• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الغبار يعلو واجهات دمشق: أين تقف خطط الصيانة ضمن سلم الأولويات؟

زينب مصري٣١ مايو ٢٠٢٦

صورة عامة لدمشق التقطت من جبل قاسيون في آذار 2011.

ما إن يقترب القادم إلى دمشق من مداخل المدينة، حتى تبدو طبقات الغبار والسواد المتراكمة على واجهات الأبنية السكنية والرسمية والأثرية واضحة للعيان، في مشهد بات جزءًا من الحياة اليومية للعاصمة السورية بعد سنوات من الحرب والتدهور الخدمي، حتى في المناطق التي لم تشهد دمارًا مباشرًا.

تعكس طبقات التلوث المعروفة محليًا بـ”الشحوار” آثار الإهمال المتراكم، ما ينعكس سلبًا على المشهد البصري للمدينة، في وقت تسعى فيه دمشق إلى استعادة حضورها السياحي والانفتاح مجددًا على الزوار بعد زوال النظام البائد.

يسلط هذا التقرير الضوء على واقع النظافة البصرية لواجهات المباني في دمشق، ويناقش مسؤوليات الجهات المعنية وخططها تجاه صيانة الأبنية الرسمية والتراثية ومدى إدراج هذا الملف ضمن سلم الأولويات.

كما يتناول التقرير انعكاس هذا الواقع على صورة العاصمة، إلى جانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي حدت من عمليات تنظيف وصيانة الأبنية، ولاسيما الضغوط المعيشية التي يواجهها السكان والقيود الاقتصادية والمالية التي تعرقل عمل الحكومة.

دراسة قيد التحضير

على مستوى الجهات الرسمية، أفادت مديرية إعلام دمشق في تصريحات لـ”نون بوست”، بوجود دراسة تتعلق بتحسين واجهات المباني في مدينة دمشق، سواء في دمشق القديمة أو في عموم أحياء المدينة، إلّا أن هذه الدراسة لا تُعد دراسة متخصصة بواجهات الأبنية فقط وإنما تأتي ضمن إطار دراسة شامة تتعلق بمدينة دمشق ككل.

وقالت المديرية إن هذه الدراسة تشمل عدة محاور مرتبطة بالتخطيط العمراني والخدمي، من بينها واجهات المباني، ومساحات الطرق والأرصفة، والحدائق، ونسبة الأشجار، إضافة إلى البنية المرورية والخدمات العامة، كما تتناول واقع الأحياء من حيث الكثافة السكانية واحتياجات السكان، مثل عدد المدارس والمشافي والمباني الخدمية والمساجد ودور العبادة وغيرها، وذلك بما يتناسب مع نسبة السكان في كل منطقة.

ولا تزال هذه الدراسة قيد العمل حاليًا، وهي تحتاج إلى وقت قبل الوصول إلى نتائج أو خطط تنفيذية واضحة، وعند الانتهاء منها سيكون بالإمكان وضع جداول زمنية محددة لتحسين الواجهات، وأخرى لتحسين الشوارع والطرق، باعتبار أن جميع هذه العناصر مترابطة مع بعضها البعض ولا يمكن فصلها عن بعضها في عملية التخطيط.

وأضافت أنه في الوقت الراهن، لا توجد إجابات دقيقة أو نهائية بشأن المواعيد أو آليات التنفيذ، لأن الواقع الحالي في دمشق ما يزال في مرحلة الدراسة والتقييم، ومن المتوقع أن تستغرق الدراسة وقتًا قد يمتد حتى نهاية عام 2026 أو ربما بداية عام 2027، مشيرة إلى أن هذه الدراسة تجري بالتعاون مع جامعة “فينيسيا” الإيطالية، وبمشاركة برامج تابعة للأمم المتحدة، إضافة إلى مبادرات تطوعية مهتمة بالتراث والعمران الدمشقي.

ما أسباب تلوث واجهات الأبنية؟ 

تدهورت جمالية واجهات المباني في المدن السورية بسبب عوامل متراكمة، أبرزها الحرب وتجاهل النظام البائد هذا الملف، إضافة إلى الفساد وغياب الرقابة على الآليات والخدمات العامة.

ويوضح المهندس المعماري وخبير الحوكمة مظهر شربجي في حديث مع “نون بوست” أن الحرب أثرت بشكل كبير على المشهد العمراني والبصري، إذ انعكست الحرائق وأعمال الدمار في عدد من المناطق بشكل مباشر على واجهات الأبنية.

وخلال تلك الفترة، لم يكن النظام مهتمًا بتقديم أي خدمات تتعلق بالنظافة العامة أو الحد من التلوث البيئي، وعلى العكس من ذلك كانت بعض الحواجز العسكرية تشعل النيران للتدفئة أو لأغراض أخرى تؤدي إلى الفوضى، كما انتشرت ظاهرة إحراق الإطارات في كثير من المناطق الثائرة، سواء في المدن أو الأرياف، الأمر الذي زاد من مستويات التلوث.

وقال شربجي إن استخدام الوقود بطرق غير سليمة، نتيجة الفساد والغش في المواد النفطية، أدى إلى زيادة الانبعاثات الضارة من مختلف الآليات، سواء الصناعية أو الخدمية أو وسائل النقل التي كانت تسير في الشوارع، إلى جانب الاكتظاظ السكاني الكبير في المناطق المأهولة، خاصة في المدن الكبرى.

ولم يكن هناك اهتمام يُذكر بواجهات المؤسسات، حتى الحكومية منها، سواء من ناحية الأرصفة أو حاويات القمامة أو أعمال التنظيف والصيانة العامة، بل إن بعض الحاويات كانت تُحرق للتخلص من النفايات بسبب غياب خدمات الترحيل والتنظيف، في وقت كانت فيه الدولة منشغلة بالقمع والانتهاكات والحواجز المنتشرة في مختلف أنحاء دمشق.

مجلس عربين المحلي يطلق حملة شبابية تطوعية لتنظيف الطرقات والأحياء في المدينة، بمشاركة واسعة من أهالي عربين في ريف دمشق. pic.twitter.com/Tc8GpWfbBJ

— نون سوريا (@NoonPostSY) October 19, 2025

وأضاف أن انتقال كثير من الصناعات من المناطق الريفية إلى المدن، بسبب خروج أجزاء واسعة من الأرياف عن سيطرة النظام خلال الحرب، أدى إلى زيادة التلوث البيئي داخل المدن، إضافة إلى ذلك، ساهم الركام والغبار المتراكم في معظم المناطق في تشويه المشهد البصري العام، وهو أثر لا يزال مستمرًا حتى اليوم، الأمر الذي انعكس حتى على الحركة السياحية.

وأشار إلى أن المدن السورية كانت تعاني من ازدحام كبير بالآليات والمركبات غير الصالحة فنيًا، في ظل ضعف الرقابة وانتشار الفساد، إلا أن هذه المشكلة تفاقمت بشكل أكبر خلال سنوات الحرب وما بعدها، مع ازدياد أعداد الآليات بمختلف أنواعها، وانتشارها بكثافة داخل المدن دون وجود معايير واضحة أو رقابة فعّالة على حالتها الفنية أو البيئية.

وحتى بعد التحرير، ما تزال المدن تعاني بدرجات متفاوتة من الفوضى المرورية وكثافة الآليات، في ظل غياب معايير واضحة تتعلق بالشكل الفني للآليات أو صلاحيتها، وهو ما يستمر في التأثير على البيئة وعلى المشهد العام للشوارع.

كما أن الحرب أدت إلى تراجع كبير في قدرة مؤسسات الدولة على إدارة المدن وتقديم الخدمات الأساسية، سواء فيما يتعلق بالنظافة أو تنظيم المرور أو صيانة البنية التحتية، وحتى اليوم، لا تزال المدن تعاني من غياب الأدوات والآليات الكفيلة بإدارة المشهد الحضري بشكل منظم وفعّال.

التحسين يحتاج تكاتف الجهود 

وفي المقابل، يرى شربجي أنه لا يمكن تحميل الحكومة الحالية كامل المسؤولية عن هذا الواقع، نظرًا لحجم الدمار الكبير الذي أصاب البنية التحتية خلال سنوات الحرب، وما خلّفته الحرب من انهيار اقتصادي واستنزاف لموارد الدولة، كما أن الفساد والنهب اللذين تعرضت لهما مؤسسات الدولة والموارد المحلية في مختلف المحافظات تركا آثارًا عميقة على قدرة الجهات الخدمية على القيام بدورها بالشكل المطلوب.

ورغم ذلك، تحاول بعض المؤسسات والجهات المحلية تنفيذ عمليات ترميم وتحسين محدودة، إلا أن ضعف الموارد الاقتصادية وحاجة خزينة الدولة إلى التمويل يشكلان عائقًا كبيرًا أمام تقديم خدمات متكاملة وتحقيق تحسينات واسعة على مستوى المدن والبنية التحتية.

لذلك، ما تزال الحاجة قائمة لأن تركز الدولة في استراتيجياتها على تحسين المنظر العام للمدن، باعتباره عنصرًا أساسيًا في استعادة الهوية البصرية والجاذبية السياحية.

“رح نضل نشتغل حتى يوم القيامة”.. عمال في إدلب يتعاونون في العمل على تنظيف الشوارع والطرقات. pic.twitter.com/Lst4Co7qCJ

— نون سوريا (@NoonPostSY) January 1, 2026

وأكد المهندس أن تحسين نظافة الواجهات والمشهد البصري للمدن يتطلب بالفعل تكاتف جهود عدة أطراف، بدءًا من المواطنين، مرورًا بمنظمات المجتمع المدني، وصولًا إلى الدولة، التي يُفترض أن تكون الجهة الأساسية المسؤولة عن التوجيه والتوعية ووضع الأولويات المتعلقة بالخدمات العامة والمظهر الحضري.

إلا أن الدور الأساسي يجب أن يبقى للدولة، باعتبارها الجهة القادرة على وضع السياسات العامة، وإطلاق برامج توعية للمواطنين، وتشجيعهم على المشاركة في تنظيف المدن والحفاظ على المرافق العامة، كما يحدث في بعض التجارب التشاركية في مدن أخرى حول العالم، فإعادة الهوية الجمالية لمدن تاريخية مثل دمشق لا ترتبط فقط بأعمال الترميم، وإنما أيضًا بإعادة الاعتبار للمشهد العام للمدينة بما يشجع على جذب السياح ويعكس صورة حضارية وجمالية عنها.

ويقترح شربجي البدء بتجارب نموذجية في حيّ أو أكثر، ليتم تطويرها لاحقًا وتعميمها على بقية المناطق، بحيث تتحول إلى نماذج قابلة للتكرار في تحسين المشهد الحضري، وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من دعم منظمات المجتمع الدولي في حال وُجّه نحو مشاريع واضحة ومحددة، إلى جانب إشراك الطلاب والمؤسسات التعليمية في مبادرات التشجير والتنظيف وتحسين الفضاءات العامة.

“تراميم” ومحاولات

وفي الوقت الذي يُنظر فيه إلى هذا الملف على أنه من الأولويات المؤجلة في سلم أولويات الجهات الرسمية وقد يستغرق وقتًا طويلًا قبل معالجته، برزت مبادرات شبابية تقدم خدمات تنظيف الواجهات ضمن أعمال مدفوعة تعتمد على الأجور المباشرة أو التبرعات.

إحدى هذه المبادرات شركة “تراميم” التي عملت على تنظيف واجهات العديد من الأبنية في مدينة دمشق، بما في ذلك بعض الأبنية ذات الطابع الأثري، بناء على طلب متبرعين راغبين بذلك.

وقال المهندس البحري عبادة كبريتة مؤسس الشركة وصاحب الفكرة في حديث لـ”نون بوست” إن “تراميم” شركة خاصة معنية بتنظيف الحجر الطبيعي بطرق غير مؤذية، انطلقت من دافع شخصي بحت.

وأضاف أنه بعد عودته من تركيا إلى سوريا فوجئ بحجم التلوث على واجهات المباني، ما دفعه إلى البدء بتنظيف واجهات بعض المساجد في مدينة دوما كعمل تطوعي في البداية، قبل أن تتطور الفكرة لاحقًا إلى تقديم خدمات متخصصة في ترميم وتنظيف الحجر الطبيعي، إضافة إلى أعمال دهان الواجهات.

 

عرض هذا المنشور على Instagram

 

‏‎تمت مشاركة منشور بواسطة ‏‎tarameem‎‏ (@‏‎tarameem25‎‏)‎‏


وأشار إلى أن التكلفة تحسب عادة على المتر المربع حسب مساحة الواجهة ونوع الحجر ونظافته، وتكون تقريبًا بنفس كلفة الطرق التقليدية من الضرب بالرمل أو باستخدام ما يُعرف بـ”الصاروخ”، ولا تسبب غبارًا أو أذى للجوار.

ويرى كبريتة أن مشكلة الواجهات المتسخة تعود إلى ضعف الوعي بأهمية النظافة البصرية، وهو ما يعطي صورة سلبية عن المجتمع، مشيرًا إلى أن الصعوبات التي يواجهها تتمثل في قلة الموارد ومواد التنظيف الفعالة في السوق المحلي.

ويمكن للمبادرات الأهلية المساهمة في تعويض غياب أو ضعف الدور الرسمي، بحسب كبريتة، ولكن الدور الاساسي يجب أن يكون على عاتق الحكومة إما بإصدار قوانين تلزم أصحاب الأبنية والعقارات بتنظيفها أو بإجراء عقود مع شركات متخصصة وتخصيص ضرائب على المستفيدين.

وبين الجهود الرسمية قيد الدراسة والمبادرات الصغيرة المحدودة، يبقى ملف تحسين المشهد البصري لواجهات المباني في دمشق وعموم المدن السورية أحد التحديات المطروحة، يعكس أبعادًا أوسع تتعلق بإدارة المدينة وصورتها العامة.

علاماتإعادة إعمار سوريا ، إعمار سوريا ، الاقتصاد السوري ، الشأن السوري ، سوريا.. صفحة جديدة
مواضيعإعمار سوريا ، الاقتصاد السوري ، الشأن السوري ، سوريا ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

مجتمع

العلاج النفسي في غزة.. محاولة نجاة وسط الخراب والأحمال الثقيلة

فاطمة زكي أبو حية١٩ مايو ٢٠٢٦
مجتمع

حرب أخرى على النازحين.. كيف تطارد خيام الحرب اليمنيين في مأرب؟

بشرى الحميدي١٩ مايو ٢٠٢٦
مجتمع

من النكبة إلى الإبادة الجماعية: حياة جدة من غزة مليئة بالفقد والصمود

مها حسيني١٧ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑