في قاعة الأمم المتحدة الواقعة على ضفاف النهر الشرقي في وسط مدينة نيويورك، أدلى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو يوم الجمعة 22 مايو/أيار بتصريحات لافتة وجريئة قائلًا فيها: “لو كان القرار بيدي، لاستضفتُ النسخ العشر المقبلة من كأس العالم في قطر”.
لم يتوقف إنفانتينو عند هذا الحد، بل وصف نسخة قطر 2022 بأنها “الأفضل في تاريخ كأس العالم” من حيث جودة اللعب والتنظيم، وأشاد بالأجواء الاحتفالية الاستثنائية والملاعب الأيقونية، مؤكدًا أن البطولة لم تشهد أي حوادث أو مشكلات أمنية تُذكر، وكاشفًا عن أن الفيفا يعمل حاليًا على الاستعانة بالخبرات والكوادر التنظيمية القطرية لنقل المعرفة المكتسبة من مونديال 2022 إلى منظمي بطولة 2026.
تستحوذ الولايات المتحدة بالتحديد على 78 مباراة من 104 مباريات في كأس العالم 2026، أي 75% من إجمالي البطولة، تُلعب في 11 مدينة هي نيويورك/نيوجيرسي، لوس أنجلوس، أتلانتا، دالاس، هيوستن، سياتل، سان فرانسيسكو، بوسطن، فيلادلفيا، ميامي، كانساس سيتي. وتشمل جميع مباريات الأدوار الإقصائية من ربع النهائي وحتى النهائي الذي سيقام في ملعب ميتلايف بنيوجيرسي/نيويورك.
أما المكسيك فتستضيف 13 مباراة في ثلاث مدن، هي مكسيكو سيتي وغوادالاخارا ومونتيري، بينها مباراة الافتتاح بين المكسيك وجنوب أفريقيا على ملعب أزتيكا التاريخي في مكسيكو سيتي.
كما تستضيف كندا 13 مباراة في مدينتين، هما تورونتو وفانكوفر، وقد أدى هذا التوزيع غير المتكافئ إلى تركيز ثقل البطولة بأكمله تقريبًا في الولايات المتحدة، ما جعل أي مشكلة تنظيمية أو سياسية أو أمنية في الداخل الأمريكي تنعكس مباشرة على المونديال بأكمله.
View this post on Instagram
A post shared by Gianni Infantino – FIFA President (@gianni_infantino)
هذه التصريحات لم تأتِ من فراغ، بل في توقيت بالغ الدلالة، فقبل أقل من شهر من انطلاق بطولة كأس العالم 2026 في 11 يونيو/حزيران، يطرح المراقبون سؤالًا يتردد في وسائل الإعلام الرياضية والمنتديات الجماهيرية حول العالم: أين الحماس؟ أين تلك الموجة العالمية من الترقب والإثارة التي اعتدنا عليها قبل كل بطولة كروية كبرى؟
المقارنة مع الأجواء التي سبقت مونديال قطر 2022 صادمة بكل المقاييس، إذ كان العالم آنذاك يعيش حالة استثنائية من الترقب والاستعداد، وكانت الدوحة محط أنظار الكل وهي تكمل استعداداتها لاستقبال ملايين المشجعين القادمين من جميع بقاع الأرض، فيما امتلأت فنادقها ووحداتها السكنية بحجوزات كاملة قبل أشهر من انطلاق البطولة، وارتفعت أعلام المنتخبات المشاركة في كل شوارع العاصمة القطرية، وتحول الحديث عن المونديال إلى موضوع يومي على ألسنة الجماهير في المقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي.
أما اليوم، فالصورة مختلفة تمام الاختلاف، فالفنادق في المدن الأمريكية المستضيفة تشكو من ضعف الحجوزات، بينما تتحدث وسائل الإعلام الدولية عن غياب الحماس وبطولة بلا روح، حتى أن بعض المسؤولين السابقين في الفيفا دعوا علنًا إلى مقاطعة النسخة القادمة من البطولة التي يفترض أنها الأكبر في تاريخ كأس العالم على الإطلاق، فهي الأولى من نوعها التي يشارك فيها 48 منتخبًا بدلًا عن 32، كما أنها النسخة الأولى التي تستضيفها ثلاث دول في آن واحد هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، خلال الفترة الممتدة من 11 يونيو/حزيران إلى 19 يوليو/تموز 2026.
“For the fans, there’s only one piece of advice: stay away from the USA!” I think Mark Pieth is right to question this World Cup. #MarkPieth #GianniInfantino #DonaldTrump #FIFAWorldCup2026 #USA
— Joseph S Blatter (@SeppBlatter) January 26, 2026
حروب وتوترات داخلية
لا يمكن فصل الأجواء المحيطة بالمونديال عن السياق الدولي المضطرب، إذ يعيش العالم حالة من عدم الاستقرار على عدة جبهات، أبرزها التصعيد العسكري في الشرق الأوسط بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران التي بدأت في أواخر فبراير/شباط الماضي، وهو ما دفع الاتحاد الإيراني لكرة القدم إلى الدخول في مفاوضات مع الفيفا لنقل مباريات منتخبه من الأراضي الأمريكية إلى المكسيك خوفًا على سلامة لاعبيه، حتى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه صرّح بأن المنتخب الإيراني “مرحب به”، لكنه ألمح إلى أن لعبه في الولايات المتحدة قد لا يكون مناسبًا “لسلامتهم وحياتهم”، وهو تصريح غير مسبوق من رئيس دولة مستضيفة تجاه فريق مشارك.
كما أن التوترات الداخلية للدول المستضيفة، وخاصة الولايات المتحدة، كان لها دور كبير في تشكيل صورة سلبية وفقدان البريق والجاذية للبطولة القادمة، فالإدارة الأمريكية الحالية أطلقت منذ أشهر حملة واسعة لتشديد إجراءات الهجرة، تخللتها عمليات احتجاز ومداهمات نفذتها وكالة الهجرة والجمارك (ICE) في عدة ولايات، وأدت إلى احتجاجات شعبية واسعة وصدامات مع المحتجين.
وقد شهدت ولاية مينيسوتا وحدها مقتل مواطنَين أمريكيَين على يد عملاء فيدراليين خلال الأسابيع الأخيرة، مما تسبب في تشكيل صورة قاتمة لدى المشجعين الأجانب عن الأجواء التي ستستقبلهم.
وفي المكسيك المجاورة، تتصاعد المخاوف من عنف “كارتلات” المخدرات، خاصة بعد اشتباكات كارتل جاليسكو الأخيرة وحادثة إطلاق نار جماعي في ولاية بويبلا أودت بحياة عشرة أشخاص، فضلًا عن قضايا المفقودين التي يطالب أهاليهم بإثارتها على هامش البطولة.
فنادق خالية
أحد أكثر المؤشرات وضوحًا على ضعف الاهتمام بهذه النسخة، هو الأرقام الصادمة التي كشفت عنها الجمعية الأمريكية للفنادق والإيواء (AHLA) في تقريرها الصادر في مايو/أيار الجاري، فمن بين أكثر من 200 فندق شُملت في الاستطلاع عبر المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة، أفاد ما يقرب من 80% منها بأن حجوزات المونديال تسير دون التوقعات الأولية، بل إن مدنًا مثل كانساس سيتي وبوسطن وفيلادلفيا وسان فرانسيسكو وسياتل شهدت تراجعًا حتى دون مستويات الصيف الاعتيادية (بدون استضافة البطولة)، حتى أن بعض أصحاب الفنادق وصفوا كأس العالم بأنه “حدث لا يُذكر”، وهو وصف غير معتاد لأكبر حدث رياضي في العالم ينتظره الملايين من عشاق الساحرة المستديرة.
تعددت أسباب هذا التراجع، تصدّرها أسعار التذاكر والإقامة والتنقل المرتفعة بشكل غير مسبوق صدّت كثيرًا من المشجعين العاديين عن السفر، إذ تقدر تكلفة رحلة من أسبوع واحد لشخص واحد، تشمل التذاكر والطيران الدولي والإقامة الفندقية، بأكثر من 10 آلاف دولار في الحد الأدنى، أضف إلى ذلك أن التشتت الجغرافي للمباريات بين 16 مدينة في ثلاث دول جعل من الصعب على المشجع التخطيط لرحلة “مونديال كاملة”، كما كان الأمر في قطر، حيث كانت كل الملاعب على بُعد دقائق معدودة من بعضها البعض، وبنقل مجاني تمامًا عبر شبكة المترو والمواصلات العامة.
ومن جهة أخرى، أربكت الفيفا نفسها سوق الفنادق عندما حجزت آلاف الغرف بشكل مسبق في المدن الـ16 المستضيفة، ثم استخدمت في مارس/آذار الماضي بندًا للانسحاب من العقود وألغت كميات كبيرة من هذه الحجوزات، ما تسبب في ما وصفته بعض الفنادق بـ”إشارة طلب مصطنعة” دفعتها لرفع الأسعار قبل أن تكتشف أن الطلب الحقيقي أقل بكثير.
هذا إلى جانب ارتفاع التذاكر نفسها، ففي مونديال قطر 2022 تراوحت أسعار تذاكر المباراة الافتتاحية بين 55 دولارًا للفئة الرابعة و618 دولارًا للفئة الأولى. أما في بطولة كأس العالم 2026 فقفزت الأسعار بشكل هائل لتبدأ من 560 دولارًا للفئة الرابعة وتصل إلى 2735 دولارًا للفئة الأولى، أي بزيادة تتجاوز أربعة أضعاف نسخة قطر.
وهو ما ينطبق كذلك على تذاكر دور المجموعات، إذ كانت الأسعار في قطر تبدأ من 11 دولارًا فقط للفئة الرابعة وتبلغ 220 دولارًا للفئة الأولى. في المقابل، تبدأ أسعار تذاكر الدور نفسه في مونديال 2026 من 100 دولار وتصل إلى 575 دولارًا، مما يعكس تضاعف الأسعار أكثر من 5 مرات.
أما تذاكر المباراة النهائية، فقد ارتفعت بشكل صادم من 206 دولارًا للفئة الرابعة و1607 دولارات للفئة الأولى في مونديال قطر 2022 إلى 2030 دولارًا للفئة الرابعة و6370 دولارًا للفئة الأولى في كأس العالم 2026، أي بنحو 4 – 10 أضعاف السعر السابق.
سياسات ترامب مقارنة بتسهيلات قطر
يُظهر تقرير الجمعية الأمريكية ذاته أن نحو 65% من الفنادق المشاركة في الاستطلاع أرجعت ضعف الحجوزات إلى “حواجز التأشيرات والمخاوف الجيوسياسية الأوسع”، وهو ما يعكس المشكلة الأعمق في هذه البطولة، إذ إن المستضيف الرئيسي، تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، فرضت قيودًا مشددة على منح التأشيرات للزوار من عشرات الدول، خاصة من أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، ورغم أن البيت الأبيض شكّل فرقة عمل خاصة بالمونديال وأعفى مشجعي 50 دولة من وديعة تأشيرة بقيمة 15 ألف دولار شريطة إثبات حيازة تذاكر صالحة، إلا أن المخاوف بقيت قائمة بسبب التعقيدات البيروقراطية وطول فترات الانتظار.
يظهر الفرق الجوهري هنا مقارنة بالسياسة التي اعتمدتها قطر، ممثلة في نظام “بطاقة هيا” المبسط الذي مكّن المشجعين من دخول البلاد بإجراءات سهلة قريبة من المجانية، فيما يجد مشجعو دول كالمغرب ومصر وإيران والجزائر وتونس والسعودية أنفسهم اليوم أمام عملية تقدّم للتأشيرة تستغرق أشهرًا وقد تنتهي بالرفض بعد أن يكون المشجع قد دفع آلاف الدولارات على التذاكر والحجوزات.
والأخطر من ذلك، أن مجموعة مشجعي كرة القدم الأوروبيين (FSE) أبدت قلقها العلني من تشديد الإجراءات الأمنية ومن “العسكرة المستمرة لقوات الشرطة الأمريكية”، مشيرةً إلى أن الفيفا لم تقدم لها معلومات واضحة حول ما سيُسمح به داخل الملاعب أو خارجها، وأن السلطات الأمريكية لم تستبعد حضور عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (ICE) في محيط البطولة.
إذ تعكف وكالتا أمن النقل (TSA) والهجرة والجمارك (ICE) الأمريكيتان على وضع إجراءات أمنية مشددة استعدادًا للبطولة، تشمل فحوصًا صارمة في المطارات وعمليات تدقيق موسعة على الواصلين من الخارج، إضافة إلى تواجد ميداني مكثف في محيط الملاعب والمناطق المخصصة للمشجعين. وقد أعلنت المكسيك من جانبها عن خطة لنشر قرابة 100 ألف عنصر أمني لحماية الجماهير، فيما تواصل كندا تنسيق إجراءاتها مع شريكتيها.
وهذا التواجد الأمني الكثيف، رغم أنه ضرورة موضوعية في ظل التهديدات المتعددة، يخلق إحساسًا مغايرًا تمامًا لتلك الأجواء الاحتفالية الدافئة التي شهدتها قطر، حيث استطاعت السلطات تأمين البطولة بأكملها عبر قوة موحدة تحت مظلة “لجنة عمليات أمن وسلامة بطولة 2022″، وضمّت تشكيلة من قوات الأمن القطرية (وزارة الداخلية، قوة الأمن الداخلي “لخويا”)، من دون تسجيل أي حادثة شغب أو أعمال عنف تذكر، وفق ما أكده رئيس الفيفا جياني إنفانتينو نفسه عقب نهاية مونديال 2022.
المعضلة الإضافية أن إجراءات وكالة أمن النقل الأمريكية معروفة دوليًا بصرامتها وطول طوابيرها، وأن فحوصاتها قد تستغرق ساعات للمسافرين من بعض الجنسيات، وهو ما يجعل تجربة الوصول إلى البلاد في حد ذاتها مرهقة قبل أن يصل المشجع إلى الملعب. كذلك فإن غياب التنسيق الدولي مع وفود الشرطة من الدول المشاركة، أو ما يُعرف بـ”المراقبين”، يمثل سابقة غير معهودة في تاريخ البطولة الحديث، ويزيد من حدة قلق الاتحادات الوطنية على سلامة مشجعيها.
وفي تطور لافت، كشفت وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) رسميًا يوم الأربعاء 20 مايو/أيار عن خطتها التشغيلية خلال المونديال، في إعلان جاء توقيته متزامنًا مع تقارير عن ضعف مبيعات التذاكر، وهو ما رصدته مجلة نيوزويك بربطٍ واضحٍ بين الحدثين في عنوانها وتغطيتها.
ووفقًا للمجلة، قال وزير الأمن الداخلي ماركوين مولين إن الوكالات الفيدرالية ستلاحق السلع المقلدة والاتجار بالبشر، مضيفًا أن “النشاط الإجرامي يتبع الحشود الكبيرة”، وأكد أن وكالة الهجرة والجمارك وذراعها التحقيقي تحقيقات الأمن الداخلي (HSI) ستعملان “كل يوم” طوال فترة البطولة جنبًا إلى جنب مع وكالة الجمارك وحماية الحدود (CBP).
لكن ورغم أن السلطات الأمريكية قدّمت هذا الإعلان في إطار طمأنة الجمهور، إلا أن وقعه على المشجعين الدوليين يجئ معاكسًا تمامًا، إذ يكرّس صورة بطولة محاطة بأجهزة الإنفاذ الفيدرالية أكثر من كونها احتفالًا كرويًا جامعًا، وعزّز قراءة كثير من المراقبين بأن الجمع بين الحضور المكثف لشرطة (ICE) بسمعتها السيئة في محيط الملاعب وبين السياق العام لحملات الهجرة المتشددة قد يسهم بدوره في إحجام شريحة واسعة من الجماهير الأجنبية عن السفر، وهو ما تعكسه أرقام التذاكر غير المبيعة حتى في مباريات المنتخب الأمريكي نفسه.
البُعد الإعلامي والثقافي: كيف صنعت قطر سرديتها الخاصة؟
لا يكتمل تحليل الفجوة بين أجواء مونديال 2026 ونظيره القطري دون التوقف عند بُعد جوهري كثيرًا ما يُغفله المراقبون، وهو البُعد الإعلامي والثقافي، فالاهتمام بمونديال قطر 2022 لم يأتِ من فراغ، إذ صنعته معركة سردية ضخمة سبقت البطولة بأشهر بل بسنوات، وكانت قطر فيها هدفًا للنقد أكثر من كونها مُحتفىً بها.
ومن المفارقات اللافتة أن هذه الحملة الانتقادية الواسعة التي شنّتها كبرى وسائل الإعلام الغربية ضد الدوحة، خاصة البريطانية والألمانية والفرنسية منها، تحوّلت في نهاية المطاف إلى أداة دعائية مجانية ضخمة للبطولة بأكملها، إذ لا يوجد ما يصنع شهرة حدث ما أكثر من الجدل الواسع الذي يثيره.
وقد ركّز الإعلام الغربي على ثلاث ملفات رئيسية: ملف العمال المهاجرين وظروف العمل في ورش بناء الملاعب، وملف القيود المفروضة على مجتمع “الميم” وإعلانه عن نفسه داخل قطر، وملف القيود المتعلقة بتناول الكحوليات في محيط الملاعب والمناطق العامة، وهي ملفات شكّلت محورًا يوميًا للتقارير الصحفية على “بي بي سي” و”الغارديان” و”دير شبيغل” وغيرها لأشهر طويلة قبل صافرة البداية.
والمفاجأة أن هذا التركيز الإعلامي المكثف رغم طابعه السلبي ظاهريًا أفرز نتيجة معاكسة لما كان يتوقعه أصحابه، فمن جهة، رفع منسوب الفضول العالمي تجاه البطولة وجعل الجمهور يتابعها لأسباب تتجاوز كرة القدم، مثل اكتشاف هذا البلد الشرق أوسطي الذي يتحدث عنه الجميع، ولاختبار ما إذا كانت قطر ستنجح فعلًا في التنظيم رغم كل التوقعات السلبية، وكذلك لرؤية كيف ستتعامل دولة محافظة مع جمهور عالمي متنوع المشارب والثقافات.
ومن جهة أخرى، وهي النقطة الأكثر أهمية، فإن القيود التي انتقدها الإعلام الغربي تحديدًا جعلت من قطر وجهة مفضلة لشريحة واسعة من الجمهور المحافظ والعائلات حول العالم، خاصة من الشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية، تلك الشريحة التي كانت تتجنب تقليديًا السفر إلى أوروبا أو أمريكا الجنوبية بسبب أجواء ما يُعرف بـ”الهوليغانز”، وأعمال الشغب، وارتفاع معدلات الجريمة، وانتشار الكحول بشكل مفرط في محيط الملاعب.
إذ وجدت العائلات المحافظة القادمة من السعودية أو ماليزيا أو إندونيسيا أو حتى من بعض الولايات الأمريكية المحافظة مثل يوتا وألاباما وأوكلاهوما وأيداهو أنفسهم أمام بطولة يمكنهم فيها اصطحاب أطفالهم إلى المدرجات دون قلق، ودون أن يتعرضوا لمشاهد ثمالة أو شغب، وقد تحوّلت هذه الميزة إلى نقطة جذب إضافية لم تتوفر لأي مونديال سابق.
وفي مقابل الحملة الإعلامية الغربية، أدارت قطر معركتها السردية بذكاء من خلال توظيف أذرعها الإعلامية واسعة الانتشار، وعلى رأسها شبكة الجزيرة بإصداريها العربي والإنجليزي، التي خصصت تغطيات مكثفة ومستمرة سلّطت الضوء على البعد الإنساني والحضاري للبطولة، بعيدًا عن السردية التشكيكية للإعلام الغربي.
قدّمت الجزيرة المونديال باعتباره إنجازًا عربيًا تاريخيًا وفرصة لتقديم الحضارة الإسلامية والثقافة العربية للعالم، وأبرزت قصص الزوار الذين انبهروا بحسن الضيافة وروعة التنظيم، ونقلت صور الشوارع الآمنة والملاعب الراقية والأجواء في مناطق الجذب مثل كورنيش الدوحة وسوق واقف والميناء القديم المفعمة بالاحتفالات.
كما لعبت قناة “بي إن سبورتس” (BeIN Sports) المملوكة أيضًا لقطر دورًا محوريًا في النقل الرياضي العالمي، فيما عملت منصات إلكترونية مثل (AJ+) على تقديم محتوى مرئي قصير موجّه للأجيال الشابة عبر منصات التواصل، تفنّد فيه الادعاءات المتداولة عن قطر وتقدّم الواقع كما هو على الأرض. وقد نجحت هذه الاستراتيجية في خلق توازن جيد مع السردية الغربية، بل تفوّقت عليها أحيانًا في أوساط شرائح واسعة من الجمهور من متابعي كرة القدم في العالم.
قصة رجل المترو الكيني
لعل أجمل ما أنتجته بطولة قطر على المستوى الإنساني كانت قصة عامل الأمن الكيني أبو بكر عباس، الشاب البالغ من العمر 23 عامًا والذي كان يعمل قرب سوق واقف، ومهمته توجيه المشجعين القادمين من سوق واقف التراثي ومن الملاعب نحو محطة المترو القريبة.
اعتاد عباس أن يكرر عبارة بسيطة بصوت رتيب عبر مكبر الصوت: “Metro? This way” (المترو؟ من هذا الاتجاه)، إلى أن قرر يومًا أن يكسر الملل بأن يحوّلها إلى نغمة موسيقية لافتة وحركات جسد طريفة باستخدام إصبع ضخم وكرسي حكم تنس مرتفع، فإذا بمقاطع الفيديو التي صورها له المشجعون تنتشر كالنار في الهشيم على تيك توك وتويتر وإنستغرام خلال أيام معدودة، وتحوّل ذلك الموظف البسيط القادم من مدينة مومباسا الكينية بحثًا عن رزقه، بعد أن منعه والداه أربع مرات من السفر، إلى ظاهرة عالمية يلتقط معها المشجعون والصحفيون الصور ويطلقون عليه لقب “Metro Man” (رجل المترو).
الجزيرة بدورها كانت من أوائل من التقطوا القصة ونقلوها للعالم في تقارير مصورة، وسرعان ما تحوّل أبو بكر إلى رمز إنساني للبطولة بأكملها، يجسّد روح الضيافة القطرية المنفتحة على العمال القادمين من أفريقيا وآسيا، ويردّ بشكل غير مباشر على كل الانتقادات التي طالت قطر في ملف العمال.
وفي لفتة تكشف عن الذكاء التواصلي للمنظمين، دعت قطر “رجل المترو” لمخاطبة الجمهور في أحد الملاعب الممتلئة عن آخرها، فوقف الشاب الكيني أمام عشرات الآلاف من المشجعين القادمين من كل أنحاء العالم في مشهد يصعب تخيّله قبل أشهر قليلة، كما حظي بتكريم رسمي من إدارته في نهاية البطولة وحصل على شهادات تقديرية وثّقتها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
تحوّلت قصة عباس إلى مادة لقمصان وملصقات وأغانٍ، وأصبحت رمزًا متداولًا في الذاكرة الجماعية للبطولة، بل وجد بعض المعجبين به تحديات لتقليد طريقته الفريدة. هذه القصة، البسيطة في ظاهرها والعميقة في دلالتها، تختصر جزءًا من سرّ نجاح مونديال قطر إعلاميًا وإنسانيًا، فالدوحة نجحت في صنع نجوم من خارج الملعب، وأن تحوّل عامل أمن بسيط إلى أيقونة عالمية، وأن تترك في وجدان ملايين المشجعين ذكرى دافئة لا علاقة لها بالمباريات نفسها، بل بأجوائها الإنسانية المحيطة.
واليوم بعد مرور قرابة 4 سنوات على بطولة 2022، لا أبو بكر يزال عباس موجودًا في قطر تستعين به الجهات المنظمة للبطولات والفعاليات التي تستضيفها الدولة الخليجية بشكل مستمر، وأوجد لنفسه حضورًا رقميًا رائعًا إذ يحظى بمتابعة أكثر من 100 ألف على حسابه الشخصي بمنصة إنستغرام.
وحين نقارن كل ذلك بمونديال 2026، تبرز الفجوة واضحة، فالبطولة المقبلة لا تملك ذلك السرد المركزي المثير للجدل الذي يحفّز التغطية الإعلامية الكثيفة، فالولايات المتحدة وكندا والمكسيك ليست محل تساؤل تنظيمي، وليس هناك صراع سردي ساخن بين معسكر منتقد ومعسكر مدافع، مما جعل البطولة تنزلق إلى نوع من اللامبالاة الإعلامية.
كما أن الأذرع الإعلامية للدول الثلاث المستضيفة موزعة ومشتتة، فلا توجد قناة واحدة أو شبكة موحدة تتبنى تسويق البطولة بنفس الزخم والاتساق اللذين قدمتهما الجزيرة و”بي إن سبورتس” لمونديال قطر. والأهم من ذلك أن البطولة الحالية لا تقدّم نفسها كحدث “آمن للعائلات” بل على العكس، إذ تخيم عليها مخاوف الكارتلات في المكسيك وعمليات شرطة الهجرة في أمريكا واحتمالات الشغب وارتفاع معدلات الجريمة في بعض المدن المستضيفة، وكلها عوامل تنفر بالتحديد تلك الشريحة المحافظة والعائلية التي شكّلت قاعدة جماهيرية كبيرة في قطر.
من حدث جماهيري إلى تجربة مخصصة للأثرياء
ما يحدث مع مونديال 2026 ليس مجرد فتور طبيعي قد يصاحب أي بطولة، بل هو ظاهرة مركّبة تعكس تقاطعًا غير مسبوق بين عوامل اقتصادية وسياسية وأمنية ولوجستية وإعلامية وثقافية، فالأسعار الباهظة لتذاكر الفئة الواحدة، والتي تجاوزت في بعض الفئات 10 أضعاف نسخة قطر، حوّلت البطولة من حدث جماهيري إلى تجربة مخصصة للأثرياء فقط.
كما أن التوزيع الجغرافي على ثلاث دول و16 مدينة شتّت تجربة المشجع التي كانت مركّزة وسهلة في قطر، والاضطرابات السياسية والأمنية في الولايات المتحدة والمكسيك، إلى جانب الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، تسببت في بيئة طاردة بدلًا من بيئة جاذبة.
هذا فضلًا عن سياسات التأشيرات والإجراءات الأمنية المشددة التي جعلت من رحلة المشجع الأجنبي مغامرة محفوفة بالشكوك، كما أن غياب السرد المركزي الذي يحفّز الاهتمام، وتشتت الأذرع الإعلامية للدول المستضيفة، حرما البطولة من ذلك الزخم الذي صنعته قطر بتوظيف ذكي لشبكاتها الإعلامية في مواجهة الحملات الانتقادية.
في المقابل، نجحت قطر عام 2022 في تقديم نموذج يكاد يكون مثاليًا لتنظيم المونديال، شمل مساحة محدودة، وملاعب متقاربة، وأسعار تذاكر مناسبة وفي متناول اليد، وإجراءات دخول مبسطة وتنقل مجاني عبر بطاقة هيا، وإقامات بأسعار متنوعة، وأمن شامل بلا حوادث، وأجواء عربية وعائلية أضفت على البطولة طابعًا إنسانيًا ميّزها عن كل النسخ السابقة وربما القادمة.
والأهم أن قطر نجحت في تحويل النقد الإعلامي الغربي ذاته إلى أداة ترويج مجانية، وفي صناعة بطولة جاذبة للجمهور المحافظ والعائلات التي وجدت فيها بديلًا آمنًا عن أجواء الشغب التقليدية، فيما حوّلت قصصًا إنسانية كحكاية “رجل المترو” إلى أيقونات تجسّد روحها الحقيقية، لهذا تجد كثيرًا من الكتابات الصحفية اليوم تعود لاستحضار التجربة القطرية بوصفها المعيار الذهبي الذي يصعب تكراره.
فعلى سبيل المثال، نشرت شبكة دويتشه فيله الألمانية (DW) الألمانية تقارير تحليلية تستعرض “الطرق الست التي ستختلف بها بطولة 2026 عن قطر”، وركزت على التباين في البنية التحتية والمواصلات، وكيف أن المشجع في قطر كان يستقل المترو مجانًا للانتقال بين الملاعب، بينما في أمريكا سيحتاج إلى حجز رحلات طيران داخلية مكلفة ومجهدة.
فيما تناولت وكالة رويترز الانضباط الأمني الاستثنائي وأجواء الطمأنينة التي خلت من الشغب في قطر نسخة 2022. ونقلت تصريحات لمشجعات من مختلف الجنسيات أكدن فيها أنهن لم يتعرضن لأي نوع من المضايقات أو التحرش، وكن يتحركن في شوارع الدوحة ومحيط الملاعب بارتياح كامل وفي أوقات متأخرة من الليل، مقارنة بالتحديات الأمنية المعقدة – وسط المخاوف – لتأمين 16 مدينة مستضيفة متباعدة في أمريكا الشمالية بنسخة 2026.
وعلى صعيد الإعلام الرياضي المتخصص، ركزت شبكة إي إس بي إن (ESPN)، وهي واحدة من أكبر وأشهر القنوات الرياضية في العالم، وبشكل مكثف، على أزمة تذاكر المشجعين والارتفاع الجنوني في أسعارها في أمريكا مقارنة بقطر، وانتقدت تطبيق نظام التسعير الديناميكي الأمريكي الذي أدى لغضب روابط المشجعين العالمية (مثل رابطة مشجعي أوروبا FSE) التي وصفت الأسعار بالابتزازية مقارنة بأسعار قطر الميسرة والثابتة، واختصرت الشبكة الأمريكية الوصف بقولها “أرخص تذكرة للمباراة النهائية عام 2026 تتجاوز أعلى فئة في نهائي 2022 الذي استضافته قطر”.
قد ينقشع جزء من هذا الفتور مع اقتراب المباريات الكبرى وبدء الأدوار الإقصائية، وقد تنخفض الأسعار في السوق الثانوية مما يفتح المجال أمام شريحة أوسع من الجماهير المحلية في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لكن لعل ما يُلخّص المشهد بأكمله ذلك الاعتراف اللافت لرئيس الفيفا جياني إنفانتينو حين قال من قلب نيويورك إنه “لو كان القرار بيده، لاستضاف النسخ العشر المقبلة من كأس العالم في قطر”، وكأنه يُقرّ ضمنيًا بأن نموذج الدوحة تجاوز مجرد كونه نسخة ناجحة ليصبح مرجعًا يستعصي على التكرار، حتى أن الفيفا اضطر إلى الاستعانة بالكوادر القطرية لنقل خبراتها إلى منظمي بطولة 2026.
والدرس الأعمق الذي يقدّمه مونديال 2026 حتى الآن هو أن نجاح أي حدث رياضي عالمي لا يقاس فقط بحجمه أو بعدد منتخباته أو بإيراداته المتوقعة التي تتجاوز 13 مليار دولار، بل بقدرته على صناعة إحساس جماعي بالفرح والانتماء والأمان، وعلى صياغة سردية إعلامية مقنعة، وعلى نسج قصص إنسانية تترك أثرها في الذاكرة، وكلها عناصر لامستها قطر بطريقة استثنائية يصعب على الآخرين تكرارها.