• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

اغتيال ترامب في معركة التفاوض.. خطر قائم ورواية إسرائيلية متحركة

أحمد الطناني١٤ يوليو ٢٠٢٦

حقوق النشر Gene J. Puskar / AP

في غضون أيام معدودة من مطلع يوليو/تموز 2026، تراكمت أربع إشارات بدت، للوهلة الأولى، أحداثًا منفصلة: تسريب استخباراتي إسرائيلي إلى واشنطن عن مخطط إيراني “محدّد” لاغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولافتات رفعت خلال تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي تتوعّد ترامب بالقتل، ورسالة من خليفته مجتبى خامنئي يتعهد فيها بأن الثأر “قريب”، ولائحة اتهام أمريكية كشفت عن شبكة يقودها قيادي في كتائب حزب الله العراقية لتنفيذ عمليات انتقامية عابرة للحدود.

هذا التزامن يطرح سؤالًا يتجاوز الوقائع ذاتها: هل تعكس هذه الإشارات تصعيدًا إيرانيًا جديدًا، أم أنها تمثل إعادة توظيف لخطر قائم داخل معركة سياسية تدور حول مستقبل التفاهم بين واشنطن وطهران؟ فالتسريب جاء في لحظة يتعرض فيها اتفاق الإطار الأمريكي الإيراني لاختبار حقيقي، وصدر عن الطرف الأكثر تضررًا من أي مسار تفاوضي مع إيران، ما يفتح بابًا واسعًا أمام قراءة تتناول المعلومة الاستخباراتية من زاوية توقيتها وسياقها السياسي، بالتوازي مع بحث الجذور الفعلية للتهديد الإيراني والبنية التي قد تمنحه قابلية التنفيذ.

التسريب الإسرائيلي

بدأت الرواية من تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، قبل أن تتبناه شبكة CNN في التاسع والعاشر من يوليو/تموز، ومفاده أن إسرائيل زودت واشنطن بمعلومات استخباراتية عن مخطط إيراني “جديد ومحدد” لاغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. غير أن التدقيق في تفاصيل الرواية يكشف تباينًا واضحًا في توصيفها، يطرح تساؤلات حول طبيعة المعلومة نفسها.

فمصدران أمريكيان أكدا أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لم تتمكن من التحقق من المعلومات بصورة مستقلة، فيما نقلت القناة الثانية عشرة الإسرائيلية عن مسؤولين أمريكيين توصيفًا مختلفًا، خفض سقف الرواية من وجود مخطط تنفيذي إلى مجرد “حوار عام” بين مسؤولين إيرانيين حول احتمال استهداف ترامب.

ولم يتوقف التراجع عند هذا الحد؛ ففي رواية لاحقة لـCNN، انتقل الحديث من “مخطط تفصيلي” إلى “رغبة” لدى عناصر متشددة داخل القيادة الإيرانية، قيل إن من أبرز الدافعين إليها قائد الحرس الثوري الجديد أحمد وحيدي، الذي تنظر إليه إدارة ترامب بوصفه أحد أبرز معرقلي المسار التفاوضي. وبين توصيفات “الخطة” و”الحوار” و”الرغبة” تتسع الفجوة بين تهديد وشيك قابل للتنفيذ، وبين نوايا تعكس المزاج السياسي السائد داخل النظام الإيراني منذ سنوات.

وفي المقابل، أقرت الاستخبارات الأمريكية بأنها ترصد منذ فترة مؤشرات متواصلة على وجود رغبات إيرانية لاستهداف ترامب ومسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، لكنها خلصت إلى أن تلك المؤشرات لم تتطور إلى خطة مكتملة، سواء بسبب تعثر التنفيذ أو غياب قرار سياسي نهائي من القيادة الإيرانية. 

وبناء على هذا التسلسل والتفكيك، فإن ما حمله التسريب الإسرائيلي لم يكن اكتشافًا لخطر جديد، بقدر ما كان إعادة تقديم لخطر معروف، ضمن صياغة توحي بأنه تطور مستجد يفرض نفسه على صانع القرار الأمريكي لأغراض ذات طبيعة سياسية.

ويكتسب توقيت التسريب أهمية لا تقل عن مضمونه، فقد جاء بينما يواجه اتفاق الإطار بين واشنطن وطهران مرحلة دقيقة، وصدر عن إسرائيل التي ترى في أي تفاهم أمريكي إيراني تهديدًا مباشرًا لمصالحها. كما أن المسؤولين الأمريكيين أنفسهم فتحوا باب هذا الاحتمال، بعدما رجح بعضهم أن يكون التسريب جزءًا من محاولة للتأثير على خيارات الرئيس ترامب في لحظة يدرس فيها مسار التعامل مع إيران، فيما أشار آخرون إلى وجود تحفظات متكررة داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي تجاه بعض التقديرات الإسرائيلية.

وتعزز هذه القراءة طبيعة الفجوة المتصاعدة بين بنيامين نتنياهو وترامب خلال الأشهر الأخيرة، سواء على خلفية الحرب في لبنان أو مسار التفاوض مع طهران. وفي ذات الوقت، فإن أي معلومات تتعلق بتهديد مباشر لحياة ترامب ذات أثر استثنائي، بالنظر إلى نجاته من محاولتي اغتيال خلال عام 2024، وإقراره المتكرر بأنه يتصدر قائمة الأهداف الإيرانية، ما يحول المعلومة الاستخباراتية، بصرف النظر عن درجة صحتها، إلى أداة ضغط قادرة على التأثير في البيئة النفسية والسياسية المحيطة بصانع القرار.

ويفرض هذا المشهد قدرًا إضافيًا من الحذر، خاصة أن محاولتي اغتيال ترامب عام 2024 رافقتهما محاولات لربطهما بإيران قبل أن تنتهي التحقيقات إلى نتائج مختلفة. فتوماس كروكس، منفذ حادثة بتلر، لم تثبت أي صلة له بطهران، بينما تبين أن ريان روث، منفذ حادثة فلوريدا، كان مدفوعًا بخلفيته المؤيدة لأوكرانيا، في حين جاءت الإشارة إلى إيران من كتاباته الشخصية، لا من أي ارتباط تنظيمي.

الجذر الذي يمنح التهديد مصداقيته

وبالرغم من كون توقيت التسريب وطريقة تقديمه يفتحان بابًا واسعًا للتساؤل، فإن ذلك لا ينفي وجود جذر حقيقي يمنح تهديد اغتيال ترامب قدرًا من المصداقية. ويبدأ هذا الجذر من الثالث من يناير/كانون الثاني 2020، حين أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد، في عملية تحولت إلى نقطة ارتكاز ثابتة في الخطاب الإيراني. فمنذ ذلك التاريخ، أصبح الثأر لسليماني جزءًا من خطاب القيادة الإيرانية، وتكرر على ألسنة كبار المسؤولين باعتباره التزامًا مستمرًا، يتجاوز حدود الرد السياسي أو الإعلامي.

وتقدم قضية المواطن الباكستاني آصف ميرشانت المثال الأوضح على انتقال هذا الخطاب إلى محاولة عملية. ففي مارس/آذار 2026، أدان القضاء الأمريكي ميرشانت بالتآمر لاغتيال ترامب وعدد من المسؤولين الأمريكيين، في مخطط قالت النيابة العامة إنه نُسج بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني، انتقامًا لمقتل سليماني. وكان ميرشانت قد اعتُقل في يوليو/تموز 2024، بعدما سلّم دفعة مالية مقدمة لمنفذين تبيّن لاحقًا أنهم عملاء متخفون، وذلك قبل يوم واحد فقط من محاولة اغتيال ترامب في بتلر.

وتحمل هذه القضية دلالتين متوازيتين. الأولى أن الثأر لسليماني لم يبقَ في إطار الشعارات، وظهر في محاولات عملية أحبطتها الأجهزة الأمنية الأمريكية قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ. والثانية أن تزامن القضية مع محاولة اغتيال ترامب في بتلر ساهم في تغذية انطباع عام بوجود صلة مباشرة بين الحدثين، رغم أن التحقيقات فصلت بينهما بصورة واضحة.

ويفسر هذا الجذر سبب التعامل الأمريكي الجاد مع أي معلومات تتعلق باستهداف ترامب، حتى في الحالات التي لا ترتقي إلى مستوى الخطة التنفيذية. فالتهديد لا يستند إلى افتراض نظري أو خطاب سياسي مجرد، وإنما إلى سابقة موثقة أثبتت أن دوائر مرتبطة بالحرس الثوري سعت بالفعل إلى ترجمة هذا الثأر إلى عملية اغتيال، وهو ما يُقدر تصاعده بالتأكيد مع انتقال فكرة الثأر لمستويات أعلى ردًا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. وهذه الخلفية تمنح أي تحذير جديد قدرًا من القابلية للتصديق، وفي الوقت ذاته ترفع قيمته السياسية، بوصفه خطرًا حقيقيًا يمكن إعادة توظيفه كلما اقتضت موازين الصراع ذلك.

البنية التي تُبقي التهديد قائمًا

في ذات الإطار، تكشف قضية محمد باقر الساعدي عن بنية كان يمكن أن يتحول عبرها هذا الثأر إلى عمليات ممتدة خارج الحدود الإيرانية. ففي مايو/أيار 2026، أعلنت وزارة العدل الأمريكية لائحة اتهام بحق القيادي في كتائب حزب الله العراقية، حمّلته فيها المسؤولية عن نحو عشرين هجومًا ومحاولة هجوم استهدفت مصالح أمريكية ويهودية في أوروبا وأمريكا الشمالية، عبر شبكة عملت تحت واجهة تابعة للكتائب.

وتضمنت لائحة الاتهام سلسلة من العمليات، من بينها إحراق فرع مصرفي في أمستردام، وطعن رجلين يهوديين في لندن، وإطلاق النار على القنصلية الأمريكية في تورونتو، إلى جانب الكشف عن امتلاك الساعدي خرائط ومخططات تفصيلية لمنزل إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر، مرفقة برسائل تهديد اعتبرت أن الإجراءات الأمنية لن تحول دون استهداف الأمريكيين.

وتتجاوز أهمية هذه القضية طبيعة العمليات المنسوبة إلى الساعدي، إلى البنية التنظيمية التي كشفتها. فبحسب الادعاء الأمريكي، ارتبط الساعدي بعلاقة مباشرة مع قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، قبل أن يواصل تلقي الدعم اللوجستي والمالي من خليفته إسماعيل قاآني، بما يظهر امتداد شبكة عمل تربط قيادة الحرس الثوري بمجموعة من الحلفاء الإقليميين، وقدرتها على تشغيل خلايا موزعة في أكثر من ساحة، مع هامش واسع من الإنكار السياسي.

وفي هذا السياق، تكتسب رسالة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي دلالة تتجاوز بعدها التعبوي. ففي أعقاب تشييع والده، تعهد بالأخذ بثأر المرشد القتيل و”شهداء الحربين”، مؤكداً أن هذا الثأر “سيتحقق قريبًا”، قبل أن يضيف أن “أفرادًا من التحرريين حول العالم سينفذ كل منهم جزءًا من هذا الواجب الإلهي”.

وتفتح هذه الصياغة بابًا أمام نمط مختلف من فهم الخطاب الإيراني، إذ تربط مركز القرار في طهران بفاعلين موزعين خارجها، دون الإشارة إلى أوامر مباشرة أو هياكل تنظيمية يمكن تحميلها المسؤولية بصورة صريحة. وبالتالي فإن كلمات الرسالة تتقاطع مع النموذج الذي عرضته قضية الساعدي؛ خطاب مركزي يمنح الشرعية والغطاء السياسي، وشبكات ووكلاء يتولون التنفيذ وفق آليات تمنح القيادة الإيرانية هامشًا واسعًا للإنكار.

ويزداد هذا البعد الرمزي حضورًا مع غياب مجتبى خامنئي عن الظهور العلني منذ اغتيال والده في غارة قُدر أنه أُصيب بها أيضًا، واقتصار حضوره على الرسائل المكتوبة. وفي ظل هذا الغياب، تكتسب كلماته وزنًا سياسيًا مضاعفًا، لأنها تصدر عن مرشد يقود مرحلة إعادة تثبيت السلطة، ويضع الثأر في قلب خطابه، بصياغة تترك الحدود مفتوحة بين التعبئة السياسية والإشارة التي قد تجد طريقها إلى التنفيذ عبر شبكات قائمة بالفعل.

مؤشرات متداخلة وأهداف سياسية

لا يقود هذا المشهد إلى نفي التهديد الإيراني، كما لا يبرر التعامل مع كل تسريب استخباراتي باعتباره حقيقة مكتملة. فالسوابق القضائية الأمريكية، وخطاب الثأر الذي تبنته القيادة الإيرانية منذ اغتيال قاسم سليماني وتصاعد بعد اغتيال المرشد، والشبكات التي كشفتها التحقيقات، جميعها تمنح التهديد أساسًا واقعيًا يصعب تجاهله. وفي المقابل، يكشف توقيت التسريب الإسرائيلي، وتدرج توصيفه، وسياقه السياسي، أن الخطر نفسه يمكن أن يتحول إلى أداة تأثير في القرار الأمريكي، خصوصًا في اللحظات التي يتقاطع فيها مسار التفاوض مع حسابات الحرب.

وبين تهديد قائم وتوظيف سياسي محتمل، تكتسب معركة الاستخبارات مساحة أوسع في معركة رسم السياسات، تتجاوز دورها التقليدي في استشراف المخاطر. وكلما اقتربت واشنطن وطهران من اختبار جديد لمسار التفاهم، ستزداد قيمة هذا النوع من التسريبات، بوصفه أحد أدوات الصراع على توجيه القرار الأمريكي، بقدر ما يعكس مخاطر أمنية حقيقية. 

وتزداد أهمية هذه القراءة إذا ما استُحضر الدور الذي لعبته تقديرات استخباراتية إسرائيلية بشأن هشاشة بنية النظام الإيراني وإمكان حسم المواجهة خلال أيام، والتي شكّلت أحد المحددات الرئيسة في اندفاع إدارة ترامب نحو الحرب. وتكشف هذه السابقة حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه الاستخبارات الموجّهة في صناعة القرار السياسي، عبر إعادة تقديم معلومات أو تقديرات تخدم غاية سياسية، بصرف النظر عن درجة دقتها أو قدرتها على الصمود أمام الوقائع اللاحقة.

علاماتأزمات ترامب ، أعمال ترامب ، إيران وأمريكا ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران
مواضيعأزمات ترامب ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، ترامب ، ترامب وإسرائيل

قد يعجبك ايضا

سياسة

انقسام الديمقراطيين: كيف تهيمن حرب غزة على الانتخابات النصفية؟ 

جوزيف جيديون١٣ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

واشنطن تجمع بغداد ودمشق.. أنابيب النفط والتجارة تعيدان رسم المنطقة

أحمد الدباغ١٣ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

سقوط جدار الإنكار.. الأدلة تطارد الإمارات في حرب السودان

محمد مصطفى جامع١٣ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑