• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

شرق المتوسط: خرائط متضاربة ومدمرات متقابلة

أحمد الطناني٧ مايو ٢٠٢٦

في يوليو 2024، انسحبت سفن مدّ كابلات طاقة قرب “كارباثوس” بعد تطويقها بمدمرات تركية. لم يحدث اشتباك، ولم تُعلن مواجهة، لكن المشروع توقّف، ولخّص هذا المشهد طبيعة شرق المتوسط اليوم، باعتباره صراع يتحرك على حافة القوة، ويُدار بالإشارات الميدانية بقدر ما يُدار بالبيانات.

تحوّلت المنطقة إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها خرائط متعارضة ومصالح متشابكة، ضمن فضاء يجمع دولاً تربطها تحالفات رسمية وتفصلها حسابات سيادية حادة، إذ يمنح هذا التداخل النزاع طابعاً خاصاً، يجري داخل شبكة علاقات يفترض أنها متماسكة، فيما تُظهر الوقائع مستوى متقدماً من التنافس على النفوذ والموارد.

اكتشافات الغاز منذ 2009 رفعت من قيمة هذا الحيز، وأدخلته في صلب معادلات الطاقة الإقليمية والدولية، لكنها في الوقت ذاته دفعت نحو تصاعد التنافس على ترسيم الحدود وحقوق الاستغلال، ضمن بيئة قانونية غير مكتملة التوافق.

زادت تطوّرات الإقليم المشهد تعقيداً، إذ أعادت حرب غزة تشكيل التحالفات، وأثّرت في مسارات الطاقة القائمة. وفي الوقت ذاته، برزت سوريا بوصفها متغيراً جديداً يطرح مسارات برية بديلة لربط الخليج بأوروبا، في لحظة يضغط فيها إغلاق مضيق هرمز على النظام الطاقوي العالمي للبحث عن خيارات أخرى.

ما الذي يجعل شرق المتوسط استثنائياً؟

ثمة مناطق في العالم يصعب التعامل معها كمساحات عادية، ويأتي شرق البحر الأبيض المتوسط في مقدمتها، فهذه الرقعة تمثل عقدة جغرافية وحضارية تتقاطع فيها ثلاث قارات، وتلتقي عندها طرق التجارة البرية والبحرية التي ساهمت في تشكيل العالم القديم وما تزال تؤثر في توازنات الحاضر. عبر هذا الحيز مرّت تجارة الحرير، وانطلقت الحملات الصليبية، وفيه اليوم تتحرك ناقلات النفط والغاز، وتمتد كابلات الإنترنت التي تربط أوروبا بآسيا وأفريقيا، ما يمنحه موقعًا محوريًا في شبكة الاقتصاد العالمي.

هذا الموقع ظل عبر التاريخ عامل جذب للقوى الكبرى، إذ يمنح من يمتلك القدرة على التأثير فيه موقعًا متقدمًا في ربط الأسواق العالمية. ومع تغير موازين القوة، بقي شرق المتوسط ساحة تنافس مفتوحة، تتبدل فيها الأدوات وتستمر الرهانات. وفي المرحلة الراهنة، أخذ هذا التنافس بُعدًا أعمق مع انتقال مركزه إلى ما تختزنه الأعماق من موارد طاقة.

منذ عام 2009، مع اكتشاف حقل “تامار“، ثم إعلان “ليفياثان” عام 2010، دخلت المنطقة مرحلة جديدة أعادت تعريف موقعها في معادلة الطاقة، إذ نقلت هذه الاكتشافات “إسرائيل” إلى موقع المنتج المحتمل، مع احتياطيات تؤهلها للتصدير، وهو تحول حمل أبعادًا استراتيجية واسعة. تتابعت الاكتشافات مع حقل “أفروديت” في المياه القبرصية، ثم “ظُهر” المصري عام 2015، الذي وُصف بأنه الأكبر في البحر المتوسط، ما عزز التقديرات بوجود مخزون طاقوي كبير في المنطقة.

تشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن حوض ليفانت، الممتد بين قبرص ومصر والأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان، يحتوي على أكثر من 122 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخراج تقنيًا، وهو رقم يعادل نحو ثلاثة أضعاف احتياطيات الغاز الكلية لدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة. ومع الاكتشافات الأحدث، مثل حقل “كرونوس” القبرصي الذي يُقدّر احتواؤه بنحو 3.1 تريليون قدم مكعب والمتوقع دخوله الإنتاج عام 2027، تعززت مكانة شرق المتوسط كأحد أحواض الغاز الصاعدة عالميًا. وتفسّر هذه المعطيات حجم الاهتمام الدولي المتزايد، كما تفسّر انتقال خرائط المناطق الاقتصادية الخالصة من نطاق تقني قانوني إلى ساحة خلاف سياسي سيادي.

في هذا السياق، شهد الموقف الأوروبي تحولًا واضحًا، فقد بدأ الاهتمام بغاز شرق المتوسط بوصفه فرصة اقتصادية محتملة، قبل أن يتحول إلى ضرورة استراتيجية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، حين أصبحت مسألة تنويع مصادر الطاقة أولوية ملحّة. برز شرق المتوسط كخيار قريب وجاهز نسبيًا، مدفوعًا باعتبارات الجغرافيا والإمكانات.

صفقة الغاز بين “إسرائيل” ومصر.. مصادقة متأخرة تفتح باب التساؤلات حول الدوافع الحقيقية pic.twitter.com/GQtspRgszx

— نون بوست (@NoonPost) December 19, 2025

وفي هذا الإطار، برز دور مصر بوصفها حلقة وصل مركزية، نظرًا لامتلاكها بنية تحتية لتسييل الغاز وتصديره عبر محطتي دمياط وإدكو، ما أتاح ربط الإنتاج في شرق المتوسط بالأسواق الأوروبية ضمن معادلة تجمع الاقتصاد بالجيوسياسة.

ورغم هذا الزخم، تظل التقديرات محكومة بحدود واقعية، إذ تشير التقييمات إلى أن الاحتياطيات القابلة للتطوير تجاريًا تكفي بدرجة كبيرة لتغطية احتياجات دول المنطقة، مع فائض محدود للتصدير. كما أن تسارع التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة وخفض الانبعاثات يضغط على الطلب الأوروبي المستقبلي على الغاز، ما يجعل النافذة الزمنية لتحقيق اختراق طاقوي واسع محدودة، ومرتبطة بقدرة الدول على استثمار الموارد ضمن هذا الإطار الزمني.

أهمية شرق المتوسط تتجاوز مسألة الطاقة إلى موقعه كممر حيوي في التجارة العالمية، إذ يشكل حلقة وصل بين قناة السويس وجنوب أوروبا، وتعبر عبره نسبة معتبرة من حركة الشحن البحري في بعض مساراته، وقد أعادت التطورات في البحر الأحمر خلال الحرب في اليمن، والهجمات التي استهدفت الملاحة، التأكيد على حساسية هذه المسارات وأهمية وجود بدائل قادرة على الحفاظ على تدفق التجارة.

ومع تصاعد التوتر الإقليمي، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز في سياق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، برزت الحاجة إلى إعادة تشكيل خرائط النقل والطاقة، وهو ما يمنح شرق المتوسط وزنًا إضافيًا في الحسابات الاستراتيجية.

ما يمنح هذه المنطقة طابعها الاستثنائي هو تداخل هذه العوامل مع إرث طويل من النزاعات غير المحسومة. فملفات ترسيم الحدود البحرية، والتشابكات القومية، وتراكم الأزمات السياسية سبقت اكتشافات الغاز بسنوات طويلة، وعندما ظهرت الثروات الجديدة اصطدمت بهذا الواقع المركب.

من يتنازع على ماذا؟

لفهم طبيعة النزاع في شرق المتوسط، يبدأ التحليل من خريطة الأطراف نفسها، حيث لا يظهر المشهد كصراع بين محورين واضحين، بل كشبكة متداخلة من المصالح والروايات القانونية والتاريخية، إذ يستند كل طرف إلى مزيج من القانون الدولي والذاكرة التاريخية والاعتبارات القومية، ما يجعل أي تسوية محتملة أقرب إلى معادلة مركبة متعددة المجاهيل.

تركيا تُعد الطرف الأكثر حضورًا ميدانيًا، والأكثر إثارة للجدل في آنٍ واحد، تستند مطالباتها إلى عقيدة “الوطن الأزرق” (Mavi Vatan)، التي تمنحها تصورًا واسعًا لمنطقتها الاقتصادية الخالصة يمتد في شرق المتوسط وبحر إيجه، في تعارض مباشر مع الرؤية اليونانية والقبرصية.

يجمع جوهر الموقف التركي بين الحجة القانونية والرؤية الجيوسياسية؛ فأنقرة لم توقّع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وترى أن منح الجزر اليونانية القريبة من سواحلها مناطق اقتصادية كاملة يُخلّ بتوازن العدالة البحرية. مثال جزيرة كاستيلوريزو، القريبة جدًا من الساحل التركي، يحضر دائمًا في هذا السياق باعتباره تجسيدًا لاختلال التوزيع الجغرافي من وجهة نظرها.

هذه الرؤية تُرجمت إلى سياسة نشطة على الأرض، عبر إرسال سفن تنقيب وحفر إلى مناطق تعتبرها اليونان وقبرص ضمن نطاقهما البحري، مع مرافقة عسكرية تؤمّن حضورها. كما شكّلت الاتفاقية البحرية مع ليبيا في نوفمبر 2019 نقطة تحول، إذ أعادت رسم خطوط النفوذ البحري وقطعت المسار الذي كانت تعتمد عليه اليونان ومصر في ترسيم حدودهما، وأثّرت بشكل مباشر في جدوى مشروع خط أنابيب “EastMed“.

في ظل تعثّر الصفقة مع “إسرائيل”.. مصر توقّع اتفاقية غاز بـ4 مليارات دولار، ضمن مساعٍ لتنويع مصادر الطاقة وتفادي الابتزاز السياسي الذي يهدد أمنها الاستراتيجي. pic.twitter.com/ge2TAgoRs3

— نون بوست (@NoonPost) November 25, 2025

وتقدّم بعض الدراسات الأكاديمية قراءة أعمق لهذا السلوك، حيث تشير إلى أن الهدف التركي يتمثل في منع تحويل غاز شرق المتوسط إلى أداة لعزلها، من خلال إبقاء المنطقة في حالة نزاع قانوني مفتوح، وهو ما يمنحها نفوذًا تفاوضيًا حتى في غياب سيطرة كاملة على الموارد.

في المقابل، تتحرك اليونان وقبرص ضمن إطار يستند إلى اتفاقية قانون البحار، مع محدودية واضحة في القدرة الميدانية، إذ أبقت اليونان مياهها الإقليمية في بحر إيجه عند ستة أميال بحرية لعقود، رغم تأكيدها على حقها في توسيعها، في ظل تهديد تركي معلن باعتبار هذا التوسيع سببًا للحرب منذ عام 1995.

وفي مطلع عام 2026، أعادت أثينا طرح فكرة التوسيع في أجزاء من الأرخبيل، ما أعاد التوتر إلى الواجهة. أما قبرص، فتتعامل مع واقع أكثر تعقيدًا نتيجة الانقسام القائم منذ عام 1974، حيث تعتبر تركيا معتبرة أن أي استثمار للطاقة دون إشراك القبارصة الأتراك في عمليات التنقيب، يُعد إخلالًا بحقوقهم. وعلى هذه الخلفية، دخلت شركات دولية كبرى إلى مناطق التنقيب القبرصية وسط حماية سياسية أوروبية، في مقابل حضور ميداني تركي مضاد.

في مواجهة هذا الخلل، اتجهت اليونان وقبرص إلى بناء منظومة تحالفات إقليمية، شملت تعميق العلاقات مع إسرائيل ومصر، والمشاركة في تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط، إلى جانب تطوير صيغ تعاون ثلاثي مع إسرائيل. وعلى المستوى الدفاعي، برز توقيع اليونان اتفاق دفاع مشترك مع الإمارات في نوفمبر 2024، في خطوة عكست سعيًا لتعويض الفجوة في موازين القوة.

إسرائيل دخلت هذه المعادلة من زاوية مختلفة، حيث استخدمت مواردها الغازية كأداة لإعادة تشكيل علاقاتها الإقليمية. منذ بدء الإنتاج من حقلي “تامار” و”ليفياثان”، تحركت نحو بناء شراكات اقتصادية مع دول محيطة، وفي مقدمتها مصر.

الاتفاقية الموقعة عام 2018 لتصدير الغاز الإسرائيلي عبر البنية التحتية المصرية شكلت نقطة تحول، وتعمّقت هذه الشراكة مع اتفاقيات لاحقة لزيادة الصادرات، ما عزز ترابط المصالح الاقتصادية بين الطرفين. في المقابل، واجه مشروع “EastMed” عراقيل تقنية وسياسية، وتراجع زخمه في ظل تعقيدات العلاقة مع تركيا والحسابات الأمريكية. ومع حرب غزة، أُعيد تشكيل المشهد، حيث تعمّقت الشراكة بين إسرائيل واليونان وقبرص، واتخذت طابعًا أمنيًا أوضح، كما عكسته القمم الثلاثية المتتالية.

ضمن هذا السياق، يبرز حقل “غزة مارين” بوصفه حالة خاصة ذات أبعاد سياسية واقتصادية مركبة. التقديرات تشير إلى احتياطيات كافية لإحداث تحول في الاقتصاد الفلسطيني، إلا أن واقع السيطرة الإسرائيلية على المجالين البحري والجوي أبقى هذا المورد معطلاً، وزادت الحرب من تعقيد مستقبله، في ظل غياب أي تصور واضح لإدارته ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.

مصر تمثل في هذه المعادلة نقطة ارتكاز مركزية، رغم حضورها الإعلامي المحدود مقارنة بوزنها الفعلي. فهي تمتلك أكبر احتياطيات غاز في المنطقة، إلى جانب بنية تحتية متكاملة لتسييل الغاز وتصديره، ما يجعلها المنفذ الرئيسي لإمدادات شرق المتوسط نحو أوروبا.

اتفاقية ترسيم الحدود مع اليونان عام 2020 أسهمت في تثبيت موقعها القانوني، كما أن استضافتها لمنتدى غاز شرق المتوسط عزز دورها المؤسسي. وفي الوقت ذاته، تتحرك مصر كوسيط براغماتي يحافظ على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، ما يجعلها طرفًا حاضرًا في كل الترتيبات الإقليمية، سواء في ملفات الطاقة أو في القضايا السياسية المرتبطة بها، بما في ذلك مستقبل قطاع غزة.

لبنان يقدم نموذجًا مختلفًا، حيث تحوّلت آمال الغاز إلى حالة من التعثر، رغم التقديرات التي تشير إلى احتياطيات واعدة، لم ينجح حتى الآن في تحقيق اكتشافات تجارية حاسمة، كما أظهرت نتائج حفر حقل “قانا”. ومع ذلك، شكّلت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل عام 2022، بوساطة أمريكية، سابقة مهمة، إذ أظهرت إمكانية التوصل إلى تفاهمات تقنية بين أطراف لا تجمعها علاقات دبلوماسية. إلا أن هذه الاتفاقية دخلت مرحلة من الهشاشة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.

على مستوى الصورة الأوسع، يتشكّل المشهد من كتلتين غير رسميتين: الأولى تضم إسرائيل واليونان وقبرص ومصر، وتقوم على تقاطع المصالح في تطوير موارد الغاز وترسيم الحدود والحد من النفوذ التركي، وقد تجسدت في منتدى غاز شرق المتوسط وصيغ التعاون الثلاثي. والثانية تضم تركيا وليبيا، وترتكز إلى اتفاقية ترسيم الحدود بينهما لإعادة رسم التوازن في الجنوب، مع محاولات تركية لتوسيع نطاقها نحو أطراف أخرى في الإقليم.

بين هاتين الكتلتين، تتحرك بعض الدول بهوامش مرنة، أبرزها مصر التي تدير علاقاتها ببراغماتية عالية، وكذلك تركيا التي تبدي في بعض المراحل استعدادًا لتكييف مواقفها وفق حسابات اقتصادية وسياسية متغيرة. ما يجمع هذه الأطراف في نهاية المطاف هو انخراط معظمها ضمن المنظومة الغربية أو ارتباطها بها، وهو ما يخلق تداخلًا معقدًا بين التحالفات، ويطرح إشكاليات تتجاوز الجغرافيا نحو بنية النظام الدولي نفسه.

التصعيد الميداني: ماذا يحدث على أرض الواقع؟

تبدو النزاعات الجيوسياسية في التحليل النظري أقرب إلى لعبة محسوبة، تُرسم فيها الخرائط وتُصاغ المواقف ضمن أطر قانونية منضبطة، غير أن شرق المتوسط يقدّم صورة مختلفة، حيث يحضر السلوك الميداني بوصفه امتداداً مباشراً للصراع، وتتحول التحركات البحرية والعسكرية إلى لغة موازية للدبلوماسية.

الوقائع المتراكمة خلال السنوات الأخيرة تكشف نمطاً واضحاً: مناوشات بحرية، تدريبات عسكرية متقابلة، خرائط تُودع في المؤسسات الدولية كرسائل سياسية، وسفن حفر تتحرك تحت حماية عسكرية، دون تجاوز الحد والانتقال إلى مواجهة مفتوحة أو استقرار فعلي.

سلسلة من الحوادث أسهمت في رسم ملامح هذا النمط. في يوليو 2024، وخلال أعمال مدّ كابلات طاقة بحرية تربط اليونان بقبرص وإسرائيل، أرسلت تركيا خمس سفن حربية إلى منطقة العمل قرب كارباثوس، ما دفع السفن البحثية إلى الانسحاب. الحدث انتهى دون اشتباك، لكنه رسّخ معادلة مفادها أن تنفيذ مشاريع البنية التحتية في هذه المياه يرتبط بميزان القوة الميداني بقدر ارتباطه بالترتيبات القانونية.

وفي يونيو 2025، قدّمت تركيا خريطة بحرية جديدة إلى منظمة اليونسكو، أعادت فيها رسم حدود بحر إيجه بشكل يتعارض مع الرؤية اليونانية، في خطوة وإن بدت إدارية في ظاهرها، لكنها حملت مضموناً سياسياً واضحاً، خاصة أنها جاءت بعد تقديم أثينا مخططها البحري الخاص بأسابيع.

التوتر بلغ ذروته في سبتمبر 2025 مع تبادل تحذيرات الملاحة NAVTEX بين البلدين، حيث أعلنت اليونان عن تمرين عسكري واسع شمل نشر الأسطول البحري بالكامل، إلى جانب ستين طائرة مقاتلة ووحدات من القوات الخاصة على عدد كبير من الجزر. ردّت تركيا بتدريبات مضادة في بحر إيجه، ثم تبعتها بمطالبات بنزع السلاح عن ثلاث وعشرين جزيرة يونانية استناداً إلى تفسيراتها للمعاهدات الدولية. تزامن ذلك مع تسجيل خروقات جوية، ما أظهر مدى سرعة انتقال التوتر من المستوى السياسي إلى الميدان.

📝الغاز والنفط المصري: ثروة قومية مهدورة

🖊️محمد عادل

يتسم الاقتصاد المصري منذ القدم بكونه اقتصادًا ريعيًا، يستمد معظم إيراداته من الريع الناتج عن الموارد الطبيعية التي لم يكن لها دور في وجودها، بدلًا من الاعتماد على النشاطات الإنتاجية الأخرى مثل الصناعة أو الزراعة أو الخدمات.… pic.twitter.com/Lhcsd4oQP1

— نون بوست (@NoonPost) June 25, 2024

ما يمنح هذا التصعيد طابعه الخاص هو ارتباطه المباشر بملف الطاقة، فالصراع يتجاوز المناورات العسكرية ليشمل استخدام سفن التنقيب والحفر كأدوات لإثبات السيادة، إذ أرسلت تركيا سفن الحفر “ياووز” و”فاتح” و”عبد الحميد خان” إلى مناطق محل نزاع، مع حماية عسكرية تمنحها القدرة على فرض وجود فعلي.

وانعكس هذا الحضور على سلوك الشركات الدولية؛ إذ واجهت شركة ENI الإيطالية اعتراضاً بحرياً حال دون وصولها إلى أحد بلوكات التنقيب القبرصية، كما واجهت ExxonMobil ضغوطاً مماثلة خلال محاولاتها العمل في المنطقة، وقد جعلت هذه المعادلة الاستثمار في الطاقة مرتبطاً بحسابات المخاطر الأمنية، وتمنح أنقرة تأثيراً غير مباشر على وتيرة تطوير الموارد.

تطورات حرب الإبادة في قطاع غزة أضافت متغيراً حاسماً إلى هذه المعادلة. بعد أيام من اندلاع الحرب، علّقت إسرائيل الإنتاج في حقل تامار لأسباب أمنية، وأُغلق ميناء عسقلان النفطي تحت ضغط الهجمات الصاروخية، ما انعكس فوراً على إمدادات الغاز المتجهة إلى مصر.

الأثر امتد إلى إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية، حيث أوقفت تركيا تجارتها مع إسرائيل عام 2024، ما أغلق أحد المسارات المحتملة لتصدير الغاز عبر الأراضي التركية. في المقابل، تعززت الشراكة بين إسرائيل واليونان وقبرص، واتخذت طابعاً أمنياً أوضح، كما ظهر في قمة القدس الثلاثية في ديسمبر 2025.

الحرب كشفت أيضاً هشاشة البنية التحتية للطاقة في البيئات النزاعية، حيث باتت المنشآت البحرية هدفاً محتملاً في أي تصعيد، ما أضاف بعداً أمنياً جديداً إلى حسابات الاستثمار والتصدير. هذا الإدراك دفع الأطراف إلى إعادة تقييم استراتيجياتها، مع تركيز أكبر على حماية الأصول الحيوية.

التصعيد الإقليمي بلغ مستوى أكثر تعقيداً مع إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران رداً على الضربات الأمريكية الإسرائيلية، وهو تطور أعاد رسم معادلات الطاقة العالمية. تعطّل أحد أهم مسارات تصدير النفط دفع إلى البحث عن بدائل، ما منح شرق المتوسط وزناً إضافياً بوصفه ممراً استراتيجياً في شبكة الإمدادات. هذا التحول نقل المنطقة من إطار نزاع إقليمي إلى عنصر فاعل في أزمة طاقة أوسع، تتداخل فيها الجغرافيا مع الحسابات الدولية.

الناتو في مواجهة نفسه

يواجه حلف شمال الأطلسي في شرق المتوسط مفارقة بنيوية نادرًا ما تُطرح بصراحة: حلف تأسس لمواجهة تهديد خارجي يجد نفسه أمام نزاع حاد بين عضوين رئيسيين فيه. تركيا واليونان، المنضمتان منذ عام 1952، تتحرك قواتهما البحرية في مساحات متنازع عليها، وتتكرر الاحتكاكات الجوية بينهما، فيما تتقدم كل دولة بخرائط قانونية تناقض الأخرى. ورغم هذا المستوى من التوتر، يكتفي الحلف بإدارة الموقف عبر قنوات دبلوماسية هادئة، دون الانخراط في تسوية جوهر النزاع.

يرتبط هذا السلوك بغياب أدوات مؤسسية واضحة لمعالجة النزاعات بين الأعضاء، فميثاق الحلف لا يتضمن آلية ملزمة لتسوية الخلافات الإقليمية الداخلية، ما يجعل أي وساطة مرهونة بإرادة الأطراف نفسها، ويحوّل دور الناتو إلى إطار للتواصل أكثر منه جهة قادرة على فرض حلول.

هذه المحدودية تطرح تساؤلات عميقة حول فعالية المادة الخامسة، التي تنص على اعتبار أي هجوم على أحد الأعضاء هجومًا على الجميع. في حالة تصعيد بين تركيا واليونان، يدخل الحلف في معادلة معقدة تتعلق بكيفية تطبيق هذه المادة على نزاع داخلي.

التجارب السابقة تقدم مؤشراً واضحاً على طبيعة هذا التعاطي، خلال أزمة بحر إيجه عام 1987، وكذلك أزمة جزيرتي عروة وكارداك عام 1996، اقترب الطرفان من حافة المواجهة العسكرية، وكان التدخل الحاسم أمريكياً عبر قنوات ثنائية خارج إطار الحلف، ويعكس هذا النمط أن الناتو في مثل هذه الحالات يعمل كوسيط غير مباشر، بينما تُدار التسويات الفعلية عبر مسارات موازية.

الموقع التركي داخل الحلف يزيد من تعقيد هذه المعادلة، فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وتتحكم في مضيق البوسفور، وتستضيف قاعدة إنجيرليك ذات الأهمية الاستراتيجية للعمليات الأمريكية، إذ تمنحها هذه المعطيات هامش حركة واسع داخل الحلف، وتحدّ من قدرة بقية الأعضاء على ممارسة ضغوط مباشرة عليها.

صفقة منظومة S-400 الروسية وما تبعها من استبعاد من برنامج F-35 وعقوبات أمريكية قدّمت مثالاً على هذا التوازن، حيث استمرت عضوية تركيا في الحلف دون إجراءات داخلية مباشرة. وفي أزمات شرق المتوسط، بما فيها تصعيد عام 2020 ثم توترات 2025، اقتصر دور الناتو على الدعوة إلى الحوار وعقد لقاءات تقنية لخفض التوتر.

اليونان بدورها وسّعت شبكة علاقاتها الدفاعية، سواء مع إسرائيل، أو الإمارات، في محاولة لبناء توازنات إضافية تتجاوز الإطار الأوروبي والأطلسي، ضمن توجه يعكس إدراكاً متزايداً بأن الضمانات التقليدية للحلف تحتاج إلى دعم عبر تحالفات متعددة المستويات.

داخل المعسكر الغربي، يظهر تباين واضح في مقاربة الملف التركي، إذ اتخذت فرنسا موقفاً أكثر تشدداً خلال توترات 2020، وأرسلت قطعاً بحرية دعماً لليونان وقبرص، بينما فضّلت ألمانيا مسار الوساطة والحوار، وأضعف هذا الاختلاف بين العواصم الأوروبية قدرة الاتحاد الأوروبي على بلورة موقف موحد، وترك هامشاً أوسع لحركة الأطراف المتنازعة.

أما الولايات المتحدة، فتعتمد مقاربة مزدوجة تجمع بين الحفاظ على الشراكة مع تركيا ودعم ترتيبات الطاقة التي تشمل اليونان وقبرص وإسرائيل، مع محاولات متكررة لدمج أنقرة في الأطر الإقليمية لتقليل حدة التوتر.

الخلاصة التي يفرضها هذا المشهد أن الناتو يؤدي وظيفة محددة بكفاءة نسبية، تتمثل في منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة بين أعضائه، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. في المقابل، يبقى عاجزاً عن معالجة جذور النزاع أو فرض تسوية دائمة.

هذه الحالة تعكس طبيعة الحلف نفسه، الذي تأسس على فكرة مواجهة تهديد خارجي مشترك، دون تطوير أدوات فعالة لإدارة التناقضات الداخلية، إذ يقدم شرق المتوسط اختباراً عملياً لهذا القيد البنيوي، ويكشف حدود قدرة الحلف على التكيّف مع بيئة تتداخل فيها التحالفات مع الصراعات في آن واحد.

لماذا لا يُحلّ هذا النزاع؟

يبدو السؤال للوهلة الأولى مباشراً: ما الذي يمنع دول شرق المتوسط من الجلوس إلى طاولة واحدة، وترسيم حدودها البحرية، والانطلاق في استثمار الموارد ضمن بيئة مستقرة تعود بالفائدة على الجميع؟ فالموارد قائمة، والأسواق الأوروبية بحاجة، وشركات الطاقة مستعدة للدخول.

غير أن هذا التصور يفترض أن النزاع اقتصادي في جوهره، وأن الأطراف تتحرك وفق حسابات مادية صافية، بينما المشهد الفعلي أكثر تركيباً، حيث تتداخل اعتبارات القانون والهوية والسياسة بطريقة تجعل أي تسوية محتملة مكلفة لطرف أو أكثر.

تبدأ هذه التعقيدات من الإطار القانوني نفسه، ومن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تمثل المرجعية الدولية لتنظيم المطالبات البحرية، وقد وقّعت عليها غالبية دول العالم، غير أن عدداً من الأطراف الأساسية في شرق المتوسط يقف خارجها.

تركيا ترفض الانضمام إلى الاتفاقية وتعارض منح الجزر حقوقاً كاملة في المناطق الاقتصادية الخالصة، كما أن إسرائيل وسوريا خارج هذا الإطار أيضاً، ويجعل هذا الانقسام الأساس القانوني الذي تستند إليه دول مثل اليونان وقبرص ومصر غير مُلزم لجميع الأطراف، ويخلق بيئة تتعايش فيها تفسيرات متعارضة دون مرجعية موحدة.

حتى بين الدول الموقعة، تبقى مساحة التفسير واسعة، فقضايا مثل مسألة حقوق الجزر الصغيرة، خاصة غير المأهولة، تثير خلافات فقهية وقضائية، وقد أظهرت أحكام محكمة العدل الدولية تبايناً في التعامل معها بحسب كل حالة. في بحر إيجه، حيث تنتشر الجزر اليونانية قرب الساحل التركي، تتحول هذه المساحة الرمادية إلى نقطة احتكاك دائمة، تسمح لكل طرف ببناء روايته القانونية الخاصة.

إلى جانب القانون، تحضر الهوية القومية بوصفها عاملاً حاسماً. المطالبات البحرية في شرق المتوسط ترتبط بالسيادة والذاكرة التاريخية، ما يمنحها بعداً يتجاوز الحسابات الاقتصادية. في تركيا، تُشكل التحركات السياسية جزءاً من الخطاب القومي، وتُقدَّم باعتبارها تعبيراً عن حق سيادي في المجال البحري.

في اليونان، يرتبط ملف الجزر بتاريخ طويل من الصراعات والتحولات الديموغرافية، ما يجعله جزءاً من الوعي الجمعي. أما في قبرص، فإن أي نقاش حول تقاسم الموارد البحرية يتقاطع مع واقع الانقسام القائم منذ 1974، ويحمل دلالات سياسية تتعلق بمستقبل الجزيرة نفسها.

هذه الاعتبارات تضع القيادات السياسية أمام معادلة داخلية معقدة، إذ تحتاج التسويات إلى تنازلات، والتنازلات تتطلب قدرة على تحمل كلف سياسية داخلية، وهو ما يرتبط باستقرار الحكومات، وتوازنات الرأي العام، والبيئة الإقليمية المحيطة، ونادرًا ما تتقاطع هذه العناصر في توقيت واحد. فحتى في الفترات التي شهدت انفتاحاً نسبياً في العلاقات، سرعان ما أعادت التطورات الميدانية ضبط سقف التوقعات، وأعادت الخطاب إلى موقع أكثر تشدداً.

تُضاف إلى ذلك شبكة من المصالح التي تستفيد من استمرار الوضع القائم، حيث يفتح التوتر المجال لصفقات تسليح متواصلة، ويمنح بعض القوى السياسية الداخلية أدوات لتعزيز خطابها، كما يوفّر للدول الكبرى مساحة للحفاظ على حضورها ونفوذها في المنطقة، وبالرغم من عدم بروز هذه العوامل الخطاب العلني، لكنها تساهم في إبطاء أي مسار نحو تسوية شاملة.

عامل آخر يتمثل في غياب وسيط قادر على الجمع بين المصداقية والقدرة على التأثير، إذ تملك الولايات المتحدة أدوات الضغط، لكنها تتحرك ضمن شبكة مصالح متشابكة تشمل تركيا واليونان وإسرائيل ومصر، ما يجعل دورها انتقائياً ومحدوداً في بعض الملفات. فيما يمتلك الاتحاد الأوروبي موقفاً سياسياً أقرب إلى اليونان وقبرص، مما يجعله غير مقبول بالنسبة لتركيا. أما مجلس الأمن، فدوره يبقى مرتبطاً بوصول النزاع إلى مستوى يهدد السلم الدولي بشكل مباشر.

الصورة التي تتشكل من هذه العوامل تشير إلى أن استمرار النزاع يرتبط ببنية مركبة من المصالح والتفسيرات المتعارضة، أكثر من ارتباطه بغياب الإرادة فقط، وهذا ما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة مساراً معقداً، يتطلب تغيرات أوسع في البيئة السياسية والقانونية والإقليمية المحيطة.

ما وراء الأفق وسيناريوهات المستقبل

حين تدخل ورقة جديدة على طاولة قديمة، يتغيّر شكل اللعبة حتى قبل أن تتضح نتائجها، وهذا ما طرأ على المشهد في في 17 أبريل/نيسان 2026، إذ قدّم الرئيس السوري أحمد الشرع رؤية واضحة لدور سوريا المستقبلي بوصفها ممراً بديلاً لإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد، يربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر الأردن، مستفيداً من موقعها على البحر المتوسط. التصريح جاء ضمن سياق أوسع من التحركات التي تعكس محاولة دمشق إعادة تموضعها في المعادلة الإقليمية، من موقع ساحة صراع إلى موقع عقدة وصل بين الأطراف المتنافسة.

هذا التوجه ترافق مع خطوات عملية على الأرض، اتفاقات بين تركيا وسوريا والأردن لتحديث شبكات السكك الحديدية تهدف إلى إنشاء ممر يربط جنوب أوروبا بالخليج، وبدء تصدير مواد نفطية عراقية عبر الموانئ السورية، إلى جانب اتفاقيات استثمارية في قطاع الطاقة، من بينها مشروع بقيمة سبعة مليارات دولار بمشاركة قطر وتركيا والولايات المتحدة.

في الوقت ذاته، كشفت مبادرات أمريكية عن تصور لتحويل سوريا إلى محور إقليمي للطاقة ضمن مشروع يربط الخليج وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود، عبر خطوط تمتد من كركوك إلى بانياس، ومن قطر إلى تركيا، ومن أذربيجان إلى شمال سوريا، إضافة إلى تفعيل خط الغاز العربي باتجاه أوروبا. وأبدى الاتحاد الأوروبي بدوره اهتماماً عملياً، من خلال تخصيص تمويلات والانخراط في محادثات لإدماج سوريا ضمن مبادرات المتوسط.

تسارع هذه التحركات يرتبط بسياق أوسع أعاد تشكيل أولويات الطاقة عالمياً، وفي مقدمته إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، وهو تطور وضع جزءاً كبيراً من إمدادات النفط العالمية تحت ضغط مباشر.

ورغم هذا الزخم، تفرض القراءة التحليلية جملة من التحفظات. أولها يتعلق بالوضع الداخلي في سوريا، حيث ما تزال البيئة السياسية والأمنية في طور التشكّل، وهو عامل مؤثر في قرارات الاستثمار طويلة الأمد. ثانيها يرتبط بجدوى هذه المشاريع من منظور السوق، في ظل توجه صادرات الخليج أساساً نحو آسيا، وتزايد الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال الذي يمنح مرونة أكبر مقارنة بخطوط الأنابيب. ثالثها يتعلق بالحسابات الإسرائيلية، حيث يشكل أي تمدد تركي–سوري باتجاه المتوسط عاملاً حساساً في معادلات الأمن الإقليمي. أما البعد الرابع، فيكمن في طبيعة العلاقة بين تركيا وسوريا، حيث يجمعها تقاطع مصالح في مشروع الممرات، مع حضور حسابات تنافسية تتعلق بموقع كل طرف في شبكة الطاقة.

ضمن هذا المشهد، يمكن استشراف ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول يقوم على تعاون جزئي وتدريجي، تتقدم فيه مشاريع محددة دون معالجة شاملة للنزاعات، مع استمرار الشراكات القائمة بين مصر وإسرائيل، وتطوير الدور السوري كممر بري، واستمرار التنسيق بين اليونان وقبرص ضمن دعم أوروبي، مع حضور تركي مرن في بعض المسارات. هذا السيناريو يحافظ على مستوى من الاستقرار الوظيفي دون تسويات جذرية.

ما أبرز مخرجات القمة التي جمعت الاحتلال الإسرائيلي وقبرص واليونان، وما هي دلالات توقيت انعقادها، وما الرسائل الإسرائيلية التي وجهت إلى تركيا من خلالها؟ وهل تكون منطلقًا لتشكيل جبهة ثلاثية تستهدف أنقرة؟

📍تفاصيل أكثر في هذا التقرير 👇https://t.co/wU6nsUZhPa pic.twitter.com/1nzSMgq2ie

— نون بوست (@NoonPost) December 30, 2025

المسار الثاني يعكس حالة من الجمود المسلح، حيث تستمر التوترات البحرية ضمن دورات تصعيد وتهدئة، وتواجه المشاريع الجديدة عراقيل مرتبطة بالبيئة السياسية والأمنية، ويبقى جزء كبير من الموارد دون استثمار فعلي، وينسجم هذا المسار مع اتجاهات قائمة، ويعكس استمرار إدارة الأزمة دون الانتقال إلى حل شامل.

المسار الثالث يتجه نحو إعادة توازن دبلوماسي أوسع، يقوم على إدماج تركيا في الأطر الإقليمية، وتحقيق تقدم في الملف القبرصي، والوصول إلى ترتيبات واضحة لترسيم الحدود البحرية. هذا السيناريو يتطلب توافر إرادة سياسية متزامنة، وتحولات داخلية في مواقف الرأي العام، ودوراً دولياً أكثر فاعلية، وهي شروط معقدة لكنها تبقى ضمن نطاق الممكن على المدى البعيد.

في المحصلة، يجمع شرق المتوسط عناصر متداخلة في مساحة جغرافية واحدة: موارد طاقة، ممرات استراتيجية، نزاعات قانونية، وهويات قومية متجذرة، إضافة إلى شبكة تحالفات دولية متقاطعة، فيما يفتح دخول سوريا على هذا المشهد احتمالات جديدة تتعلق بإعادة تعريف دور الجغرافيا في إدارة الصراع، حيث تتحول الأرض من ساحة تنازع إلى مساحة ربط محتملة.

العنصر الثابت في كل هذه التحولات هو أن الجغرافيا تفرض إيقاعها، إذ تظل الموارد الموجودة في أعماق البحر، والموقع الذي يربط ثلاث قارات، عاملين حاسمين في تشكيل المستقبل. ما يتغير هو كيفية إدارة هذه المعطيات: بين منطق المنافسة على السيطرة، ومنطق بناء ترتيبات مشتركة. وحتى تتضح الغلبة بين هذين المسارين، ستبقى خرائط المنطقة مفتوحة على احتمالات متعددة، تعكس توازناً دقيقاً بين القوة والفرصة.

علاماتأزمات الشرق الأوسط ، إغلاق مضيق هرمز ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الغاز في شرق المتوسط ، شرق المتوسط
مواضيعأسعار النفط ، إمدادات الغاز ، شرق المتوسط ، صفير البحار

قد يعجبك ايضا

سياسة

حرب السرديات.. كيف تخوض واشنطن وطهران معركتهما الأعمق؟

هبة بعيرات٧ مايو ٢٠٢٦
سياسة

ملامح الشرق الأوسط الجديد.. هل أصبحت “إسرائيل” أقرب للإمارات من السعودية؟

محمد مصطفى جامع٧ مايو ٢٠٢٦
سياسة

سلاح إيران النفطي الجديد

غريغوري برو٧ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑