• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تسريبات “رويترز” وما وراءها.. كيف تدير السعودية معركتها مع إيران؟

عماد عنان١٣ مايو ٢٠٢٦

جاء تقرير وكالة رويترز، الذي كشف عن تنفيذ السعودية ضربات عسكرية مباشرة ضد أهداف داخل إيران أواخر مارس/آذار الماضي، ردًا على هجمات إيرانية استهدفت الأراضي السعودية منذ اندلاع الحرب الحالية، ليعيد إلى الواجهة مجددًا مسألة الانخراط الخليجي في هذه المواجهة، والتحول التدريجي من موقع المتابع الحذر إلى موقع الفاعل المباشر في مسارات الصراع الإقليمي.

وتنبع أهمية هذا التقرير من كونه المرة الأولى التي تُكشف فيها معلومات بهذا الوضوح عن تنفيذ المملكة عمليات عسكرية مباشرة داخل العمق الإيراني، بما يعكس تحولًا لافتًا في المقاربة السعودية تجاه خصمها الإقليمي الأبرز، حتى وإن حافظت الرياض رسميًا على سياسة الصمت وعدم تبني تلك العمليات بشكل معلن.

لا تعكس هذه الضربات – من حيث التوقيت والدلالة- اتساع نطاق الحرب وتجاوزها حدود المواجهة التقليدية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى فحسب، بل تكشف كذلك عن دخول المنطقة مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الحسابات الأمنية والاستراتيجية الخليجية بصورة غير مسبوقة.

وتفتح مثل هذه الضربات الباب مجددًا أمام إعادة النظر في المقاربة السعودية إزاء الحرب الحالية، وحدود انخراط المملكة فيها، فضلًا عن طبيعة الرسائل التي تسعى الرياض إلى توجيهها من خلالها؛ الأمر الذي يثير تساؤلات عدة حول كيفية قراءة هذه التسريبات، سواء في سياقها السعودي الداخلي أولًا، أو ضمن الإطار الخليجي والإقليمي الأوسع ثانيًا.

Exclusive: Saudi Arabia launched numerous, unpublicized strikes on Iran in retaliation for attacks carried out in the kingdom during the Middle East war, two Western officials briefed on the matter and two Iranian officials said https://t.co/roQOErwt5k

— Reuters (@Reuters) May 12, 2026

ماذا تعني تلك الضربات؟

يحمل هذا التطور، من الناحية النظرية، جملة من المؤشرات التي تعكس تحولًا واضحًا في المقاربة الخليجية إزاء الحرب الدائرة حاليًا، وفي مقدمتها انتقال السعودية من موقع الدفاع واحتواء التهديدات إلى تبني خيار الرد المباشر، فعلى امتداد سنوات طويلة، حرصت الرياض على تجنب الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع طهران، حتى عقب الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو عام 2019، والتي شكّلت حينها واحدة من أخطر الضربات التي تعرضت لها المملكة، إلا أن المعطيات الحالية توحي بأن الأهداف الإيرانية لم تعد تمثل “خطًا أحمر” بالنسبة لصانع القرار السعودي كما كان الحال سابقًا.

كما يكشف هذا التطور عن تصدع واضح في اتفاق التهدئة الذي رعته الصين بين الرياض وطهران عام 2023، والذي استهدف بالأساس خفض منسوب التوتر وفتح مسارات جديدة للتفاهم بين الطرفين، غير أن الهجمات الإيرانية الأخيرة، وما تبعها من رد سعودي مباشر، أظهرت عمليًا هشاشة هذا الاتفاق ومحدودية قدرته على الصمود أمام اختبارات التصعيد الميداني، حتى وإن ظلت القنوات الدبلوماسية قائمة ولم تُغلق بصورة كاملة.

ومن بين أبرز الدلالات التي حملها هذا التصعيد أيضًا، التحول السعودي من سياسة “الامتصاص السلبي” للاعتداءات الإيرانية إلى محاولة تأسيس معادلة ردع أكثر وضوحًا، ففي السابق، كانت الرياض تكتفي غالبًا بالإدانة السياسية والتحركات الدبلوماسية، مدفوعة باعتبارات اقتصادية وأمنية تتعلق بتجنب الانزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة وما قد يترتب عليها من تداعيات على أسواق الطاقة والاستقرار الداخلي، أما اليوم، فتبدو المملكة وكأنها تسعى إلى إيصال رسالة مباشرة مفادها أن أي استهداف لأمنها أو مصالحها سيقابل برد مماثل داخل العمق الإيراني، في محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك بين الجانبين.

لكن في المقابل، فإن امتناع الرياض عن الإعلان رسميًا عن تلك العمليات، والتزامها الصمت حيالها في حينه، يحمل بدوره جملة من الرسائل والدلالات المرتبطة بطبيعة المقاربة السعودية تجاه هذا التصعيد وحدود ما تسعى المملكة إلى تحقيقه من أهداف سياسية وأمنية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة بشأن طبيعة هذه الاستراتيجية، وحدودها، وآفاقها المستقبلية في ظل المشهد الإقليمي شديد التعقيد.

ثنائية التصعيد والدبلوماسية

يبدو من القراءة الأولية لهذه التسريبات أن السعودية اختارت الذهاب نحو مسار التصعيد المباشر ردًا على الهجمات الإيرانية، غير أن التفاصيل التي حملتها التسريبات ذاتها توحي بمقاربة مختلفة، أقرب إلى مفهوم “الردع المنضبط” الذي يجمع بين توجيه الرسائل العسكرية والحفاظ في الوقت نفسه على قنوات الاتصال والدبلوماسية مفتوحة.

فبحسب المصادر التي تحدثت إلى رويترز، لم تُنفذ السعودية عملياتها العسكرية بصورة مباغتة أو خارج سياق التفاهمات غير المباشرة، بل سبقتها رسائل وإشارات إلى الجانب الإيراني، أعقبها حراك دبلوماسي مكثف سعى إلى احتواء التداعيات ومنع انزلاق الأمور نحو مواجهة مفتوحة، وبذلك، لم يؤدِ هذا التصعيد – كما كان يفترض- إلى قطيعة كاملة أو انفجار شامل في العلاقات بين الطرفين، بقدر ما أفضى إلى شكل من أشكال التفاهم الضمني حول حدود الاشتباك وسقوف التصعيد.

وقد انعكس هذا التفاهم في عدد من المؤشرات الميدانية، أبرزها التراجع الملحوظ في وتيرة الهجمات الإيرانية على السعودية، والتي انخفضت – وفق بيانات وزارة الدفاع السعودية – من 105 هجمات صاروخية ومسيّرة خلال الفترة بين 25 و31 مارس/آذار الماضي، إلى نحو 25 هجومًا فقط خلال الفترة من 1 إلى 6 أبريل/نيسان، كما برز تحول لافت في طبيعة منصات الاستهداف المرتبطة بالهجمات على المملكة، حيث انتقلت من الأراضي الإيرانية إلى الساحة العراقية، بما يوحي بمحاولة إيرانية لإبعاد المواجهة المباشرة عن أراضيها وإظهار قدر من “حسن النية” تجاه الرياض.

وفي المقابل، تبنت السعودية خطابًا دبلوماسيًا بدا حذرًا ومختلفًا نسبيًا عن بعض الخطابات الخليجية الأخرى، إذ شددت الرياض في أكثر من مناسبة على ضرورة وقف الحرب ومنع توسعها إلى مواجهة إقليمية شاملة، انطلاقًا من إدراكها لحجم التداعيات التي قد تفرضها مثل هذه الحرب على أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وهو ما يعكس، في جوهره، محاولة سعودية للموازنة بين تثبيت معادلة ردع جديدة من جهة، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي من جهة أخرى.

الخليج ليس كتلة واحدة

تكشف المعطيات التي أوردها تقرير رويترز، إلى جانب المؤشرات التي أعقبته، حقيقة باتت أكثر وضوحًا في سياق الحرب الحالية، وهي أن دول الخليج لا تتحرك باعتبارها كتلة سياسية أو أمنية موحدة في التعاطي مع المواجهة ضد إيران، بل وفق مقاربات متباينة تحكمها اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية الخاصة بكل دولة، ومن ثم، فإن الحديث عن موقف خليجي موحد تجاه هذه الحرب يبدو أقرب إلى التبسيط السياسي منه إلى توصيف دقيق للواقع القائم.

فالسعودية، على سبيل المثال، ورغم تعرضها المباشر لهجمات إيرانية، ثم لجوئها إلى الرد العسكري، تبدو حريصة على توظيف هذا الرد ضمن إطار “الردع المنضبط”، لا ضمن استراتيجية التصعيد المفتوح، فالمقاربة هنا كما تعكسها التحركات السياسية والعسكرية الأخيرة، تستند إلى تثبيت معادلة ردع متبادل تمنع تكرار الاستهداف الإيراني، مع الإبقاء في الوقت ذاته على القنوات الدبلوماسية مفتوحة، والعمل بالتوازي على الدفع نحو تسوية سياسية للحرب بدلًا من الانخراط في مسار عسكري شامل.

ويبدو أن الرياض تنطلق في ذلك من قناعة مفادها أن انهيار النظام الإيراني أو دخول المنطقة في حالة فوضى شاملة لن يكون في مصلحة الخليج، بل قد يفتح الباب أمام تداعيات أمنية واقتصادية باهظة الكلفة على الجميع.

تظهر المواقف المتباينة، من "حدّة" الإمارات والبحرين إلى "توازن" قطر وعمان و"حذر" السعودية، أن دول الخليج لا تقف في موقع التفكك، لكنها أيضًا لا تتحرك برؤية استراتيجية واحدة

📍تفاصيل أكثر في هذا التقرير من #نون_إنسايت 👇https://t.co/wT7UjRGDM3 pic.twitter.com/V4cMScg94j

— نون بوست (@NoonPost) May 12, 2026

في المقابل، تبدو المقاربة الإماراتية أكثر تشددًا نسبيًا، إذ تميل أبوظبي إلى رؤية أكثر صرامة تجاه طهران، تتجاوز فكرة إضعاف القدرات الإيرانية إلى دعم مسار يستهدف تقويض النظام الإيراني ذاته، ضمن تقاطع واضح مع الأجندتين الأمريكية والإسرائيلية في إدارة هذه المواجهة.

كما أن الإمارات تبدو أقل حماسة لمسارات التهدئة والانفتاح الدبلوماسي مقارنة بالموقف السعودي، وهو ما أسهم خلال الفترة الأخيرة في توسيع فجوة التباين السياسي بين الرياض وأبوظبي حيال إدارة الحرب وتداعياتها الإقليمية.

أما بقية دول الخليج، فتقترب قطر وسلطنة عمان بدرجة كبيرة من الرؤية السعودية، لا سيما فيما يتعلق بأولوية الاحتواء السياسي ومنع توسع دائرة الحرب، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع طهران وتجنب الانخراط في سياسات التصعيد الحاد، في حين تميل البحرين والكويت، رغم مواقفهما المتشددة نسبيًا تجاه إيران، إلى دعم خيار إضعاف القدرات الإيرانية والحد من نفوذها الإقليمي، لكن دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة قد تدفع المنطقة بأكملها نحو سيناريوهات أكثر خطورة وتعقيدًا.

التزحزح نسبيًا خارج المظلة الأمريكية

تدرك الرياض جيدًا أن أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة ومباشرة مع إيران ستكون له كلفة اقتصادية واستراتيجية بالغة التعقيد، لا سيما في ظل ما قد يترتب على ذلك من تهديد مباشر لحركة الملاحة في مضيق هرمز، أو حتى احتمالات إغلاقه، بما يحمله هذا السيناريو من تداعيات كارثية على أسواق النفط العالمية وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة الدولي،  ومن هنا، تبدو الحسابات السعودية في هذا الملف قائمة بالأساس على تجنب الوصول إلى مرحلة الحرب الشاملة، ومحاولة إبقاء التصعيد ضمن حدود يمكن التحكم بها سياسيًا وأمنيًا.

غير أن هذا التوجه لا يعني، في المقابل، الاكتفاء بالحياد الدبلوماسي أو العودة إلى سياسة الاتكاء الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة بعد أن كشفت السنوات الأخيرة – وفي مقدمتها هجمات أرامكو – حدود فاعلية هذه المظلة وقدرتها على توفير الحماية الكاملة للحلفاء الخليجيين.

لذلك، سعت المملكة إلى إعادة تموضع تدريجي في مقاربتها الأمنية، عبر تبني سياسة أكثر جرأة نسبيًا مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، تقوم على الرد المحسوب والردع الرمزي، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات التفاهم والتواصل السياسي مع طهران.

وفي ضوء هذه التحولات، يمكن القول إن دول الخليج باتت، بصورة أو بأخرى، طرفًا مباشرًا في الحرب الدائرة، حتى وإن تفاوتت مستويات الانخراط وحدود التصعيد بين عاصمة وأخرى، فرغم ما أبدته إيران من تفهم نسبي لطبيعة الرد السعودي وحدوده، فإن المواقف الإماراتية الأكثر تشددًا، إلى جانب الخطاب السياسي التصعيدي الذي تتبناه بعض العواصم الخليجية، قد يدفع بهذا المسار نحو مستويات أكثر حدة، رغم المحاولات السعودية المستمرة لضبط القلق الخليجي وتأطيره ضمن سقوف محددة تمنع الانجرار إلى حرب واسعة تخدم بالأساس أجندات خارجية، وقد تضر بالمصالح الخليجية على المديين القريب والبعيد.

ولعل الأبرز في هذا السياق أن الخطاب الصادر عن السعودية، وكذلك التصريحات القادمة من قطر والكويت والبحرين بشأن “حق الرد” وحماية الأمن الوطني، يغرد نسبيًا خارج السرب الأمريكي، وإن لم يتجاوز بعد مساره المرسوم، ويعكس – ولو بصورة تدريجية وبطيئة – توجهًا خليجيًا متناميًا نحو إعادة تعريف العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، والحد من الاعتماد الكامل عليها باعتبارها الضامن الأوحد لأمن الخليج.

وهو تحول قد تتبلور ملامحه بصورة أوضح خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع احتمالات دخول قوى دولية جديدة على خط الترتيبات الأمنية والاقتصادية والسياسية في المنطقة، مثل الصين وروسيا والهند، بما قد يعيد تشكيل موازين القوى ويغير ملامح التحالفات التقليدية في الخليج والشرق الأوسط عمومًا.

مواضيعأمن الخليج ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة السعودية ، العلاقات الأمريكية الخليجية

قد يعجبك ايضا

سياسة

قبل زيارة الصين.. لماذا صعّد ترامب لهجته ضد إيران؟

عماد عنان١٢ مايو ٢٠٢٦
سياسة

من هرمز إلى أوبك.. كيف تكشف الحرب حدود الوحدة الخليجية؟

نون إنسايت١٢ مايو ٢٠٢٦
سياسة

من أبوظبي إلى أثينا وتل أبيب: كيف يُعاد رسم شرق المتوسط ضد تركيا؟

محمد مصطفى جامع١٢ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑