استقبلت العاصمة التركية أنقرة، في السادس من مايو/أيار الجاري، الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حيث أقيمت له مراسم استقبال رسمية في المجمع الرئاسي بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل أن يتبادل الرئيسان الأوسمة الرسمية في مشهد عكس مستوى التقارب السياسي بين البلدين، بالتزامن مع انتقال العلاقات التركية الجزائرية إلى مرحلة أكثر اتساعا على المستويات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.
وخلال الزيارة، ترأس الرئيسان الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، قبل أن يشهدا توقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم شملت النقل الدولي والخدمات البريدية والاتصالات والتقييس والاستثمار والزراعة وإدارة الكوارث والاعتراف المتبادل برخص القيادة، إلى جانب إطلاق مفاوضات اتفاق التجارة التفضيلية بين البلدين.
تعكس هذه الاتفاقيات توجها متدرجا نحو بناء شراكة استراتيجية شاملة تقوم على تأسيس بنية تنظيمية واقتصادية أكثر ترابطا بين البلدين، خاصة أن طبيعة الوثائق الموقعة ترتبط مباشرة بحركة التجارة والاستثمار وتسهيل انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال. ويأتي ذلك في سياق تسعى فيه الجزائر إلى تنويع شركائها الاقتصاديين وتقليص الاعتماد التقليدي على الأسواق الأوروبية، بالتزامن مع تصاعد الحضور التركي في أفريقيا والبحر المتوسط عبر أدوات التجارة والصناعة والاستثمار.
وتكشف الأرقام حجم التحول الذي شهدته العلاقات الاقتصادية بين البلدين خلال العقدين الأخيرين، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري من أقل من مليار دولار مطلع الألفية إلى أكثر من 5.3 مليارات دولار في 2023، وسط هدف مشترك لرفعها إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة. كما رسخت تركيا موقعها بين أبرز شركاء الجزائر التجاريين، بعدما احتلت المرتبة الرابعة بين مورديها، خلف الصين وفرنسا وإيطاليا، في إعادة تشكيل تدريجية لخريطة النفوذ الاقتصادي في شمال أفريقيا.
من معاهدة 2006 إلى مجلس التعاون الاستراتيجي 2026
تمثل العلاقات التركية الجزائرية اليوم حصيلة مسار تراكمي امتد على مدار عقدين، انتقل تدريجيا من التعاون الدبلوماسي التقليدي إلى بناء شراكة استراتيجية أكثر تنظيما ومؤسساتية. وشكلت معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة عام 2006 نقطة تحول أساسية في هذا المسار، بعدما فتحت الباب أمام توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، وأرست إطارا دائما للحوار والتنسيق بين البلدين بعد سنوات طويلة اتسمت بعلاقات محدودة الإيقاع والتأثير.
منذ ذلك الحين، اتجهت أنقرة والجزائر نحو تكثيف الاتصالات السياسية والاقتصادية، مدفوعتين بتحولات إقليمية ودولية دفعت كلا الطرفين إلى إعادة صياغة أولوياتهما الاستراتيجية وشبكات شراكاتهما الخارجية. وفي هذا السياق، جاء تأسيس مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى هذا العام بوصفه خطوة تعكس انتقال العلاقات إلى مرحلة أكثر عمقا، تقوم على آليات مؤسساتية منتظمة تهدف إلى إدارة التعاون بين البلدين بصورة أكثر استقرارا واتساعا.
ويحضر البعد التاريخي بدوره في خلفية هذا التقارب، إذ تحتفظ الذاكرة السياسية التركية بصورة خاصة للعلاقات التي جمعت الدولة العثمانية بالجزائر خلال القرون الماضية، حين شكلت الجزائر إحدى أهم القوى البحرية في المتوسط ضمن المجال العثماني، غير أن هذا الإرث يستحضر اليوم بوصفه أرضية ثقافية وتاريخية تسهل التقارب السياسي، أكثر من كونه مرجعية لإعادة إنتاج الماضي، خاصة أن العلاقات المعاصرة بين البلدين تبنى على المصالح الاقتصادية المتبادلة والتنسيق السياسي والندية في إدارة الملفات الإقليمية والدولية.
كيف تتمدد تركيا داخل السوق الجزائرية؟
تكشف بيانات التبادل التجاري والاستثمارات بين تركيا والجزائر عن مسار اقتصادي متصاعد تجاوز حدود التجارة التقليدية إلى بناء شراكة اقتصادية متشابكة تشمل الصناعة والطاقة والتمويل والخدمات اللوجستية، فبحسب البيانات الرسمية التركية والجزائرية، ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من أقل من مليار دولار مطلع الألفية إلى 5.3 مليارات دولار في 2023، قبل أن يقفز إلى نحو 6.3 ـ 6.5 مليارات دولار خلال 2024، مع استمرار المبادلات فوق حاجز 6 مليارات دولار في التقديرات الأولية لعام 2025، وسط هدف مشترك أعلنه الرئيسان رجب طيب أردوغان وعبد المجيد تبون للوصول إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة.
هذا التوسع التجاري تدعمه قاعدة استثمارية تركية واسعة داخل الجزائر، تشمل أكثر من 1600 شركة باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار موزعة على قطاعات الصناعة والتعدين والزراعة والأدوية والبنية التحتية والبناء، إضافة إلى مساهمتها في توفير عشرات آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
ومع اقتران هذه القاعدة الاستثمارية باتفاقيات تستهدف تخفيض كلفة النفاذ إلى السوق الجزائرية وتسهيل الحركة التجارية، تبدو الشراكة بين البلدين أقرب إلى مشروع لإعادة تموضع اقتصادي طويل الأمد، يمنح تركيا موطئ قدم أعمق داخل واحدة من أكبر أسواق شمال أفريقيا، ويمنح الجزائر هامشا أوسع لإعادة صياغة علاقاتها الاقتصادية بعيدا عن الشركاء التقليديين.
ويبرز ضمن هذه الاستثمارات مشروع “توسيالي” للحديد والصلب في وهران باعتباره أكبر استثمار صناعي تركي في الجزائر، إذ تجاوزت قيمته 2.5 مليار دولار، مع قدرة إنتاجية تصل إلى نحو 4 ملايين طن سنويا من الحديد والصلب. كما يعد مشروع “تايال” للنسيج في غليزان، البالغة قيمته نحو 1.5 مليار دولار، من أكبر مشاريع النسيج في شمال أفريقيا، إلى جانب استثمارات “حياة القابضة” التي ضخت أكثر من 103 ملايين دولار في قطاع الصناعات الاستهلاكية، موفرة نحو 960 وظيفة مباشرة. وبصورة إجمالية، وفرت الاستثمارات التركية أكثر من 30 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة داخل الجزائر.
ويكتسب هذا التوسع أهمية أكبر عند النظر إلى طبيعة السلع المتبادلة بين البلدين، فالجزائر تصدر إلى تركيا أساسا الغاز الطبيعي والمشتقات البترولية وبعض المنتجات المعدنية الوسيطة مثل الحديد نصف المصنع والأمونيا، وبلغت واردات تركيا من الجزائر خلال 2024 نحو 1.47 مليار دولار، منها حوالي 1.01 مليار دولار من الغاز الطبيعي وحده. في المقابل، تصدر تركيا إلى الجزائر سلعا أكثر تنوعا تشمل البقول الجافة والفولاذ والأقمشة والدقيق والزيوت النباتية والمنتجات المنزلية والملابس والآلات وبعض المعدات الصناعية والكهربائية.
وتظهر بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي أن صادرات تركيا من البقول الجافة بلغت 1.23 مليار دولار خلال 2024، فيما كانت الجزائر السوق الأسرع نموا لهذا المنتج بزيادة قاربت 98.5 مليون دولار خلال عام واحد فقط، وهو ما يعكس تزايد اعتماد السوق الجزائرية على المنتجات الغذائية التركية.
ويمتد التوسع التركي إلى بناء بنية مالية ولوجستية داعمة. ففي مطلع 2025، بدأ بنك “زراعات” التركي الحكومي نشاطه رسميا في الجزائر بعد حصوله على التراخيص اللازمة، في خطوة تستهدف تسهيل التحويلات المالية وتمويل التجارة وتقديم الاعتمادات للشركات التركية العاملة في السوق الجزائرية. كما اتفق البلدان سابقا على رفع عدد الرحلات الجوية الأسبوعية بينهما من 35 إلى 80 رحلة وإزالة القيود المفروضة على بعض نقاط التشغيل.
كيف تعيد الاتفاقيات تشكيل كلفة الاستيراد والتصدير؟
تحتاج الحزمة الموقعة بين تركيا والجزائر إلى قراءة وظيفية أكثر من قراءتها كقائمة بروتوكولية من ثلاث عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم، فهي في جوهرها شبكة أدوات تستهدف خفض كلفة التجارة، وتسريع حركة السلع، وتوسيع قاعدة الاستثمار، وبناء بيئة تنظيمية أكثر ملاءمة لتمدد الشركات التركية داخل السوق الجزائرية.
ويمكن تقسيمها إلى ثلاث طبقات رئيسية:
- الأولى لوجستية وإدارية، وتشمل اتفاق النقل الدولي للركاب والبضائع، والاعتراف المتبادل برخص القيادة، والتعاون في الخدمات البريدية والاتصالات، وهي أدوات من شأنها تقليل زمن الشحن وتخفيف التعقيدات المرتبطة بحركة الشاحنات والوثائق والخدمات المساندة.
- والثانية تنظيمية وفنية، وتضم التعاون في التقييس وتقييم المطابقة والتدريب، واتفاق حماية النباتات والحجر الزراعي، بما يسهل دخول المنتجات الصناعية والزراعية التركية إلى الجزائر عبر تقليص كلفة الفحص والاعتماد والمطابقة.
- أما الطبقة الثالثة فتتصل بالنفاذ السعري والتمويلي، وتبرز فيها مذكرة تشجيع الاستثمار، والتعاون الصناعي والتكنولوجي، وبيان إطلاق مفاوضات اتفاق التجارة التفضيلية، وهي الأدوات الأهم في تحويل العلاقة من تصدير مباشر إلى تموضع إنتاجي واستثماري طويل الأمد.
وتقف مفاوضات اتفاق التجارة التفضيلية في قلب هذه الحزمة، لأنها تمس الرسوم الجمركية التي تعتبر العامل الأكثر حساسية في السوق الجزائرية. فبحسب بيانات منظمة التجارة العالمية، بلغ متوسط التعرفة الجمركية الجزائرية المطبقة وفق مبدأ الدولة الأولى بالرعاية 18.9% في 2022، بينما لم تتجاوز نسبة البنود المعفاة من الرسوم 1.7%، ما يعني أن أي خفض تفضيلي للرسوم قد يمنح المنتجات التركية ميزة سعرية واضحة في سوق تعتمد بكثافة على الواردات.
وإذا كانت الرسوم الحالية على بعض السلع تتحرك في نطاق يتراوح بين 5 و30%، فإن خفضها أو إلغاءها جزئيا قد يجعل المنتجات التركية أرخص بنحو 10 إلى 25% في قطاعات حيوية مثل الآلات والمعدات التي تستورد منها الجزائر ما قيمته 5.67 مليارات دولار، والمركبات بقيمة 3.56 مليارات دولار، والمعدات الكهربائية بقيمة 2.45 مليار دولار.
وأعلنت وكالة ترقية الاستثمار الجزائرية، في مايو الجاري، تسجيل أكثر من 90 مشروعا تركيا منذ دخول قانون الاستثمار الجديد حيز التنفيذ، كما صدرت في الجزائر مراسيم تنفيذية لتعزيز الشباك الوحيد وتوسيع صلاحياته وتبسيط الوصول إلى العقار الاقتصادي. هذا التزامن يمنح الاتفاقيات وزنا عمليا، لأن مذكرات التفاهم تصبح أكثر قابلية للتحول إلى مشاريع عندما تلتقي مع إدارة محلية أكثر مرونة، وشباك استثماري أوضح، وقدرة أكبر على تخصيص الأراضي الصناعية ومعالجة طلبات المستثمرين.
أما الاتفاقيات التي تبدو بعيدة عن التجارة المباشرة، مثل التعاون في مكافحة التضليل الإعلامي، والتفاهمات بين مؤسسات الإذاعة والتلفزيون، ومذكرة رفاهية المجاهدين وذوي حقوق الشهداء، فهي تؤدي وظيفة سياسية واتصالية موازية. هذه الوثائق لا تضيف أرقاما مباشرة إلى جداول الجمارك، لكنها تساهم في بناء مناخ ثقة بين الحكومتين، وتخفف احتمالات التوتر الإعلامي أو السياسي الذي قد ينعكس على الاستثمار والمناقصات والعقود الكبرى.
وتظهر آثار هذه الحزمة بوضوح في ثلاثة قطاعات مرشحة للاستفادة السريعة:
- أولها الغذاء والزراعة، حيث تضع بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي القمح والسيارات والحليب المركز والسكر الخام والذرة ضمن أبرز واردات الجزائر في 2024، بينما تشمل الصادرات التركية إلى الجزائر البقول الجافة وزيت الصويا والقمح. ومع اتفاق الحجر الزراعي وحماية النباتات، يمكن للسلع الزراعية والغذائية التركية أن تدخل السوق الجزائرية بوتيرة أسرع، خاصة في البقول والدقيق والزيوت النباتية والأغذية المصنعة. كما أن سوق الحبوب الجزائرية، تمثل مجالا واسعا للمنافسة، حتى إن تركيا لن تزيح وحدها لاعبين كبارا مثل البرازيل أو أوروبا في كل السلة الغذائية.
- القطاع الثاني هو الصناعة المتوسطة والسلع الرأسمالية الخفيفة، وهو الأكثر أهمية من زاوية إعادة تموضع تركيا داخل السوق الجزائرية. وفي هذه القطاعات تحديدا، لا تكفي الأسعار وحدها، إذ تحتاج الشركات إلى شهادات مطابقة، واعتمادات فنية، وخدمة ما بعد البيع، وتدريب، وهي كلها عناصر تجعل اتفاق التقييس وتقييم المطابقة والتدريب أداة مباشرة لتكبير الحصة التركية داخل السوق الجزائرية.
- أما القطاع الثالث فهو الطاقة والتعدين وسلاسل القيمة المعدنية. فالجزائر تبقى موردا مهما للطاقة بالنسبة إلى تركيا، إذ تشير بيانات برنامج الحل التجاري المتكامل العالمي إلى أن الجزائر كانت في 2024 أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال إلى تركيا بقيمة تجاوزت ملياري دولار، بينما تتركز صادرات الجزائر إلى تركيا أيضا في المنتجات المعدنية الوسيطة مثل الحديد نصف المصنع والأمونيا. وفي المقابل، تسعى تركيا إلى البناء فوق هذه العلاقة الطاقوية عبر استثمارات صناعية ومعدنية أوسع، خاصة مع تأكيد أردوغان أهمية توسيع التعاون في الطاقة والتعدين والنقل والزراعة.
وبناء على هذه المعطيات، يمكن رسم سيناريوهين لمسار التجارة الثنائية. في حال بقيت التجارة على وتيرتها الحالية دون اتفاق تفضيلي فعال، قد يستمر النمو السنوي بوتيرة تقارب 20 إلى 30% في بعض القطاعات، بما يسمح برفع المبادلات تدريجيا نحو 8 مليارات دولار ثم 10 مليارات خلال بضع سنوات.
أما في حال دخول اتفاق التجارة التفضيلية حيز التنفيذ، وترافقه مع خفض جمركي وتسهيل المطابقة والتمويل والنقل، فقد تتسارع وتيرة النمو بنحو إضافي يتراوح بين 20 و30%، ما يجعل هدف 10 مليارات دولار أقرب زمنيا، ويفتح أمام تركيا فرصة أوسع لتجاوز بعض الموردين التقليديين مثل إيطاليا، ومزاحمة فرنسا في قطاعات محددة، مع بقاء الصين منافسا أكبر حجما وأصعب إزاحة على المدى القصير.
هل يمكن أن تصبح تركيا المورد الأول للجزائر؟
تحتاج الإجابة إلى قدر من الدقة حتى لا يتحول التفاؤل السياسي إلى مبالغة إحصائية. فبحسب بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي لعام 2024، بلغت واردات الجزائر من تركيا نحو 2.87 مليار دولار، ما يضع أنقرة في المرتبة الرابعة بين موردي الجزائر، بعد الصين التي صدرت إلى السوق الجزائرية ما يقارب 11.7 مليار دولار، وفرنسا بنحو 5.17 مليارات دولار، وإيطاليا بنحو 2.93 مليار دولار. وهذا يعني أن تركيا قريبة جدا من تجاوز إيطاليا، لكنها تحتاج إلى مضاعفة صادراتها تقريبا كي تتخطى فرنسا، وإلى قفزة أوسع بكثير كي تقترب من الصين، إذ تفصلها عن المورد الصيني الأول فجوة تقارب 9 مليارات دولار.
لذلك، فإن تحول تركيا إلى المورد الأول للجزائر في إجمالي الواردات لا يبدو مرجحا في الأمد القصير بمجرد توقيع الاتفاقيات الأخيرة، حتى لو تحقق هدف رفع التجارة الثنائية إلى 10 مليارات دولار، فهذا الرقم يشمل صادرات البلدين معا، ولا يعني بالضرورة أن الصادرات التركية وحدها ستصل إلى هذا المستوى، غير أن الاتفاقيات قد تدفع تركيا إلى موقع أعلى داخل جدول الموردين، وقد تمنحها فرصة حقيقية لتصبح المورد الأول في قطاعات محددة، خاصة الأغذية والحبوب والبقول والزيوت النباتية والمنسوجات ومواد البناء والآلات المتوسطة والسلع المنزلية وبعض التجهيزات الصناعية الخفيفة.
وتقوم فرصة تركيا على استراتيجية انتقائية لا تستهدف السوق الجزائرية كلها دفعة واحدة، بل القطاعات التي تمتلك فيها أنقرة قدرة تنافسية واضحة وتتقاطع مع حاجات الاستيراد الجزائرية، فالجزائر تستورد كميات كبيرة من الحبوب والمواد الغذائية والمركبات والآلات والمعدات الكهربائية، بينما تمتلك تركيا قاعدة إنتاجية قوية في الدقيق ومنتجات الحبوب والزيوت النباتية والبقول والملابس والمنسوجات والأجهزة المنزلية ومعدات البناء. ومع كون الجزائر من أسرع الأسواق نموا للبقول التركية، فإن أي خفض جمركي ضمن اتفاق التجارة التفضيلية يمكن أن يرفع الصادرات التركية بسرعة في هذه السلع.
لكن بلوغ موقع المورد الأول يتطلب ما هو أكثر من تخفيض الرسوم. تحتاج تركيا إلى بناء سلسلة متكاملة تجمع بين السعر والتمويل واللوجستيات وخدمة ما بعد البيع. فالقرب الجغرافي، وتوسيع خطوط الشحن البحري والجوي، وزيادة الرحلات بين البلدين، وفتح فرع بنك زراعات في الجزائر، وتوفير خطوط ائتمان للمستوردين الجزائريين، كلها عناصر يمكن أن تمنح المورد التركي أفضلية لا توفرها دائما المنافسة الآسيوية البعيدة، خاصة في السلع التي تحتاج إلى صيانة واعتمادات فنية وتواصل سريع.
كما أن دمج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الجزائرية في سلاسل القيمة التركية قد يتحول إلى مدخل مهم لتعميق الحضور التركي، فإذا انتقلت الشركات التركية من التصدير المباشر إلى إنشاء مصانع مشتركة في النسيج والتعبئة والمنتجات الغذائية ومواد البناء، فستزداد حاجة السوق الجزائرية إلى الآلات والخبرات ومدخلات الإنتاج التركية، وهو ما يحول التجارة من علاقة بيع وشراء إلى اعتماد صناعي متبادل.
ويمنح السياق الجيوسياسي تركيا مساحة إضافية للحركة، فالعلاقات الجزائرية الفرنسية تمر بتوترات متكررة مرتبطة بالذاكرة الاستعمارية والملفات السياسية، بينما يثير التوسع الصيني مخاوف من الاعتماد المفرط على قوة اقتصادية واحدة. في هذا الفراغ النسبي، أما تركيا تقدم نفسها كشريك أقرب جغرافيا وأقل حساسية من فرنسا تاريخيا وأقل ثقلا من الصين من ناحية الهيمنة الاقتصادية، مع قدرة على الجمع بين الاستثمار والتجارة والتصنيع والخطاب السياسي المتقارب.
وعليه فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في صعود تركيا تدريجيا إلى المرتبة الثالثة ثم الثانية إذا نجحت في تجاوز إيطاليا وتقليص الفجوة مع فرنسا. أما المرتبة الأولى الشاملة فتحتاج إلى تحول أكبر في بنية التجارة الجزائرية ونمو مستدام في الصادرات التركية لسنوات واتفاق تفضيلي فعال واستثمارات إنتاجية تحول تركيا من مورد كبير إلى شريك صناعي شبه دائم داخل السوق الجزائرية.