• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

عبر إدارة الخصوم.. كيف غيرت تركيا إستراتيجيتها في ليبيا؟

نون إنسايت٢٦ مايو ٢٠٢٦

أفراد من جيش الشرق الليبي يصلون من بنغازي للمشاركة في مناورات EFES-2026

لم تعد تركيا تتحرك في ليبيا بنفس الطريقة التي عملت بها عام 2019، فقد دعمت أنقرة وقتها حكومة طرابلس عسكريًا في مواجهة قوات اللواء الانقلابي المتقاعد خليفة حفتر، وأسهم تدخلها في منع سقوط العاصمة.

أما في 2026، فتظهر أداة أكثر مرونة: تدريب عسكري يفتح قنوات مع قوات من الشرق والغرب معًا، في محاولة من تركيا لتوسيع شبكة علاقاتها باتجاه بنغازي ومحيط حفتر، من دون التخلي عن حضورها في طرابلس.

هذا التقرير يرصد كيف تحوّل التدريب العسكري إلى أداة تركية للتواصل مع معسكري ليبيا المتنافسين، ولماذا توسّع أنقرة شبكتها شرقًا، وما إذا كان بمقدورها جمع الخصوم دون أن تدفع ثمنًا في توازناتها الإقليمية.

كيف تدخل تركيا إلى المعسكرين الليبيين؟

برزت مناورة EFES-2026 في مدينة إزمير التركية خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار، كأحدث تطور على عمل أنقرة مع معسكري الشرق والغرب في ليبيا.

شارك في المناورات 331 عنصرًا من قوات شرق ليبيا و171 عنصرًا من قوات الغرب، إلى جانب زورق هجومي ليبي، ضمن تدريبات شملت الإنزال البرمائي، والغطس القتالي، ونزع الألغام، والبحث والإنقاذ.

وجرت المشاركة تحت علم ليبي واحد في صورة أرادت أنقرة تقديمها بوصفها دعمًا لفكرة “ليبيا واحدة وجيش واحد”. لكن الأهم من الصورة هو معناها السياسي، فالمناورة لم توحّد المؤسسة العسكرية الليبية، ولم تُنهِ الانقسام بين الشرق والغرب.

ووفرت المناورة عمليًا قناة اتصال آمنة بين ضباط وجنود من معسكرين متنافسين، ومجالًا لاختبار قدرتهم على العمل جنبًا إلى جنب في بيئة تدريبية لا تتحول إلى مواجهة حقيقية.

شاركت القوات الليبية في مناورة EFES-2026 بتركيا تحت علم واحد

ولم تأتِ EFES-2026 في فراغ، فقبلها بأسابيع، استضافت سرت جزءًا من تدريب فلينتلوك-2026 الذي تديره القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، بمشاركة دولية واسعة وتنسيق ليبي عبر ترتيبات اللجنة العسكرية المشتركة.

لكن الفارق أن فلينتلوك وضع التدريب الليبي في سياق دولي تقوده واشنطن، بينما منحت EFES أنقرة منصة خاصة لتقديم نفسها طرفًا قادرًا على التعامل مع قوات من الشرق والغرب في الوقت نفسه.

ويستند هذا المسار إلى خبرة تركية أطول في ليبيا، فمنذ توقيع اتفاق التعاون الأمني والعسكري مع حكومة الوفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بنت تركيا برنامج تدريب واسعًا للقوات المرتبطة بالغرب الليبي داخل ليبيا وفي تركيا.

وبحلول 2021، كانت دفعات من الجنود الليبيين قد أنهت تدريبات بإشراف تركي، بينما واصل آخرون برامج تدريبية في مجالات قتالية وفنية، إلى جانب طلاب عسكريين في المؤسسات التركية.

وفي 2026، قدمت أنقرة أرقامًا أكبر عن حجم التدريب الذي وفرته لليبيين، بما يشير إلى أنه لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أداة نفوذ مستمرة.

فهو يمنح تركيا قناة للتعامل مع الضباط والجنود، ويسمح لها بتقديم التدريب والتأهيل الفني ورفع مستوى التنسيق، من دون حصر حضورها في الدعم العسكري المباشر أو الاصطفاف الحاد مع طرف ضد آخر.

لماذا توسّع أنقرة شبكة علاقاتها في ليبيا؟

حين تدخلت تركيا في حرب 2019، فعلت ذلك بوصفها حليفًا واضحًا لحكومة الوفاق آنذاك في مواجهة قوات حفتر. ومكّن هذا التدخل حكومة طرابلس من الصمود، ومنح أنقرة موطئ قدم عسكريًا وسياسيًا في الغرب الليبي.

وفي المقابل، حصلت تركيا على اتفاق أمني وعسكري، وآخر لترسيم الحدود البحرية عزز موقعها في شرق المتوسط، ثم دخلت لاحقًا في تفاهمات مرتبطة بالطاقة والاستثمار.

لكن الاعتماد الكامل على طرابلس بقي محفوفًا بالمخاطر، فالغرب الليبي نفسه يعاني تنافسًا بين القوى المسلحة، وتعثرًا سياسيًا، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض قرار موحد.

كما أن أي تسوية ليبية مقبلة لا يمكن أن تتجاهل البرلمان في طبرق، والقيادة العسكرية في الشرق، وشبكات النفوذ المحيطة بحفتر. ولهذا بدأت أنقرة سياسة انفتاح محسوبة، فهي لا تغادر طرابلس، لكنها لا تريد أن تبقى رهينة لها وحدها.

ومن هنا، فتحت قنوات مع بنغازي والشرق الليبي، مستفيدة من التهدئة الإقليمية مع مصر والإمارات، ومن الحاجة الليبية إلى الإعمار والعقود والشركات بعد سنوات الحرب.

وفتحت كارثة فيضانات درنة في سبتمبر/أيلول 2023، بابًا إضافيًا أمام الشركات التركية للعودة إلى الشرق تحت عنوان الإغاثة وإعادة الإعمار.

ثم تطورت الإشارات السياسية والعسكرية لاحقًا، مع زيارات واتصالات شملت صدام نجل خليفة حفتر ومسؤولين أتراكًا، وحديثًا عن تدريب وصيانة معدات وإزالة ألغام وتشغيل منظومات عسكرية.

صدام حفتر، قائد القوات البرية لجيش الشرق برفقة وزير الدفاع التركي يشار غولر في أنقرة، 4 أبريل/نيسان 2025

كما عكست زيارة سفينة عسكرية تركية إلى ميناء بنغازي لاحقًا انتقال التواصل من مستوى سياسي محدود إلى مجال عسكري وبحري أكثر رمزية.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن تركيا انقلبت على طرابلس، فما زال وجودها العسكري والفني في الغرب قائمًا، وما زالت الاتفاقات البحرية والأمنية مع سلطات طرابلس تمثل أصلًا استراتيجيًا مهمًا لأنقرة.

إذن، فالفكرة ليست استبدال طرابلس ببنغازي، بل بناء شبكة أوسع تضمن أن مصالح تركيا لن تسقط إذا تغيّر ميزان القوى أو فُرضت تسوية جديدة تشمل الشرق والغرب معًا.

هل تجمع تركيا الخصوم دون خسارة أحدهم؟

لا تخلو سياسة التوازن هذه من مخاطر، ففي طرابلس، قد تنظر بعض القوى السياسية والعسكرية بريبة إلى أي تقارب تركي مع حفتر أو محيطه.

فتركيا بالنسبة إلى كثيرين هناك ليست طرفًا خارجيًا عاديًا، بل الحليف الذي ساعد على وقف هجوم الشرق على العاصمة. لذلك، قد يُقرأ انفتاحها على بنغازي كتهديد لمكاسب حلفائها السابقين، أو كمدخل لمنح قوات الشرق تدريبًا وخبرات كانت حكرًا على الغرب.

في المقابل، لا يعني انفتاح حفتر أو محيطه على تركيا أن الشرق الليبي يغيّر تحالفاته جذريًا، فقد يستخدم ذلك تكتيكيًا للحصول على تدريب أو معدات أو اعتراف سياسي أوسع، دون التخلي عن علاقاته التقليدية مع مصر والإمارات وروسيا. لذلك يبقى الانفتاح التركي على الشرق محكومًا بحسابات متبادلة، لا ضمانات سياسية كاملة.

يزيد الأمر تعقيدًا أن تركيا لا تتحرك وحدها في ليبيا:

  • الولايات المتحدة دفعت في 2026 نحو خطوات لدعم التفاهم على ميزانية موحدة، ورعاية تدريبات مثل فلينتلوك عبر أفريكوم.
  • إيطاليا تسعى إلى استقرار الساحل وضمان مصالح الطاقة والهجرة.
  • أما مصر والإمارات فتبقيان لاعبين أساسيين في معادلة الشرق.
  • روسيا تعيد تموضعها بعد نهاية مرحلة مرتزقة فاغنر عبر شبكات عسكرية وأمنية لا تزال مؤثرة في الجفرة والهلال النفطي.
  • فرنسا واليونان تظلان على خلاف مع أنقرة بشأن الاتفاقات البحرية في شرق المتوسط.

وفوق هذه التوازنات الخارجية، يبقى الواقع الليبي نفسه متشظيًا، فالتدريب المشترك والميزانية الموحدة لا يخفيان أن ليبيا لا تزال بلا جيش موحد.

فهناك تشكيلات مسلحة متعددة، وشبكات ولاء وتمويل منفصلة، ومراكز قيادة متنافسة، ولا يوجد حتى الآن إطار واضح لتقاسم القيادة والسيطرة بين رئاسات الأركان في الشرق والغرب، أو لدمج السلاح والتمويل تحت سلطة واحدة.

كما أن خطاب التوحيد يجري بالتوازي مع استمرار سباق التسليح، فالتقارير عن حصول قوات حفتر على مسيّرات ومعدات رغم حظر السلاح تُظهر أن التدريب لا يلغي منطق القوة، بل قد يجري إلى جانبه. لذلك تبقى التمرينات قناة تواصل أكثر منه بداية مؤكدة لدمج المؤسسة العسكرية.

من هنا، لا يتوقف نجاح تركيا على قدرتها على جمع ضباط من الشرق والغرب في مناورة واحدة، بل على قدرتها على إدارة حساسيات الطرفين من دون الاصطدام باللاعبين الخارجيين الذين يملكون أوراقًا عسكرية واقتصادية داخل ليبيا.

علاماتأزمة الحكومة في ليبيا ، أزمة ليبيا ، أطراف النزاع الليبي ، الأزمة الليبية ، الأطراف الليبية المتنازعة
مواضيعالشأن الليبي

قد يعجبك ايضا

سياسة

الخليج بعد حرب إيران وصعود المحور الإماراتي الإسرائيلي

محمد مصطفى جامع٢٦ مايو ٢٠٢٦
سياسة

ممداني والقيادات اليهودية المؤيدة لإسرائيل.. فجوة تتسع حول فلسطين والنكبة

ليام ستاك٢٦ مايو ٢٠٢٦
سياسة

معركة الزعامة.. كيف تفاقمت أزمة حزب الشعب الجمهوري؟

زيد اسليم٢٦ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑