فرض الجيش الباكستاني حضوره بقوة على المشهد الشرق أوسطي خلال الفترة الأخيرة، في تحول لافت عزّز من مكانته كأحد أبرز الفاعلين في معادلات التوازن الإقليمي، بعدما نجح في توسيع نطاق نفوذه العسكري والسياسي بوتيرة متسارعة.
ولم تعد المؤسسة العسكرية الباكستانية تكتفي بدورها التقليدي القائم على التدريب والتعاون الدفاعي مع الحلفاء، وهو النهج الذي تبنّته منذ تأسيس الدولة عام 1947، بل اتجهت نحو انخراط أعمق وأكثر تأثيرًا في ملفات الإقليم، لتصبح لاعبًا رئيسيًا ومحركًا أساسيًا للسياسة الباكستانية في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق، برز قائد الجيش المشير عاصم منير كأحد أبرز الوجوه الحاضرة على الساحة الإقليمية والدولية، في ظل تصاعد الدور السياسي والدبلوماسي للمؤسسة العسكرية.
وخلال الأعوام القليلة الماضية على وجه الخصوص، تحوّل الجيش الباكستاني من مجرد مؤسسة ذات طابع عسكري إلى أداة دبلوماسية فاعلة تسعى عبرها إسلام آباد إلى تعزيز حضورها السياسي والإقليمي، مستفيدة من ثقلها العسكري لتعويض التحديات الاقتصادية والأزمات الداخلية المتفاقمة التي تواجهها البلاد.
انتشار مكثف في الخليج
وسّع الجيش الباكستاني نطاق انتشاره ونفوذه في الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة بصورة لافتة، إلا أن التحول الأبرز في حضوره الإقليمي تجسد في السابع عشر من سبتمبر/أيلول 2025، عندما وقّعت إسلام أباد والرياض اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك، هدفت إلى تطوير مجالات التعاون الدفاعي بين البلدين وتعزيز آليات الردع المشترك في مواجهة التهديدات والاعتداءات.
وفي أول ترجمة عملية لهذه الاتفاقية، دفعت باكستان قبل أسابيع بنحو 8 آلاف جندي، إلى جانب سرب من الطائرات المقاتلة ومنظومة دفاع جوي، إلى الأراضي السعودية، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولًا محوريًا في عقيدة الانتشار العسكري الباكستاني خارج الحدود، ومؤشرًا على تصاعد الدور الإقليمي للمؤسسة العسكرية الباكستانية.
– أفادت وكالة رويترز بنشر باكستان 8,000 جندي وسرب مقاتلات "جي إف-17" ومنظومة دفاع جوي صينية في السعودية، تفعيلًا لمعاهدة الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين في سبتمبر 2025.
– يتزامن وصول الأسلحة الصينية المتطورة إلى المملكة مع تشغيل أنظمة دفاعية أمريكية عالية التقنية مثل… pic.twitter.com/iTUclZBzWh
— نون بوست (@NoonPost) May 19, 2026
ولم يقتصر الحضور العسكري الباكستاني على السعودية فحسب، بل امتد إلى معظم دول الخليج، وإن بدرجات متفاوتة من حيث طبيعة المهام ومستوى الانخراط، ففي قطر عززت إسلام أباد حضورها عبر اتفاقيات التدريب والتعاون العسكري، حيث لعب الجيش الباكستاني دورًا في دعم وتطوير قدرات القوات المسلحة القطرية، إلى جانب مساهمته في تأمين عدد من الفعاليات الكبرى، وعلى رأسها.
أما في الإمارات والكويت والبحرين، فقد اعتمدت المؤسسات العسكرية والأمنية بدرجات مختلفة على الخبرات الباكستانية، سواء في مجالات التدريب والجاهزية القتالية أو في بناء وتطوير القوات الجوية والأنظمة الأمنية، كما شهدت العلاقات الدفاعية بين هذه الدول وباكستان تعاونًا متزايدًا في المناورات العسكرية المشتركة، وتبادل الخبرات، والدفاع الجوي، والصيانة العسكرية، فضلًا عن عمل أعداد كبيرة من الباكستانيين داخل قطاعات الحماية الخاصة والشركات الدفاعية وبرامج التدريب العسكري في عدد من دول الخليج.
حضور لافت في الشرق الأوسط
وفي إطار استراتيجية الانتشار المتوازن، لم يقتصر الحضور العسكري الباكستاني على دول الخليج المرتبطة بإسلام أباد بشبكة واسعة من المصالح الأمنية والاقتصادية، بل امتد ليشمل عددًا من القوى الإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط، في محاولة لترسيخ موقع باكستان كلاعب مؤثر في معادلات الأمن الإقليمي.
ففي مصر، عملت إسلام أباد على تعزيز علاقاتها العسكرية مع القاهرة، وإن ظل التعاون محصورًا بصورة أساسية في التدريبات المشتركة، وتبادل زيارات القيادات العسكرية، وتنسيق المواقف في عدد من الملفات الإقليمية والأمنية، وهو النهج ذاته الذي ينسحب بدرجات متفاوتة على علاقتها مع الأردن، وبصورة أقل مع العراق.
أما مع تركيا، فتُعد العلاقة واحدة من أهم الشراكات العسكرية الباكستانية خارج الإطار الخليجي، حيث اتخذ التعاون بين البلدين طابعًا استراتيجيًا متعدد المستويات، شمل التصنيع العسكري المشترك، والتدريبات الخاصة، والتنسيق الاستخباراتي، إلى جانب تنامي التعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية.
وفي ليبيا، عززت باكستان حضورها الدفاعي عبر إبرام واحدة من أكبر الصفقات العسكرية في مرحلة ما بعد، بلغت قيمتها نحو أربعة مليارات دولار، وتضمنت مقاتلات ودبابات وطائرات تدريب عسكرية، فضلًا عن مشروعات للحفر النفطي البحري باستخدام تقنيات وصناعات دفاعية باكستانية، في خطوة عكست اتساع أدوات النفوذ الباكستاني وتداخل الأبعاد العسكرية والاقتصادية في تحركاتها الإقليمية.
الجيش يرسم السياسة الخارجية
يُعد الحضور العسكري الباكستاني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا امتدادًا لإرث تاريخي تشكل خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية في شبه القارة الهندية، حين اعتمدت الإمبراطورية البريطانية على المؤسسة العسكرية في إدارة نفوذها الإقليمي وبناء شبكات السيطرة والأمن في عدد من الساحات الحيوية.
وفي هذا السياق، خدم عدد كبير من الجنود الباكستانيين – ضمن وحدات الجيش الهندي البريطاني قبل استقلال باكستان – في مدن ومحطات استراتيجية مثل القدس وعمان وبغداد والقاهرة ومسقط، وهو ما أسهم لاحقًا في تكوين خبرة ميدانية وعلاقات ممتدة للمؤسسة العسكرية الباكستانية داخل المجال الشرق أوسطي.
وانطلاقًا من هذا الإرث، تحولت المؤسسة العسكرية في باكستان إلى الفاعل الأكثر تأثيرًا في رسم السياسة الخارجية لإسلام أباد، بل وأصبحت بمثابة مركز صناعة القرار الحقيقي الذي تُصاغ داخله المقاربات الاستراتيجية وتُحدد من خلاله التوجهات الإقليمية والدولية للدولة، الأمر الذي جعل البعد العسكري حاضرًا بصورة واضحة في معظم التحركات الدبلوماسية الباكستانية الخارجية.
ماذا تعرف عن عاصم منير… الجنرال الباكستاني الذي خرج من دهاليز الاستخبارات إلى قلب المشهد الإقليمي وصناعة التوازنات الكبرى؟
اقرأ أكثر في المادة التالية 👇👇https://t.co/Aqj7mwnhBe pic.twitter.com/BBsUMHUCrY
— نون بوست (@NoonPost) April 24, 2026
وتقوم العقيدة العسكرية الباكستانية في الشرق الأوسط، بصورة عامة، على مجموعة من المبادئ الحاكمة، أبرزها تجنب الانخراط المباشر في الصراعات البينية داخل الإقليم، والابتعاد عن الاصطفافات الحادة بين المحاور المتنافسة، مع الحرص في الوقت ذاته على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية.
كما توظف إسلام أباد تعاونها العسكري وعلاقاتها الدفاعية كأداة لتعظيم المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية، في ظل إدراك المؤسسة الحاكمة للهشاشة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، وهو ما يفسر التداخل الواضح بين الأبعاد العسكرية والاقتصادية في السياسة الخارجية الباكستانية تجاه الشرق الأوسط.
دبلوماسية بزي عسكري
تتبنى باكستان مقاربة دبلوماسية ذات طابع عسكري واضح، حيث باتت المؤسسة العسكرية تمثل الواجهة الأكثر حضورًا وتأثيرًا في تحركات إسلام أباد الخارجية خلال المرحلة الأخيرة، وخلال الأشهر الماضية شهدت الساحة الباكستانية حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا تصدره قائد الجيش المشير عاصم منير، عبر جولات مكوكية شملت عددًا من العواصم الإقليمية، التقى خلالها قادة وزعماء دول مثل السعودية والأردن ومصر والإمارات، إلى جانب لقائه القائد العسكري الليبي خليفة حفتر.
هذا الحراك عكس انتقال المؤسسة العسكرية الباكستانية من مجرد توظيف القدرات الدفاعية التقليدية إلى بناء دبلوماسية عسكرية أكثر تطورًا وفاعلية، استطاعت عبرها إسلام أباد توسيع نفوذها وحضورها في جغرافيات متعددة تمتد من شمال أفريقيا إلى الخليج، وصولًا إلى محيط إيران، بما حول الجيش الباكستاني من مؤسسة عسكرية محلية إلى أحد الفاعلين المؤثرين في معادلات الاستقرار الإقليمي وسط بيئة شرق أوسطية شديدة الاضطراب.
ومن أبرز سمات الدبلوماسية العسكرية الباكستانية قدرتها على إدارة التوازنات الدقيقة والحفاظ على قنوات التواصل مع أطراف متناقضة، دون الانزلاق إلى صدامات مباشرة أو اصطفافات حادة، حتى وإن بدا حراكها الخارجي في بعض مراحله أقرب إلى التموضع الاستقطابي.
– تواجه باكستان مأزقًا استراتيجيًا حرجًا، حيث تضعها هجمات إيران على أهداف سعودية أمام اختبار حقيقي لالتزاماتها العسكرية مع الرياض بموجب اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة مؤخراً.
– بينما يشير بند "العدوان على أحد الطرفين هو عدوان على كلاهما" إلى التزام بالتدخل، يرى مسؤولون في إسلام… pic.twitter.com/m42m4qAcO5
— نون بوست (@NoonPost) March 7, 2026
ويتجلى ذلك بوضوح في ليبيا، حيث دعمت إسلام أباد قوات حفتر عبر صفقات عسكرية ضخمة، دون أن يؤدي ذلك إلى توتر مباشر مع تركيا رغم موقف أنقرة المعروف من المشهد الليبي، كما ظهر النهج ذاته في الملف اليمني، إذ حافظت باكستان على دور دبلوماسي نشط دون الانخراط في حالة الاستقطاب بين السعودية والإمارات، فضلًا عن نجاحها في تحقيق قدر من التوازن في علاقاتها بين إيران ودول الخليج بما يحفظ مصالحها مع الطرفين ويجنبها خسارة أي منهما.
في المحصلة، تتحرك باكستان بقدر كبير من الواقعية السياسية في توظيف إمكانياتها وأدوات نفوذها، انطلاقًا من إدراكها لصعوبة المنافسة اقتصاديًا وسياسيًا مع القوى الإقليمية الكبرى، الأمر الذي دفعها للاعتماد على المجال الذي تمتلك فيه أفضلية واضحة، والمتمثل في قدراتها العسكرية والنووية، ومن خلال هذه المقاربة، نجحت إسلام أباد في تحويل قوتها العسكرية إلى أداة نفوذ إقليمي فعالة، تستخدمها لتعزيز حضورها السياسي وتوسيع شبكة علاقاتها وتحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدودها الجغرافية.
غير أن هذه الاستراتيجية، رغم ما حققته من حضور وتأثير، تبقى محفوفة بدرجة عالية من المخاطر، خاصة في بيئة شرق أوسطية شديدة التعقيد وسريعة التحول، حيث قد يؤدي أي اختلال في سياسة التوازن الدقيقة التي تنتهجها باكستان إلى انزلاقها نحو صراعات واستقطابات إقليمية لا تملك فيها مصالح مباشرة بقدر ما قد تتحمل كلفتها السياسية والأمنية.. ومن هنا يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع إسلام أباد الاستمرار في الحفاظ على تلك البوصلة الدقيقة وسط إقليم تتغير خرائطه وتحالفاته بوتيرة متسارعة؟