وضعت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، مصر أمام معادلة دقيقة: كيف تطمئن دول الخليج بأنها ليست بعيدة عن أمنهم، دون أن تتحول إلى طرف مباشر في الصراع؟
منذ اليوم الأول، شددت مصر على ضرورة تجنب اتساع الحرب وحذرت من تداعياتها على الاقتصاد العالمي، لكنها اضطرت بعد انتقادات إلى تجاوز الحياد البارد، وتقديم دعم سياسي وعملياتي لحلفائها الخليجيين، مع حرص دائم على عدم الظهور كطرف هجومي ضد طهران.
هذا التقرير يرصد كيف تغير خطاب القاهرة ومستوى انخراطها: من التهدئة وعدم التورط، إلى الوساطة الإقليمية، ثم رفع سقف الدعم السياسي، وصولًا إلى ظهور عسكري دفاعي في بعض دول الخليج.
الحذر وموازنة العلاقات
حين اندلعت الحرب، اتسم الموقف المصري بالحيطة، فقد حذر رئيس النظام عبد الفتاح السيسي خلال لقاء عام في منتصف مارس/آذار من أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة “حرجة”، وقال إن مصر تبذل “كل جهد لإخماد نار الحرب” لأن استمرار المواجهة سيضر بالاقتصاد العالمي.
كما أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن القاهرة لم تتلقَّ أي طلب رسمي من دول الخليج لإرسال قوات، محذرًا من أن المنطقة “على وشك الانفجار”.
هذا الخطاب أوصل رسالة مزدوجة: مصر متضامنة سياسيًا مع حلفائها الخليجيين، لكنها لا تريد الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
لم يكن ذلك حيادًا كاملًا بقدر ما كان حذرًا محسوبًا، فالقاهرة كانت توازن بين تجنب الصدام مع إيران، والحفاظ على تحالفاتها الخليجية ومصالحها المرتبطة بالاستثمارات والطاقة والعمالة المصرية في الخليج.
الوساطة كمساحة آمنة
مع تفاقم الحرب، لم تكتفِ مصر بالبيانات بل انخرطت في مسار وساطة إقليمي، إذ استضافت باكستان محادثات ضمت وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية لبحث تهدئة الأوضاع وإعادة فتح مضيق هرمز.
وصرح عبد العاطي لاحقًا بأن مصر تعمل مع باكستان لإعداد خطة سلام دائمة بين أمريكا وإيران، بالتنسيق مع تركيا والسعودية، لحماية الخليج واستقرار أسواق الطاقة.

كما أجرى اتصالات مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لبحث مقترحات التهدئة.
هكذا وجدت القاهرة في الوساطة مساحة آمنة: تتحرك لحماية الاستقرار الإقليمي ومصالح الخليج وسلاسل الإمداد، من دون أن تظهر كطرف عسكري في الحرب أو كجزء من حملة هجومية ضد إيران.
الضغط الخليجي يضيّق هامش الحذر
بينما ركزت القاهرة على التهدئة والوساطة، بدأت بعض الأصوات الخليجية تتحدث عن حدود الدور المصري. فعلى منصة إكس، تساءل المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش عن غياب “الدور العربي” في مواجهة الهجمات الإيرانية، وانتقد صمت المؤسسات العربية والإسلامية.
كما رصدت تحليلات ومقالات خليجية نقاشًا أوسع حول ما إذا كانت القاهرة تقدم ما يكفي لحلفائها في لحظة تهديد مباشر. مع ذلك، بقيت هذه الانتقادات في معظمها ضمن المجال الإعلامي والسياسي غير الرسمي.
في معهد واشنطن، قرأ الباحث الأمريكي بن فيشمان تغريدة قرقاش بوصفها رسالة ضغط ضمنية باتجاه القاهرة، بعدما تساءل الأخير عن غياب “الدول العربية والإقليمية الكبرى” في وقت كانت دول الخليج تتعرض لهجمات إيرانية.
وذهبت قراءة أخرى في Responsible Statecraft إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن أسئلة قرقاش كانت موجهة إلى مصر، لأن صناع القرار الخليجيين يحملون توقعًا بأن القاهرة، بما تملكه من أكبر جيش عربي وبما تلقته من دعم مالي خليجي، يجب أن تكون أكثر مبادرة في الدفاع عن دول الخليج.
ربط أمن الخليج بالأمن المصري
استوعبت القاهرة أن بيانات التهدئة لم تعد كافية وحدها، ففي أوائل مايو/أيار، ارتفع سقف الخطاب السياسي المصري، وأصدرت الخارجية بيانات تدين الهجمات الإيرانية الأخيرة على الإمارات وتؤكد دعم التدابير الخليجية.
وخلال زيارة إلى أبوظبي، أعلن السيسي أن “ما يؤثر في الإمارات يؤثر في مصر”، مؤكدًا أن أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري.
هذه اللغة لم تكن بروتوكولية فقط، فقد نقلت القاهرة من موقف التهدئة العامة إلى خطاب التزام أمني مباشر تجاه الخليج.
كما وفرت غطاءً سياسيًا لأي تحرك دفاعي لاحق، بحيث يظهر كجزء من حماية الحلفاء لا كمشاركة هجومية في الحرب.
ظهور “رافال” مصرية في الإمارات
في 7 مايو/أيار كشفت وزارة الدفاع الإماراتية عن وجود مفرزة من مقاتلات “رافال” المصرية في الإمارات، خلال تفقد السيسي والرئيس الإماراتي محمد بن زايد للطيارين والجاهزية.
أظهرت الصور المرافقة عناصر من القوات الجوية المصرية، بينهم 13 رجلًا ببدلات طيران، داخل حظيرة تضم مقاتلة رافال مصرية واحدة على الأقل، لكن البيانات الرسمية لم تحدد عدد الطائرات، ولا قواعد الاشتباك، ولا طبيعة المهمة التفصيلية.

حمل هذا الظهور العلني رسائل متعددة: طمأنة للإمارات بأن مصر حاضرة ميدانيًا إلى جانبها، وردعًا سياسيًا لإيران بأن الخليج ليس وحيدًا، وإشارة إلى أن القاهرة مستعدة للانتقال من التضامن اللفظي إلى حضور دفاعي ملموس.
لكنه في الوقت نفسه لم يتضمن أي إعلان عن عمل هجومي ضد إيران، ما أبقى التحرك داخل سقف الإسناد الدفاعي الاستعراضي.
الدفاعات الجوية وخط الوساطة المفتوح
بعد أيام، جاء الكشف الأهم من وول ستريت جورنال، التي نقلت عن مسؤولين مطلعين أن مصر أرسلت أنظمة دفاع جوي متقدمة وأفرادًا لتشغيلها إلى السعودية والإمارات والكويت، لكن لم تعلن القاهرة أو العواصم الخليجية نوع هذه المنظومات أو عددها أو مواقع نشرها.
إذا صح هذا الكشف، فهو يمثل مستوى أعمق من الانخراط مقارنة بظهور الرافال، فالمقاتلات في الإمارات كانت رسالة علنية ذات طابع ردعي وسياسي واضح، أما الدفاعات الجوية وأطقم التشغيل فتعني دعمًا عملياتيًا مباشرًا لحماية المجال الجوي الخليجي من الصواريخ والمسيّرات.
في الوقت نفسه، لم تغلق القاهرة باب الوساطة، فقد واصل عبد العاطي اتصالاته مع نظيره الإيراني والمبعوث الأمريكي، بينما تجنبت مصر الرد الحاد على الاعتراضات الإيرانية التي تحدثت عن “قوات أجنبية” تزيد عدم الاستقرار.
بهذا حاولت القاهرة الحفاظ على معادلتها الدقيقة: دعم دفاعي للحلفاء الخليجيين، مع إبقاء قناة الدبلوماسية مفتوحة مع طهران وواشنطن.
في المحصلة، لم تنتقل مصر من الحياد إلى الحرب، بل من الحذر إلى الإسناد الدفاعي، فقد حاولت أن تطمئن الخليج بأنها ليست بعيدة عن أمنه، وأن تطمئن طهران في الوقت نفسه بأنها لا تبحث عن مواجهة مباشرة.