• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

البحر الأسود: مسرح العالم العائم ومركز تجاذباته

سجود عوايص١٠ مايو ٢٠٢٦

ما إن اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، حتى عاد البحر الأسود يتربع على خارطة الجيوستراتيجية العالمية، حين شنت أوكرانيا عدة هجمات بمسيرات متطورة على البحرية الروسية، بهدف تحجيم التفوق البحري الروسي وكسر جزءٍ من حصاره عبر إغراق بعض سفنه الحربية في البحر الأسود

في الوقت ذاته، سعت روسيا للسيطرة عليه باعتباره ممرًا ملاحيًا مرتبطًا بصادرات الغذاء والحبوب، ما حول حدوده إلى خطوطٍ ملتهبة، سارعت جهات دولية وأممية للتوسط بإطفائها، بعدما ترك النزاع آثاره على الأمن الغذائي العالمي، وكشف مكانة هامة للبحر الأسود لا يمكن تجاهلها، على صعيد دوره في تدفق الطاقة والسلع والغذاء، واستمرار عجلة الاقتصاد في محيطه.

ورغم الوصول إلى مبادرات تهدئة ما بين الفينة والأخرى، ظل البحر مسرحًا للتجاذبات، وعنوانًا أساسيًا من عناوين الدعم الغربي لأوكرانيا، وهدفًا من أهداف الحملة الروسية، بما يكشف عن أهمية الجغرافية، ودوره الاقتصادي، وتاريخه الذي يبدو من الصعب فصله عن حاضره، بأي شكلٍ من الأشكال.

من هنا تستطلع المادة، ضمن ملف “أقفال البحار”، جغرافيا وحدود البحر الأسود، تاريخه الكثيف وارتباطاته باقتصاديات العالم الحديث، وحروبه الهوجاء التي تتقاطع مع موسيقاه ورقصاته.

الجغرافيا التي لا تتسامح مع الفراغ

على مساحة 436,400 كيلومتر مربع، يمتد البحر الأسود بعمقٍ يصل لـ 2212 مترًا في أقصى الأعماق، وبحجم 547 ألف كيلو مترٍ مكعب، وتتعدد مسمياته تاريخيًا ما بين بحر زالبا، والبحر غير المضياف، وبحر البنطس، وجميعها تجتمع على طبيعته القاسية والمظلمة.

أما الإجماع على “سواده” فيُرجح لكثرة عواصفه وعنفه، ولاحتوائه على تركيزات عالية جداً من كبريتيد الهيدروجين على عمق يزيد عن 150 متراً، مما يؤدي إلى ترسب حمأة سوداء على الأجسام المعدنية والنباتات الميتة التي تغوص فيه، بالإضافة إلى صعوبة الملاحة فيه، وتكاثف السحب والضباب فوقه معظم أشهر السنة، حيث يبلغ متوسط الرؤية على سواحله 5 متر، مقارنة بنحو 35 متر في البحر المتوسط.

وتصب فيه خمس أنهارٍ، هي الدانوب ودنيستر ودنيير والكوبان وسقاريا، وفيه ثلاث جزرٍ صغيرة، ولا يزيد عرضه عن 263 كم، لكن ميزته الأساسية لا تأتي من حجمه أو مساحته، بل من عدة ملامح جغرافيا، على رأسها انعزاله الشديد عن محيطات العالم، إذ يتصف فقط بكلٍ من البحر الأبيض المتوسط عبر مضيقي البسفور والدردنيل، وبحر آزوف عبر مضيق كيرتش.

هذه العزلة المغلقة، هي مفتاح فهم هذا البحر، لأنها تمنح من يسيطر على مداخله سيطرة على التجارة والطاقة والغذاء، وهيمنة سياسية وعسكرية تتجاوز حدوده، ورغم أن جغرافيا المشاطئة موزعة على ست دولٍ تُحيط به هي؛ تركيا وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا وروسيا وجورجيا، إلا أن الهيمنة والسيطرة تكاد تكون محصورة بين كلٍ من روسيا وتركيا.

إذ تعتبر روسيا القوة المهيمنة عسكريًا عليه، ولطالما انخرطت في سلسلة حروبٍ متواصلة منذ القرن السابع عشر سعيًا للحفاظ على إطلالة على مياهه الدافئة، معتبرة إياه بوابةً لإحياء نفوذها الإمبراطوري، ومتمركزة فيه عبر أسطولها منذ عام 1783 (المتموقع في ميناء سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم تحديدًا) لفرض سيطرتها، حيث تستخدمه لتصدير الحبوب والطاقة -حتى تلك المنهوبة من أوكرانيا-، ولتعزيز تواجدها العسكري في أقاليم أوكرانيا المحتلة.

أما تركيا، فهي القوة الإقليمية الأكبر، إذ تمتلك أطول ساحلٍ على البحر الأسود، بطولٍ يصل إلى 1326 كم، وتتعاظم قوتها بسيطرتها على مضيقي البوسفور والدردنيل، ما يضعها في موقعٍ استراتيجي قوي عن تقاطع ممرات النقل الدولي بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، ويمنحها ورقة ضغطٍ لا يمتلكها أحد، أقلها التحكم في دخول وخروج السفن الحربية، وهي بذلك العقبة الأكبر للهيمنة الروسية المطلقة، وبيضة القبان الغربي في ترجيح كفة السيطرة بعيدًا عن روسيا، واللاعب المستقل في الميدان.

أما أوكرانيا، فقد كان لها ثقل اقتصادي كبيرٌ على شاطئ البحر الأسود، إذ كانت تنتج موادً غذائية قادرة على تغذية 400 مليون شخص حول العالم، كما تعدّ من أهم مصدّري القمح والزيوت النباتية في العالم، وقد كانت قبل اندلاع الحرب الروسية التي نشبت في فبراير 2022 تصدّر عبر موانيها على البحر الأسود ما مجموعه 5 ملايين طن من الحبوب والبذور الزيتية خلال الشهر الواحد.

ميناء أوديسا حيث تشحن أوكرانيا القمح وفقًا لاتفاقية الحبوب المبرمة مع روسيا (غيتي)

لكن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في 2014، ثم استيلاؤها على ولايات أخرى؛ مثل: دونيتسك وزابوريزهزيا وخيرسون نتيجة للحرب على أوكرانيا، أدى إلى خسارة الأخيرة لكثير من سواحلها الجنوبية والجنوبية الشرقية، وفقدانها السيطرة على العديد من موانيها الرئيسة، ليتبقى لها ميناء أوديسا في تشورنومورسك.

رغم ذلك يتعرض الميناء لهجماتٍ روسية متكررة، آخرها هجمات ديسمبر 2025، التي جاءت ردًا على هجمات أوكرانيا على أسطول الظل الروسي، وفي إطار تعهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعزل أوكرانيا عن البحر.

رومانيا وبلغاريا أكلتا نصيبهما من الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تعرضتا لضغوطٍ أمنية واقتصادية هائلة جراء الحرب، بينما وقعت جورجيا ضحية التوسع الروسي، إذ فقدت 20% من أراضيها لصالح أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بعد حرب 2008.

تؤكد هذه النزاعات أن الثقل الجيوسياسي للبحر الأسود، لا يتناسب بأي حالٍ من الأحوال، مع موقعه أو عمقه أو مساحته، إذ يرتبط بدوائر نفوذٍ ثلاثة؛ الغربي عبر كلٍ من رومانيا وبلغاريا، نتيجة عضويتهما في الاتحاد الأوروبي والناتو، وعبر أوكرانيا أيضًا، وهي دائرة النفوذ الأكثر هامشية، ثم هُناك روسيا وجورجيا وهما منافستان للنفوذ الأوروبي، ومتوحدتان في المواقف والاتجاهات، وهناك تركيا التي تتجاذب ما بين رغبة الاتحاد الأوروبي في تعزيز سيطرته من خلالها دون ضم تركيا إلى اتحاده، ومصالحها واتفاقياتها الأمنية والاقتصادية مع روسيا.

استمرار ذبذبات التوتر على سطح البحر الأسود، جعله وفقًا لتوصيف معهد تشاثام هاوس للشؤون الدولية “خطًا جيوسياسيًا فاصلًا، يمثل نموذجًا مصغرًا للنظام الناشئ للتعددية القطبية في العالم”، إذ إنه يندمج تدريجيًا مع الجزء الشرقي من البحر الأبيض في فضاءٍ جيوسياسي واحد تتشابك فيه منافسات القوى الإقليمية والدولية.

ما يعني أن ما دوره لا ينحسر فيما يحيط به من متغيرات مباشرة، بل يمتد للقوقاز الجنوبي ساحبًا معه في دوامه التأثير كُلًا من إيران وأذربيجان وأرمينا، وللقلب الأوروبي عبر مولدوفا بالنظر إليه كممرٍ بحريٍ وحيد لإوكرانيا ورومانيا وبلغاريا وصولًا للعالم، وللبحر الأبيض عبر البسفور والدردنيل، من خلال ما يضخه من ثلاثة ملايين برميل نفطٍ يوميًا، تشكل 3% من الإمداد اليومي العالمي، وكثافة عمليات العبور فيه، التي وصلت عام 2024 وحده إلى أكثر من 40 ألف سفينة.

بمثل هذه الجغرافيا، يحضُر البحر الأسود، كبحرٍ مغلقٍ يتحكم في قارةٍ بأكملها، إذ يُشكل ثاني أكبر مصدر للنفط والغاز الطبيعي في العالم بعد منطقة الخليج العربي، إذ تمثل منطقته أكثر من 34% من واردات الغاز الطبيعي والنفط إلى دول الاتحاد الأوروبي.

هذه هي حدود المكتشف منه، أما دون ذلك فهي احتياطات ضخمة من الطاقة والمعادن والموارد الطبيعية الأخرى، إذ يُرجح أن رومانيا تمتلك ما بين 150-200 مليار متر مكعب من احتياطات الطاقة البحرية، أما بلغاريا فمن خلال حقل “خان اسبارو” وحده تمتلك 100 مليار متر مكعب، ما يكفيها لأكثر من 30 عامًا، بينما تمتلك جورجيا احتياطيات قابلة للاستخراج تبلغ 266 مليار متر مكعب من الغاز.

حيثُ تُصنع حروب العالم

الحجم الهائل للاحتياطيات، والموقع الجغرافي القريب من المياه الدافئة، أنتج هوسًا روسيًا بالبحر الأسود، في محاولة لمد قليلٍ من الدفء لشواطئها المتجمدة طوال العام، ومسارًا متصلًا بالبحر الأبيض وممرات التجارة العالمية، ما دفعها لسلسلةٍ من الحروب والغزوات.

فقد كان الاتحاد السوفيتي يسيطر على البحر الأسود في هيمنة مشتركةٍ مع تركيا عضو الناتو، مما جعله ساحة مركزية في الحرب الباردة، ثم عندما انهار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، ورثت أوكرانيا المستقلة حديثا أكبر حصة من ساحل البحر الأسود والبنية التحتية البحرية والمنطقة الاقتصادية البحرية.

 كانت هذه خسارة روسية لا تُطاق، ما دفعها لتحدي الامتداد الأوكراني في وقتٍ مبكر، حتى بلغ ذروته في السيطرة على ثلثي الساحل الجورجي بعد حرب عام 2008 واحتلال أبخازيا، ثم ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، ما أتاح لها وصولًا حُرًا إلى مياهه عبر قاعدة سيفاستوبول، انتهاءً باحتلال أربع مناطق أوكرانية عام 2022 ساعية اليوم لفرض سيطرتها على كامل الساحل الأوكراني، لتُكمل حلقة هيمنتها بالتزامن مع أنظمة موالية لها في إقليم ترانسنيستريا الانفصالي.

بالنسبة لروسيا فإن البحر الأسود جوهري لإعادة مكانتها العظمى، وبالنسبة للعالم هو المسرح الذي يتحقق به ذلك، حتى مع تدمير ثلث أسطولها أو حصاره في نوفوروسيسك، وذلك عبر تحويل أوكرانيا إلى دولة حبيسة داخل اليابسة، مقطوعة عن البحر وهو ما كاد يتحقق في الأشهر الأولى من الغزو، وما تُحاول إعادة تحقيقه بين فترةٍ وأخرى.

لكن ذلك يصطدم بالهيمنة التركية على مضيقي البسفور والدردنيل، اللذان اختارت الدبلوماسية الدولية منذ عام 1936 وضعهما في يد تركيا، بمنحها السيطرة على حركة المرور للسفن، المدنية والحربية منها، للدول الساحلية أو غيرها وفق شروطٍ معينة.

فمن خلال اتفاقية مونترو 1936، تعمل تركيا ضامنًا أمنيًا يمنع التصعيد البحري، أما تطبيقات ذلك فهو ما أعلنه وزير خارجيتها في فبراير 2022، من أنها ستعتبر الغزو الروسي لأوكرانيا “حربًا” ما يُتيح لها ممارسة دورها القانوني في إغلاق مضيقيها أمام القطع البحرية الروسية.

اتفاقية مونترو تسمح بمرور سفن مدنية وحربية عبر مضايق البحر الأسود وفق شروط محددة (رويترز)

بيد أن الاتفاقية تنطبق على السفن غير المسجلة ضمن سفن البحر الأسود، وضمن الأسطول البحري الروسي في البحر الأسود، أما تلك المسجلة والعائدة إلى قواعدها بالعبور، فيمكن لها أن تمر، وهكذا شمل الحظر التركي جزءًا من السفن الروسية وجميع سفن الناتو.

ثم ونتيجة صعوبة تقييد السفن الحربية الروسية، لجأت إلى المشاركة في عملية “انسجام البحر الأسود” لحماية المناطق البحرية، بالتعاون مع كلٍ من رومانيا وبلغاريا، وبمشاركة أممية، بهدف تحييد الألغام والطائرات المسيرة البحرية والجوية، وعبر فرقٍ منن الغواصات والسفن الدورية والمروحيات والزوارق والضفادع البشرية والطائرات المسيرة، والتي كان آخر تقييمٍ لمهامها في 26 مارس المنصرم.

على الجانب الآخر، وبعد طول تجاهلٍ للبحر الأسود في التفكير الاستراتيجي الغربي، نشر الاتحاد الأوروبي عام 2025 أول استراتيجية شاملة له للمنطقة، ترتكز استراتيجية الاتحاد على إنشاء مركزٍ “للأمن البحري في البحر الأسود” وتعزيز للبنية التحتية البحرية الحيوية واستقرارها، بالإضافة للتعامل مع الأضرار البيئية ودعم الربط بين أوروبا وآسيا الوسطى وجنوب القوقاز، والتعاون لمواجهة الأزمات الأمنية، واعتبار حوض البحر الأسود جزءًا لا يتجزأ من أمن الاتحاد الأوروبي.

ورغم إشارة الاستراتيجية لأهمية دعم الدول الشريكة مثل أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا، إلا أنها تتجاهل الدور التركي بأكثر من “مراعاة دوره كقوة إقليمية أخرى” وتعزيز الربط التجاري معها، بما يشمل حماية ممرات الشحن وتحديث مبادرة التآزر في البحر الأسود، ما يجعل كفاءتها منقوصة.

ينسحب ذلك أيضًا على تجاهلها لأسلوب الحرب البحرية الهجينة التي تتبناها روسيا، واستخدامها لأسلوب الظل، واعتمادها على مساهمات طوعية للدول الأعضاء في تعزيز الأمن البحري، وهي نقاط الضعف التي تفشل فيها استراتيجية الناتو البحرية الصادرة في أكتوبر 2025، والتي تشير للبحر الأسود مرةً واحدة فقط، دون معالجة ثغراته الأمنية، أو تحديد موقفٍ واقعي للناتو في منطقة يتأثر فيها أعضاؤه وشركاؤه نتيجة غياب الأمن الجماعي.

هذه الاستراتيجيات، التي تُظهر فشلها من المربع الأول، تؤكد أن عمق البحر الأسود هو المكان الأفضل لفهم تغيرات العالم السريعة، يمكن فهم ذلك أيضًا بالنظر لدور البحر الأسود في الأمن الطاقوي العالمي، فبعد توترات الشرق الأوسط والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وإغلاق الأخيرة لمضيق هرمز، عادت الأنظار الأوروبية إلى البحر الأسود الذي يحوي في أعماقه أكثر من تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي في المحيط الأوكراني وحده.

هناك أيضًا حقول إضافية، بقيمة تزيد عن 100 مليار متر مكعب على السواحل الأخرى، بالإضافة لحقل ساكاريا التركي الذي يضم أكثر من 700 ميار متر مكعب، هذه الكميات مجتمعة بإمكانها إنقاذ الطلب الأوروبي على الغاز، لكنها مقيدة بالعرقلة العسكرية الروسية عبر الألغام البحرية والتهديدات المتواصلة.

هناك زاوية أخرى تربط البحر الأسود بما يجري على سواحل البحر الأبيض، فالوصول الروسي للبحر الأسود أتاح لروسيا مكانة عسكرية واتصالًا مباشرًا بقواعد عسكرية في كلٍ من ليبيا والسودان وسوريا، وخاصة قاعدتها طرطوس، التي نقلت إليها الكثير من الأسلحة والذخيرة والأفراد، ما مكنها من التدخل المباشر في شؤون الشرق الأوسط وتثبيت موقعها كفاعلٍ قسري في المنطقة.

وبينما يقر المعهد الأمريكي للشرق الأوسط بأن أوكرانيا، رغم قدراتها البحرية المحدودة، نجحت في خفض حجم الأسطول الروسي في البحر الأسود من 80 سفينة حربية إلى 40، عبر توظيف الطائرات المسيّرة السطحية وصواريخ كروز الساحلية. وقد أجبرت هذه الضربات الأسطول الروسي على التراجع من قواعده في القرم إلى ميناء نوفوروسيسك، لصالح الحرية العملياتية الأوكرانية التي اتسعت بنسبة 60% من ساحة المعركة الحربية، ما أضعف الجاهزية العملياتية للأسطول الروسي في البحر الأسود بأكثر من 40% منذ عام 2022، بسبب محدودية طاقة الإصلاح والتبديل، وتراجع إنتاج روسيا من السفن بنسبة 35% ما بين 2022-2024.

 إلا أنه لا ينفي أن ما كشفته الحرب عن هشاشة منظومة الأمن الإقليمي، بتحوّل البحر الأسود بسبب حرب روسيا في أوكرانيا إلى بؤرة أمنية ساخنة، وتحوّل شبه جزيرة القرم إلى قلعة روسية مُحصَّنة ومنصة للضربات الجوية والبحرية، مما يُشكّل خطراً مباشراً على الدول المطلّة على البحر الأسود، وعلى الأمن الأوروبي والغربي بأكمله، لأن البحر الأسود يتجاوز أهميته كمياه إلى دوره كخرائط غذاء وطاقة وحدود نفوذ.

بحرٌ يرقص على شغف القلوب

ليست الحروب وحدها ما يحتضنه البحر الأسود، هناك الموسيقى المميزة لشعوبه ذوي الأصول المختلفة، اليونانيون والروس والجورجيون والأرمن وشعب اللاز والأتراك، وجميعهم اختلطوا في موروثات المنطقة، وأنتجوا لهجات مميزة وكلمات قادمة من لغاتٍ أخرى، بالإضافة إلى الموسيقى والفنون والملابس والأطباق المتنوعة.

إذتشتهر منطقة البحر الأسود بموسيقاها وأغانيها الشعبية التي امتزجت فيها الكلمات التركية مع الكلمات اللازية، بينما تنعكس تضاريس المنطقة وطقسها المتقلب على مزاج الموسيقى التي تتقلب بين الحزن الشديد والفرح الشديد، لذا تظهر الكمانجا كآلة موسيقية رئيسية، قادرة على تحويل الحزن للصخب، والحركة للكآبة.

يرتبط ذلك بالرقصات المميزة، مثل رقصة الهورون التركية، المنتشرة في مدن القسم الشرقي مثل سامسون وأوردو وحيرسون وطرابزون وريزا وأرتفين وجوموشهانه، ورقصة البار المنتشرة في مدينتي أردهان وبايبورت وبعض أحياء جوموشهانة وجيرسون. 

أما أفضل أطباقها فهي الأسماك، كيف لا وهي تُنتج أكثر من 70% من استهلاك شعوب سواحلها من الأسماك، بالإضافة للأطباق النباتية، ونكهة الشاي المميز، ما يجعل من السياحة على سواحلها تجربة استثنائية بما تقدمه من تنوعٍ يجعلها مختلفة ومميزة عن عمق البلاد، وبقية أطرافها.

بالمحصلة، لم يكن البحر الأسود بحاجة للحروب ليثبت أنه أكثر من مسطحٍ مائي، كانت الموسيقى والنكهات والأطباق والرقصات كافية لتأكيد تميزه وأهميته، لكن في عالمٍ حديث يرى كل شيء وأي شيء بعين المصالح والمنافع، يظهر البحر الغاضب نظامًا جيوسياسيًا متكاملًا، تتشابك فيه خيوط الغذاء والزيوت، بخطوط الطاقة والغاز، وبمخططات الأمن والهيمنة، وبطموحات التوسع والهوية الوطنية.

فبينما تراه روسيا ضرورة وجودية، تعتبره أوكرانيا شريانًا اقتصاديًا لا يمكن قطعه، بينما تحضر فيه تركيا بصفتها اللاعب الذي يتقن تحريك المياه وإغلاق المضائق، لتأتي كل من رومانيا وبلغاريا وجورجيا بدفع الأثمان التي لا تُريد أوروبا الكبرى دفعها، وتكتفي بالتباكي عليها، ولو إلى بعد حين.

علاماتالبحر الأسود ، التجارة العالمية ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران ، الحرب الروسية الأوكرانية
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحروب التجارية ، الشأن التركي ، الغزو الروسي لأوكرانيا ، النفوذ التركي

قد يعجبك ايضا

سياسة

نهاية أسطورة الاستثناء الخليجي والحماية الأمريكية

هند الأنصاري١٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

ما أبعاد حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية في سوريا؟

حسن إبراهيم١٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

“الربط الكهربائي البحري العظيم”.. 10 أسئلة تشرح مشروع قبرص العالق

نون إنسايت١٠ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑