• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

سوريا في المخيال الصهيوني: كيف يُعاد إنتاج مشروع التوسع الإسرائيلي اليوم؟

مرام موسى٢٨ مايو ٢٠٢٦

تظهر هذه الصورة آثار قصف إسرائيلي لمقر وزارة الدفاع السورية في ساحة الأمويين بدمشق منتصف شهر يوليو/تموز 2025 (غيتي إيميجز)

لم تكن “إسرائيل” منذ فكرة تأسيسها خطرًا على فلسطين فحسب، بل كانت الخطط التي تحاك على طاولة الصهاينة المؤسسين تهدف إلى تغيير وجه المنطقة بما يتناسب مع رؤاهم الاستيطانية التي قرروا منذ البداية أن لا حدود لها، وتجلى ذلك بوضوح على لسان أبرزهم، ديفيد بن غوريون، في مقولة شهيرة تنسب إليه: “حدود “إسرائيل” حيث يصل حذاء الجندي الإسرائيلي الأخير”.

رغم أن هذه المقولة تعود لعقود مضت، إلا أنها تبدو التفسير الأمثل لسلسلة الانتهاكات المتصاعدة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري، كما أنها تتسق تمامًا مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الحاليين، إذ حرّض وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سمو ترتيش في حديث إذاعي، على احتلال أراض إضافية جديدة، وقال: “هذه الحرب يجب أن تنتهي بتغيير حدود إسرائيل، في غزة، ولبنان، وسوريا، و يهودا والسامرة”.

ولا تقتصر دلالة هذه التصريحات على بعدها الخطابي، بل تمتد إلى ما يُشار إليه من تحركات ميدانية متزامنة، فبالفعل أصبح جيش الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على منطقة جبل الشيخ الاستراتيجية وأجزاء واسعة من ريف محافظة القنيطرة السورية، بعد خرقه اتفاقية فض الاشتباك عام 1974، فيما يستمر بسلسلة الانتهاكات والتوغلات التي لم تقتصر على العسكرية فحسب بل امتدت إلى اقتحام مستوطنين عدة مرات لأراض جنوبي البلاد.

وفي موازاة ذلك، ومع تعثر المفاوضات مع الحكومة السورية حول اتفاق جديد، تستغل تل أبيب هذا الواقع لفرض أمر واقع جديد في الجنوب السوري، في وقت تتقاطع فيه أدوات التأثير السياسية مع أدوات ميدانية وأمنية.

ويستدعي ما سبق طرح أسئلة تاريخية تعيدنا إلى النقطة الأولى لتفكيك السياق الحالي: فإلى ماذا يستند الخطاب الإسرائيلي الاستيطاني تجاه سوريا؟ وما الأجزاء التي يُراد احتلالها؟ وأين ورد ذكرها في الأدبيات اليهودية؟ وهل تشمل الأراضي السورية “الأرض الموعودة لإسرائيل” أساسًا؟

كيف تطوّر الخطاب الإسرائيلي التوسعي تجاه سوريا؟

احتلت سوريا، منذ البدايات الأولى للمشروع الصهيوني، موقعًا محوريًا في التصورات الاستيطانية، إذ كانت أجزاء من الأراضي السورية حاضرة ضمن المطالب التي طرحها حاييم وايزمان، أحد أبرز مؤسسي الحركة الصهيونية، خلال مؤتمر باريس للسلام عام 1919، في سياق السعي لإقامة وطن قومي لليهود، وقد شكّل المؤتمر آنذاك محطة مفصلية نقلت المشروع الصهيوني من إطار الوعود السياسية إلى مسار الاعتراف القانوني والدولي.

واعتبر وايزمان، الذي ترأس الوفد الصهيوني في المؤتمر، أن “الحدود الشرقية للوطن اليهودي تبدأ مباشرة إلى الغرب من خط سكة حديد الحجاز الممتد من دمشق مرورًا بعمان وصولًا إلى المدينة المنورة”، كما شددت المطالب الصهيونية على الأهمية الاستراتيجية لجبل الشيخ بوصفه مصدرًا مائيًا حيويًا للدولة اليهودية المنشودة.

وقد عكست هذه المطالب مبكرًا النزعة التوسعية الكامنة في الفكر الصهيوني، وهي نزعة لم تتراجع حتى بعد إعلان قيام “إسرائيل” على أرض فلسطين في 14 أيار/مايو 1948، فقد تعمّد ديفيد بن غوريون الامتناع عن تحديد حدود نهائية للدولة الوليدة، انطلاقًا من تصور توسعي يتجاوز حدود فلسطين التاريخية.

كما ورد في إحدى رسائله إلى هئية الأركان العامة في مايو/أيار 1948: “علينا الانتقال إلى الهجوم، هدفنا سحق لبنان وشرق الأردن وسوريا؛ سنقضي على شرق الأردن، وستسقط سوريا في أيدينا، ثم سنتقدم نحو بورسعيد والإسكندرية وسيناء”.

خلال السنوات التالية، تصاعد التوتر بين “إسرائيل” وسوريا، التي شكّلت إحدى أكثر الجبهات العربية اشتعالًا، بفعل النزاعات الحدودية والصراع على مصادر المياه، ولا سيما مجرى نهر الأردن، وبعد احتلال الجولان عام 1967، كشفت شهادات إسرائيلية لاحقة أن قرار السيطرة على الهضبة لم يكن وليد ظروف الحرب وحدها، بل جاء امتدادًا لنية مبيتة.

ففي مقابلة نُشرت بعد وفاته بستة عشر عامًا، أقرّ موشيه ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، بأن “إسرائيل” كانت البادئة بالتصعيد في معظم الاشتباكات مع سوريا قبل الحرب، موضحًا أنهم كانوا يدفعون بجرارات إلى المناطق منزوعة السلاح وهم يدركون مسبقًا أن السوريين سيفتحون النار، بما يوفّر ذريعة لشن هجمات عسكرية أوسع.

كما دحض ديان الرواية الإسرائيلية التي قدّمت احتلال الجولان باعتباره ضرورة دفاعية لمواجهة التهديد السوري، مؤكدًا أن الضغوط التي مارسها المستوطنون الطامعون في الأراضي الزراعية الخصبة لعبت دورًا أساسيًا في الدفع نحو احتلال الهضبة. ويعزز ذلك شروع “إسرائيل”، بعد أقل من شهر على احتلال الجولان، في إقامة أولى المستوطنات هناك، ضمن سياسة استيطانية ممنهجة هدفت إلى تكريس السيطرة على الأرض وفرض وقائع جديدة.

غير أن تداعيات حربَي 1973 و1982 دفعت الخطاب الإسرائيلي إلى التحول تدريجيًا من الطابع التوسعي المباشر إلى المقاربة التقسيمية، مع تركيز متزايد على تثبيت المكاسب الإقليمية وإدامة السيطرة على المناطق المحتلة، وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في وثيقة عوديد ينون، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، المعنونة بـ”استراتيجية “إسرائيل” في الثمانينيات”، والتي اعتبرت أن “تفكيك سوريا إلى كيانات عرقية أو طائفية، على غرار النموذج اللبناني، يمثل الهدف الإسرائيلي الأسمى على الجبهة الشرقية على المدى البعيد”.

وخلال العقود اللاحقة، واصلت تل أبيب تبنّي هذه المقاربة، ولا سيما بعد اندلاع الثورة السورية، إذ برز الخطاب التقسيمي باعتباره السمة الغالبة في الرؤية الإسرائيلية تجاه سوريا، حيث رأت “إسرائيل” في استمرار الصراع الداخلي واستنزاف القوى السورية فرصة لإخراج سوريا من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، عبر الدفع نحو واقع التفكك والانقسام الطائفي والعرقي.

وفي عام 2016، وفي ذروة الحرب السورية، صرّح المدير العام لوزارة الاستخبارات الإسرائيلية بأن التقسيم يشكل “الحل الوحيد الممكن”، مضيفًا أنه ينبغي “تقسيم سوريا إلى مناطق تخضع لسيطرة الجماعات الموجودة فيها؛ العلويون في مناطقهم، والسنة في مناطقهم”.

ومع سقوط نظام الأسد، عاد الخطاب التوسعي الإسرائيلي إلى الواجهة بصورة أكثر وضوحًا، إذ سارعت شخصيات إسرائيلية إلى الدعوة لتوسيع السيطرة العسكرية داخل الأراضي السورية، ففي غضون ساعات، دعا وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي إلى إعادة احتلال قمة جبل الشيخ بذريعة حماية المستوطنات في الجولان المحتل.

وخلال يومين، توغلت القوات الإسرائيلية في منطقة جبل الشيخ وتمركزت فيها، ورغم الادعاءات الإسرائيلية بأن الوجود العسكري مؤقت ومرتبط بالوضع الأمني، فإن تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بشأن البقاء “لفترة غير محدودة” عكست توجّهًا نحو ترسيخ وجود طويل الأمد يحمل دلالات احتلالية واضحة.

قوات إسرائيلية في جبل الشيخ

فيما اشترط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لأي تفاهم أمني مع دمشق، نزع السلاح من منطقة تمتد من دمشق حتى جبل الشيخ، في طرح يوسّع المجال الأمني الإسرائيلي عميقًا داخل الأراضي السورية لمسافة تتجاوز سبعين كيلومترًا، بما يمسّ بصورة مباشرة بالسيادة السورية.

وبدت النزعة التوسعية أكثر صراحة في تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي تحدث عن مشروع إقليمي لإعادة رسم الحدود، قائلًا إن هناك “بندًا سياسيًا في غزة لتوسيع حدودنا، وبندًا آخر يمتد في لبنان حتى نهر الليطاني ضمن حدود قابلة للدفاع، وبندًا ثالثًا يمتد إلى سوريا وصولًا إلى قمة جبل بيت شان (الشيخ) ومنطقة الأمان على الأقل”.

انعكاس الخطاب الإسرائيلي ميدانيًا

يترجم الخطاب التوسعي الإسرائيلي تجاه سوريا ميدانيًا عبر توغلات وانتهاكات شبه يومية، تشمل تركيب بوابات عسكرية ذكية، ومصادرة أراضٍ، وتنفيذ اعتداءات واعتقالات بحق سكان الجنوب السوري، في مسعى حثيث لفرض أمر واقع جديد والاستيلاء على مزيد من الأراضي.

ومنذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بسطت القوات الإسرائيلية سيطرتها على المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، واحتلت أجزاء واسعة من المنطقة المنزوعة السلاح الممتدة لأكثر من 75 كيلومترًا، متوغلةً في عمق محافظة القنيطرة وأجزاء من ريف درعا الغربي، مع إنشاء تسع نقاط عسكرية في محاولة لتثبيت هذا الوجود وتحويله من انتشار مؤقت إلى واقع دائم.

وفي سبيل ذلك، اتبعت “إسرائيل” خطة مدروسة ومتدرجة تقوم على التوسع البطيء والمستمر، وترتكز بصورة أساسية على سياسة الانتهاكات الممنهجة، حيث وثّق مركز “سجل” المختص برصد العمليات الإسرائيلية في سوريا ما لا يقل عن 1672 انتهاكًا داخل الأراضي السورية بين آب/أغسطس 2025 وأيار/مايو 2026، بلغت ذروتها في آذار/مارس، حين نفذت القوات الإسرائيلية أكثر من 321 عملية عسكرية، بينها 121 غارة جوية، إضافة إلى اعتقال 41 مدنيًا، وهو أعلى معدل شهري يوثقه المركز حتى الآن.

وتتركز الانتهاكات الإسرائيلية في محافظة القنيطرة بوصفها المسرح العملياتي الأبرز، ولا سيما في وسط المحافظة وريفها الشمالي، بما يشمل قرى أوفانيا وخان أرنبة وجباتا الخشب، حيث أنشأت القوات الإسرائيلية نقطة عسكرية طورتها لاحقًا إلى قاعدة محصنة، عقب عمليات تجريف واسعة طالت نحو 2500 دونم من الأراضي الحرجية والزراعية.

ورغم أن العمليات الإسرائيلية في محافظة درعا تبدو أقل عددًا، فإنها تتسم بطابع أكثر نوعية، إذ تعتمد أساسًا على القصف المدفعي الانتقائي والمداهمات الليلية الخاطفة، بدلًا من عمليات المسح العسكري الشاملة، وفقًا للمركز ذاته.

وامتدت المنهجية الإسرائيلية التوسعية لتشمل رش مواد كيميائية مجهولة فوق الأراضي الزراعية والمراعي المحاذية للشريط العازل، ما أدى إلى تضرر مساحات واسعة من الأراضي الخضراء. وفي ريف القنيطرة الجنوبي وحده، تضرر ما يقدَّر بنحو 3500 دونم من المراعي، في خطوة يُنظر إليها على أنها تهدف إلى تهجير السكان وتدمير سبل عيشهم تمهيدًا للاستيلاء على أراضيهم.

وبالتوازي مع ذلك، عمل الجيش الإسرائيلي على إنشاء سياج أمني جديد يمتد لعشرات الكيلومترات داخل الأراضي السورية، حيث وثّق المركز إنشاء أربع بوابات عسكرية، تضطلع كل منها بوظيفة عملياتية محددة، ويرتكز هذا المشروع على السيطرة الاستراتيجية على المرتفعات الطبيعية الحاكمة، بما يضمن قدرات استطلاع دائمة وسيطرة نارية واسعة تغطي عمق الجنوب السوري.

وفي السياق ذاته، أطلقت “إسرائيل” مؤخرًا عدة مشاريع ذات طابع أمني وتكنولوجي لإعادة تشكيل حدودها مع سوريا، وتبرز شركة “Ondas Holding” الأمريكية بوصفها أحد أبرز الأطراف المنخرطة في هذه العملية، إذ تُقدَّم باعتبارها مسؤولة عن عقود تتعلق بعمليات المسح التكنولوجي وإزالة الألغام على طول الحدود الشرقية، كما حصلت على عقد إضافي لإزالة الألغام من الحدود السورية-الإسرائيلية. وتأتي هذه المشاريع ضمن خطة أوسع تقودها وزارة الدفاع الإسرائيلية لبناء جدار ضخم على طول الحدود السورية-الأردنية، فيما يُعرف باسم “حاجز أمن الحدود الشرقية”، بتكلفة تُقدَّر بنحو 1.7 مليار دولار، وبطول يصل إلى نحو 500 كيلومتر.

ووفقًا لتحليلات مركز “سجل”، فإن هذه المشاريع تندرج ضمن سياق أوسع يتقاطع مع التحركات العسكرية المستمرة الهادفة إلى إعادة رسم الجغرافيا الميدانية، عبر استراتيجية تقوم على القضم التدريجي وفرض وقائع عسكرية جديدة، بما يؤدي عمليًا إلى تقويض التزامات اتفاقية عام 1974 ودمج أجزاء من الجغرافيا السورية ضمن منظومة أمنية إسرائيلية عازلة.

توراتيًا: هل سوريا جزء من “الأرض الموعودة”؟

تبدو المنهجية التي تنتهجها “إسرائيل” في الجنوب السوري أقرب إلى سياسة الضمّ البطيء التي اتبعتها على مدى سنوات في الضفة الغربية، ليس فقط من خلال التحركات الميدانية المتشابهة، بل أيضًا عبر تبنّي خطاب توراتي ديني يُستخدم لتبرير الانتهاكات والسياسات التوسعية، ومن هنا تبرز أهمية تسليط الضوء على موقع سوريا في أدبيات الخطاب التوراتي الصهيوني، لفهم أوسع حول نوايا تل أبيب الاستيطانية في الأراضي السورية.

تعد “الأرض الموعودة” ركيزة أيديولوجية ودينية أساسية في الفكر اليهودي والصهيونية، ومنه تنطلق الخطط الاستيطانية، فهل سوريا ضمن أرض الميعاد؟

في دراسة للأكاديمي الإسرائيلي يوئيل إليتسور يكمن جزءًا من الإجابة، وهو باحث يقدم تفسيرات توراتية توظف في دعم الرؤى الاستيطانية، نشرها في معهد “هار عتصيون” التي تعد من أبرز مؤسسات الصهيونية الدينية في “إسرائيل” وتعرف نفسها بأنها قادت مشاريع الاستيطان وساهمت بالدمج بين الدراسة الدينية والخدمة بالجيش الإسرائيلي.

ومن الآيتين التوراتيتين:

  • “سأجعل حدودك من بحر سوف إلى بحر فلسطين، ومن البرية إلى الفرات” (خروج 23:31).
  • “سيُزيل الرب من أمامكم جميع هذه الأمم، وستُطردون أممًا أعظم منكم وأكثر عددًا، كل بقعة تطأها أقدامكم ستكون لكم، وستمتد أرضكم من البرية إلى لبنان، ومن نهر الفرات إلى البحر الغربي”. سفر التثنية (11:23-24).

يستنتج الباحث الإسرائيلي في ورقته المعنونة بـ”حدود الأرض الموعودة لإسرائيل”، ما يشير إلى ذكر سوريا على هذا النحو:

  • نهر الفرات والمنطقة الشمالية: يُعد نهر الفرات الحد الشمالي في النصوص التي استشهد بها الكاتب، ويوضح أن المقصود هو القسم الشمالي الغربي من النهر، وتحديدًا عند “ركبة” النهر، وهي المنطقة التي تضم اليوم حوضًا اصطناعيًا مجاورًا لبلدة مسكنة السورية، الواقعة على بعد حوالي 50 ميلًا جنوب شرق حلب.
  • البادية السورية (الحد الشرقي): يفسر الكاتب “البرية” المذكورة في النصوص كحد حدودي بأنها البادية السورية الكبيرة الواقعة شرق المناطق المأهولة في شرق الأردن.
  • جبل حرمون وسلسلة جبال لبنان الشرقية: يرى الكاتب أن ذكر “لبنان” كحدود يشير إلى جبال لبنان الشرقية، مشيرًا إلى أن هذه السلسلة الجبلية تبدأ من جبل حرمون (جبل الشيخ) وتمتد باتجاه الشمال الشرقي، وهي الجبال التي تقع شرق وادي البقاع.
  • دمشق وريفها: يستدل الكاتب على أن جبال لبنان الشرقية هي المقصودة لأنها الجبال التي تطل تجاه دمشق ويمكن رؤية دمشق منها، مشيرًا إلى وصف توراتي لبرج في لبنان “يطل تجاه دمشق”، كما يحدد خط الحدود بأنه يمر بالمنحدرات الشمالية الشرقية لهذه الجبال بالقرب من بلدة القريتين السورية، ليتجه من هناك شمالًا نحو “ركبة” الفرات.

يخلص “إليتسور” إلى أن ما كان يعرف سابقًا بـ “سوريا الكبرى” الواقعة بين مصر وبلاد الرافدين هي الحدود النهائية والمقدرة لـ”إسرائيل” والتي تمتد لتشمل الهلال الخصيب بالكامل كجزء من رؤية استراتيجية دينية طويلة الأمد، مؤكدًا أن هذه الحدود ليست مجرد “وعود إلهية” ينتظر تنفيذها من الله، بل هي وصية ومهمة عملية أُمِر الشعب بتحقيقها واستيطانها عندما تسمح الظروف.

تتحدث الدراسة عن مرحلتين استراتيجيتين لحدود “أرض إسرائيل”:

المرحلة (أ) هي الحدود المحدودة المخصصة للفتح والاستيطان الفوري لتناسب عدد السكان ومنع خراب الأرض.

أما المرحلة (ب) فهي الحدود الموسعة التي تشمل “سوريا الكبرى” من مصر إلى الفرات، وتعتبر هدفًا مستقبليًا ووصية شرعية ملزمة تتحقق تدريجيًا مع زيادة عدد النسمات والالتزام الديني الكامل.

وربطت ذلك بمبدأً سمّته “قليلًا قليلًا” استنادًا إلى التوراة، وهي قاعدة مفادها أن الاستيطان لن يكون فوريًا بل تدريجيًا؛ وذلك لأن عدد بني “إسرائيل” عند دخولهم الأرض لم يكن كافيًا لملء واستيطان المساحات الشاسعة للحدود الموسعة.

سوريا ضمن تصور مشروع “إسرائيل الكبرى”

الطرحَ الدينيَّ التوراتي السابق يوظف أيضًا في إعادةُ إحياء مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يهدد دولًا عربية بينها سوريا، وهو ما عمل مسؤولون إسرائيليون على الترويج له خلال العام الأخير، ومن أبرز التصريحات التي عكست تبنّي “إسرائيل” لهذه الرؤية، ما عبّر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حين تحدث عن شعوره بأنه يؤدي “مهمة تاريخية وروحية” لتأسيس ما يُعرف بـ”إسرائيل الكبرى”.

ولا يقتصر الأمر على التصريحات السياسية فحسب، إذ أثارت صورة متداولة لجندي إسرائيلي يرتدي بزة عسكرية تحمل خريطة تضم أراضٍ عربية ضمن حدود “إسرائيل”، موجة غضب واسعة في الأوساط العربية، باعتبارها مؤشرًا على استمرار تل أبيب في الترويج لهذا التصور التوسعي.

ويستند مشروع “إسرائيل الكبرى” إلى سرديات توراتية تعتبر أن حدود “أرض الميعاد” تمتد “من نهر مصر إلى الفرات”، وهي الفكرة التي شكّلت أحد المرتكزات الفكرية المبكرة للحركة الصهيونية، وقد وضع تيودور هرتزل الأساس السياسي لهذا التصور في كتاباته ومذكراته، حيث انتقل المفهوم من فكرة “الوطن اليهودي” المطروحة دبلوماسيًا إلى تصور أكثر اتساعًا لدولة تشمل أجزاءً من سيناء والأردن ولبنان وسوريا، وبما أن نهر الفرات يمثل الحد الشرقي لهذه الرؤية، فقد اعتُبرت مساحات واسعة من الجغرافيا السورية جزءًا من النطاق التوراتي الذي ينبغي أن تندرج داخله الدولة اليهودية المستقبلية.

كما برزت لاحقًا محاولات لمنح هذه الرؤية بُعدًا جغرافيًا وتاريخيًا أكثر تفصيلًا، ومن أبرزها ما قدّمه الباحث الصهيوني رابي إسحاق، عام 1906 في كتابه الشهير “الحدود الحقيقية للأرض المقدسة” عام 1906، والذي رسم فيه الحدود المتصورة لـ”إسرائيل الكبرى”.

وشغلت أجزاء واسعة من الأراضي السورية حيّزًا مهمًا ضمن التصور الذي طرحه إسحاق، ففي تحديده للحدود الشمالية، اعتبر رابي أن نطاق “إسرائيل الكبرى” يمتد عميقًا داخل الجغرافيا السورية والتركية الحالية، إذ ربط “جبل هور” التوراتي بجبل أمانوس في أقصى شمال غرب سوريا، في منطقة لواء إسكندرون، ثم وسّع هذا الامتداد ليصل إلى جبال طوروس، معتبرًا إياها الحد الشمالي الأقصى. كما أعاد تفسير “مدخل حماة” ليضعه قرب تلك السلاسل الجبلية، ما يعني إدخال شمال سوريا ضمن هذه الحدود، وصولًا إلى عينتاب التي اعتبرها الزاوية الشمالية الشرقية للأرض الموعودة.

أما في الحدود الشرقية، فقد رسم خطًا يمتد من الشمال السوري نزولًا عبر مناطق الداخل، محددًا “شفام” التوراتية في منطقة قلعة المضيق بمحافظة حماة، ثم مرورًا بمنطقة ريبلة الواقعة قرب نهر العاصي، قبل أن يتجه نحو دمشق وريفها الجنوبي الشرقي عبر وادي اللوى ومرج براق، بما يضع العاصمة السورية ومحيطها ضمن النطاق الحدودي الذي تصوره.

وفي الجنوب السوري والبادية، ضمّت رؤية إسحاق مناطق استراتيجية واسعة، إذ أشار إلى أن الحدود الشرقية تلتف لتشمل منطقة اللجاة البركانية في جنوب سوريا، إضافة إلى سهول حوران وجلعاد (تقع في المرتفعات الشرقية لنهر الأردن) التي وصفها بأنها مناطق حيوية زراعيًا واقتصاديًا، كما اعتبر بصرى الشام معلمًا حدوديًا يتجه منه الخط جنوبًا نحو خليج العقبة، فيما تضم خارطته أيضًا جبل الشيخ والساحل السوري وأجزاء واسعة من وسط البلاد.

غير أن مفهوم “إسرائيل الكبرى” لم يبقَ محصورًا في الطروحات الدينية والتوراتية أو في فكرة التوسع الجغرافي المباشر، بل شهد تحولًا استراتيجيًا في العقود اللاحقة نحو مقاربات تقوم على الهيمنة الجيوسياسية وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بـ”إسرائيل”، حيث برزت خطة ينون التي سبق ذكرها كبُعد استراتيجي معاصر لفكرة “إسرائيل الكبرى”.

فعلى خلاف الطرح التوراتي التقليدي الذي ركّز على توسيع الحدود الرسمية استنادًا إلى مزاعم دينية وتاريخية، قامت رؤية أوديد ينون على فكرة ضمان التفوق الإسرائيلي عبر تفكيك الدول العربية المحيطة وتحويلها إلى كيانات صغيرة وضعيفة ومتناحرة، بما يمنع تشكّل أي قوة إقليمية قادرة على تهديد “إسرائيل” سياسيًا أو عسكريًا، ومن هنا، انتقل الفكر التوسعي من مفهوم “ضمّ الأرض” إلى مفهوم “الهيمنة على البيئة المحيطة” عبر إعادة تشكيل البنية السياسية والاجتماعية لدول المنطقة.

واحتلت سوريا موقعًا محوريًا في هذه الرؤية، إذ اعتبرها ينون واحدة من أكثر الدول العربية قابليةً للتفكك بسبب تركيبتها الطائفية والإثنية المعقدة، وركّزت الخطة على وجود أقلية علوية حاكمة تسيطر على أغلبية سنية، معتبرةً أن هذه الانقسامات تمثل مدخلًا لإعادة تفكيك الدولة السورية إلى كيانات طائفية منفصلة، تشمل دولة علوية على الساحل، وأخرى سنية في الداخل، وثالثة درزية في الجنوب.

ووفق هذا التصور، فإن تفتيت سوريا سيؤدي إلى إضعاف قدراتها العسكرية المركزية، ومنع تشكّل أي جبهة عربية موحدة، فضلًا عن خلق “مناطق عازلة” ضعيفة ومنشغلة بصراعاتها الداخلية، بما يجعلها أكثر اعتمادًا على القوى الخارجية وأقل قدرة على مواجهة “إسرائيل”.

خصوصية الجولان في السرديات الصهيونية 

وعند الحديث عن موقع سوريا في المخيلة الصهيونية، لا بدّ من التوقف عند حالة الجولان المحتل، إذ يحتل مكانة خاصة ومركزية في السرديات التوراتية–الصهيونية؛ فهو لا يُقدَّم بوصفه مجرد منطقة حدودية ذات أهمية عسكرية، بل باعتباره جزءًا عضويًا من مفهوم “أرض إسرائيل” المرتبط بالوعد التوراتي والذاكرة التاريخية اليهودية.

ففي الأدبيات الصهيونية يُستحضر الجولان باعتباره أرض حقق فيها يسوع نبوءات عمرها 800 وأجرى فيها معجزات، فيُعتقد أنه عاش في الجليل، وتنقل في المناطق المحيطة ببحيرة طبريا، وعبر شرقي نهر الأردن وهي المنطقة التي تقع فيها الجولان، ليتحقق بذلك نبوءة إشعياء «في الزمان الأخير يُكرم طريق البحر، وعبر الأردن، وجليل الأمم» (إشعياء 9:1؛)، في سعي لتقديم الجولان كأرض ذات قداسة وأهمية دينية في التراث اليهودي–المسيحي ووسيلة تبرير لاحتلالها.

ليس هذا فحسب، بل تزعم السردية الصهيونية التوراتية، أن منطقة الجولان وعد إلهي قدمه الله لـ”بني إسرائيل” مستندة إلى كلٍٍ من سفر التثنية “كان الله قد أعطى مدينة جولان لبني “إسرائيل” أثناء تيههم في البرية”، وسفر التناخ، حيث جاء “وكان الرَّبُّ قد أمر النبي موسى بتحديد ست مدن للملجأ: ثلاثٍ شرقَ نهر الأردن وثلاثٍ غربَه لكي يهرب إليها القاتلُ غير المتعمِّد، فكانت “جُولاَن فِي بَاشَانَ لِلْمَنَسّيِّينَ”، ويعتقد أن ومنسَّى هو الابن الأكبر للنبيّ يوسف وحفيد “إسرائيل” (يعقوب عليه السلام).

تتجلى هذه الرؤية الصهيونية في تصريحات القادة الإسرائيليين منذ احتلال الجولان، فبعد أقل من شهرين على الاستيلاء عليه، أكد اللواء في الجيش الإسرائيلي، إيغال آلون، أن الجولان “لا تقل أهمية عن الخليل ونابلس كجزء من “إسرائيل” القديمة”.

وبعيدًا عن التصور الديني للجولان، تُوظف النظريات الصهيونية التوراتية بوصفها مسوغًا لاستمرار احتلاله باعتباره جزءًا من معادلة “البقاء” لا مجرد توسع جغرافي، فالمطالبة بالجولان لم تُطرح فقط باعتبارها استعادة لـ”حق تاريخي”، بل باعتبارها أيضًا ضرورة أمنية ومائية واقتصادية لضمان قيام دولة يهودية “قابلة للحياة”.

ورد ذلك في المذكرة الصهيونية المقدمة لمؤتمر باريس لعام 1919 أن السيطرة على المنابع أمر “لا غنى عنه” لنمو اقتصادي واجتماعي مستدام، وأن أي دولة يهودية لا تسيطر على موارد المياه الشمالية (بما فيها الجولان واليرموك) ستكون دولة غير قادرة على الاستمرار اقتصاديًا.

لكن المفارقة تكمن بفشل باحثي الآثار الصهاينة باكتشاف أي أثر يثبت الروايات التوراتية في الجولان، بل ويرجح مؤرخون عرب مهتمون بنقد الجغرافيا التوراتية، أن السرديات المتعلقة بالجولان السورية ما هي الإ إسقاط لمكان اسمه الجولان لا يقع داخل حدود سوريا.

من يغذي الخطاب التوسعي في سوريا؟ 

من ناحية أخرى، كان المنظرون الصهاينة يوقنون أن السرديات تحتاج إلى من يعتنقها ويروج لها على الأرض كي تتحول من مجرد مشاريع إلى واقع معاش ويصلح للتطبيق، لذلك أنشأت جمعيات وحركات استيطانية تتبنى الخطاب التوسعي والاستيطاني وتدفع باتجاه نشره على أوسع رقعة ممكنة.

إذ عملت “إسرائيل” على تكريس احتلالها منذ البداية بتعزيز الاستيطان من خلال حركات وهيئات استيطانية، ففي عام 1974 تأسست حركة “غوش إيمونيوم” كحركة دينية أصولية تهدف إلى الاحتفاظ بالأراضي المحتلة، بما فيها الجولان، كجزء من “أرض إسرائيل الكاملة”، وقد عملت الحركة على تحويل الاستيطان من مجرد ضرورة أمنية إلى واجب ديني وقومي.

وبعد خمس سنوات، أنشأت هذه الحركة منظمة “أمانا” كذراع استيطانية تُعنى بإنشاء المستوطنات والبؤر الاستيطانية في الأراضي المحتلة، وفي عام 2013 أشرفت المنظمة على بناء 36 وحدة سكنية في مستوطنة كاتسرين، كما ساهمت في تطوير حي “بني يهودا” في الجولان السوري المحتل، ولا تزال “أمانا” تعمل حتى اليوم على تعزيز وتوسيع الوجود الاستيطاني.

وعلى الصعيد السياسي، شكلت حركة “غوش إيمونيوم” التي توقفت عن الوجود ككيان رسمي في بداية الثمانينات، “لوبي أرض إسرائيل” في الكنيست، والذي ضم أعضاء من مختلف أطياف اليمين، وكانت مهمته توجيه الأموال لبناء مستوطنات جديدة وضمان استمرار الدعم السياسي للاستيطان، كما ساهم بعرقلة أي مفاوضات بين سوريا و”إسرائيل” تقوم على فكرة “الأرض مقابل السلام”.

وفي هذا السياق، نظمت الحركة تظاهرات حاشدة ومعارضة قوية ضد سياسات الحكومات التي فكرت في مبدأ “الأرض مقابل السلام” مع سوريا، معتبرة أن القواعد التوراتية تمنع التخلي عن أي جزء من الأراضي المتصورة ضمن “أرض الميعاد”.

لاقى الاستيطان في الجولان، أيضًا دعمًا أساسيًا من “يشع” وهو المجلس الإقليمي للمستوطنات، فتوصل إلى اتفاق رسمي مع “لجنة مستوطنات الجولان” للتعاون المشترك ضد أي انسحاب إسرائيلي محتمل من هضبة الجولان، وبموجب هذا الاتفاق، تعهد المجلس بتوفير الأموال والوسائل التنظيمية اللازمة لقادة المستوطنين في الجولان.

ويعمل هذا المجلس كجسم عام “غير رسمي” يجمع رؤساء البلديات والسلطات المحلية في الأراضي المحتلة، ويهدف سياسيًا إلى ترويج مخاوف المستوطنين والضغط على الحكومة وأعضاء الكنيست لمنع التنازل عن الأراضي، وتعزيز الاستيطان ضمنها.

فيما يشهد النشاط الاستيطاني في الجولان تصاعدًا واضحًا، لا سيما بعد مصادقة الحكومة الإسرائيلية في نيسان/أبريل الماضي على خطة بقيمة 334 مليون دولار لتعزيز الاستيطان هناك، لا يزال الدعم للاستيطان في بقية الأراضي السورية محدودًا وناشئًا.

وعلى الرغم من ذلك، رُصدت 5 حوادث اخترق لمجموعة من المستوطنين السياج الحدودي قرب مجدل شمس باتجاه الأراضي السورية، وهم نشطاء من اليمين المتطرف ينتمون لحركة تسمّي نفسها “رواد باشان”، و”تهدف إلى تعزيز الاستيطان في قمة جبل الشيخ، فضلًا عن تعزيز الوجود المدني الإسرائيلي في منطقة الحدود السورية” وفق مصادر عبرية.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by نون بوست | NoonPost (@noonpost)

وتزعم هذه الحركة التي تأسست في أبريل 2025، أن “الاستيطان في منطقة باشان بأكملها هو استمرار طبيعي للاستيطان في الجولان، وسيساعد على استقرار المنطقة، وتعزيز أمن إسرائيل، وتحقيق حقنا التاريخي في الأراضي التي فقدناها”.

يقف خلف نشاط الحركة الأكاديمي الإسرائيلي اليميني المتطرف عاموس عزاريا، الذي يُعرف بكونه من أبرز الداعين إلى توسيع النشاط الاستيطاني خارج حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة، انطلاقًا من تصور يرى في الاستيطان المدني أداة لترسيخ الوجود العسكري الإسرائيلي وتأمين غطاء طويل الأمد لانتشار جيش الاحتلال في المناطق الحدودية للدول المجاورة.

وتسعى الحركة بقيادته إلى حشد الرأي العام الإسرائيلي وجمع التبرعات لدعمها والانضمام إلى نشاطاتها المرتبطة باقتحام الأراضي السورية تحت شعار “معًا نحو تحقيق الاستيطان في الباشان”، كما تحاول شرعنة الاستيطان في سوريا حيث أطلقت عريضة إلكترونية عبر موقع إسرائيلي مخصص لتقديم الالتماسات، طالبت فيها المجلس الوزاري الإسرائيلي بالمصادقة على إقامة مستوطنات جنوبي سوريا.

وفي آخر تسلل لمجموعة من المستوطنين التابعيين للحركة، أكدوا أنه “بدون توطين المدنيين، لن يصمد حتى الصمود العسكري طويلًا، سنبقى هنا حتى يسمحوا لأسر حركة “رواد باشان” بالدخول والعيش هنا، ساعدوهم وساعدونا جميعًا”.

وفي حادثة أخرى، تعبر عن طموحهم التوسعي، عبر أكثر من 40 مستوطنًا، السياج الحدودي باتجاه قرية شركسية مدمرة قرب بلدة بريقة في محافظة القنيطرة، وظهروا في مقطع مصور وهم يضعون “حجر الأساس” لبؤرة استيطانية جديدة تحت مسمى “نفيه هباشان”.

ورغم أن الجيش الإسرائيلي يعيد المستوطنين في كل مرة يتسللون فيها ويدين عمليات التوغل هذه إلا أن مطلعين يؤكدون استحالة دخولهم إلى الأراضي السورية دون موافقة ضمنية من القوات الإسرائيلية، مؤكدين أن هناك مئات الأميال من السياج تفصل الجولان المحتل عن الأراضي السورية، وهي مدعمة بمئات الآلاف من الألغام.

وتعليقًا على أنشطة هذه الحركة، يرى المراقب الاستيطاني الإسرائيلي ومؤسس منظمة “كيرم نافوت” التي ترصد عمليات الاستيلاء الإسرائيلية على الأراضي في الضفة الغربية، درور إتكيس، أنها تسير وفق منهجية حركة الاستيطان الإسرائيلية بتغيير الواقع على الأرض حتى يصبح ما كان مستحيلًا واقعًا، مشيرًا أن هذا هدف الحركة سواء في سوريا أو لبنان أو غزة أو الضفة الغربية.

ويقول إتكيس الذي راقب المستوطنين وهم يبنون أولى بؤرهم الاستيطانية في الضفة الغربية، “لقد مرّ ما يقارب 58 عامًا منذ بدء هذا المشروع، وبدأ كل شيء بشكل غير قانوني أو شبه قانوني، دون ترخيص رسمي، هذا نموذج يحاولون نسخه ولصقه في سوريا ولبنان، إنهم نفس الأشخاص، قادمون من نفس الأماكن، ومن نفس البيئات الأيديولوجية”، في تحذير واضح للتوسع البطيء الذي تنتهجه “إسرائيل” في سوريا.

الأقليات.. أداة “إسرائيل” للفوضى

تعددت الأدوات الإسرائيلية الساعية إلى توسيع الاستيطان في الأراضي السورية، لكن “الأقليات” كانت وسيلة تاريخية حاولت “إسرائيل” توظيفها في هذا الإطار، ضمن استراتيجية “عقيدة المحيط” التي تقوم على إلى إبرام تحالفات مع الأقليات العرقية والدينية غير العربية أو غير السنية لكسر، لضمان هيمنتها وتثبيت نفوذها.

وفي سوريا، برزت الأقلية الدرزية كفئة سعت “إسرائيل” إلى استمالتها منذ المراحل المبكرة لتأسيسها، حيث طلب الزعيم الصهيوني “إسحاق بن تسفي” من الدائرة السياسية للوكالة اليهودية عام 1930 البحث عن قنوات اتصال مع دروز سوريا عبر دروز فلسطين، وفي حرب النكبة عام 1948، طرحت القيادة الإسرائيلية الناشئة فكرة رعاية تمرد درزي ضد النظام في دمشق لتخفيف الضغط العسكري العربي من الشمال.

لكن أولى المحاولات الإسرائيلية الجلية التي هدفت لاستغلال الدروز في سبيل إضعاف الدولة السورية، سُجلت في عام 1954 أثناء تمرد جبل العرب الدروز ضد الحكومة السورية بقيادة أديب الشيشكلي، إذ حاولت المخابرات الإسرائيلية عبر الحدود مدّ بعض الوجهاء المحليين بالمعلومات وتسهيل قنوات الاتصال والتنسيق لتأجيج العصيان ضد دمشق، كما شنت حملة ديبلوماسية وإعلامية ضد سوريا في المحافل الدولية، واصفة النظام السوري بالديكتاتوري والمستبد بالأقليات.

وبعد احتلال الجولان ذو الغالبية الدرزية، اقترح إيغال آلون إنشاء كيان عازل لمسافة 70 كيلومترًا شرق الجولان للارتباط بمنطقة جبل العرب معقل الدروز في سوريا، بهدف تحريض دروز الجولان لإثارة تمرد في جبل العرب يؤدي إلى إقامة دولة درزية مستقلة تتحالف مع “إسرائيل”، لكن الخطة باءت بالفشل قبل إقرارها بسبب مفاوضات السلام بين سوريا و”إسرائيل” آنذاك.

واستند مشروع القرار هذا إلى افتراض واثق بإمكانية تكرار تجربة “التحالف” مع دروز الداخل الفلسطيني، فعملت السلطات على محاولة فرض الجنسية الإسرائيلية وتغيير الهوية الوطنية عبر إصلاحات تعليمية تهدف لغرس الولاء لـ”إسرائيل”.

ومع ذلك، فشلت هذه المساعي أمام المقاومة الصلبة والتمسك القوي لدروز الجولان بهويتهم السورية، حيث استخدم المجتمع سلاح النبذ الاجتماعي والديني والحرمان من الطقوس الجنائزية ضد كل من يقبل المواطنة الإسرائيلية وقد بلغت ذروة هذا الفشل في الإضراب الشامل عام 1982 الذي واجه محاولات الضم القسري، مما أثبت عدم قدرة “إسرائيل” على “إعادة تخيل” هوية دروز الجولان أو استمالتهم كأقلية تابعة رغم سياسات التضييق المشددة.

عاد الاهتمام الإسرائيلي بالدروز في سوريا بعد عام 2011، ضمن سياسة “حلف الأقليات” التي تنتهجها تل أبيب ولا سيما في سياق التحولات الجيوسياسية التي رافقت مرحلة ضعف نظام الأسد وظهور قوى معارضة ذات طابع إسلامي تعتبرها “إسرائيل” مصدر تهديد لأمنها، الأمر الذي دفعها إلى توظيف أوضاع الدروز، ولا سيما في ظل التهديدات التي طالت بعض القرى، لتقديم نفسها كطرف “حامٍ” للأقليات، كما طُرحت مشاريع تتعلق بإقامة منطقة عازلة في جنوب سوريا، وصورت الحرب في سوريا كفرصة لهذه الأقلية لإنشاء كيان خاص بها.

لكن بعد سقوط نظام الأسد، وجدت تل أبيب نفسها أمام فرصة أكبر لاستمالة الدروز، في ظل فتور علاقتهم مع الدولة السورية الناشئة من جهة، وظهور العلويين كأقلية يمكن إدراجها في المعادلة نفسها، إلى جانب الأكراد في شمال شرق سوريا خلال مرحلة إدارة قسد، ضمن إطار أوسع من “حلف الأقليات”، لتبدو هذه التحولات، من منظور إسرائيلي، كمساحة قابلة للاستثمار السياسي والأمني بما يخدم ترتيبات نفوذها في المنطقة.

وفي هذا السياق عاد إلى الواجهة ما يُعرف بـ”مشروع ممر داود” أو “ممر صلاح الدين”، بوصفه أحد أبرز التصورات المطروحة لمرحلة ما بعد سقوط النظام، ويقوم المشروع، الذي طُرح لأول مرة من قبل الأكاديمي الإسرائيلي ديفيد كاما في كتابه الصادر عام 1975 بعنوان “الصراع: لماذا وإلى متى؟” على إنشاء ممر “درزي–إسرائيلي” يمتد من جنوب سوريا بمحاذاة الحدود الأردنية وصولًا إلى منطقة المثلث الحدودي مع العراق، حيث يلتقي مع مناطق النفوذ الكردي في الشمال الشرقي، بما يخلق شريطًا جغرافيًا متصلًا يربط مناطق الأقليات بعيدًا عن المركز في دمشق.

ويهدف هذا الممر، وفق هذه التصورات، إلى عزل العاصمة السورية وإحاطتها بأطراف غير متجانسة سياسيًا وطائفيًا، مع إنشاء ما يشبه “الحاجز الطبيعي” في منطقة جبل العرب لمنع تمدد قوى تعتبرها تل أبيب تهديدًا، سواء من الجانب التركي أو من الجماعات الإسلامية السنية، كما يحمل المشروع أبعادًا رمزية وسياسية، إذ جرى الترويج له أحيانًا تحت اسم “ممر صلاح الدين” في محاولة لاستمالة الأكراد عبر استحضار رمزية صلاح الدين الأيوبي وتقديمه بوصفه قائدًا تاريخيًا “متسامحًا مع اليهود”، مقابل استخدام تسمية “ممر داود” ذات الحمولة التوراتية في الخطاب الإسرائيلي الداخلي.

وبالفعل، سارعت تل أبيب إلى استغلال التوترات بين الدروز والقوات السورية لتعزيز هذا الخطاب، إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 30 أبريل/نيسان 2025 أن الجيش الإسرائيلي شن غارة قرب دمشق بهدف توجيه “رسالة حازمة” إلى السلطات السورية لحماية الطائفة الدرزية، ثم صعّدت تدخلها العسكري لاحقًا، خاصة بعد تصريحات شيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري التي طالب فيها نتنياهو شخصيًا بالتدخل لحماية الدروز، ما وفر لـ”إسرائيل” ذريعة مثالية لتوسيع خطاب “حماية الأقليات”.

إذ نفذ الجيش الإسرائيلي في يوليو/ تموز 2025 ضربات استهدفت مواقع حكومية سورية، بينها مبنى وزارة الدفاع في دمشق، إضافة إلى استهداف القوات الحكومية التي تدخلت لفض اشتباكات بين الدروز والبدو في السويداء، ما انتهى بانسحاب تلك القوات.

وبالتوازي، استغل الاحتلال الإسرائيلي هذه الدعوات للمطالبة بإنشاء “ممر إنساني” نحو السويداء بذريعة إدخال المساعدات، في خطوة رآها مراقبون محاولة لإحياء مشروع “ممر داود” بصورة عملية، عبر تكريس وجود جغرافي وأمني طويل الأمد في الجنوب السوري تحت غطاء إنساني وأقلياتي.

لكن المشروع تلقّى ضربة كبيرة بعد تراجع أحد أهم مرتكزاته الجغرافية والسياسية، والمتمثل في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، إذ أدى حلّ القوات وتوقيع اتفاق مع الحكومة السورية يقضي بتسليم المناطق التي كانت تسيطر عليها إلى تقويض هذه الفكرة.

في المقابل، لا يبدو أن تراجع فرص تنفيذ المشروع يعني تخلي “إسرائيل” عن رهاناتها داخل سوريا، إذ تواصل تقديم أشكال مختلفة من الدعم العسكري و”الإنساني” للفصائل المرتبطة بحكمت الهجري في السويداء، بهدف توسيع نفوذها ضمن الأراضي السورية.

هدف “إسرائيل” في الجنوب السوري

يستدعي ما ذُكر أعلاه حول تاريخ الخطاب التوسعي الإسرائيلي في سوريا وأدواته، أسئلة جوهرية بشأن السيناريوهات المحتملة لشكل الحضور والتأثير الإسرائيلي في سوريا، خاصة في ظل استمرار التوغلات والانتهاكات في الجنوب السوري، وظهور نشاط استيطاني محدود.

في هذا السياق، يقول محمود علوش، الخبير في الشؤون الإقليمية، في حديثه لـ”نون بوست”، إن “إسرائيل تريد تكريس واقع احتلالي مباشر طويل الأمد في سوريا، مع توسيع هذا الواقع بشكل متدرج من خلال سياسة التهجير القسري التي تنتهجها في الجنوب السوري وخاصة قرى ريف القنيطرة”.

ويضيف علوش أن “إسرائيل”، في الوقت ذاته، تسعى إلى تكريس نفوذ غير مباشر لها عبر دعم ميليشيات حكمت الهجري في السويداء، إذ تريد تل أبيب أن يتحوّل دروز السويداء إلى وكيل أمني يحقق مصالحها في جنوب سوريا.

ويذهب إلى أن “إسرائيل” تسعى إلى التوصل لنموذج يمزج بين الاحتلال المباشر والاعتماد على وكلاء محليين لتحقيق مصالحها، مشيرًا إلى وجود تشابه واضح بين الأهداف الإسرائيلية في جنوب لبنان وجنوب سوريا، التي تُطرح تحت عنوان “الحزام الأمني” أو “المنطقة العازلة”، بينما يتمثل الهدف الحقيقي، في السيطرة على مزيد من الأراضي تحت ذرائع أمنية.

من جهته، يرى الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، في حديثه لـ”نون بوست”، أن “إسرائيل” تسعى إلى تكريس حق التدخل في سوريا كلما رأت أن مصالحها أو أمنها يتطلبان ذلك، بما يضمن تثبيت نفوذها داخل الأراضي السورية وإبقاء الحكومة السورية الجديدة في حالة ضعف، لمنعها من التحول إلى مصدر تهديد مستقبلي لها.

وبخلاف علّوش، يرى علوان أن تل أبيب لا تتجه نحو احتلال جغرافي مباشر للأراضي السورية، لعدة أسباب، أبرزها الضغوط الإقليمية والدولية، ولا سيما الأمريكية، إضافة إلى عدم قدرة الجيش الإسرائيلي على تحمّل أعباء بشرية جديدة، بعدما استُنزف أساسًا في غزة وجنوب لبنان، وبالتالي فإنه لن يفتح على نفسه جبهة جديدة.

ويذهب علوان إلى أن تل أبيب تحاول تطبيق نموذج الجنوب اللبناني على الجنوب السوري، لكن ضمن قطاعات جغرافية محدودة، إذ تهدف إلى إنشاء حزام أمني مدمّر تستطيع من خلاله تنفيذ عمليات تفتيش دورية، لضمان عدم وجود خلايا تهددها، بسبب تخوفها، بشكل رئيسي، من الاستيقاظ على طوفان أقصى جديد في أي من مناطقها الحدودية، بحسب تعبيره.

وفي السياق ذاته، يرى علّوش أن هذا النهج الأمني الإسرائيلي يتقاطع مع رغبتها في إبقاء المفاوضات مع الحكومة السورية مجمّدة لأطول فترة ممكنة، لثلاثة أسباب: أولها أنها لا تولي أهمية حقيقية للعملية التفاوضية، وثانيها أن استمرار الوضع القائم يصب في مصلحتها، أما ثالثها فيتمثل في أن أهدافها في سوريا ذات طابع توسعي.

ويؤكد علوش، أن سوريا جزء من المخطط التوسعي الإسرائيلي، شأنها شأن غزة والضفة الغربية ولبنان، إذ ترى تل أبيب في سوريا فرصة لاحتلال مزيد من أراضيها، خاصة بعد سقوط الأسد، لأنها تعتقد أن الدولة الناشئة غير قادرة على تحدي النزعة التوسعية الإسرائيلية، في ظل عجز المجتمع الدولي عن وقف سلوكها التوسعي في المنطقة.

من جهته، يستبعد علوان أن تكون سوريا ضمن الخطط الاستيطانية الإسرائيلية، ويطرح ثلاثة سيناريوهات متوقعة لشكل الحضور الإسرائيلي: أولها استمرار الفوضى على طول الحدود السورية – الإسرائيلية بوصفها مناطق نزاع لا مستوطنات، وثانيها تهدئة تؤدي إلى وقف إطلاق النار، بما يقلل من الهجمات من دون أن يوقفها، لتبقى المنطقة في حالة قلق مستمر، أما السيناريو الثالث، الذي يراه مستبعدًا وصعب التحقق، فهو إقامة منطقة اقتصادية مشتركة بدعم أمريكي.

ختامًا، يُظهر التاريخ أن التوسع الإسرائيلي لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتاج مشاريع استيطانية جرى التخطيط لها وتنفيذها بصورة تدريجية ومتراكمة، عبر أدوات سياسية وأمنية وعسكرية مشابهة لتلك التي تُستخدم اليوم في الجنوب السوري.

ومن هنا، فإن استعراض الخطاب الإسرائيلي المرتبط بسوريا لا يهدف إلى إطلاق استنتاجات حاسمة بقدر ما يشكل محاولة لقراءة المؤشرات المبكرة والتنبيه إلى احتمالات خطر استيطاني مستقبلي.

علاماتالاحتلال الإسرائيلي ، الاحتلال الإسرائيلي في هضبة الجولان ، الانتهاكات الإسرائيلية ، التدخل الإسرائيلي في سوريا ، الجولان المحتل
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الجولان السوري المحتل ، الشأن السوري ، الصراع العربي الإسرائيلي ، سوريا

قد يعجبك ايضا

سياسة

من المركز إلى الأطراف.. أين تختبئ خلايا داعش والقاعدة؟

نون إنسايت٢٧ مايو ٢٠٢٦
سياسة

لماذا يتكلم نتنياهو بالخرائط؟

مصطفى الخضري٢٧ مايو ٢٠٢٦
سياسة

رغم القيود.. كيف تصل بضائع المستوطنات إلى الأسواق الدولية؟

نون إنسايت٢٧ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑