لم تكن مصر طرفًا مباشرًا في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لكنها من أكثر الاقتصادات العربية تعرضًا لصدماتها غير المباشرة.
وانتقلت آثار الحرب إلى القاهرة عبر أربعة مسارات واضحة: فاتورة أعلى للنفط والغاز، اضطراب في الملاحة وقناة السويس، زيادة في كلفة الشحن والتأمين، ثم ضغوط جديدة على أسعار الغذاء والسلع التي يدفع ثمنها المستهلك.
ويعتمد الاقتصاد المصري على واردات الطاقة والقمح ومدخلات الإنتاج، كما تشكل قناة السويس أحد أهم مصادر الدخل المرتبط بحركة التجارة العالمية. لذلك لم تكن الحرب بعيدة تمامًا عن مصر.
الطاقة.. فاتورة النفط والغاز
جاءت الحرب ومصر تعاني أصلًا من فجوة غاز واضحة: إنتاج محلي يدور حول 4.1 إلى 4.2 مليارات قدم مكعب يوميًا، مقابل طلب يقارب 6.2 مليارات قدم مكعب ويرتفع في الصيف.
ومع تعليق الإمدادات الإسرائيلية بعد اندلاع الحرب، اضطرت القاهرة إلى زيادة مشتريات الغاز الطبيعي المسال من السوق الدولية، قبل أن تعود تدفقات الغاز من حقول إسرائيلية تدريجيًا في أبريل/نيسان.
لكن أثر الصدمة بقي ظاهرًا في الفاتورة، إذ قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن كلفة واردات الطاقة ارتفعت بين 2 و2.5 مرة، وإن فاتورة الغاز الشهرية قفزت من نحو 560 مليون دولار إلى نحو 1.65 مليار دولار للكميات نفسها.
ويمثل هذا الرقم ضغطًا كبيرًا على ميزانية دولة تسد فجوة متزايدة في الغاز والوقود عبر الواردات، ما يفسر التوجه الحكومي نحو نقل جزء من التكلفة إلى المستهلك. وفي 10 مارس/آذار، رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14 و17%.
- زاد السولار ثلاث جنيهات إلى 20.5 جنيهًا للتر.
- ارتفع بنزين 80 إلى 20.75 جنيه وبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 95 إلى 24 جنيهًا.
- ارتفع سعر الغاز الطبيعي للسيارات من 10 إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب.
- وزادت أسطوانة الغاز المنزلية من 225 إلى 275 جنيهًا.
تبرّر الحكومة هذه القرارات بارتفاع أسعار النفط (خام برنت) من مستويات نحو 69 دولارًا قبل الحرب إلى أكثر من 108 بعدها للبرميل. ويعكس رفع الأسعار بهذا الشكل محدودية القدرة على استمرار الدعم عندما تتضاعف فاتورة الاستيراد.
وشعرت الشركات الصناعية بدورها بوطأة الأزمة، ففي 3 مايو/أيار، أعلنت الحكومة رفع أسعار الغاز للمصانع كثيفة الاستخدام إلى:
- 14 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية لمصانع الأسمنت.
- 7.75 دولاراً لصناعات الحديد والصلب والأسمدة.
- 6.50–6.75 دولاراً للصناعات الأخرى.
وتهدف الزيادات إلى تغطية تكلفة استيراد الغاز المسال، لكنها ترفع أيضًا تكلفة الإنتاج في قطاعات حيوية كالإنشاءات، وتضغط على أسعار مواد البناء.
وقد أدت هذه السياسات إلى ارتفاع أسعار الحديد بنحو 8 ٪ ليصل الطن إلى 40 ألف جنيه، في مثال على انتقال صدمة الطاقة إلى الصناعة المحلية.
وقدّر بنك مورغان ستانلي أن استمرار المواجهة وتعطل المرور عبر هرمز قد يضيف بين مليار و2.4 مليار دولار إلى فاتورة واردات الطاقة المصرية خلال بقية السنة المالية.
قناة السويس.. اضطراب الملاحة والعبور
في البحر الأحمر وباب المندب، أبقت هجمات الحوثيين المخاطر مرتفعة، وفي الخليج ومضيق هرمز، زادت مخاطر المرور وكلفة التأمين والشحن عالميًا.
كما بقي تحويل السفن بعيدًا عن السويس مرتبطًا أساسًا بمخاطر البحر الأحمر وباب المندب. ورفعت هذه التحويلات الطويلة المسافة بين آسيا وأوروبا من نحو 10 آلاف إلى 13 ألف ميل بحري، وزادت زمن الرحلة من 31 إلى 41 يوماً.
وكانت الكلفة الإضافية واضحة، فرحلة سفينة حاويات متوسطة الحجم صعدت من حوالي مليون دولار إلى 1.7 مليون دولار.
وقبل اندلاع الحرب، كانت قناة السويس تُظهر إشارات تعافٍ نسبي، فحتى 8 فبراير/شباط 2026 أعلنت هيئة القناة عبور 1,315 سفينة بإيرادات بلغت 449 مليون دولار منذ بداية العام، مقارنة بـ368 مليون دولار في الفترة نفسها من 2025.
لكن هذا التعافي المبكر سبق صدمة 28 فبراير/شباط، فبعد التصعيد مع إيران، عادت شركات شحن كبرى إلى الحذر.
إذ أوقفت “ميرسك” رحلات مستقبلية عبر مسار السويس/باب المندب، وواصلت Hapag-Lloyd تحويل خدمة IMX حول رأس الرجاء الصالح، بينما قالت تقارير بحرية إن شركات كبرى أرجأت العودة الواسعة إلى البحر الأحمر وقناة السويس.
وتحدث رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي عن خسارة قدرها نحو 9 إلى 10 مليارات دولار في إيرادات القناة خلال عامين بسبب اضطرابات البحر الأحمر.
وعلى الرغم من أن هذا الرقم يشمل تداعيات الحرب في غزة أيضًا، فإنه يوضح حجم الاعتماد على القناة كمصدر للنقد الأجنبي.
الاستيراد.. شحن وتأمين وسلع أغلى
جاءت الضربة الثالثة للاقتصاد المصري من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على الواردات من الحاويات، والتي يوضحها الإنفوجراف التالي:
في المقابل، كانت رسوم Hapag-Lloyd المعلنة، 1,500 دولار للحاوية القياسية و3,500 دولار للمبردة، موجهة إلى مسارات الخليج. أما MSC فأعلنت رسماً إلزامياً قدره 800 دولار للحاوية للشحنات المتأثرة والمتجهة إلى الخليج.
إلى جانب رسوم الشحن، رفعت الحرب السعر المرجعي للمخاطر البحرية في المنطقة. ففي الخليج وهرمز، وصل قسط مخاطر الحرب على بعض السفن إلى 3% من قيمة السفينة، بعدما كان نحو 0.25% قبل الحرب، مع مراجعة أسعار التأمين على الشحنات والرحلات الخطرة حالةً بحالة.
وتوقع اتحاد الغرف التجارية المصرية زيادة أسعار السلع المستوردة بنسبة تقارب 10 ٪ بسبب هذه الزيادات. ومع أن الاستيراد يشكل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي، فإن أي زيادة طفيفة في التكلفة تنعكس سريعًا في الأسعار المحلية.
يظهر أثر كلفة الاستيراد بوضوح في القمح، إذ تعتمد مصر على الخارج في أكثر من نصف استهلاكها من القمح. ومع ارتفاع الوقود والنقل قال مصدر في هذا القطاع لرويترز إن أسعار القمح في السوق المحلية زادت بنحو 2,000 جنيه للطن إلى حوالي 16 ألف جنيه.
وفي بيانات يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2026، بلغت واردات القمح الصلب 638 مليون دولار، والذرة 523 مليون دولار، وفول الصويا 351 مليون دولار. كما سجلت واردات السلع الوسيطة 7.06 مليارات دولار، وهي مدخلات تتأثر مباشرة بالشحن والتأمين وسلاسل الإمداد.
في فبراير وحده، ارتفعت واردات مصر 24.7% على أساس سنوي، وكانت الزيادات بارزة في الغاز الطبيعي والقمح والحديد والصلب والنحاس. ولم يضغط اضطراب الملاحة على الواردات فقط، بل مسّ الصادرات أيضًا.
ففي الأيام الأولى للحرب، تراجعت إقرارات التصدير المصرية 77% على أساس سنوي، بينما هبطت الإقرارات المتجهة إلى السعودية والإمارات 83% و90% على التوالي. وتكمن أهمية ذلك في أن هاتين السوقين الخليجين تمثلان معًا أكثر من ثلث صادرات مصر.
التضخم والمستهلك.. كيف تتفاقم الصدمة؟
في الأسعار، لم يظهر الأثر كقفزة فورية شاملة، بل كضغط إضافي فوق تضخم قائم أصلًا.
إذ تباطأ التضخم الحضري السنوي إلى 14.9% في أبريل/نيسان 2026، مقابل 15.2% في مارس/آذار، بينما ارتفعت الأسعار شهريًا 1.1%.
وتراجعت أسعار الغذاء والمشروبات 0.7% على أساس شهري، لكنها بقيت أعلى 6.7% على أساس سنوي.
وحذّر البنك المركزي في تقرير السياسة النقدية من أن توترات إيران والولايات المتحدة وصدمات الطاقة قد تزيد التضخم، متوقعًا أن يتراوح بين 16 و17% في 2026 إذا استمرت الضغوط.
وانخفض مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستثني السلع ذات الأسعار المتقلبة، إلى 13.8 ٪ في أبريل/نيسان لكنه قد يرتفع عندما يتضح أثر الرسوم الجديدة.
كذلك فإن ارتفاع أسعار الوقود، زاد مباشرة تكلفة النقل العام والخاص، ما انعكس على أسعار الخضراوات والفاكهة والمنتجات المصنعة.
ونقلت بعض المصانع عبء الغاز المكلف إلى المنتج النهائي، فقد ارتفعت أسعار الأسمنت والحديد والمواد الغذائية المستوردة بسبب زيادة تكاليف الشحن.
في المقابل، استفاد المستهلكون مؤقتًا من زيادة المعروض المحلي من الفاكهة بعد توقف التصدير إلى الخليج، لكن هذا العرض لا يكفي لتعويض الزيادات بالسلع الأخرى.
وتظهر الأرقام الرسمية أيضًا أن أسعار المواد الغذائية والمشروبات ارتفعت في أبريل/نيسان 6.7 ٪ على أساس سنوي.
ومع أن بعض هذه الزيادة قد تعود إلى عوامل داخلية كسياسات الدعم وسعر الصرف، فإن الجزء الأكبر يرتبط بارتفاع أسعار الطاقة والشحن.
ولذلك يظل السؤال المطروح على صانعي السياسات هو كيفية حماية الشرائح منخفضة الدخل من موجة التضخم الجديدة في ظل موارد محدودة.