• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

من القحط إلى الغرق.. كيف يدفع المناخ مزارعي إدلب إلى تغيير خياراتهم؟

يوسف بدوي١٠ يوليو ٢٠٢٦

إدلب- روزانا

لم تعد الزراعة في إدلب محكومة بالخبرات المتوارثة، بل باتت رهينة لتقلبات مناخية حادة تتأرجح بين القحط الشديد والفيضانات المفاجئة. وقد أعادت هذه التحولات رسم الخريطة الزراعية للمحافظة، وأجبرت المزارعين على هجر التقسيمات التقليدية واستبدال محاصيلهم للتكيف مع بيئة متغيرة ومستويات رطوبة غير مألوفة في التربة.

ولم تقتصر الضغوط على المناخ، إذ برزت التحديات الاقتصادية عاملًا حاسمًا في قرارات المزارعين. فالارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج، من البذور والأسمدة إلى الضرائب والديون، دفع كثيرين إلى العزوف عن المحاصيل المكلفة وعالية المخاطرة، مثل الفول والكمون، والتوجه إلى خيارات أقل تكلفة وأكثر أمانًا، كالقمح والشعير، رغم محدودية عوائدها المالية.

وأفضت هذه الضغوط المتداخلة إلى تحول في مكانة الزراعة لدى كثير من الأسر، فتراجعت من مصدر دخل رئيسي إلى نشاط رديف، ما دفع العديد منها إلى الاتجاه نحو التجارة أو المهن المساندة أو الهجرة. ومع اتساع حالة عدم اليقين، تراجعت الدورات الزراعية طويلة الأمد، ليحل محلها تخطيط موسمي قصير الأجل تحكمه الحيطة والترقب.

مناخ متقلب يعيد رسم خريطة الزراعة في إدلب

يواصل التغير المناخي إلحاق أضرار واسعة بالمحاصيل والمساحات الزراعية في محافظة إدلب، شمال غربي سوريا، فبعد سنوات من القحط أُصيبت خلالها المزروعات بالجفاف، جاء الموسم المطير الأخير ليتسبب في غرق مساحات واسعة، ما أعاد تشكيل الخريطة الزراعية في المحافظة.

وتتفاوت قدرة المحاصيل على تحمل المياه وحاجتها إليها، ما فرض تعديلات على تقسيمات المشاريع الزراعية بحسب نوع المحصول؛ فبعضها يحتمل غزارة الأمطار، بينما يتعرض بعضها الآخر للتلف بسببها.

وفي حديثه لـ”نون بوست”، يقول الحاج عبد المجيد أبو جميل، وهو مزارع من ريف إدلب: “جهّز المزارعون أراضيهم هذا العام للبذار، واعتمدوا على السقاية المكثفة بسبب تأخر الأمطار. لكن الأمطار هطلت لاحقًا بغزارة غير متوقعة، وسجلت معدلات مرتفعة جدًا، لتضاف إلى كميات المياه التي سبق أن سُقيت بها الأراضي”.

عندما تتضرر مساحة مزروعة بمحصول مثل الفول بسبب غمرها بالمياه، يضطر المزارع إلى تصريف المياه الفائضة واستبدال المحصول التالف بآخر أكثر استهلاكًا للمياه، مثل القمح. وقد أدى ذلك إلى اتساع المساحات المزروعة بالمحاصيل القادرة على استهلاك كميات أكبر من المياه، على حساب محاصيل أخرى تقلصت مساحاتها في عموم المحافظة، بحسب الحاج عبد المجيد.

وبات المزارعون في إدلب يأخذون في الحسبان عوامل لم تكن تحظى بالاهتمام نفسه سابقًا، مثل طبيعة التربة ومدى قرب الطبقة الصخرية من سطحها. وتؤثر هذه العوامل في قدرة الأرض على امتصاص المياه وتخزينها، ما يسهم في تغيير توزيع المحاصيل على امتداد المحافظة.

وفي حديثه لـ”نون بوست”، يقول مدير الموارد المائية في محافظة إدلب، المهندس الزراعي مصطفى محمود سماق، إن التغيرات المناخية “أدت إلى تبدل مناطق الاستقرار الزراعي وتراجع تصنيف بعضها إلى درجات أدنى”.

ويوضح سماق أن المساحات الزراعية في سوريا تُصنف ضمن خمس مناطق، تبدأ بمنطقة الاستقرار الأولى، التي يتجاوز معدل الهطول فيها 350 مليمترًا سنويًا، وتنتهي بمنطقة الاستقرار الخامسة، التي يتراوح معدل الهطول فيها بين 100 و150 مليمترًا. ويضيف أن هذه المناطق شهدت تقلبات حادة وغير متوقعة في معدلات الأمطار، أثرت في الخريطة الزراعية للمحافظة وفي قرارات المزارعين بشأن اختيار المحاصيل.

مزارع إدلب- فوكس حلب

نهاية المغامرة الزراعية

لطالما شكّلت المخاطرة جزءًا من ذهنية مزارعي إدلب، الذين توارثوا الخبرات الزراعية وأساليبها عبر أجيال طويلة. إلا أن الحذر بات أكثر حضورًا خلال السنوات الأخيرة، وتراجعت معه رغبة المزارعين في خوض تجارب غير مضمونة.

وبحسب مجموعة من المزارعين الذين التقاهم “نون بوست”، أصبحت المخاطرة خيارًا مستبعدًا لدى كثيرين، بعد الخسائر المتعاقبة في محاصيل مثل الكمون واليانسون والحبة السوداء والبطاطا. وتستهلك هذه المحاصيل قدرًا كبيرًا من العناصر العضوية في التربة، كما يترتب على فشلها خسائر مالية فادحة.

وتصدر الكمون قائمة المحاصيل الأكثر تعرضًا للفشل خلال السنوات الأخيرة. ويقول حسن مرضاتي، وهو وسيط وتاجر حبوب من ريف إدلب، إن إحدى منشآت الحبوب استقبلت هذا العام طنين فقط من الكمون، مقارنة بمتوسط سنوي كان يصل إلى نحو 200 طن.

ويتجه مزارعون في إدلب إلى زراعة أصناف أكثر قدرة على تحمل التقلبات المناخية، مثل القمح والشعير والبرسيم، باعتبارها خيارات أقل مخاطرة وأكثر استقرارًا.

ويضيف المهندس مصطفى سماق أن “المزارعين باتوا يتجهون إلى الزراعات القادرة على تحمل شح الأمطار، فيما تتراجع المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه. وفي بعض الحالات، يحافظ المزارع على المحصول نفسه، لكنه يستخدم بذارًا أكثر تكيفًا مع الجفاف”.

ويوضح سماق أن مزارعي القمح اتجهوا، على سبيل المثال، إلى زراعة صنفي “شام 3 القاسي” و”دوما 2 الطري”، لقدرتهما الأكبر على تحمل الجفاف، بدلًا من أصناف اعتادوا زراعتها، مثل “شام 7 القاسي” و”شام 10 الطري”. ويشير إلى أن تحولات مشابهة طالت أصنافًا أخرى، وستنعكس في النهاية على أنواع المحاصيل التي تنتجها المحافظة وكمياتها.

حقول القمح في إدلب- مديرية الزراعة في إدلب

تكاليف خانقة تدفع المزارعين إلى تقليص خياراتهم

يقول محمد جميل، وهو مزارع من مدينة بنش في ريف إدلب، لـ”نون بوست” إن الموسم الزراعي بات يحتاج إلى رأس مال يعادل ضعفي ما كان يتطلبه سابقًا. ويضيف أن الضرائب المفروضة على مستلزمات الزراعة المستوردة رفعت أسعار بعضها بنسب وصلت إلى 100%، إذ ارتفع سعر كيس السماد من 21 إلى 40 دولارًا، فيما تجاوزت الزيادة في أسعار بعض المبيدات الضعف. وعلى سبيل المثال، ارتفع سعر لتر مبيد “غرامكسون” العام من 5 إلى 11 دولارًا.

وأشار تقرير بحثي نشره المجلس الدنماركي للاجئين في مايو/أيار 2026 إلى أن البذور والأسمدة والمبيدات الحشرية تُباع بأسعار تتجاوز القدرات المالية لمعظم المزارعين. ويدفع ذلك كثيرين إلى شراء مستلزمات الإنتاج بالدَّين، ما يفاقم أعباءهم المالية، إلى جانب ارتفاع التكاليف التشغيلية، ومنها أجور العمال اليوميين، واستئجار الآلات الزراعية كالجرارات، وشراء الوقود اللازم لتشغيل آبار المياه.

وأضاف التقرير، الذي تناول التحديات التي يواجهها المزارعون في سوريا، أن تكاليف النقل المرتفعة تعيق وصولهم إلى الأسواق وأراضيهم. وفي بعض الحالات، يضطر المزارعون إلى بيع منتجاتهم للتجار بأسعار منخفضة لعجزهم عن تحمّل نفقات النقل. كما أفاد مزارعون في بعض المناطق بأنهم اضطروا إلى التخلص من محاصيلهم، بعدما تجاوزت تكاليف شحنها الأرباح المتوقعة من بيعها. وتتفاقم هذه الخسائر مع تقلب أسعار السوق وتراجع هوامش الربح.

ويزداد اعتماد مزارعي إدلب على الآبار الجوفية، ما يفرض عليهم أعباء مالية إضافية تبدأ بتكاليف الحفر ولا تنتهي بنفقات التشغيل. ويوضح المهندس مصطفى سماق أن الآبار العاملة بالوقود أو الكهرباء ترفع الإنفاق الزراعي، بينما تقل كلفة تشغيل الآبار المعتمدة على الطاقة الشمسية، لكنها تحتاج إلى صيانة دورية تضيف بدورها أعباء جديدة على المزارعين.

تدهور الزراعة بريف إدلب- روزانا

حين لم تعد الأرض تكفي..

يؤكد كثير من المزارعين الذين التقاهم “نون بوست” أن الزراعة فقدت مكانتها السابقة كمهنة رئيسية، إذ بدأت الأسر المالكة للأراضي توزع أفرادها بين العمل في الحقول والتوجه إلى مهن أخرى، بعدما بات مردود الأرض عاجزًا عن إعالة جميع أفراد الأسرة.

وشكّلت التجارة خيارًا مناسبًا لشريحة من المزارعين الذين قرروا تأجير أراضيهم أو بيعها. ويقول محمد أبو عبدو، من ريف إدلب، إنه باع أرضه قبل عامين وانتقل إلى منطقة سرمدا، شمالي المحافظة، للعمل في التجارة، مؤكدًا أنه لم يندم على قراره. في المقابل، اتجه مزارعون آخرون إلى زراعة محاصيل لا تحتاج إلى متابعة يومية، مثل الشعير، ثم انتقلوا للعمل في محافظات أخرى، بينها دمشق وحلب، مستفيدين من انفتاح الطرق بين المحافظات.

كما برزت المهن المرتبطة بالزراعة خيارًا لدى من فضّلوا البقاء ضمن هذا القطاع من خلال أعمال مساندة، مثل قيادة الجرارات، ورش المبيدات، والوساطة في تجارة الحبوب، وتشغيل منشآت غربلة المحاصيل، إلى جانب تربية المواشي والدواجن. أما الشباب من أبناء المزارعين، فيتجه بعضهم إلى الهجرة أو الالتحاق بقوى الأمن والجيش.

ويقول الحاج عبد المجيد أبو جميل إن أبرز تحول طرأ على خطط المزارعين يتمثل في عجزهم عن وضع دورة زراعية تتعاقب فيها المحاصيل وفق تسلسل محدد. فقد أدت الخسائر المتكررة خلال السنوات الأخيرة إلى تفكك الدورات الزراعية التقليدية، فيما دفعت صعوبة التنبؤ بالمواسم المزارعين إلى حصر خططهم في عام واحد، بعدما كانت تمتد لسنوات.

ويتخذ المزارعون اليوم قدرًا أكبر من الحذر عند تحديد مواعيد البذار والسقاية، ما أدى إلى تغير المواقيت والأعراف الزراعية السائدة في المحافظة، وتقلص مدة بعض المواسم.

ويختم المهندس مصطفى سماق بالقول إن “التحول الاستراتيجي الأبرز يتمثل في خروج الزراعات الصيفية من دائرة الإنتاج، ما لم يتمكن المزارع من الوصول إلى مصدر للمياه الجوفية”.

علاماتأثر الحرب على المجتمع السوري ، إدلب ، الاقتصاد السوري ، الزراعة في سوريا ، الشأن السوري
مواضيعالاقتصاد السوري ، الزراعة في سوريا ، الوضع في إدلب ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

مجتمع

من العشوائيات إلى الأبراج.. من يدفع ثمن التحول العمراني في دمشق؟

محمد كاخي٢٣ يونيو ٢٠٢٦
مجتمع

من القاعات إلى الخيام.. كيف غيّرت الحرب عادات الزواج في غزة؟

محمد النعامي٢٢ يونيو ٢٠٢٦
مجتمع

منظمة “شراكة”: كيف تصنع إسرائيل عربًا يدافعون عنها؟

سجود عوايص١٦ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑