في المقر العام لحزب الشعب الجمهوري بأنقرة، كان الغاز المسيل للدموع يملأ الممرات التي شهدت طوال عقود اجتماعات أحد أقدم الأحزاب السياسية في تركيا. الكراسي والأرائك تحولت إلى متاريس، والبوابة الرئيسية فتحت بالقوة وخراطيم المياه اندفعت نحو المتحصنين داخل المبنى، فيما تعالت الهتافات في الشوارع المحيطة بين أنصار قيادة أوزغور أوزال ومؤيدي عودة كمال كليجدار أوغلو.
هكذا وجد حزب الشعب الجمهوري، الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك عام 1923 وظل ركنا ثابتا في الحياة السياسية التركية، نفسه أمام أخطر اختبار داخلي منذ سنوات طويلة. فالحزب الذي صعد بقوة في انتخابات البلديات عام 2024، ونجح في تقديم نفسه بوصفه البديل الأكثر جدية لحكم حزب العدالة والتنمية، دخل في مايو/أيار الجاري مرحلة صدام مفتوح بين قيادتين ورؤيتين ومصدرين متنافسين للشرعية بعد أن أصدرت محكمة الاستئناف بأنقرة قرارا بإلغاء المؤتمر العام الثامن والثلاثين للحزب، الذي انعقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وأسفر عن انتخاب أوزغور أوزال رئيسا عاما للحزب، وتكليف كمال كليجدار أوغلو بإدارة مرحلة انتقالية مؤقتة لتنظيم مؤتمر جديد خلال أربعين يوما.
وبذلك وجد الحزب نفسه بين شرعيتين متنازعتين؛ شرعية المؤتمر الحزبي الذي حمل أوزال إلى الرئاسة العامة، وشرعية القرار القضائي الذي أعاد كليجدار أوغلو إلى الواجهة بصورة مؤقتة بعد إبطال نتائج ذلك المؤتمر.
جاء القرار القضائي في ذروة مسار طويل من التوتر الداخلي، بدأ عقب خسارة كليجدار أوغلو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عام 2023، حين ارتفعت داخل الحزب أصوات تطالب بالتغيير والمحاسبة وإعادة بناء القيادة. ومن رحم تلك اللحظة صعد أوزغور أوزال مدعوما بجناح واسع داخل الحزب، وبالزخم السياسي لرئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، قبل أن تمنحه انتخابات 31 مارس/آذار 2024 المحلية قوة إضافية بعد فوز الحزب ببلديات كبرى، وفي مقدمتها إسطنبول وأنقرة. غير أن ذلك الانتصار الانتخابي لم يطو صفحة الصراع الداخلي، فقد بقيت الخلافات كامنة في بنية الحزب، وتحولت لاحقا إلى دعاوى قضائية واتهامات بشراء أصوات مندوبين ووعود بالمناصب والتوظيف.
– أبطلت محكمة استئناف أنقرة نتائج مؤتمر الحزب المنعقد في نوفمبر 2023، والذي صعد بموجبه أوزغور أوزال للرئاسة
– المحكمة استندت إلى أدلة قاطعة بوجود “شراء أصوات”، تقديم رشاوي ووظائف للمندوبين، وخرق سرية التصويت، واصفة ما حدث بالانتهاك الصارخ للقانون.
– بموجب القرار القضائي… pic.twitter.com/5IAEQRhOEQ
— نون بوست (@NoonPost) May 21, 2026
في ظاهر الأزمة، يدور الصراع حول من يملك حق الجلوس على مقعد الرئاسة العامة. أوزال الذي يقول إن المندوبين وحدهم أوصلوه إلى هذا الموقع، وكليجدار أوغلو الذي يستند إلى حكم قضائي أعاد إليه موقع القيادة إلى حين اتضاح المسار القانوني النهائي. أما في عمقها، فتتجاوز الأزمة حدود المنافسة الشخصية إلى سؤال أوسع عن مستقبل المعارضة التركية، وعن علاقة السياسة بالقضاء، وعن قدرة حزب الشعب الجمهوري على الحفاظ على تماسكه في لحظة كان ينظر إليه فيها بوصفه القوة الأقدر على تحدي الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه بعد أكثر من عقدين من الحكم.
وصف أوزال القرار القضائي بأنه “انقلاب قضائي” على إرادة الحزب، ورفض تسليم المقر أو التنازل عن الرئاسة، معتبرا أن الهدف يتجاوز شخصه إلى ضرب المعارضة وحرمان الشارع التركي من مرشح وحزب وقيادة وأمل. ووجد أوزال ورقته الأقوى داخل البرلمان، بعدما أعاد 110 نواب من أصل 138 في كتلة حزب الشعب الجمهوري انتخابه رئيسا للكتلة، في تحد للمسار القضائي.
وتزداد حساسية هذه اللحظة لأن الخلاف الداخلي يتقاطع مع ضغوط أوسع يتعرض لها الحزب منذ سنوات، خاصة بعد اعتقال أكرم إمام أوغلو وتوسع التحقيقات التي طالت مسؤولين ومنتخبين من حزب الشعب الجمهوري. لذلك تبدو معركة المقر العام في أنقرة جزءا من لوحة سياسية أكبر، تتداخل فيها ضغط السلطة مع انقسام النخب الحزبية، وتوتر قاعدته الشعبية، واحتدام التنافس على قيادة المرحلة المقبلة.
وبينما يرى جناح أوزال أن ما يجري محاولة لإعادة تشكيل المعارضة عبر القضاء، يتعامل جناح كليجدار أوغلو مع القرار بوصفه فرصة لإعادة الانضباط إلى الحزب ومعالجة ما يعتبره خللا في مؤتمره الأخير.
تشريح الانقسام.. حرب الأجنحة وأدواتها
يكشف الصراع داخل حزب الشعب الجمهوري عن أزمة أعمق من تنافس شخصي بين كمال كليجدار أوغلو وأوزغور أوزال، فهو تعبير عن تصدع أيديولوجي وتنظيمي واستراتيجي ممتد في جسد الحزب، وعن خلاف حاد حول طريقته في مواجهة الرئيس رجب طيب أردوغان، واستعادة ثقة الناخبين، وإعادة تعريف موقعه داخل الحياة السياسية التركية بعد سلسلة طويلة من الهزائم والانتصارات الجزئية والفرص الضائعة.
في قلب هذا الصراع يقف جناح إصلاحي تشكل حول أوزال، يستمد جزءا كبيرا من قوته من الشعبية الواسعة لأكرم إمام أوغلو. ويرى هذا التيار أن حزب الشعب الجمهوري وصل إلى لحظة تحتاج إلى تجديد واسع في الخطاب والقيادة وآليات العمل السياسي. وبالنسبة إليه، فإن إخفاقات الحزب السابقة ارتبطت بجمود القيادة القديمة، وضعف قدرتها على مخاطبة الأجيال الشابة، والطبقة الوسطى الصاعدة، والناخبين الذين يبحثون عن معارضة أكثر حيوية ومرونة وقدرة على الفوز.
ينطلق هذا الجناح من قناعة مفادها أن القرارات القضائية التي تستهدف قيادة أوزال والمؤتمرات التي جاءت بها لا تنفصل عن محاولة منظمة لإعادة الحزب إلى ما قبل لحظة التغيير، سواء عبر أدوات قانونية أو عبر تحالفات غير معلنة بين التيار القديم ومراكز نفوذ داخل الدولة. ولذلك ينظر أنصار أوزال إلى قبول هذه القرارات باعتباره تنازلا عن إرادة المندوبين، وتسليما للحزب إلى من يريدون إبقاءه ضعيفا، قابلا للإدارة من الخارج، وعاجزا عن تحويل انتصاراته البلدية إلى مشروع حكم وطني.
على الضفة الأخرى، يتموضع جناح تقليدي قريب من كليجدار أوغلو، يرى أن أزمة الحزب لا تختزل في القيادة أو الاستراتيجية، وإنما ترتبط أيضا بظروف سياسية شديدة الصعوبة، وبمناخ عام من الضغط الحكومي المتصاعد على المعارضة. ويخشى أنصار هذا الجناح من أن يؤدي التغيير السريع والجذري إلى فقدان حزب الشعب الجمهوري هويته التاريخية، وإلى إضعاف صلته بقاعدته التقليدية من العلمانيين والقوميين الديمقراطيين والناخبين المرتبطين بالميراث الجمهوري الكمالي.
ويصر هذا التيار على أن احترام قرارات القضاء جزء من هوية الحزب بوصفه مدافعا عن دولة القانون، حتى عندما تكون هذه القرارات مزعجة أو مكلفة سياسيا. ومن وجهة نظره، فإن حزبا يعلن تمسكه بسيادة القانون لا يستطيع أن يختار من أحكام القضاء ما يلائمه ويرفض ما يضر بمصالحه. لذلك يدفع أنصار كليجدار أوغلو باتجاه التعامل مع الحكم بوصفه واقعا قانونيا يجب إدارته بحذر، لا مبررا لدفع الحزب إلى مواجهة مفتوحة قد تسرع تفككه الداخلي.
تحول الخلاف الفكري والتنظيمي إلى معركة وجودية استخدمت فيها معظم أدوات الصراع الممكنة، من الطعون القانونية، والمؤتمرات الاستثنائية، والمناورات داخل الهيئات الحزبية، إلى التعبئة الشعبية، والحملات الإعلامية، والاتهامات المتبادلة، والاستقواء بقراءات متناقضة للقانون والشرعية. كل طرف يقدم نفسه بوصفه الممثل الحقيقي لإرادة الحزب، فتيار أوزغور أوزيل يقول إن الشرعية تصنعها صناديق المندوبين والمؤتمرات، فيما يرد تيار كليتشدار أوغلو بأن الشرعية الحزبية لا تكتمل إذا شابتها شبهات قانونية أو تنظيمية.
وسط هذه المعركة، يحضر أكرم إمام أوغلو بوصفه الغائب الأكثر تأثيرا. فالرجل الذي يقبع في السجن منذ مارس/آذار 2025 على خلفية اتهامات بالفساد ينفيها، كان ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره أبرز منافس محتمل لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأهم رصيد انتخابي يمتلكه جناح التغيير. وقد شكل فوزه التاريخي برئاسة بلدية إسطنبول عام 2019 لحظة فاصلة في مسار المعارضة التركية، بعدما كسر هيمنة حزب العدالة والتنمية على المدينة الأهم سياسيا واقتصاديا ورمزيا، ثم عزز موقعه بإعادة الفوز عام 2024.
مشادّات كلامية تحولت إلى شجارات بين أنصار أوزغور أوزال و كلتشدار أوغلو تطورت إلى مواجهات وشجارات أمام مقر حزب الشعب الجمهوري في أنقرة لمنع الأخير من الوصول لمقر الحزب pic.twitter.com/Ivg2usNbF7
— نون بوست (@NoonPost) May 24, 2026
لذلك، فإن غياب إمام أوغلو عن المشهد لا يمثل تفصيلا هامشيا في الأزمة، بل يضرب أحد أعمدة مشروع أوزال داخل الحزب. فقد كان إمام أوغلو يمنح تيار التغيير شرعية شعبية تتجاوز حدود التنظيم، وزخما انتخابيا قادرا على جمع فئات متباينة من الناخبين، من العلمانيين التقليديين إلى المحافظين المتذمرين، ومن الشباب الحضري إلى الطبقات الوسطى الباحثة عن بديل سياسي مقنع. وبغيابه خسر الجناح الإصلاحي شريانا مهما من شرعيته الجماهيرية، فيما تحولت قضيته إلى رمز إضافي للصراع بين المعارضة والقضاء والسلطة.
ويمكن تلخيص جوهر الخلاف الداخلي بأنه صراع بين “تيار التغيير” بقيادة أوزال و”تيار المؤسسة” المرتبط بكليجدار أوغلو، ويضم الأول شريحة واسعة من شباب الحزب، وعددا من رؤساء البلديات، وفي مقدمتهم إمام أوغلو، ويركز على تحديث الخطاب، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وتوسيع قاعدة الحزب باتجاه الناخبين المحافظين والمترددين عبر تحالفات أوسع وأكثر مرونة. أما الثاني فيضم شخصيات تخشى أن يؤدي الانفتاح المفرط والتحولات السريعة إلى تمييع هوية الحزب العلمانية، وترى أن التغيير يجب أن يتم تدريجيا، وبما يحافظ على توازن الحزب التاريخي وشبكاته التنظيمية القديمة.
واتخذ الخلاف داخل حزب الشعب الجمهوري أربعة أشكال متداخلة: أولا، انقسام قيادي بين حرس قديم ارتبط بسنوات كليجدار أوغلو الطويلة في الرئاسة العامة، وتيار تغيير ولد بعد هزيمة 2023 وتكرس بانتخاب أوزال وبدعم إمام أوغلو.
ثانيا، انقسام حول معنى الشرعية نفسها؛ فهل يحددها المندوبون الذين غيروا القيادة عام 2023 وأعادوا تثبيتها لاحقا، أم يمكن للقضاء أن يعيد تعريفها إذا ظهرت شبهات إفساد أو قيل إنها ظهرت؟. ثالثا، انقسام تنظيمي بين مركز الحزب في أنقرة وشبكة البلديات الكبرى التي شكلت العمود الفقري لصعود أوزال السياسي. رابعا، انقسام سردي وإعلامي بين رواية الانقلاب القضائي ورواية تصحيح الخلل القانوني.
ولم تعد القاعدة الحزبية كتلة واحدة متجانسة. فمشاهد الرابع والعشرين من مايو/أيار، بما تخللها من هتافات ضد كليجدار أوغلو ومسيرات داعمة لأوزال، أظهرت أن جزءا واسعا من القاعدة التنظيمية والبرلمانية يرى أن العودة القضائية للزعيم السابق تصادر خيار التغيير الذي صنعه المندوبون والشارع والانتخابات البلدية. غير أن كليجدار أوغلو ما زال يمتلك رصيدا تاريخيا وشبكة علاقات داخلية وخبرة طويلة في إدارة التوازنات الحزبية، كما أن قبوله بالحكم ودعوته إلى التهدئة يلقى صدى لدى فئة تخشى انهيار الحزب من الداخل أكثر مما تخشى عودة الرجل نفسه.
لذلك، فإن أزمة حزب الشعب الجمهوري تقع داخل القاعدة نفسها، وداخل النخب، وداخل المؤسسات التنظيمية، وداخل معنى الحزب بوصفه حامل المشروع الجمهوري المعارض في تركيا.
ما المتوقع؟ سيناريوهات المرحلة القادمة
يقف حزب الشعب الجمهوري أمام مرحلة مفتوحة على أكثر من مسار، ولكل مسار كلفته السياسية والتنظيمية والانتخابية. فالأزمة التي بدأت من قرار قضائي يطعن في شرعية المؤتمر العام للحزب، سرعان ما تحولت إلى اختبار واسع لقدرة أكبر أحزاب المعارضة التركية على حماية وحدته الداخلية، وإدارة صراعه بين الشرعية القضائية والشرعية الحزبية، وبين منطق المؤسسة القديمة ومطلب التغيير الذي صعد بقوة بعد انتخابات 2023 والانتخابات المحلية في 2024.
يتمثل السيناريو الأول في امتثال الحزب لقرار المحكمة والذهاب إلى مؤتمر جديد خلال المهلة المحددة بأربعين يوما. على الورق، يدخل أوزغور أوزيل هذا المسار من موقع قوي، مستندا إلى أغلبية واضحة داخل الكتلة البرلمانية، إذ يحظى بدعم نحو 110 نواب من أصل 138، إضافة إلى شبكة واسعة من رؤساء البلديات والكوادر التي صعدت مع موجة التغيير. وهذه المعطيات ترجح قدرته على الفوز مجددا إذا عاد التنافس إلى المندوبين وصندوق الاقتراع الحزبي.
غير أن فوز أوزيل في مؤتمر جديد لن يغلق الأزمة تلقائيا، فالجناح الخاسر قد يعود إلى المحاكم، مستندا إلى الطعون نفسها أو إلى طعون جديدة في إجراءات المؤتمر وشرعية المندوبين. وبهذا يمكن أن يدخل الحزب في نفق طويل من الطعون المتبادلة، حيث يصبح كل مؤتمر مقدمة لدعوى جديدة، وكل قرار تنظيمي مادة إضافية للصراع القانوني. لذلك، لن يكون المؤتمر الجديد مخرجا حقيقيا إلا إذا ارتبط بتفاهم سياسي داخلي، أو بمصالحة صريحة بين الأجنحة، تضع حدودا للصراع وتعيد الاحتكام إلى القواعد الحزبية باعتبارها المرجعية النهائية. وحتى الآن، تبدو هذه المصالحة صعبة في ظل مناخ مشحون بالاتهامات، وارتفاع كلفة التراجع لدى الطرفين.
الشرطة التركية تقتحم مقر حزب الشعب الجمهوري في أنقرة وتستخدم الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لإخلاء قيادة الحزب عقب حكم قضائي يقضي بتسليمه لكمال كليجدار أوغلو. pic.twitter.com/7SF6wvnAbk
— نون بوست (@NoonPost) May 24, 2026
يتمثل السيناريو الثاني في استمرار التجاذب بين قيادتين متنافستين، أوزغور أوزيل الذي يرفض الامتثال للحكم ويتمسك بشرعيته السياسية والبرلمانية، وكليتشدار أوغلو الذي يحاول تثبيت عودته عبر المسار القضائي وأدوات السيطرة المؤسسية. في هذه الحالة، سيدخل الحزب في حالة شلل تنظيمي، عاجزا عن إنتاج قرار موحد، أو تقديم خطاب واضح، أو إدارة معركة سياسية متماسكة ضد السلطة.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أنه يحول حزب الشعب الجمهوري من قوة معارضة صاعدة إلى ساحة استنزاف داخلية. فبدلا من تركيز جهده على الانتخابات المبكرة، وملف المرشح الرئاسي، وقضايا الاقتصاد والحريات، سيجد الحزب نفسه مشغولا بالدفاع عن شرعية قيادته، وترتيب ولاءات كوادره، والرد على الطعون، وإدارة الانقسامات داخل البرلمان والبلديات والمقر المركزي. وعلى المدى القصير، يبدو هذا السيناريو من بين الأكثر إضرارا بصورة الحزب، لأنه يرسل إلى الناخبين رسالة اضطراب وضعف في القدرة على الحكم، في لحظة تحتاج فيها المعارضة إلى إظهار الانضباط والثقة والجاهزية.
أما السيناريو الثالث، فهو الانقسام الكامل أو شبه الكامل، وهو الأخطر على المدى البعيد. فإذا فشلت المصالحة، وتحول الصراع إلى قطيعة تنظيمية، فقد يجد الحزب نفسه أمام كيانين أو جبهتين متنافستين، تيار إصلاحي يقوده أوزيل ويستند إلى رصيد إمام أوغلو وشبكة البلديات، وتيار تقليدي يقوده كليتشدار أوغلو أو شخصيات قريبة منه، ويستند إلى الحرس التنظيمي القديم وشبكات الحزب التاريخية.
وسيكون لهذا الانقسام كلفة انتخابية باهظة، فالتياران سيخاطبان القاعدة الاجتماعية نفسها تقريبا، ويتنافسان على الناخبين ذاتهم، ما يمنح حزب العدالة والتنمية أفضلية واضحة في أي استحقاق قادم. وتحمل التجربة السياسية التركية دروسا قاسية في هذا المجال، إذ كثيرا ما دفعت الأحزاب المنقسمة ثمن تفككها عبر خسارة وزنها الانتخابي، وتحولها من بديل محتمل للحكم إلى مكون مشتت داخل خريطة سياسية أوسع. وحتى لو لم يقع الانشقاق رسميا، فإن استمرار حزبين داخل حزب واحد قد يؤدي عمليا إلى النتيجة نفسها، من ضعف التعبئة، وغموض القيادة، وتراجع ثقة الناخبين.
التبعات المباشرة على الحزب
تبدو التبعات المباشرة للأزمة شديدة الوضوح، أولها اهتزاز هرم القيادة، فحزب الشعب الجمهوري، وفق تاريخه ونظامه الداخلي، يقوم على المؤتمر العام والرئيس العام ومجلس الحزب والهيئات التنفيذية والانضباطية. وعندما يطال الحكم القضائي هذه السلسلة دفعة واحدة، تتحول الأزمة من خلاف حول شخص الرئيس إلى أزمة في بنية القيادة كلها، وفي الجهة التي تملك حق القرار داخل الحزب.
ثاني هذه التبعات هو ازدواجية السلطة. فهناك شرعية قانونية مؤقتة تتمثل في عودة كليجدار أوغلو إلى المقر بقرار قضائي، وفي المقابل شرعية سياسية وبرلمانية احتفظ بها أوزال داخل الكتلة النيابية وبين قطاعات واسعة من القاعدة والبلديات. وهذه الازدواجية تخلق وضعا شديد التعقيد، فمن يوقع باسم الحزب؟ من يتحدث باسمه؟ من يقرر استراتيجيته؟ ومن يملك حق الدعوة إلى المؤتمر أو ضبط الكوادر أو اتخاذ القرارات الانضباطية؟
ثالثها تعطيل الاستراتيجية الانتخابية. فقد كان الحزب يحاول تحويل زخمه البلدي إلى مشروع وطني، ويدفع باتجاه انتخابات مبكرة، ويضع قضية أكرم إمام أوغلو في قلب معركة الرئاسة المقبلة، لكن الآن، صار مضطرا للدفاع عن شرعية قيادته قبل أن يدافع عن برنامجه السياسي. وهذا التحول يستهلك وقتا وطاقة وموارد كان يفترض أن توجه إلى بناء خطاب انتخابي موحد، وتوسيع التحالفات، واستثمار تراجع الثقة بالحكومة في بعض الملفات الاقتصادية والسياسية.