ترجمة وتحرير: نون بوست
رغم وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز ما زالت مستمرة بلا هوادة. أبقى الحصار المتبادلة نحو 20 بالمائة من إمدادات النفط العالمية، و20 بالمائة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، إضافة إلى سلع حيوية مثل الهيليوم والألومنيوم واليوريا، محتجزة داخل الخليج العربي دون قدرة على الوصول إلى الأسواق. وقد قوبلت محاولات واشنطن لإجلاء السفن من المضيق بوابل جديد من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، ولم تتمكن سوى قلة من السفن من العبور.
بدأت الآثار الاقتصادية لهذه الأزمة تتضح: نقص في الوقود والمنتجات الأخرى في شرق آسيا وأستراليا، وارتفاع حاد في أسعار وقود الطائرات، وانخفاض في الطلب العالمي على النفط للمرة الأولى منذ جائحة كوفيد-19 عام 2020. تجاوز سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة 4 دولارات، وقد يتجاوز 5 دولارات بحلول نهاية مايو/ أيار. وإذا ظل المضيق مغلقًا، ستتفاقم هذه الضغوط الاقتصادية، مما يؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي.
شبّه محللون سياسيون قدرة إيران على إغلاق المضيق بـ”سلاح النفط” الذي استخدمته الدول العربية المنتجة للنفط ضد الغرب في أوائل سبعينيات القرن الماضي، لكن الواقع أن النظام الدولي يواجه اليوم تحديًا أكبر وأكثر استدامة. حتى لو فشلت إيران في ترسيخ سيطرتها عبر نظام رسوم دائم، فقد أثبتت أنها قادرة على إغلاق الممر البحري أمام حركة المرور حتى في ظل وجود قوة عسكرية كبيرة.
سيخيم هذا التهديد على الاقتصاد العالمي في المستقبل المنظور. يبدو من غير المرجح أن تطيح الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية بالنظام الإيراني، ومهما كان الاتفاق الذي سينهي هذه الجولة من الصراع، من شبه المؤكد أن يبقى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي وحلفاؤه في الحرس الثوري في أماكنهم، وستكون طهران قادرة على إغلاق المضيق إذا اندلعت الأعمال العدائية مرة أخرى. لذلك يجب على واشنطن أن تعترف بهذا الخطر وتتعامل معه، وأن لا تتوهم بأن القوة العسكرية والمناورات الدبلوماسية يمكن أن تحل هذه المشكلة بشكل دائم.
ستحتاج الولايات المتحدة إلى فتح المضيق خلال الأشهر القليلة المقبلة لتجنب تفاقم الأزمة الاقتصادية، وسيكون ذلك على الأرجح عبر مزيج من المفاوضات والضغط الناتج عن الحصار الأمريكي. لكن على المدى الطويل، ينبغي أن تبحث واشنطن عن وسائل لضمان ألا يتضرر الاقتصاد العالمي إذا حاولت إيران إغلاق المضيق مجددًا.
يتطلب ذلك تبني استراتيجيات لتعزيز مرونة قطاع الطاقة وتقليل التعرض لمخاطر الإغلاق في المستقبل، ودعم جهود توسيع طرق الشحن في دول الخليج، وإحياء الحوافز الإنتاجية لتسريع التحول في قطاع الطاقة على الصعيدين المحلي والدولي. لا يمكن للولايات المتحدة أن تقلل من الأهمية الاستراتيجية للمضيق وتحرم إيران من نفوذها إلا من خلال تقليل اعتمادها عليه.
حظر النفط العربي
أوضح سابقة تشبه استخدام إيران مضيق هرمز كسلاح هو حظر النفط العربي عام 1973، حين خفّض أعضاء أوبك العرب الإنتاج ومنعوا شحنات النفط إلى الولايات المتحدة عقب اندلاع الحرب مع إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام. كان للحظر أثر عميق: تسبب في نقص حاد في البنزين في الولايات المتحدة وساهم في زيادة بنسبة 400 بالمائة في سعر النفط الخام عالميًا، لكنه سرعان ما فقد فعاليته كأداة سياسية.
نجح الحظر لأن الظروف كانت مواتية. ارتفع اعتماد أمريكا على النفط الأجنبي بين 1967 و1973، فيما بدأ الإنتاج المحلي بالتراجع عام 1970، مما منح المنتجين العرب نفوذًا فريدًا سعوا لاستغلاله كوسيلة للضغط.
لكن هذا النفوذ تراجع سريعًا، إذ واصل أعضاء أوبك غير العرب بقيادة شاه إيران محمد رضا بهلوي إنتاج النفط، مما قوّض جهود الضغط عبر خفض الإنتاج. رُفع الحظر في مارس/ آذار 1974 بعد مفاوضات بين وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر والقادة العرب. وبحلول 1975، انخفضت الأسعار الحقيقية للنفط من جديد، جزئيًا بسبب التضخم. (أما الصدمة الثانية بين 1979 و1980 فقد كانت نتيجة انهيار إنتاج إيران النفطي إثر الثورة الإسلامية، وليس بسبب قرار جماعي من المنتجين).
في أعقاب أزمة النفط، طوّرت الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الصناعية أدوات للتعامل مع الصدمات المستقبلية، وكان أهمها نظام احتياطيات النفط الذي يمكن أن يعمل كحاجز واقٍ ضد الاضطرابات. ولم تتمكن أي دولة أو مجموعة من الدول من استخدام سلاح النفط بنجاح مرة أخرى، لأن منظمة أوبك وأعضاءها العرب لم يعودوا في وضع يسمح لهم بابتزاز الاقتصاد العالمي.
أما نجاح إيران في مضيق هرمز فإنه يبدو أكثر استدامة. أمضت الجمهورية الإسلامية عقودًا في تطوير القدرات اللازمة لإغلاق المضيق: ألغام، صواريخ، طائرات مسيّرة، صواريخ باليستية مضادة للسفن، وأسطول من الزوارق الصغيرة السريعة القادرة على إرباك السفن العابرة.
وقد نجحت في ذلك بجهد محدود نسبيًا. فمنذ 28 فبراير/ شباط، نفذت طهران أكثر من 20 هجومًا على سفن في مياه المضيق، وفق مركز المعلومات البحرية المشترك، الذي يراقب حركة الملاحة البحرية في المضيق، إضافة إلى زرع ألغام ومهاجمة أهداف برية في دول الخليج، وقد كان هذا كافيًا لشلّ حركة الملاحة تمامًا.
لم يكن شهر كامل من القصف الأمريكي الإسرائيلي كافيًا لفتح المضيق، كما أن المرافقة البحرية للسفن بدا إجراء صعبًا بسبب تردد الدول الأخرى في الانخراط بالصراع، فيما بقيت شركات الشحن مترددة في العبور وسط حالة عدم اليقين بشأن اتفاق وقف إطلاق النار.
تستطيع إيران التهديد بإغلاق المضيق مستقبلاً بعد أن أثبتت قدرتها على فعل ذلك. صحيح أن قدراتها العسكرية تضررت لكنها لم تُدمّر، ولن يتطلب الأمر سوى جهد محدود لمنع الملاحة، سواء بزرع ألغام إضافية أو شن هجمات على السفن العابرة.
وإذا نجحت إيران في فرض نظام رسوم يجبر كل سفينة على الدفع مقابل المرور أو مواجهة خطر الهجوم، فمن غير المرجح أن تتمكن القوة العسكرية من إزاحته. لذلك يجب على دول المنطقة وشركات الشحن والجهات الفاعلة الدولية التعامل مع التهديد الإيراني بجدية، حتى لو أعيد فتح المضيق على المدى القصير.
بدائل لمضيق هرمز
ستحتاج الولايات المتحدة في الشهور القادمة إلى مزيج من القوة والدبلوماسية لإعادة فتح المضيق. بدأت إيران بفرض رسوم على السفن العابرة، لكنها ستواجه صعوبات في الحفاظ على هذا النظام وسط معارضة واسعة من دول المنطقة وشركات الشحن.
اختارت واشنطن ممارسة الضغط الاقتصادي من خلال حصار بحري يخنق قدرة إيران على تصدير النفط، في حين يهدف “مشروع الحرية” إلى تحرير السفن العالقة في المضيق باستخدام البحرية الأمريكية. في الوقت نفسه، لم تتوقف المفاوضات بين الجانبين تمامًا رغم بطئها. ورغم أن الأمر قد يستغرق أسابيع، أو ربما شهورًا، فإن إعادة فتح المضيق عنصر ضروري لأي اتفاق وقف إطلاق نار دائم، شريطة ألا تستأنف الولايات المتحدة وإيران الأعمال العدائية.
مع ذلك، يتعين على واشنطن وشركائها الدوليين خلال السنوات القليلة المقبلة تبني استراتيجيات إضافية للحد من مخاطر أي إغلاق محتمل في المستقبل. ومن بين هذه الاستراتيجيات توسيع شبكات الطاقة في الخليج العربي.
تمتلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بالفعل خطوط أنابيب تنقل النفط إلى البحر الأحمر وخليج عمان، ويمكنها نقل نحو تسعة ملايين برميل يوميًا، أي ما يقارب نصف الحجم الإجمالي للنفط الذي يمر عادةً عبر المضيق.
وستكون هناك حاجة إلى خطوط إضافية لتخفيف العبء على البحرين والعراق والكويت، التي تفتقر حاليًا إلى طرق لتجاوز الممر. يمكن للبحرين والكويت بناء خطوط تربطهما بالسعودية. أما العراق فإنه يواجه صعوبة لأن المسارات الوحيدة الممكنة لخطوط أنابيب جديدة هي باتجاه الغرب نحو البحر الأبيض المتوسط، وهو خيار غير جذاب لبلد يُصدر معظم نفطه شرقًا إلى آسيا.
أما بالنسبة لعبور البضائع غير النفطية، فإن توسيع شبكات الطرق والسكك الحديدية التي تمتد بموازاة الخليج إلى عمان أو إلى ميناء الفجيرة في الإمارات سيخفف الضغط في حال إغلاق المضيق أمام حركة الحاويات أو البضائع.
يمكن للولايات المتحدة أن تساعد في تمويل مثل هذه المشاريع، وأن توفر قروضًا عبر بنك التصدير والاستيراد أو مؤسسة تمويل التنمية الدولية، مبررةً ذلك بحماية الأمن القومي: فالأموال التي تُنفق على تشييد بنية تحتية تتجنب مضيق هرمز من شأنها أن تعزز موقف الولايات المتحدة وحلفاءها في مواجهة إيران في حال وقوع مواجهات مستقبلية.
ويمكن لواشنطن أن تجذب أيضًا جهات فاعلة دولية أخرى، مثل الدول الأوروبية والهند واليابان وباكستان وحتى الصين، للمشاركة في مثل هذه المشاريع، نظرًا للمصلحة المشتركة في الحفاظ على تدفق الطاقة من الخليج العربي. ومن شأن مثل هذه الإجراءات أن توفر للولايات المتحدة وسيلة لقيادة الاستجابة الدولية لأزمة هرمز وتعزيز علاقاتها مع شركائها في الخليج.
أما على الصعيد الداخلي، فيجب على الولايات المتحدة بذل المزيد من الجهود لتعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة صدمات الطاقة. باعتبارها أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، يمكن للولايات المتحدة الاستثمار في زيادة سعة التخزين المحلية، بما في ذلك إنشاء احتياطي استراتيجي من المنتجات المكررة مثل الديزل والبنزين. كما ينبغي عليها أن تتحرك بجدية لإعادة ملء وتوسيع احتياطيها من النفط الخام، الذي استُنزف بشكل قياسي في عامي 2022 و2026، عقب غزو روسيا لأوكرانيا وبدء الحرب في إيران.
يتركز مجمع مصافي التكرير في الولايات المتحدة بشكل كبير في الولايات الواقعة على طول ساحل خليج المكسيك، مما يجعل السواحل الغربية والشرقية عرضة لاضطرابات في الإمدادات الخارجية. تعتمد كاليفورنيا، على سبيل المثال، على نفط الشرق الأوسط لتغطية خُمس استهلاكها الإجمالي.
من شأن بناء خطوط أنابيب جديدة في الولايات المتحدة أن يعزز القدرة على الصمود أمام مثل هذه الأزمات، تمامًا مثل بناء خطوط أنابيب جديدة في الخليج. كما ينبغي على واشنطن تعليق “قانون جونز” بشكل دائم، وهو قانون عمره قرن من الزمان يعرقل نقل إمدادات الطاقة المحلية من ميناء أمريكي إلى آخر.
لكن أفضل وسيلة لمواجهة ضعف الولايات المتحدة أمام صدمات أسعار الوقود الأحفوري هي الحد من الاعتماد عليه، لذلك ينبغي على إدارة ترامب أن تفكر في تفعيل الحوافز التي أُطلقت في عهد بايدن للتحول نحو الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية، وتخفيف القيود على تركيب أنظمة الطاقة المتجددة، واعتماد سياسة طاقة شاملة تدعم تطوير مصادر الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري، لضمان أن تكون الطاقة زهيدة التكلفة ومتاحة ووفيرة حتى في أوقات المخاطر والاضطرابات.
كما حدث في أزمة السبعينيات، فإن الصدمة الناتجة عن الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز ستترك آثاراً واسعة النطاق، بغض النظر عن كيفية أو توقيت انتهاء الصراع.
لكن على عكس الأزمة السابقة، فإن التهديد الذي يمثله سلاح النفط الجديد الذي تملكه إيران يبدو أكثر استدامة بكثير. أثبتت إيران أنها قادرة على إغلاق المضيق والإبقاء عليه مغلقاً حتى في مواجهة قوة عالمية عظمى، ولم يعد من الممكن العودة إلى الوضع السابق حين كان المرور من المضيق آمناً تحت رقابة البحرية الأمريكية.
يجب على الولايات المتحدة وبقية الدول، سواء في المنطقة أو خارجها، أن تعمل على تطوير منظومة طاقة عالمية متكاملة بشكل لا يجعلها صيدا سهلا في المرة القادمة التي تحاول فيها إيران ابتزاز العالم.
المصدر: فورين أفيرز