تتجه الأوضاع في السودان نحو مزيد من التعقيد والمعاناة، بعدما ظن المراقبون أن الأمور بصدد تهدئة محتملة، خصوصًا عقب تمكن الجيش السوداني من استعادة السيطرة على مفاصل رئيسية في الخرطوم ومحيطها، لكن هذا التصور سرعان ما تبدد مع عودة ميليشيا الدعم السريع إلى تنشيط حضورها الميداني بصورة مفاجئة، بما أعاد خلط الأوراق وفتح جبهات جديدة في مشهد كان يظن كثيرون أنه يتجه إلى الانحسار.
وخلال الآونة الأخيرة، كثّفت ميليشيا الدعم هجماتها عبر المسيرات في عدة مناطق، في محاولة لإعادة فرض نفسها كطرف قادر على المبادرة وإرباك حسابات الجيش السوداني، وقد عكست هذه الهجمات تحولًا في طبيعة المواجهة، من الاشتباك المباشر إلى استنزاف ممنهج يستهدف البنية المدنية ومقومات الحياة اليومية، عبر سياسة أقرب إلى الأرض المحروقة، تدفع السكان إلى فقدان الحد الأدنى من الأمن والخدمات والاستقرار.
وكانت عودة موجات النزوح، داخليًا وخارجيًا، من أبرز نتائج هذا التصعيد، وكأن الحرب تعود مرة أخرى إلى نقطة الصفر، فملايين السودانيين يجدون أنفسهم اليوم عالقين بين خيارين كلاهما مر، إما البقاء في مناطق مهددة بالموت والقصف وانعدام الخدمات، أو النزوح إلى المجهول بما يحمله من معاناة وفقدان وغياب للأمان، وهكذا، لا يبدو التصعيد الأخير مجرد تحول ميداني، بل مؤشرًا على كارثة إنسانية أوسع قد تتفاقم ما لم تتوقف آلة الحرب.
عودة التصعيد واستفاقة ميليشيا الدعم
منذ أواخر مارس/آذار الماضي، عادت ميليشيا الدعم السريع إلى الانخراط في الميدان بوتيرة أكثر كثافة، بعد سلسلة من الهزائم التي تلقتها على يد الجيش السوداني، وتمكن خلالها الأخير من استعادة عشرات المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة محمد حمدان دقلو (حميدتي) وقواته، غير أن اللافت في هذه العودة أنها جاءت أكثر شراسة من المراحل السابقة، بما عكس محاولة واضحة من الدعم السريع لتعويض خسائره الميدانية وإعادة فرض نفسه كطرف قادر على المبادرة وإرباك حسابات الجيش.
واعتمدت ميليشيا الدعم في عملياتها الأخيرة بصورة أساسية على سلاح المسيرات، الذي منحها قدرة أكبر على تنفيذ ضربات مؤثرة بتكلفة أقل، ومن دون الانخراط في مواجهات مباشرة واسعة مع الجيش، وهي المواجهات التي تميل كفتها غالبًا لصالح القوات المسلحة السودانية، ومن خلال هذا السلاح، نجحت الميليشيا في استعادة قدر من الحضور الميداني، وتكبيد الجيش خسائر، وخلط أوراق المعركة مجددًا، عبر نمط قتالي يقوم على الاستنزاف والضرب عن بعد بدل الاشتباك التقليدي.
جمهورية السودان
وزارة الخارجية والتعاون الدولي
مكتب الناطق الرسمي وإدارة الإعلام
بيان صحفي
تُعرب وزارة الخارجية والتعاون الدولي عن إدانتها الشديدة للمجزرة المروعة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع الإرهابية في منطقتي أم سعدون والمُرّة بولاية شمال كردفان، خلال ثاني أيام عيد…— وزارة خارجية جمهورية السودان 🇸🇩 (@MofaSudan) May 31, 2026
وشهدت ولاية كردفان خلال الأيام القليلة الماضية تصعيدًا قتاليًا عنيفًا من جانب الدعم، بعدما أسفرت ضربتان بالمسيرات عن مقتل نحو 67 شخصًا، إثر استهداف مناطق إيواء وملاجئ للنازحين في قرية كدم غربًا وقرية المرة شمالًا، وتعكس هذه الهجمات خطورة انتقال التصعيد إلى مناطق يفترض أنها ملاذات للمدنيين الفارين من القتال، بما يحول النزوح ذاته إلى دائرة جديدة من الخطر لا توفر الحماية ولا الأمان.
كما تعرضت مدينة الأبيض، وسط ولاية شمال كردفان، لسلسلة من الهجمات الممنهجة، رغم كونها مركزًا مهمًا لإيواء النازحين، فضلًا عن احتضانها قاعدة لإدارة عمليات الجيش في الإقليم، حيث باتت المدينة ساحة مفتوحة لضربات المسيرات التي تستهدف الأسواق ومحطات الكهرباء والمرافق الصحية والأحياء السكنية، في مشهد يعكس محاولة ممنهجة لتدمير مقومات الحياة اليومية، ودفع السكان إلى مزيد من النزوح والمعاناة، وإعادة إنتاج الكارثة الإنسانية في قلب كردفان.
دور الإمارات في إشعال المشهد
لا يمكن قراءة عودة ميليشيا حميدتي إلى التصعيد الميداني، بعد الخسائر التي تكبدتها خلال الآونة الأخيرة، بمعزل عن شبكة الدعم الإقليمي المقدمة لها، وفي مقدمتها الدعم الإماراتي، في ظل سعي أبو ظبي إلى استعادة حضورها داخل الساحة السودانية وتعظيم نفوذها في واحدة من أكثر ساحات الإقليم حساسية، فالسودان، بما يمثله من موقع جيوسياسي وثروات ومسارات نفوذ على البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بات جزءًا من معادلة أوسع تتحرك فيها الإمارات لترميم نفوذها الإقليمي بعد الضربات التي تلقّتها في ملفات أخرى، وعلى رأسها اليمن.
وقد كشفت التطورات الإقليمية الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، حدود الدور الإماراتي وحالة العزلة النسبية التي تعيشها أبو ظبي داخل بعض دوائر القرار العربي، خاصة مع تمدد الدور السعودي وسحب الرياض جانبًا من بساط التأثير في اليمن وداخل مجلس التعاون الخليجي.
تم تدمير السودان بسبب الإمارات: كيف كشفت الأدلة الميدانية وشهادات المسؤولين مسار تسليح مليشيا الدعم السريع (الجنجويد) وتصعيد الحرب
في تقرير نشرته صحيفة ذا ستاندرد للكاتب أوليفر بول، يُعرض سرد تفصيلي لتطورات الحرب في السودان، مع تركيز خاص على الدور الذي لعبته الإمدادات العسكرية… pic.twitter.com/48ETg1pqk8
— Sudanese Echo (@SudaneseEcho) April 3, 2026
وفي هذا السياق، اتجهت الإمارات إلى توسيع هامش حركتها خارج الإجماع العربي التقليدي، عبر مقاربة براغماتية حادة، ظهرت مؤشراتها في تعميق التعاون مع إسرائيل في ملفات عدة، مثل صوماليلاند والقرن الإفريقي، إلى جانب دعم أذرعها وحلفائها في ساحات صراع مفتوحة كالسودان وليبيا.
من هنا، تبدو استفاقة الدعم السريع الحالية، بعدما ذهبت تقديرات كثيرة إلى أن الحرب تقترب من نهايتها مع تراجع الميليشيا ميدانيًا، جزءًا من تحول أوسع في السياسة الإماراتية الإقليمية، فالأمر لا يتعلق فقط بمحاولة إنقاذ حليف محلي من الانهيار، بل بإعادة تثبيت موطئ قدم في السودان ضمن صراع نفوذ إقليمي متشابك، تتحرك فيه أبو ظبي وفق حسابات المصلحة والنفوذ، بعيدًا عن أي اعتبار عربي أو إسلامي أو إنساني، صراع يدفع ثمنه الملايين من أبناء الشعب السوداني.
عودة موجات النزوح مجددًا
يبدو أن تشريد نحو 13 مليون سوداني، ودفع أكثر من 30 مليونًا آخرين إلى حافة الاحتياج للمساعدات الإنسانية منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، لم يكن كافيًا لإيقاظ ضمير أطراف الصراع أو وقف نزيف البلاد، فالمشهد يتجه اليوم نحو موجات نزوح جديدة أكثر مأساوية، بعدما تحول النزوح من حالة طارئة إلى حركة يومية متواصلة داخل خريطة متغيرة، تتأرجح بين الخوف والجوع والقتل وانعدام الأمان.
ومع الاستراتيجية التي تنتهجها الدعم السريع في استهداف مقومات الحياة داخل المناطق التي تطالها عملياتها، تتسارع موجات النزوح بوتيرة قاسية، فالأسر السودانية باتت تفر من القرى إلى المدن، ومن المدن إلى أطرافها، ثم إلى المناطق النائية، قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى عبور الحدود بحثًا عن ملاذ مؤقت، وهكذا يتحول النزوح إلى رحلة مفتوحة لا تنتهي، لشعب لم يعرف الهدوء منذ سنوات، ولا يكاد ينجو من جبهة حتى تطارده أخرى.
وبحسب تقديرات ميدانية، شهدت ولاية كردفان خلال الأشهر القليلة الماضية موجات نزوح غير مسبوقة، بلغت نحو 132 ألف نازح خلال أربعة أشهر فقط، بين أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025 وفبراير/شباط 2026، وسط مؤشرات تفيد باستمرار هذه الموجات حتى اليوم، وتعكس هذه الأرقام حجم الانهيار الإنساني في الإقليم، خاصة مع تحوّل مناطق الإيواء وملاجئ النازحين نفسها إلى أهداف محتملة للقصف والهجمات.
وتتعمق الكارثة الإنسانية يومًا بعد آخر، فكل ضربة بمسيرة تعني عشرات الأسر الجديدة على طريق النزوح، وكل من يقرر البقاء إنما يراهن بحياته وسلامته وسط واقع مفتوح على الموت والجوع وانهيار الخدمات، وهو ما انعكس على المجتمع السوداني الذي بات أكثر تفككًا من أي وقت مضى، بعدما طالت الحرب مقومات بقائه الأساسية من زراعة وصناعة وأسواق، وقضت على ركائز التعافي من صحة وتعليم وشبكات حماية اجتماعية.
في الأخير تدفع كل هذه المؤشرات السودان إلى الخلف مرة أخرى، تصعيد عسكري مكثف، موجات نزوح قاسية، تدخلات خارجية تعبث بالمشهد، وصمت دولي فاضح يقابله عزوف عربي متوقع، بينما ينشغل الإعلام العالمي بساحات حروب أخرى، وفي ظل هذا الغياب، يواجه السودانيون مستقبلًا غامضًا، بين دولة مهددة بالتفكك والغياب عن خريطة الاستقرار، وشعب يواجه خطر الإبادة البطيئة، ومجتمع دولي وعربي يكتفي بالمشاهدة من مقاعد المتفرجين.