• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

شبكة دفاعية تمتد إلى آسيا الوسطى.. ما قصة “الناتو التركي”؟

نون إنسايت٧ مايو ٢٠٢٦

تعد تركيا المحرك الأساسي للشبكة الدفاعية المفترضة في منظمة الدول التركية

في ربيع 2026، ظهرت في الصحافة الروسية عبارة مثيرة: “شنغن دفاعية تركية” صاغتها صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا”، مشبهة التعاون العسكري المتنامي بين أنقرة وأعضاء منظمة الدول التركية بمساعي الاتحاد الأوروبي لإنشاء منطقة تسمح بحرية الحركة للقوات بين الدول الأوروبية.

وفق هذا المنطق، إذا كانت أوروبا تبحث عن “شنغن عسكري”، فإن أنقرة – برأي الصحيفة – تبني “ناتو دفاعي” يسهل عبورها العسكري عبر آسيا الوسطى من خلال المنظمة التي تأسست عام 2009 بهدف تعزيز الهوية والثقافة والاقتصاد ثم حملت اسم “الدول التركية” منذ 2021.

وتفتح هذه الاستعارة باب التساؤل: هل تتجه المنظمة نحو تشكيل شبكة أمنية ولوجستية تقودها أنقرة؟ وما الخطوات العملية التي تشكل هذه الشبكة وما حدودها؟

خريطة الدول الأعضاء في منظمة الدول التركية

ما الخطوات التي تبني الشبكة؟

1- اتفاق العبور العسكري 

اللبنة الأبرز في الحديث عن “شنغن دفاعية” هي اتفاقية عبور الأفراد والمعدات والشحنات العسكرية الموقعة بين أنقرة وأستانا في 11 سبتمبر/أيلول 2024.

تنص الاتفاقية على السماح للطائرات العسكرية بنقل الجنود والمعدات والشحنات، بما في ذلك الإمدادات الإنسانية أو المستخدمة في المناورات، عبر أجواء الطرفين، ولكن بشرط الحصول على تصريح مسبق لكل رحلة.

في أبريل/نيسان 2026 وافق مجلس النواب الكازاخي على مشروع القانون، وصدق عليه مجلس الشيوخ في نفس الشهر ليصبح الاتفاق ساريًا.

يفتح الاتفاق إطارًا قانونيًا متبادلًا لعبور الأفراد والمعدات والشحنات العسكرية عبر أجواء تركيا وكازاخستان وهي خطوة لوجستية مهمة بالنسبة لأنقرة فالممر الجوي عبر بحر قزوين يكمل امتدادًا جغرافيًا يبدأ من أذربيجان ويصل إلى أوزبكستان وطاجيكستان وربما أفغانستان.

أما بالنسبة لكازاخستان، التي تربطها عضوية في منظمة معاهدة الأمن الجماعي مع روسيا، فإن الاتفاق لا يشكل انحيازًا بالكامل إلى أنقرة، إذ يشدد المسؤولون الكازاخ على بقاء كل رحلة مرهونة بموافقة السلطات.

2- منصة الصناعات الدفاعية

إلى جانب العبور، شهد يوليو/تموز 2025 خطوة مهمة، مع عقد الاجتماع الأول لرؤساء مؤسسات الصناعات الدفاعية بدول المنظمة في إسطنبول.

ناقش الاجتماع توسيع التعاون في الصناعات الدفاعية وتبادل الخبرات، ورسخ دور تركيا كقائد صناعي، ومنح باقي الدول منفذًا للاستفادة من التكنولوجيا التركية، خصوصًا في مجال المسيّرات والرادارات.

وجاءت قمة غابالا في أذربيجان في أكتوبر/تشرين الأول 2025، التي حملت شعار “السلام والأمن الإقليمي”، لتبني على الاجتماع السابق وتؤكد ضرورة استخدام إمكانات التعاون في مجال الدفاع والصناعات العسكرية.

وخلال القمة، اقترح الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف استضافة مناورات عسكرية مشتركة لدول المنظمة في 2026، مبينا أن بلاده نفذت أكثر من 25 تدريبًا مشتركًا مع تركيا عام 2024. ولم يترجم الاقتراح بعد إلى قرار، لكنه يدل على استعداد أذربيجان لدعم تكامل أمني متعدد الأطراف.

3- تعاونات ثنائية متنامية

في 20 يناير/كانون الثاني 2026، وقّعت تركيا وأوزبكستان خطة تعاون عسكري لعام 2026 تتضمن تدريبات مشتركة، تبادل خبرات، تعاونًا فنيًا، وبرامج في الطب العسكري.

جاء التوقيع في إطار اجتماع رباعي جمع وزراء الخارجية والداخلية والدفاع ورؤساء أجهزة الأمن، ما يعكس البعد الاستراتيجي للشراكة.

كذلك، شهد شهر سبتمبر/أيلول 2025 توقيع مذكرة تفاهم في مجال الأمن السيبراني بين تركيا وكازاخستان خلال مؤتمر KazHackStan في ألماتي، وشارك فيها ممثلون من دول المنظمة، في خطوة تضيف بعدًا جديدًا للتعاون يتجاوز السلاح التقليدي إلى الفضاء الرقمي.

كما عقد أمناء مجالس الأمن القومي لأذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركيا وأوزبكستان اجتماعهم الرابع في بيشكك في سبتمبر/أيلول 2025 حيث ناقشوا التهديدات الإقليمية ووقعوا محضرًا لتعزيز آليات التعاون.

4- تدريبات ومناورات متعددة

بدأت ملامح التدريب المشترك بين الدول الأعضاء بالمنظمة تظهر مبكرًا في تدريبات إسبرطة بتركيا عام 2022، حين شاركت قوات من دول تركية في تدريب لمكافحة الإرهاب، قبل أن تتسع لاحقًا إلى تمارين أكبر وأكثر تنوعًا نستعرضها في الإنفوجراف التالي:

يستعرض هذا الإنفوجراف أبرز التدريبات العسكرية الأخيرة في إطار منظمة الدول التركية

ورغم الأهمية العملية لهذه التمارين في تعزيز التشغيل البيني، إلا أنها تُدار في إطار ثنائي أو ثلاثي ولا تخضع لقيادة عسكرية موحدة. وبذلك تظل “شبكة المناورات” إحدى حلقات التعاون دون أن تشكل جيشًا تركيًا موحدًا حتى الآن.

ولكن يمكن القول إن هذه الخطوات – اتفاق العبور، منصة الصناعات، خطط التعاون الثنائية، وتمارين التدريب – تضع أسسًا لشبكة مرنة تسمح بحركة الأفراد والمعدات وتدريب الجيوش وتطوير الصناعات.

خريطة القوة داخل العالم التركي

تركيا: مصنع السلاح وعقل الشبكة

تعد تركيا المحرك الأساسي للشبكة الدفاعية المفترضة، فبفضل صعود صناعاتها العسكرية منذ العقد الماضي، باتت تعرض حزمة دفاعية تشمل المسيّرات، الرادارات، الحرب الإلكترونية، الدفاع الجوي، والذخائر الذكية.

وتظهر أرقام الشركات التركية، وفي مقدمتها Baykar، صعودًا كبيرًا في صادرات المسيّرات، إذ أعلنت الأخيرة وحدها تحقيق 2.2 مليار دولار من الصادرات عام 2025.

كما أن نجاح المسيّرات التركية في ساحات مثل قره باغ إلى أوكرانيا جعلها سلعة مطلوبة لدول آسيا الوسطى وإفريقيا.

أذربيجان: خبرة ميدانية وجسر جغرافي

أذربيجان تملك بدورها جيشًا خاض حروب قره باغ ويمتلك خبرات قتالية متقدمة، كما توسع باستمرار صناعتها الدفاعية الخاصة بالذخائر والمسيّرات.

وقد وضع إعلان شوشة الموقع عام 2021 بين أنقرة وباكو الأساس لتحالف عسكري ثنائي وأتاح بناء منشآت تدريب مشتركة وتطوير صناعات دفاعية.

كما أن موقعها على بحر قزوين يجعلها حلقة وصل بين تركيا وآسيا الوسطى ويعطيها دورًا حيويًا في أي شبكة لوجستية قادمة.

كازاخستان: العمق واللوجستيات

تمتلك كازاخستان واحدا من أكبر الجيوش في آسيا الوسطى ومساحة شاسعة وموانئ على بحر قزوين، وهي تشكل بذلك العمق الجغرافي لأي عبور نحو الشرق.

الاتفاق الموقع مع تركيا حول عبور العسكريين يبرزها كعقدة لوجستية، كما أن هناك مباحثات لإنتاج المسيّرات بالتعاون مع شركة “بايكار” في إطار محلي، إذ أكدت وزارة الدفاع الكازاخية أن الاتفاق لا يزال في مرحلة الدراسة ويركز على نقل التكنولوجيا.

خريطة القوة داخل منظمة الدول التركية

أوزبكستان: كتلة بشرية وموقع مركزي

تمتلك أوزبكستان واحدة من أكبر الكتل العسكرية والبشرية في آسيا الوسطى ويقع موقعها المركزي على حدود أفغانستان، كما تخضع البلاد لإصلاحات عسكرية تسعى لتقليل الاعتماد على العتاد الروسي.

شراء المسيّرات التركية وتوقيع خطة التعاون العسكري لعام 2026 يمثلان خطوتين لاستفادة طشقند من التكنولوجيا التركية، لكنها ليست عضوًا في تحالفات إقليمية ولديها سياسة عدم انحياز، كما أن ميزانيتها العسكرية محدودة.

قيرغيزستان والمراقبون

تمتلك قيرغيزستان جيشًا صغيرًا يعتمد على العتاد الروسي، لكنها بدأت شراء مسيّرات TB2 التركية.

ومن هنا فإن وجود قواعد روسية على أراضيها يحد من حركتها، إلا أنها تشارك في الاجتماعات الأمنية للمنظمة وتسعى للاستفادة من التدريبات دون الانخراط في تحالف يثير غضب موسكو.

أما تركمانستان، المجر، وشمال قبرص التركية فهم مراقبون في منظمة الدول التركية.

تركمانستان تشتري المسيّرات التركية لكنها تلتزم بالحياد الدائم، والمجر – العضو في الناتو – تشارك لأسباب ثقافية وسياسية أكثر من كونها عسكرية، بينما تشارك جمهورية شمال قبرص التركية في المناورات كإحدى طرق دعم الاعتراف السياسي.

العقبات والتحديات أمام “الشنغن الدفاعي”

1- حساسية روسية

ترى روسيا في منظمة الدول التركية منافسا جيوسياسيا يتحدى نفوذها التقليدي في آسيا الوسطى والقوقاز.

وتشير تقارير معهد يوركتاون الأمريكي إلى أن وسائل الإعلام المقربة من الكرملين بدأت تصف المنظمة بأنها “ناتو تركي” أو “سلطنة تركية”، بل ذهب بعضها إلى حد اعتبارها “كتلة عسكرية – سياسية تحت رعاية تركيا والناتو”.

وزعمت معلقة بصحيفة نيزافيسيمايا غازيتا أن أنقرة “تستولي” على سياسة آسيا الوسطى الخارجية، وهو ما يعكس قلق موسكو من تآكل نفوذها.

لا تقتصر الحساسية الروسية على الإعلام، إذ أكد وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف في اجتماع لمنظمة شنغهاي للتعاون (SCO) في 2026 رفضه لوجود “قوى خارجية” في آسيا الوسطى، قائلاً إن روسيا تراقب محاولات الدول الأخرى للحصول على موطئ قدم هناك.

كما تضع اتفاقية بحر قزوين لعام 2018 قيدًا إضافيًا، إذ تمنع وجود قوات مسلحة لدول غير ساحلية في البحر، ما يحد من أي حضور عسكري تركي مباشر في هذا الفضاء.

من ناحية أخرى، لا تزال كازاخستان وقيرغيزستان عضوين في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) بقيادة موسكو، ما يفرض قيودًا على تحركاتهما العسكرية مع شركاء آخرين، بينما ترتبط أوزبكستان باتفاق شراكة استراتيجية مع روسيا رغم تعليق عضويتها في المنظمة.

هذا الارتباط يتيح لروسيا الضغط على تلك الدول اقتصاديًا وأمنيًا، كما أن معظم جيوش المنطقة ما زالت تعتمد على تجهيزات وتدريب روسيين.

2- قيود صينية

لا تواجه “الشنغن الدفاعية” التركية المحتملة قيدًا روسيًا فقط، بل قيدًا صينيًا أكثر هدوءًا. فالممر الأوسط، الذي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز وتركيا، يشكل أحد أعمدة التقارب التركي مع دول المنطقة.

لكنه بالنسبة إلى بكين ليس مجرد طريق بديل للتجارة، بل جزء من شبكة مصالح اقتصادية وبنى تحتية لا ترغب الصين في عسكرتها أو تحويلها إلى محور أمني تقوده أنقرة.

العقدة هنا أن تركيا تنظر إلى الممر الأوسط بوصفه مساحة نفوذ ولوجستيات واتصال بالعالم التركي، بينما تراه الصين طريقًا تجاريًا يحتاج إلى الاستقرار لا إلى اصطفافات عسكرية جديدة.

لذلك لا تبدو الصين خصمًا مباشرًا للمسار التركي، لكنها تملك أدوات قادرة على تقييده. فمنذ 2023، عززت بكين آلية “الصين + دول آسيا الوسطى” C+C5، ووسّعت تعاونها الأمني في إدارة الحدود، ومكافحة الإرهاب، وحماية البنى التحتية.

بهذا المعنى، يشكل العامل الصيني تحديًا مزدوجًا: فبكين تبني حضورًا أمنيًا منخفض الصوت داخل آسيا الوسطى، لكنها تفضّل أن يبقى هذا الحضور في خدمة التجارة والاستقرار، لا في خدمة تكتل دفاعي جديد.

لذلك تستطيع دول المنطقة شراء السلاح التركي والتدرب مع أنقرة، لكنها ستظل حذرة من تحويل الممر الأوسط إلى مسار دفاعي صريح قد يثير قلق الصين أو يمس مصالحها الاقتصادية.

3- تردد دول آسيا الوسطى

تقوم سياسات دول آسيا الوسطى على التوازن المتعدد، مما يجعلها مترددة في الالتزام بحلف دفاعي واضح مع تركيا.

كازاخستان: تحاول أن تكون “قوة وسطى” وتوازن بين روسيا والصين وتركيا.

أوزبكستان: تلتزم بعدم الانضمام إلى تحالفات عسكرية أو السماح لقواعد أجنبية على أراضيها.

تركمانستان: تنتهج سياسة “الحياد الإيجابي” وترفض الانضمام لتحالفات عسكرية، مركّزة على إبقاء علاقاتها الاقتصادية مفتوحة مع جميع الأطراف.

قيرغيزستان: تعتمد اقتصاديًا وأمنيًا على روسيا، ووقعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 خطة تعاون عسكري معها تشمل التدريب العسكري.

ينبع التردد من رغبة هذه الدول بالاستفادة من التقنيات التركية والتعاون الاقتصادي دون قطع الجسور مع موسكو وبكين أو الدخول بمواجهة معهما.

انفوجراف يشرح أبرز التحديات والعقبات أمام تدشين “شنغن دفاعي” لمنظمة الدول التركية

4- غياب البنية المؤسسية الدفاعية

تقوم الفكرة الأساسية للمنظمة على التعاون السياسي والثقافي والاقتصادي، ولم تصمم لتكون تحالفًا دفاعيًا حتى الآن وخاصة أن الوثائق الرسمية لا تحتوي على مادة للدفاع المشترك.

وتضمن إعلان غابالا 2025 بندًا للتضامن لكنه “بعيد عن بند دفاع مشترك”، إذ ما زالت الدعوات لتعزيز التعاون الأمني لا ترقى إلى إنشاء حلف.

ويؤكد تقرير لموقع Caspianpost الأذربيجاني أن ميثاق المنظمة يفتقر إلى مادة دفاع مشترك، ويقارن ذلك بما كان عليه الاتحاد الأوروبي قبل معاهدة لشبونة، حيث كان التضامن يُعبَّر عنه بلغة حذرة وليس التزامًا ملزمًا.

فيما يوضح مركز لودوفيكا للدراسات التركية التركستانية أن إقامة آلية دفاع على نمط الناتو أمر غير مرغوب لمعظم أعضاء المنظمة، ويقترح بدلاً من ذلك “هندسة أمنية” تشمل تدريبات مشتركة وتنسيقاً بالصناعات الدفاعية وتبادل معلومات استخبارية دون إنشاء قيادة موحدة أو مادة دفاع مشترك.

ويحذر المركز من غياب “عقيدة استراتيجية مشتركة”، ومن أن التعاون قد يظل “مشاريع متفرقة” إذا لم يتم الاتفاق على تقييم موحد للتهديدات.

هذه الفجوة المؤسسية تجعل المنظمة أقرب إلى شبكة تنسيق مرنة تستند إلى اتفاقات ثنائية ومتعددة الأطراف، دون نظام قيادة أو ميزانية دفاع موحدة أو آلية تدخل جماعي.

ومن هنا، لا تزال منظمة الدول التركية تتحرك بين طموح تشكيل شبكة دفاعية ولوجستية وبين واقع معقّد من القيود وخاصة أن دول آسيا الوسطى نفسها تفضّل تعدد المسارات وعدم الالتزام بحلف واضح، بينما يخلق تفاوت القدرات العسكرية وفقر البنية المؤسسية فجوة بين الطموح والواقع.

علاماتآسيا الوسطى ، أردوغان في تركيا ، أسلحة الجيش التركي ، الصناعات الدفاعية التركية ، الصناعات العسكرية

قد يعجبك ايضا

سياسة

ملامح الشرق الأوسط الجديد.. هل أصبحت “إسرائيل” أقرب للإمارات من السعودية؟

محمد مصطفى جامع٧ مايو ٢٠٢٦
سياسة

سلاح إيران النفطي الجديد

غريغوري برو٧ مايو ٢٠٢٦
سياسة

شرق المتوسط: خرائط متضاربة ومدمرات متقابلة

أحمد الطناني٧ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑