقد تكبدت خسائر قُدّرت بنحو 761 مليون دولار، فيما ارتفع إجمالي ديونها بأكثر من 47 مليار ليرة تركية.
وفي الوقت نفسه، تفاقمت معاناة “الخطوط الجوية القطرية”، رغم أنها كانت بين أبريل ويوليو 2020 الشركة الأكثر استحواذًا على حركة المسافرين عالميًا بنسبة 17.8%، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لتجنب خسائر بلغت نحو 4 مليارات دولار خلال عام الجائحة.
كذلك، تركت الأزمة أثرًا بالغًا على “الخطوط الجوية السعودية”، التي كانت تواجه تحديات مالية أصلًا، إذ تكبدت خسائر وصلت إلى 7.5 مليارات دولار خلال عام الجائحة، ما دفع الحكومة السعودية إلى تقديم دعم مباشر للشركة بلغ نحو 7 مليارات دولار.
المُعجزة والتفسير
على عكس التوقعات، تعافى قطاع الطيران في الشرق الأوسط سريعًا، فبينما توقعت “إياتا” ألا يبدأ التعافي الحقيقي قبل عام 2023، مع إمكانية تحقيق هوامش ربح محدودة قبل ذلك، بل وذهب الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية القطرية آنذاك إلى القول إن القطاع لن يستعيد عافيته الكاملة قبل عام 2024، بدأت مؤشرات التعافي بالظهور فعليًا منذ عام 2022.
لفت هذا التعافي السريع انتباه “إياتا” نفسها في أكثر من مناسبة، ففي أحد مؤتمراتها عام 2024، تحدث نائب رئيس الاتحاد الدولي للنقل الجوي عن “المعجزة الخليجية” في قطاع الطيران، مشيرًا إلى أن شركات أوروبية وأمريكية وآسيوية، ما تزال غارقة في ديون الجائحة، باتت تحاول استنساخ النموذج الخليجي في التعافي.
لكن، وصدقًا، لم تكن تلك “المعجزة” معجزة بالمعنى الحرفي، ففي عام 2021، قادت السعودية، إلى جانب دول الخليج، تحركات داخل أسواق الطاقة ساهمت في رفع أسعار النفط بنسبة قاربت 66%، في محاولة لتعويض جزء من الخسائر الاقتصادية التي خلفتها جائحة “كوفيد-19”. وفي ذلك الوقت، كانت “إياتا” نفسها تحذر من أن ارتفاع أسعار النفط سيؤثر سلبًا على تعافي قطاع الطيران العالمي، فيما دعت مرارًا الحكومات إلى تقديم الدعم لشركات الطيران، تجنبًا لموجات إفلاس واسعة أو خسائر يصعب احتواؤها.
انعكست الفوائض النفطية في شكل مساعدات حكومية، ذكرناها آنفًا، باستثناء النموذج القطري الذي كانت له خصوصيته المختلفة، ففي عام 2022، وبينما كانت “الخطوط الجوية القطرية” تحقق أرباحًا قياسية أشرنا إليها سابقًا، استطاعت “طيران الإمارات” تقليص خسائرها من 6 مليارات دولار في 2020 إلى نحو 1.5 مليار دولار فقط، كما خفضت “الاتحاد للطيران” خسائرها إلى 470 مليون دولار بعد أن كانت 1.7 مليار دولار.
وعلى مستوى الإمارات عمومًا، حققت الناقلات الوطنية نموًا بلغ 72%، بما يعادل 23.4 مليار دولار، أما “الخطوط الجوية السعودية”، فقد استعادت نحو 85.7% من سعتها المقعدية خلال ذلك العام، في حين سجلت “الخطوط الجوية التركية” أرباحًا صافية بلغت 2.72 مليار دولار.
وكما رأينا، فإن هذه “المعجزة” لم تكن ممكنة دون تدخل حكومي مباشر، فقد سارعت الدول إلى حماية ناقلاتها الوطنية على باعتبارها جزءًا من الأمن الاقتصادي والسيادي، وهو ما كشف مفارقة لافتة، فبدل أن يكون اقتصاد الطيران بديلًا عن النفط، بدا في لحظة الأزمة وكأنه لا يستطيع النجاة أصلًا دون العائدات النفطية.
وربما كانت هذه الحقيقة تُسبب حرجًا لبعض الشركات التي حرصت على تقديم نفسها للعالم باعتبارها نماذج ناجحة قائمة على الكفاءة التشغيلية وحدها. ولهذا، استنكر الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية القطرية، أكبر الباكر، مرارًا فكرة حصول شركته على دعم حكومي، قائلًا: “الطيران القطري لديه احتياطات خاصة يقوم باستخدامها، ولن يحصل على دعم حكومي“، لكن الباكر ذاته، خرج ليضرب بكلامه عرض الحائط في سبتمبر 2020 ليُعلن أن الشركة تلقت ملياري دولار من الحكومة لتُعالج خسائرها.
أما النموذج التركي، غير النفطي، فقد تعامل مع الأزمة بطريقة مختلفة نسبيًا، رغم وجود نقاشات جادة آنذاك حول إمكانية تدخل “صندوق الثروة السيادي” لدعم “الخطوط الجوية التركية”، ففي عام 2021، عبّر رئيس الشركة إيلكر آيجي عن فخره بالطريقة التي أدارت بها الشركة الأزمة، قائلًا: “رفضنا الحصول على أي دعم حكومي، كما رفضنا تسريح أي من موظفينا. فالدعم الحكومي الذي يحصل عليه المنافسون أمر غير عادل. والأهم أن الشركة وجدت طريقتها الخاصة لاستخدام مواردها بذكاء وفعالية، عبر قرارات إدارية ناجحة وتخطيط دقيق للطاقة الاستيعابية”.
وتمكنت “الخطوط الجوية التركية” من الاستجابة بسرعة للتحولات العالمية في الطلب، مستفيدة من اتساع شبكة وجهاتها الدولية. ويرى أوليفييه بونتي، الخبير في أبحاث السياحة وتسويق الوجهات، أن الشركة “أعادت توجيه رحلاتها نحو الخطوط الأعلى طلبًا، وتكيفت بفاعلية أكبر مع التغيرات المستمرة في قيود السفر”.
وأثبت هذا التكيّف فعاليته مجددًا في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، حين سارعت الشركة إلى توسيع حضورها في السوق الروسية، عبر تشغيل المزيد من الطائرات الأكبر حجمًا لتلبية الطلب المتزايد من السياح ورجال الأعمال الروس. وبحلول يونيو/حزيران 2023، ارتفعت حركة الشركة على هذا الخط بنسبة قاربت 300% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2019.
كما استفادت الشركة من عامل آخر بالغ الأهمية، يتمثل في انخفاض تكاليف التشغيل نسبيًا، فبينما تُدفع تكاليف العمالة بالليرة التركية، تُحتسب معظم الإيرادات بالدولار أو اليورو، وهو ما منح الشركة أفضلية واضحة في ظل التراجع الحاد لقيمة الليرة التركية خلال السنوات الأخيرة، بحسب ما يوضحه الباحث عمر جينك وآخرون في دراستهم “الخطوط الجوية التركية: حقبة جديدة عقب الجائحة”. وفي الوقت نفسه، نجحت الشركة في خفض إجمالي نفقاتها بنسبة 53%، بما وفر نحو 1.1 مليار دولار، وهو أعلى معدل خفض للتكاليف بين شركات الطيران الأوروبية.
لكن هذا النجاح لم يكن بلا أثمان، إذ جاء فخر إدارة الشركة بعدم تسريح أي من موظفيها البالغ عددهم 66 ألفًا، مقابل خفض رواتبهم، بعدما ساعدت الحكومة التركية الشركة في التوصل إلى اتفاق مع النقابة عام 2021 يقضي بخفض الأجور بنسبة وصلت إلى 50%.
الحرب والمستقبل المجهول
كان إيان سكوت مسافرًا جوًا من ملبورن إلى البندقية عبر الدوحة، حين اضطرت رحلته المغادرة من العاصمة القطرية إلى العودة أدراجها وهي في الجو، بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما اضطره إلى قضاء عدة أيام داخل فندق، قبل أن يقرر خوض رحلة طويلة عبر الصحراء باتجاه عُمان، حيث تمكن أخيرًا من اللحاق برحلة جوية إلى وجهته.
وفي حديثه إلى شبكة “بي بي سي“، حملت كلمات الرجل نبرة تشبه النبوءة المشؤومة، إذ قال إنه سيتجنب مستقبلًا السفر عبر دول الخليج، حتى بعد توقف الحرب، لأنه “لا يثق” بأن مشاكل المنطقة ستنتهي عند هذا الحد.
ولعل هذه الجملة تختصر معضلة الطيران في الشرق الأوسط أكثر من أي رقم اقتصادي، فقد أفرد المفكر فرانسيس فوكوياما كتابًا كاملًا حول مفهوم “الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي”، مؤكدًا أن الرخاء والاستدامة لا يمكن أن يتحققا دون وجود ثقة، بمعناها المجرد والوظيفي معًا. وحين يفقد المسافر ثقته بسلامة الرحلة في سماء الشرق الأوسط، فإن ذلك وحده قد يكون كافيًا لهدم اقتصاد طيران بأكمله.
وعندما جاء الرد الإيراني واسعًا وسريعًا على هجمات الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، تحولت صالات المطارات المدنية نفسها إلى جزء من المشهد الحربي، فقد جرى إخلاء الصالة الثالثة في مطار دبي الدولي بعد إصابتها بطائرة مسيّرة، بينما شهد مطار الشيخ زايد وفاة شخص وإصابة سبعة آخرين.
أما المشهد الذي أعقب ذلك، فكان استثنائيًا حتى بمقاييس تاريخ الطيران الحديث، إذ علّقت “طيران الإمارات” و”الاتحاد للطيران” و”الخطوط الجوية القطرية” رحلاتها بالكامل، وهي الشركات التي واصلت العمل حتى خلال ذروة جائحة “كوفيد-19”. ووفق بيانات شركة “سيريم” لتحليلات الطيران، كانت الناقلات الخليجية الكبرى تنقل مجتمعة نحو 90 ألف مسافر ترانزيت يوميًا قبيل اندلاع الأزمة.
كشفت الحرب أن فخر صناعة الطيران الخليجية يقع، في النهاية، تحت مرمى النيران بسهولة أكبر مما كان يُتصور، ففي إحدى الأوراق البحثية الصادرة عن معهد “لاوي” الأسترالي حول الحرب، يلفت الباحث كازيمير لي الانتباه إلى أن إيران تعمدت استهداف صالات المطارات لا المدارج نفسها، فبينما يفترض منطق الحرب التقليدي أن تدمير المدرج هو ما يشل المطار عسكريًا، اختارت إيران ضرب الصالات لأسباب رمزية بالدرجة الأولى، فقد أرادت، على ما يبدو، أن تضرب “الثقة” نفسها؛ تلك الفكرة التي أمضت دول الخليج عقودًا تبنيها عن ذاتها بوصفها فضاءً مستقرًا وآمنًا ومحايدًا وحديثًا ومنفتحًا.
ورغم أن الخسائر المباشرة التي تكبدتها شركات الطيران في الشرق الأوسط خلال المرحلة الأولى من الحرب، نتيجة الإلغاءات وارتفاع أسعار الوقود، تراوحت بين 2.5 و3 مليارات دولار، إلا أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما حدث بالفعل، بل بما يمكن أن يحدث لاحقًا.
وبحسب أندرو تشارلتون، الذي أشرنا إليه سابقًا، فإن كل شيء تقريبًا سيتوقف على مدة استمرار النزاع، فإذا انتهت الحرب سريعًا، فمن المرجح أن تستعيد شركات الطيران الخليجية مكانتها بسرعة، عبر تعويض خسائرها بإغراق السوق بتذاكر منخفضة الأسعار. أما إذا طال أمد الصراع، فستفتح الأزمة المجال أمام مراكز بديلة لرحلات الربط، مثل سنغافورة وبانكوك وهونج كونج وطوكيو، للاستفادة من الفراغ الذي قد تتركه الناقلات الخليجية.
ويفترض تشارلتون أن أي خسارة طويلة الأمد في القدرة التشغيلية لشركات الطيران الخليجية ستقود حتمًا إلى ارتفاع أسعار التذاكر عالميًا. وقد بدأت شركات الطيران الأوروبية بالفعل بالتكيف مع الأزمة، عبر تعديل جداول رحلاتها وإضافة مسارات تتجنب التوقف في الخليج، فعلى سبيل المثال، زادت “الخطوط الجوية البريطانية” عدد رحلاتها الأسبوعية إلى بانكوك وسنغافورة، بينما أضافت كل من “لوفتهانزا” و”إير فرانس-كيه إل إم” رحلات إضافية إلى آسيا.
ولكن، يرى ويلي والش، المدير العام لـ”إياتا”، أن شركات الطيران الأوروبية لا تمتلك ببساطة القدرة الكافية لتعويض الناقلات الخليجية، التي تمثل وحدها نحو 9.5% من السعة العالمية للطيران. ولهذا، يتوقع أن يستعيد قطاع الطيران الخليجي عافيته سريعًا بمجرد انحسار الصراع. أما بالنسبة لـ”الخطوط الجوية التركية”، فلم تكن الأزمة مفاجئة بالقدر ذاته، بحكم اعتياد الشركة على التكيف مع البيئات المعقدة، فتركيا، بوصفها الوجهة السياحية الأولى في أوروبا، تعتمد بصورة كبيرة على الرحلات المتجهة إلى إسطنبول، التي تشكل نحو 80% من حركة الشركة.
وفي هذا السياق، يصف تحليل نشره معهد “بيوند إيميرجينغ يوروب” المشهد قائلًا: “الخطوط الجوية التركية تفعل ما تفعله دائمًا: تسيير رحلات إلى أماكن يجدها الآخرون معقدة، تاركة للأرقام أن تتحدث عن نفسها. وبينما تنشغل شركات الطيران الخليجية بمعالجة آثار الحرب الإيرانية، يزداد مركز إسطنبول ازدحامًا وأهمية، بوصفه نقطة عبور حيوية فوق الصراعات”.
وبالفعل، حققت الشركة أرباحًا لافتة في الربع الأول من عام 2026، مدفوعة بارتفاع كبير في أسعار التذاكر، وبشراكات تشغيلية مثل تعاونها مع “الخطوط الجوية الإثيوبية”، فقد سجلت صافي دخل بلغ 226 مليون دولار حتى 31 مارس/آذار، مقارنة بخسارة قدرها 44 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق. كما قفزت الإيرادات بنسبة 21% على أساس سنوي لتصل إلى 5.9 مليارات دولار، بالتزامن مع ارتفاع عدد المسافرين بنسبة 13% إلى 21.3 مليون مسافر، مقارنة بـ18.9 مليون في الفترة نفسها من العام الماضي.
في سيناريو آخر، يفترض خبير الطيران الفرنسي جان لويس بارو أن التركيز على تحويل المدن الخليجية إلى مراكز رئيسية للطيران لا يمكنه التعايش طويلًا مع صراع مفتوح بين إسرائيل وإيران. ولذلك، كان من الحتمي أن تُوجَّه الصواريخ نحو تلك المطارات، ما يعني أن هذا النموذج بات هشًا بطبيعته، ما دام يقع ضمن نطاق الاستهداف العسكري.
في المقابل، يرى الاقتصادي محمد كركوتي أن الفارق الجوهري بين تداعيات أزمة كورونا وتداعيات الحرب الحالية، يتمثل في أن إمدادات الوقود خلال الجائحة كانت تسير بصورة طبيعية، بينما دفعت الحرب أسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة قد تستمر ما دام الصراع قائمًا، وهذا ما يشكل خطرًا حقيقيًا على قطاع الطيران، الذي وإن أظهر قدرة على الصمود، فلن يكون قادرًا على الحفاظ على ذلك إذا استمرت تكاليف التشغيل بالارتفاع.
فحتى لو انتهت الحرب غدًا، ستظل آثارها حاضرة لبعض الوقت. وإذا لم تتبنَّ شركات الطيران قدرًا كبيرًا من المرونة والابتكار في مرحلة ما بعد الحرب، فإن مسار التعافي سيكون طويلًا وشاقًا. وينبع ذلك أساسًا من هشاشة قطاع الطيران نفسه، الذي تعرض لصدمة هائلة بعد أقل من ست سنوات فقط على صدمة كورونا، فهو لا يتأثر بأسعار الوقود والخدمات والتأمين فحسب، بل أيضًا بخسارة وجهات تُعد شديدة الربحية، حتى وإن كانت تلك الخسارة مؤقتة، وهو ما سيضيف أعباءً إضافية على مرحلة التعافي المقبلة.
في النهاية، وعلى ضوء ما استعرضناه من تجارب إدارة الأزمات، يمكن القول إن شركات الطيران الخليجية، الكبرى منها على الأقل، ستتمكن على الأرجح من النجاة من هذه الجولة من الحرب، خاصة مع احتمالات التدخل الحكومي إذا انحسر الصراع، فهذه المشاريع الكبرى تمتلك من الأهمية الاقتصادية والسيادية ما يجعل كلفة خسارتها أكبر بكثير من كلفة إنقاذها، مهما بلغت آثار الأزمة الآنية.
لكن ما يكشفه ملف الطيران الخليجي في جوهره، هو أن الجغرافيا نفسها التي تحولت، بفعل الإرادة السياسية ورأس المال والفهم الذكي لحاجات السوق العالمية، إلى ميزة تنافسية هائلة، يمكنها أيضًا أن تضع هذا المشروع أمام أقسى اختباراته، وربما اختبار أشد قسوة حتى من الجائحة، إذ كشفت الحرب أن المجال الجوي، الذي بدا لعقود فضاءً محايدًا وآمنًا، يمكن أن يتحول فجأة إلى ساحة صراع مباشر، وأن المطارات الحاصلة على أعلى التقييمات في “سكايتراكس” وغيرها من منصات تقييم السفر، يمكن أن تصبح خلال ساعات أهدافًا عسكرية.
لطالما كانت سماء الشرق الأوسط أوسع من حدود دوله، ولطالما تشابكت فيها الأحلام والطموحات والمصالح، لكن حين تتحول تلك السماء إلى فضاء مكتظ بالصواريخ والمسيّرات، لا يبقى من وراء تلك الطموحات الكبرى سوى سؤال بسيط، تجيب عنه كل طائرة تقلع من دبي أو الدوحة أو الرياض أو إسطنبول: إلى أين نحن ذاهبون؟