شكلت تركيا حجر الزاوية في الجناح الجنوبي الشرقي للمنظومة الأمنية الغربية منذ انضمامها لحلف شمال الأطلسي عام 1952، وخلال الحرب الباردة، أدت دورًا رئيًسا في استراتيجية الردع الغربية عبر استضافة قواعد عسكرية وأنظمة إنذار ومراقبة، كما حظيت بشراكة وثيقة مع الولايات المتحدة شملت التسليح والتدريب والتعاون الاستخباراتي.
ومع ذلك، لم تكن تلك المسيرة خالية من تطلعات مبكرة نحو التميز، إذ ظهرت في خمسينيات القرن الماضي رؤى سياسية جديدة، كتوجهات الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس، والتي طالبت بكسر التبعية الغربية الصرفة، والانفتاح على المحيطين الآسيوي والشرق أوسطي، وتبلورت هذه الرؤية نسبيًا في الثمانينيات مع تورغوت أوزال الذي حاول تقليل اعتماد بلاده على الأسواق الغربية، لكنه ظل يتحرك ضمن الإطار العام للناتو.
وخلال العقدين الماضيين، دخلت السياسة الخارجية التركية مرحلة جديدة، بدأت فيها بإعادة تقييم مكانتها نتيجة تحولات جيوسياسية عميقة، على رأسها الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم أحداث الربيع العربي عام 2011 وما تلاها.
وقد كشفت تلك الأحداث عن فجوة بين تطلعات أنقرة الأمنية ومواقف حلفائها، مما دفع الأولى لتبني رؤية استراتيجية جديدة عبر عنها إبراهيم كالين عام 2011، وهي رؤية تعتبر أن موقع تركيا الجيوستراتيجي يمثل مصدر قوة لا عبئًا، وتدعو رؤية كالين إلى تفكير يجمع بين الواقعية السياسية والاعتبارات التاريخية والهوية الحضارية.
واليوم تتبوأ تركيا مكانة جيوسياسية وثقلًا استراتيجيًا لا يمكن تجاوزه في عدد من الملفات الإقليمية والعالمية المعاصرة، إذ نجحت خلال العقدين الماضيين في بناء منظومة متكاملة من أدوات القوة، من توطين صناعاتها الدفاعية، وتوسيع شبكتها الدبلوماسية، وتعزيز روابطها الاقتصادية وقوتها الناعمة، إلى استغلالها الأمثل لموقعها الجغرافي الفريد.
كيف تغيرت تركيا خلال العقدين الماضيين؟
تعثر المسار الأوروبي وبداية التحول
عند وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، ورث إرثًا من الأزمات الاقتصادية والاستقطاب السياسي، إلى جانب سياسة خارجية اتسمت لعقود بالانحياز التقليدي للغرب.
تبنت الحكومة الجديدة استراتيجية مزدوجة ركزت على تحقيق نمو اقتصادي متسارع، وجعل الاندماج في الاتحاد الأوروبي أولوية، وبالفعل نفذت إصلاحات دستورية واقتصادية استجابةً لمعايير كوبنهاغن، ما تُوج ببدء مفاوضات العضوية رسميًا عام 2005.
ويُشير الباحث ميرفي سيرين في دراسته “التعاون التركي الآسيوي في بيئة استراتيجية متنوعة” إلى أن حكومة حزب العدالة والتنمية تبنت منذ بداياتها رؤية تتجاوز الأطر التقليدية للسياسة الخارجية في السنوات السابقة، وسعت إلى ترسيخ مكانة تركيا كدولة مركزية ذات ثقل إقليمي ودولي. ورافق ذلك بروز مفاهيم جديدة في الخطاب السياسي الرسمي، مثل السياسة الخارجية متعددة الأبعاد، واستراتيجية الربح المتبادل، والإرث التاريخي.
لكن بدأ مسار الاندماج الأوروبي يفقد زخمه تدريجيًا نتيجة الخلافات حول قضية قبرص وتصاعد الاعتراضات السياسية والثقافية داخل الاتحاد الأوروبي. وتزامن هذا التعثر مع تحولات إقليمية كبرى، بدأت بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وشكل رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيه أول مؤشر عملي على رغبة أنقرة في سياسة خارجية أكثر استقلالية عن الناتو.
ومع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، واجهت تركيا بيئة أمنية معقدة لم تعد تقتصر على التهديدات التقليدية، بل امتدت لتشمل عدم الاستقرار في سوريا والعراق، وتنامي نفوذ التنظيمات الكردية المسلحة، ويشير عدد من الباحثين بأن تركيا وحلفاؤها الغربيون لم يعودوا يتشاركون بالدرجة نفسها التهديدات الأمنية.
ثم مثلت محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016 نقطة تحول عميقة وأزمة ثقة مع الغرب، وبدأت تركيا تتبنى مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” منذ عام 2016، والذي يقوم على تنويع الشراكات الخارجية وعدم الاعتماد الكامل على الحلفاء الغربيين في تلبية احتياجاتها الأمنية.
ويشير ميرفي سيرين في دراسته “التعاون التركي الآسيوي في بيئة استراتيجية متنوعة” إلى أن هذا التوجه لم يهدف إلى الانفصال عن الناتو، بل تحويل تركيا من مستهلك لخدمات الناتو الأمنية إلى مزود للأمن داخل الحلف عبر بناء قاعدة صناعية وعسكرية وطنية تمنحها حرية أكبر في اتخاذ القرار.
في هذا السياق، تفاقمت الخلافات مع واشنطن بسبب دعم الأخيرة لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، وقضية تسليم فتح الله غولن، وصولًا إلى أزمة شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية (S-400) التي أدت لاستبعاد تركيا من برنامج المقاتلة (F-35). كما امتد التوتر ليشمل شرق المتوسط والتنافس مع اليونان وقبرص حول موارد الطاقة وترسيم الحدود البحرية.
ورغم تلك الخلافات، حافظت تركيا على عضويتها في الناتو، وفي الوقت نفسه وسعت تعاونها مع روسيا في مجالات الطاقة النووية والسياحة والتجارة، ونسقت معها في بعض الملفات الإقليمية، مع استمرار دعمها لأوكرانيا ورفضها الاعتراف بضم شبه جزيرة القرم، وتطبيقها اتفاقية مونترو.
صعود الصناعات الدفاعية كركيزة للاستقلال الاستراتيجي
مع صعود حزب العدالة والتنمية، تبنت الدولة استراتيجية دفاعية ارتكزت على ثلاثة محاور رئيسية، توطين الصناعات الدفاعية، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وتطوير التكنولوجيا العسكرية الوطنية. وبفضل الطفرة الاقتصادية التي شهدتها البلاد، تمكنت الدولة من توفير الموارد اللازمة للاستثمار في البحث والتطوير، وتحفيز شراكات تكاملية بين المؤسسات العسكرية والقطاع الخاص والجامعات.
وأثمرت هذه السياسة عن تحول جذري في هيكل الصناعات العسكرية، فبعد أن كان الاعتماد على الاستيراد من الولايات المتحدة وأوروبا يشكل حجر الزاوية، نجحت تركيا في تصميم وإنتاج منظومات متكاملة محليًا، شملت العربات المدرعة، الطائرات المسيرة، السفن الحربية، أنظمة الرادار، الحرب الإلكترونية، الذخائر الذكية، والصواريخ التكتيكية، إضافة إلى منظومات القيادة والسيطرة. وتجسيداً لهذا النجاح، ارتفعت نسبة تلبية احتياجات القوات المسلحة من الإنتاج المحلي من نحو 20% في مطلع الألفية لتصل إلى قرابة 80% بحلول عام 2023.
كما أصبحت تركيا شريكًا فاعلًا في الصناعات الدفاعية الدولية، من خلال تصدير المعدات العسكرية، ففي آسيا الوسطى، أسست تركيا وكازاخستان شركة أسيلسان التي بدأت عملها عام 2013 لتطوير أنظمة القيادة والسيطرة، وتحديث المروحيات والعربات المدرعة للقوات المسلحة الكازاخستانية، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنتاج دفاعي مشتركة.
كما توسعت صادرات الصناعات الدفاعية التركية إلى دول جنوب شرق آسيا، لا سيما باكستان وماليزيا وإندونيسيا والفلبين، حيث شملت مروحيات هجومية وفرقاطات، وبرامج تحديث الغواصات والسفن العسكرية.
وكما يرى عدد من الباحثين، فقد وفر هذا التطور هامشًا استراتيجيًا أوسع لصانع القرار التركي، إذ لم تعد تحركاتها العسكرية رهينة لموافقات الحلفاء أو توريداتهم، مما مكن تركيا من حماية مصالحها السيادية. وأصبحت الصناعة الدفاعية الضمانة التي تُترجم بها الرؤية الاستراتيجية التركية إلى واقع ميداني بمعزل عن التقلبات في علاقاتها مع شركائها الغربيين.
سياسة خارجية متعددة المحاور
شهدت السياسة الخارجية التركية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 تحولاً جوهريًا، إذ انتقلت من التركيز الحصري على الفضاء الغربي إلى تنويع شراكاتها والانفتاح على دوائر جغرافية جديدة، كآسيا الوسطى، جنوب شرق آسيا، أفريقيا، والبلقان، وأمريكا اللاتينية.
وكما يوضح الباحث ميرفي سيرين في دراسته “التعاون التركي الآسيوي”، استند هذا التحول إلى أربعة اعتبارات استراتيجية، تجاوز محدودية الشركاء التقليديين، اختلاف التهديدات الأمنية التركية عن أولويات الناتو، صعود مركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو آسيا، والسعي لترسيخ مكانة تركيا كـ “دولة مركزية” تجمع بين الموقع الجيوسياسي والموروث التاريخي.
وانعكست هذه الرؤية عمليًا في إطلاق مبادرة “آسيا من جديد” عام 2019، التي هدفت إلى إعادة هيكلة العلاقات التركية مع القارة الآسيوية عبر توسيع التعاون في مجالات الأمن، والدفاع، والاستثمار، والتكنولوجيا، والثقافة، والتعليم، والتجارة الحرة، والطاقة، مع السعي لتحقيق توازن مع القوى الكبرى كالصين وروسيا.
كما توسع الحضور العسكري التركي من خلال إنشاء قواعد عسكرية وتعزيز اتفاقيات التعاون الدفاعي في مناطق تمتد من القرن الأفريقي إلى القوقاز والبحر المتوسط. وقد اعتبر بعض الباحثين هذه السياسة امتدادًا لرؤية “الدولة المركزية” التي تبناها حزب العدالة والتنمية، بينما رأى آخرون أنها تعكس توجهًا نحو إعادة بناء شبكة نفوذ إقليمي تستند إلى الموقع الجيوسياسي لتركيا وموروثها التاريخي.
وفي دراسته “التعاون التركي الآسيوي في بيئة استراتيجية متنوعة” يرى ميرفي سيرين أن توسع القواعد العسكرية التركية وتعزيز التعاون الدفاعي مع دول مثل قطر والصومال، إلى جانب تأسيس التحالف التركي الموحد عام 2013، عكس توجهًا نحو توسيع الحضور الأمني والعسكري لتركيا في محيطها الإقليمي والآسيوي.
أيضًا يمثل جنوب القوقاز أحد أبرز تطبيقات هذه السياسة، إذ انتقلت علاقة تركيا مع أذربيجان من مستوى الدعم السياسي التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة في مجالات الدفاع والطاقة والتصنيع العسكري والبنية التحتية.
توظيف القوة الناعمة
بالتوازي مع تطوير أدوات القوة الصلبة، استثمرت تركيا خلال العقدين الماضيين بصورة متزايدة في أدوات القوة الناعمة، وشهدت الدبلوماسية التركية توسعًا غير مسبوق في عدد السفارات والقنصليات والبعثات الدبلوماسية، ولا سيما في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
كما وظفت مؤسساتها المختلفة، مثل الوكالة التركية للتعاون والتنسيق، والمعاهد الثقافية، وبرامج المنح الدراسية، والدراما التلفزيونية، والدبلوماسية الإنسانية لتعزيز حضورها السياسي والثقافي.
وإلى جانب ذلك، أولت السياسة الخارجية التركية اهتمامًا متزايدًا بعدد من القضايا ذات البعد الإسلامي والإنساني، مثل القضية الفلسطينية، والأويغور في الصين، وكشمير، وأزمة الروهينغا، ومسلمي مورو في الفلبين، وهو ما عزز صورة تركيا بوصفها فاعلًا في قضايا العالم الإسلامي، وأسهم في تحسين صورتها الشعبية في عدد من الدول الآسيوية والإسلامية.
دبلوماسية الطاقة
سعت تركيا منذ مطلع الألفية الثالثة إلى استثمار موقعها الجيوسياسي لتتحول من دولة مستوردة للطاقة إلى مركز إقليمي لعبور النفط والغاز بين مناطق الإنتاج في روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط والأسواق الأوروبية.
ولتحقيق هذه الغاية، اعتمدت أنقرة سياسة قائمة على ثلاثة مرتكزات، تنويع مصادر الإمداد، تعزيز دورها كممر آمن للطاقة، والاستثمار في الإنتاج المحلي والطاقة المتجددة. وقد مكنها موقعها الجغرافي من ربط مناطق الإنتاج في روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط بالأسواق الأوروبية عبر شبكة واسعة من خطوط الأنابيب.
بين قمتي إسطنبول 2004 وأنقرة 2026
تحمل قمة أنقرة 2026 رمزية خاصة، فهي ثاني قمة أطلسية تستضيفها تركيا بعد قمة إسطنبول عام 2004، وتأتي في وقت صار فيه موقعها الجغرافي أكثر حضورًا بسبب حرب أوكرانيا وتوترات الشرق الأوسط.
ويكشف هذا الفارق الزمني بين قمتي إسطنبول عام 2004 وأنقرة عام 2026 عن تغيير عميق في العقيدة الأمنية للناتو وأولوياته الاستراتيجية. فعندما انعقدت قمة إسطنبول عام 2004، كان الحلف لا يزال يتحرك في إطار العمليات العسكرية في أفغانستان ضد تنظيم القاعدة عقب هجمات 11 سبتمبر.
كما انصبت أولويات الحلف على استكمال موجة التوسع شرقًا بانضمام سبع دول من أوروبا الشرقية ودول البلطيق، في وقت كانت فيه روسيا لا تزال تُعد شريكًا يمكن التعاون معه، بينما لم تكن الصين قد برزت بعد بوصفها تحديًا استراتيجيًا على أجندة الحلف.
لكن البيئة الأمنية الدولية شهدت خلال العقدين التاليين تحولات متسارعة أعادت تشكيل العقيدة الاستراتيجية للناتو، من ضم روسيا لشبه القرم عام 2014، والحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022.
وفي الوقت نفسه، دفع صعود الصين، والتطور المتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والفضاء، وأمن سلاسل الإمداد، حلف الناتو إلى توسيع مفهوم الأمن الجماعي، بحيث لم يعد يقتصر على الردع العسكري، بل أصبح يشمل أيضًا الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية.
وفي هذا السياق، جاءت قمة أنقرة عام 2026 لتعكس هذا التحول، إذ ركزت بوجه خاص على مسألة زيادة التصنيع الحربي، والرفع من موازنة الإنفاق العسكري للدول الأعضاء، وتأمين الجناح الشرقي للحلف في ظل تفاقم التهديدات الروسية.
وتكشف المقارنة بين قمتي إسطنبول 2004 وأنقرة 2026 أن التحول لم يقتصر على أولويات الناتو، بل شمل أيضًا مفهوم الأمن في تركيا. ففي قمة إسطنبول عام 2004 كانت أنقرة لا تزال تنطلق من تصور أمني يرتكز بدرجة كبيرة على الاندماج في المنظومة الغربية، وكانت أولوياتها تتقاطع بدرجة كبيرة مع أولويات الحلف.
أما في قمة أنقرة 2026، فقد أصبح مفهوم الأمن في السياسة التركية يرتكز بصورة متزايدة على تحقيق الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع الشراكات الخارجية، وبناء قاعدة صناعية دفاعية.
ومع تدهور العلاقات عبر الأطلسي، بدأت أوروبا تدرك مدى الفائدة التي يمكن أن تقدمها تركيا، إذ أصبحت أنقرة مصدرًا رئيسيًا للمعدات العسكرية في ظل سعي أوروبا إلى تسليح نفسها استجابة للحرب الروسية في أوكرانيا وضغوط ترامب. وترى تركيا أنها قادرة على سد هذا الفراغ، بالتوازي مع سعيها إلى إبرام مزيد من الاتفاقيات الأمنية الإقليمية، واستشهد أردوغان مؤخرًا بتصدير تركيا لأول مرة في تاريخها سفينة حربية إلى رومانيا، العضو في الناتو والاتحاد الأوروبي والمجاورة لأوكرانيا.
ويرى ألبير كوشكون، الزميل البارز في برنامج أوروبا لدى مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي في واشنطن، أن التحولات في العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو تخلق في الوقت نفسه تحديات وفرصًا أمام تركيا.
كما يرى أونلوهيسارجيكلي أن هذه القدرات، إلى جانب تطور الصناعات الدفاعية التركية، تجعل من تركيا شريكًا لا غنى عنه بصورة متزايدة بالنسبة إلى الناتو الذي يواجه ضغوطًا، وقال: “لم تعد تركيا توفر قدرات عسكرية فحسب، بل أصبحت تمتلك أيضًا منظومة دفاعية أثبتت قدرتها على إنتاج المعدات العسكرية وتسليمها بسرعة وعلى نطاق واسع”.
مخرجات قمة أنقرة 2026
جسدت مخرجات قمة أنقرة 2026 انتقال حلف شمال الأطلسي من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة بناء القدرات العسكرية والاستعداد لمنافسة طويلة. وفي هذا الإطار، أكد الحلف المضي في تنفيذ مخرجات قمة لاهاي 2025 برفع الإنفاق الدفاعي تدريجيًا إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، مع توجيه هذه الزيادة نحو سد الفجوات العملياتية في مجالات الدفاع الجوي، والذخائر، والقدرات البحرية، والأنظمة غير المأهولة.
واحتلت الصناعات الدفاعية موقعًا محوريًا في أعمال القمة، حيث أُطلقت مبادرات لتعزيز الإنتاج العسكري المشترك، وتسريع برامج المشتريات، وتقوية سلاسل الإمداد الدفاعية، بما يقلل الاعتماد على الموردين من خارج الحلف. وفي هذا السياق، أكد الأمين العام للناتو مارك روته، أن الحلف انتقل من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ، مع الإعلان عن صفقات ومبادرات دفاعية بمليارات الدولارات خلال المنتدى الصناعي المصاحب للقمة.
كما أولت القمة اهتمامًا متزايدًا بالتكنولوجيا العسكرية، من خلال توسيع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتعزيز قدرات الاستطلاع والاستخبارات والإنذار المبكر، وتطوير وسائل مواجهة الطائرات المسيرة، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتعزيز الأمن السيبراني.
وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، جدد الحلف في بيانه الختامي التزامه بتقديم دعم عسكري طويل الأمد لأوكرانيا، متعهدًا بمساعدات عسكرية تبلغ 80 مليار دولار خلال عام 2026، مع الحفاظ على مستويات دعم مماثلة خلال عام 2027، كما شدد البيان الختامي على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ودعاها إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز.
أما على الصعيد التركي، فقد عكست القمة سعي أنقرة إلى ترسيخ مكانتها بوصفها شريكًا فاعلًا في إنتاج الأمن الجماعي داخل الناتو، واستغلت تركيا استضافتها للقمة للمطالبة بإزالة القيود المفروضة على التعاون الدفاعي بين الحلفاء، وتوسيع مشاركة صناعاتها الدفاعية في برامج التصنيع المشتركة.
كما أعلن الرئيس أردوغان التزام بلاده برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مع تخصيص 24 مليار دولار لمشروع “القبة الفولاذية” للدفاع الجوي.
وعلى هامش القمة، عززت تركيا حضورها داخل المنظومة الغربية عبر توسيع شراكتها الدفاعية مع عدد من الحلفاء، فقد اتجهت أنقرة والمملكة المتحدة إلى توقيع شراكة أمنية ودفاعية شاملة لتعميق التعاون في الصناعات العسكرية، والأمن السيبراني، ومكافحة الإرهاب والتهديدات الهجينة.
بالتوازي مع بروز مؤشرات على تقارب فرنسي تركي مدفوع بالتحولات التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية، وبتزايد الاهتمام الأوروبي بتوسيع التعاون مع الصناعات الدفاعية التركية.
كما حملت القمة مؤشرات أولية على تحسن العلاقات التركية الأمريكية، بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب استعداده لإعادة النظر في العقوبات المفروضة على تركيا وملف مقاتلات F-35.