جلس وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الأسبوع الماضي، أمام أمام مراسل صحيفة “نيكي آسيا” اليابانية ليقييم لحظة إقليمية مثقلة بآثار حرب واسعة هزت الشرق الأوسط، ودفعت المنطقة إلى حافة إعادة التفكير في أمنها وتحالفاتها ومعنى الاستقرار فيها. فالنيران التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تركت وراءها هدنة قلقة، ومضيق هرمز مغلقا وأسواق نفط مضطربة، وعواصم تحسب كلفة الانزلاق إلى مواجهة أشمل لا يحتملها الإقليم ولا الاقتصاد العالمي.
وسط هذا المشهد المتوتر، تحركت أنقرة كواحدة من العواصم القليلة القادرة على مخاطبة أطراف متناقضة في وقت واحد، ففتحت قنواتها مع طهران وواشنطن، ونسقت مع قطر وباكستان وسعت إلى تحويل لحظة التصعيد إلى فرصة سياسية أوسع تبحث عن هندسة أمنية جديدة تمتد من الخليج إلى إيران وباكستان وتركيا. وكان فيدان، الآتي إلى الدبلوماسية من خلفية استخباراتية عميقة، يقرأ الواقع بوصفه اختبارا لبنية الإقليم كلها، ولمدى قدرة تركيا على إنتاج ترتيبات أمنية لا تبقى رهينة للانفجارات الدورية.
في تلك المقابلة، قدم فيدان تصورا لمنصة أمنية إقليمية تضم تركيا وباكستان ودول الخليج وإيران، وتفتح الباب من حيث المبدأ، أمام مشاركة إسرائيل، لكن هذا الباب لم يترك مفتوحا بلا ثمن سياسي. فقد ربط وزير الخارجية التركي أي انضمام إسرائيلي محتمل باعتراف واضح بدولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. بهذه العبارة، نقلت أنقرة النقاش من سؤال التطبيع مع إسرائيل إلى سؤال الشرعية السياسية لهذا التطبيع، ومن منطق دمج إسرائيل في الإقليم عبر المصالح الأمنية والاقتصادية إلى منطق ربط الأمن الإقليمي بتسوية جوهرها القضية الفلسطينية.
فبينما قامت اتفاقيات أبراهام منذ عام 2020، على هندسة مسار تطبيعي يفصل العلاقة مع إسرائيل عن استحقاقات القضية الفلسطينية، جاء كلام فيدان ليعيد ترتيب المعادلة من أساسها، فلا أمن إقليمي مستقر مع استمرار الجرح الفلسطيني مفتوح، ولا اعتراف كامل بإسرائيل في منظومة المنطقة دون اعتراف مقابل بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة. ومن هذا، بدا الطرح التركي محاولة لقلب مركز الثقل في النقاش، وإعادة فلسطين من هامش الصفقات الإقليمية إلى قلب أي تصور مستقبلي للأمن والسلام.
فهل يعكس موقف فيدان مبدأ ثابتا في السياسة التركية تجاه فلسطين، أم يمثل ورقة تفاوضية تستخدمها أنقرة لتعزيز موقعها في مرحلة ما بعد الحرب؟ وهل تمتلك تركيا القدرة الفعلية على فرض معادلة مختلفة عن اتفاقيات أبراهام، في ظل الخلاف مع إسرائيل وتباين حسابات الخليج، وتشابك الوساطات بين واشنطن وطهران؟ ثم ما حدود الطموح التركي في بناء نظام أمني إقليمي جديد، إذا كانت الأطراف المرشحة لهذا النظام نفسها محكومة بتاريخ طويل من الشكوك والصراعات وتضارب المصالح؟
تفتح هذه الأسئلة الباب أمامنا لقراءة أوسع للحظة التي يحاول فيدان التقاطها. فالحرب على إيران، وما سبقها من حرب غزة، كشفتا هشاشة النظام الإقليمي القائم، وأظهرتا أن التطبيع المنفصل عن المسألة الفلسطينية يستطيع إنتاج علاقات رسمية، لكنه يعجز عن إنتاج شرعية شعبية أو استقرار طويل الأمد. ومن هذه الزاوية يبدو التصريح التركي مدخلا إلى صراع أوسع على تعريف الأمن في الشرق الأوسط، فهل يُبنى الأمن عبر إدماج إسرائيل كما هي في منظومة المنطقة، أم عبر معالجة الجذر السياسي الذي جعل حضورها الإقليمي مصدرا دائما للتوتر؟
معادلة التطبيع
لا تنطلق تركيا هنا من فكرة مستحدثة تماما، فالربط بين التطبيع والحل الفلسطيني حاضر في الموقف العربي الرسمي منذ مبادرة السلام العربية عام 2002، لكن أهمية الطرح الذي يقدمه هاكان فيدان تكمن في نقله هذا الشرط من خانة المبدأ السياسي إلى قلب الهندسة الأمنية المقترحة للمنطقة. فالمسألة في جوهرها، لا تتعلق برفض التطبيع من حيث المبدأ، وإنما بإعادة تعريف شروطه ووظيفته وموقع القضية الفلسطينية داخله.
قامت اتفاقيات أبراهام على معادلة منحت إسرائيل مكاسب التطبيع بصورة مباشرة، شملت اعترافا دبلوماسيا، وانفتاحا اقتصاديا، وتعاونا أمنيا، من دون مقابل فلسطيني ملموس. بهذا المعنى، جرى فصل التطبيع عن مسار الحل، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملف مؤجل، أو إلى أفق مستقبلي غامض لا يملك القدرة على تعطيل الاندماج الإقليمي لإسرائيل. أما الطرح التركي فيسعى إلى عكس هذا الترتيب، إذ لا يكتفي فيدان بالمطالبة بخطوات بناء ثقة أو تقدم تفاوضي محدود، بل يضع قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، بوصفه شرطا سابقا لأي إدماج إقليمي واسع لإسرائيل.
هنا يظهر الفارق الجوهري بين منطق اتفاقيات أبراهام ومنطق المقاربة التركية. الأولى منحت إسرائيل التطبيع أولا، وتركت الحل الفلسطيني لمسار تفاوضي مفتوح ومتعثر. أما الثانية فتجعل الحل الفلسطيني بوابة التطبيع، وتحول الاندماج الإقليمي من مكافأة مجانية إلى ثمن سياسي مرتبط باعتراف واضح بالحقوق الفلسطينية.
ولا يقف الطرح التركي عند حدود تعديل شروط التطبيع، بل يتوسع نحو تصور أوسع لمعمارية أمنية إقليمية تضم تركيا والسعودية ومصر ودول الخليج وباكستان، وربما إيران لاحقا عندما تسمح الظروف بذلك. في محاولة لرسم خريطة قوة جديدة تقوم على توازنات إقليمية أوسع، تركيا بما تمثله من ثقل عسكري ودبلوماسي، والسعودية ومصر بما تحملانه من وزن عربي، وباكستان بعمقها الاستراتيجي الإسلامي، وإيران بما يمثله إدماجها المحتمل من قدرة على تخفيف الاستقطاب الإقليمي.
ولكن، هل يطرح فيدان معادلة قابلة للتطبيق، أم يرفع سقفا تفاوضيا يدرك مسبقا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية سترفضه؟ فالشرط التركي يضع إسرائيل أمام خيار الاعتراف بدولة فلسطينية والحصول على تطبيع إقليمي واسع، أو الاكتفاء بعلاقات ثنائية محدودة مع بعض العواصم، وسط بيئة إقليمية أكثر توترا بعد حرب غزة.
بيد أن هذه المقاربة تنطوي بدورها على مخاطرة، إذ إن رفض إسرائيل للشرط، وهو احتمال قوي في ظل موازين السياسة الإسرائيلية الراهنة، قد يضع تركيا خارج مسارات التطبيع القائمة، بينما أثبتت اتفاقيات أبراهام أن بعض الدول العربية مستعدة للمضي في التطبيع من دون حل فلسطيني. لذلك يظل رهان أنقرة معلقا على تقديرها بأن حرب غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز المعادلة الإقليمية، وأن أي نظام أمني جديد في المنطقة سيبقى هشا ما لم يبدأ من هذه العقدة بالذات.
مبدأ أم ورقة تفاوضية؟
بين الخطاب الأخلاقي والحسابات الاستراتيجية، تتحرك المقاربة التركية من موقع يصعب اختزاله في تصنيف واحد. فأنقرة لا تتعامل مع شرط الدولة الفلسطينية كشعار سياسي، ولا تقدمه في الوقت نفسه خارج منطق المصالح وإعادة التموضع الإقليمي. لذلك تبدو المعادلة أكثر تركيبا. موقف يستند إلى رصيد مبدئي واضح في دعم القضية الفلسطينية، لكنه يدار بأدوات السياسة الواقعية، حيث تتحول المبادئ إلى أوراق ضغط، وتتحول الكلفة الأخلاقية والسياسية للحرب على غزة إلى عنصر في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية.
تملك أنقرة ما تستند إليه حين تقدم موقفها بوصفه التزاما مبدئيا. فمنذ حرب غزة، صعدت تركيا خطابها السياسي ضد إسرائيل، وسحبت سفيرها من تل أبيب، وعلقت علاقاتها التجارية معها في مايو/أيار 2024، رغم ما مثله ذلك من كلفة اقتصادية مباشرة على علاقة تجارية كانت قد بلغت مستويات مرتفعة خلال السنوات السابقة.
“لا فرق بين هتلر ونتنياهو”.. الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يشبه الجـ.ـرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين ومنهجية الاحتلال القائمة على القتل الجماعي بالنـ.ـازية#طوفان_القدس pic.twitter.com/Knfg3jc2MQ
— نون بوست (@NoonPost) December 27, 2023
كما واصلت القيادة التركية، من الرئيس رجب طيب أردوغان إلى وزير الخارجية هاكان فيدان، التأكيد أن السلام المستدام في المنطقة يمر عبر حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. في هذا المعنى، يبدو الشرط الفلسطيني جزءا من سردية تركية أوسع ترى أن تجاوز القضية الفلسطينية أحد أسباب انفجار الإقليم، وأن أي ترتيب أمني جديد سيبقى هشا ما دامت هذه العقدة مؤجلة.
غير أن الطابع المبدئي للموقف لا يلغي بعده البراغماتي. فتركيا، وهي ترفع سقفها السياسي في مواجهة إسرائيل، حافظت في المقابل على هامش من الحركة الدبلوماسية والأمنية. فالعلاقات لم تصل إلى قطيعة كاملة، والقنوات الخلفية بقيت قابلة للاستخدام، خاصة في الملفات التي تمس الأمن المباشر مثل سوريا وتجنب الاحتكاك غير المحسوب. كما أن تصريحات فيدان نفسها تترك باب العودة إلى “الحياة الطبيعية” مفتوحا إذا توقفت إسرائيل عن قتل الفلسطينيين ورفعت القيود عن دخول الغذاء والماء والدواء إلى غزة. وهذا يعني أن أنقرة لا تصوغ موقفها بوصفه قطيعة نهائية، وإنما كمعادلة مشروطة، شملت وقف الحرب، تخفيف الكارثة الإنسانية، والعودة إلى مسار سياسي يعيد للقضية الفلسطينية مركزيتها.
هنا تحديدا تظهر بساطة المقاربة التركية، وتعقيدها في الوقت ذاته. فالمبدأ حين يدخل مجال السياسة الخارجية لا يبقى خطابا أخلاقيا مجردا، بل يتحول إلى أداة ضغط ومساومة وبناء نفوذ. وفيدان يدرك أن قوة الموقف لا تقاس فقط بوضوحه الأخلاقي، وإنما بقدرته على إنتاج أثر سياسي. لذلك تبدو أنقرة كمن يحاول تحويل التعاطف الشعبي الواسع مع فلسطين والغضب الإقليمي من الحرب على غزة، إلى رصيد دبلوماسي يرفع كلفة تجاهلها في أي ترتيبات لاحقة تخص غزة أو الخليج أو أمن المنطقة.
وتزداد أهمية هذا البعد مع قراءة تركيا لآلية القرار داخل إسرائيل. ففيدان يرى أن بنيامين نتنياهو يحتاج دائما إلى عدو خارجي لتبرير سياساته الإقليمية وحساباته الداخلية، وهي قراءة تتعامل مع السلوك الإسرائيلي باعتباره جزءا من بنية سياسية قائمة على التصعيد وإدامة التهديد. ومن هذا المنظور، لا تكتفي أنقرة بإدانة إسرائيل أخلاقيا، بل تحاول محاصرة منطقها السياسي عبر طرح بديل إقليمي يقول إن الأمن لا يتحقق بتوسيع دائرة المواجهة، وإنما بإزالة السبب الأعمق للتوتر، أي غياب حل عادل للقضية الفلسطينية.
لكن هذا الجمع بين المبدأ والمصلحة يحمل مخاطره الخاصة. فكلما بدا الموقف التركي قابلا للعكس وفق شروط سياسية معينة، أصبح عرضة للتشكيك في صدقيته الأخلاقية، خصوصا لدى جمهور عربي وإسلامي يرى في الموقف من غزة اختبارا لا يحتمل المناورة. وفي المقابل، إذا قرأت إسرائيل هذا الموقف بوصفه ورقة تفاوضية أكثر منه التزاما ثابتا، فقد تسعى إلى تجاوزه عبر مسارات بديلة مع دول أخرى، أو التعامل معه كضغط مؤقت يمكن احتواؤه بمرور الوقت.
كيف أثرت حرب إيران على التفكير الأمني التركي؟
دفعت الحرب على إيران أنقرة إلى إعادة اختبار كثير من مسلماتها الأمنية. فتركيا التي اعتادت إدارة التنافس مع طهران ضمن حدود مضبوطة، وجدت نفسها أمام احتمال أوسع وأخطر، حرب إقليمية مفتوحة على حدودها الشرقية والجنوبية، قد تعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة. ومن هنا جاء السلوك التركي حذرا ومحسوبا، إدانة واضحة للضربات التي استهدفت إيران، وتحذير من المساس بسيادتها، وفي الوقت نفسه رفض للهجمات الإيرانية على دول الخليج أو لأي تصعيد يمكن أن يجر المنطقة إلى مواجهة شاملة.
هذا التوازن كان تعبيرا عن إدراك تركي بأن كل نتيجة قصوى للحرب تحمل خطرا مباشرا على أنقرة. فإيران المنهارة تعني فراغا أمنيا واسعا على حدود طويلة مع تركيا، واحتمال موجات لجوء ضخمة، وصعودا للفوضى المسلحة في فضاء تتداخل فيه القوميات والمذاهب وشبكات التهريب والتنظيمات العابرة للحدود. وإيران المنتصرة أو المتمكنة قد تعود إلى سياسة النفوذ عبر الوكلاء في الدول المجاورة، بما يعيد إحياء مساحات احتكاك حاولت أنقرة ضبطها خلال السنوات الماضية. أما إسرائيل الخارجة من الحرب بتفوق إقليمي أوسع، فتمثل في الحسابات التركية خطرا من نوع آخر، قوة أكثر جرأة على الحركة العسكرية في سوريا والعراق وشرق المتوسط، وأكثر قدرة على ملء الفراغات التي قد يتركها ضعف إيران أو انكفاؤها.
بهذا المعنى، وجدت تركيا نفسها أمام معضلة ثلاثية لا تمنحها خيارا مريحا. لا انهيار إيران يخدم أمنها، ولا تمكن إيران يطمئنها، ولا تفوق إسرائيل المطلق ينسجم مع مصالحها. لذلك فضلت أنقرة إدارة الأزمة عبر الاحتواء الدبلوماسي بدل الانخراط في منطق الردود العسكرية. فالحرب من وجهة نظرها، لا تهدد إيران وحدها، بل تضع تركيا أمام احتمالات متشابكة تمس أمن الحدود واستقرار الطاقة والتوازنات الكردية ومستقبل سوريا والعراق، وموقع أنقرة في أي نظام إقليمي قادم.
وقد بدا هذا الحذر أكثر وضوحا في الملفات الأكثر حساسية بالنسبة للأمن القومي التركي، وفي مقدمتها الملف الكردي. فأنقرة تخشى أن يؤدي ضعف إيران أو انشغالها بالحرب إلى تنشيط جماعات كردية مسلحة داخل الأراضي الإيرانية، أو إلى محاولة بعض القوى الدولية استخدامها كورقة ضغط على طهران. بالنسبة لتركيا، أي تحريك لهذا الملف لا يبقى داخل الحدود الإيرانية، بل يمكن أن يرتد مباشرة على مسارها الداخلي مع حزب العمال الكردستاني وعلى أمنها الحدودي في العراق وسوريا. ولهذا تعاملت أنقرة مع احتمال تسليح الأكراد الإيرانيين بوصفه خطا بالغ الحساسية، لا بوصفه ورقة يمكن توظيفها ضد خصم إقليمي.
ولا يقل الملف الأذري حساسية في الحسابات التركية. فوجود كتلة أذرية كبيرة داخل إيران، إلى جانب الروابط القومية والثقافية بين تركيا وأذربيجان، يجعل أي اضطراب داخلي إيراني قابلا للتحول إلى مسألة إقليمية شديدة التعقيد. قد يبدو دعم الأذريين الإيرانيين مغريا لبعض النزعات القومية، لكنه يحمل في المقابل خطر جر تركيا إلى صراع داخلي إيراني طويل، وفتح جبهة عرقية لا يمكن التحكم بمسارها أو كلفتها. لذلك بدت أنقرة حريصة على إبقاء هذا الملف خارج منطق التعبئة، وعلى منع تحوله إلى مدخل لتفكيك إيران أو إشعال حدودها الشرقية.
أما اقتصاديا، فقد منحت الحرب أنقرة سببا إضافيا للقلق. فتركيا بلد شديد الحساسية تجاه اضطرابات الطاقة، وتعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط والغاز، كما أن أي توتر في الخليج أو مضيق هرمز ينعكس سريعا على أسعار الطاقة والتضخم وسعر الصرف. ومن هنا لا تنظر أنقرة إلى الحرب بوصفها أزمة بعيدة في المجال الإيراني، وإنما كعامل ضغط مباشر على اقتصاد يعاني أصلا من ارتفاع الأسعار وكلفة الطاقة. وكلما طال أمد المواجهة، زادت مخاطر انتقال آثارها إلى الأسواق التركية، سواء عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز أو عبر اضطراب طرق التجارة وحركة الرساميل.
هذا كله يفسر انتقال الوساطة التركية من خانة المبادرة الدبلوماسية إلى خانة الضرورة الأمنية. فأنقرة تتحرك من قناعة بأن استمرار الحرب سيقيد هامشها الاستراتيجي ويزيد كلفة كل خيار أمامها. لذلك كثف هاكان فيدان اتصالاته وجولاته بين العواصم المعنية، وسعت تركيا إلى تشجيع قنوات الحوار بين واشنطن وطهران، ودفع دول الخليج إلى ضبط النفس، والعمل مع أطراف إقليمية مثل السعودية ومصر وباكستان لبناء مسار يربط وقف التصعيد بترتيبات أوسع في غزة والخليج والمنطقة.
غير أن أنقرة تتحرك في أزمة تفوق قدرتها المنفردة على الضبط. فهي تحاول منع السيناريوهات الأسوأ أكثر مما تصنع السيناريو المثالي الذي تريده. لذلك تبدو الحرب على إيران لحظة كاشفة في التفكير الأمني التركي، إذ دفعت أنقرة إلى رؤية أمن المنطقة بوصفه منظومة مترابطة، حيث لا يمكن فصل غزة عن الخليج، ولا سوريا عن إيران، ولا التنافس مع إسرائيل عن مستقبل التوازن الإقليمي.
ومن هنا يتصل ملف إيران مباشرة بالطرح التركي لنظام أمني جديد. فإذا نجحت الوساطات في خفض التصعيد بين واشنطن وطهران، فقد تجد أنقرة فرصة لدفع ترتيبات أوسع تعيد تعريف الأمن الإقليمي على قاعدة التوازن لا الهيمنة، والتسوية لا إدارة الأزمات المفتوحة. أما إذا انتهت الحرب إلى إيران ضعيفة ومفتتة، أو إلى إسرائيل أكثر تفوقا واندفاعا، فستجد تركيا نفسها أمام بيئة إقليمية أشد قسوة، تدفعها إلى مزيد من التحصين العسكري والدبلوماسي، وربما إلى مراجعات أعمق في تصورها للردع والأمن القومي.
حدود الطموح
تبقى قدرة تركيا على تحويل هذا التصور إلى واقع مرهونة بامتلاكها أدوات بناء نظام أمني إقليمي جديد، دون الاكتفاء بقراءة دقيقة للحظة لا تزال أكبر من قدرتها على ضبطها. فالطرح الذي يقدمه هاكان فيدان يقوم على إدراك واضح لتحولات ما بعد الحرب، لكنه يتحرك داخل بيئة إقليمية مزدحمة بقوى متنافسة، لكل منها حساباتها الخاصة، ومخاوفها، وحدود استعدادها للانخراط في هندسة أمنية تقودها أو تشارك في صياغتها تركيا.
العقبة الأكثر حساسية تبدأ من إسرائيل نفسها. فالعلاقات التركية الإسرائيلية دخلت منذ حرب غزة في واحدة من أكثر مراحلها توترا. في المقابل، تنظر دوائر إسرائيلية إلى الصعود التركي بوصفه تحديا استراتيجيا جديدا، خاصة في سوريا وشرق المتوسط والفضاء الإقليمي الذي تراجع فيه النفوذ الإيراني. وبهذا المعنى، فإن إسرائيل التي يعرض عليها الطرح التركي اندماجا أمنيا مشروطا بالاعتراف بدولة فلسطينية، تتعامل مع تركيا نفسها كقوة منافسة تسعى إلى ملء فراغات إقليمية حساسة.
يدرك فيدان هذه المعضلة حين يصف السلوك الإسرائيلي بأنه قائم على البحث عن مزيد من الأرض، لا عن الأمن وحده. هذا التشخيص يضع المبادرة التركية أمام سؤال حول إمكانية بناء إطار أمني إقليمي مع طرف يرى في التوسع العسكري والسياسي وسيلة لحماية نفسه وتعزيز موقعه؟ فتركيا تحاول تحويل الأمن إلى نتيجة لتسوية سياسية عادلة، بينما تتعامل الحكومة الإسرائيلية الحالية مع الأمن بوصفه امتدادا للتفوق العسكري وحرية الحركة في غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان. ومن هنا يصبح الخلاف بين الطرفين حول معنى الأمن نفسه، وحول ما إذا كان يبنى عبر التسوية أم عبر القوة.
وتزداد صعوبة الطموح التركي بفعل الحسابات الخليجية والعربية. فالسعودية تنسق مع أنقرة في ملفات عدة، من غزة إلى سوريا والوساطة مع إيران، لكنها لا تزال حريصة على موقعها بوصفها القوة العربية المركزية في أي ترتيب إقليمي قادم. والإمارات، التي تمثل أحد أعمدة اتفاقيات أبراهام، قد تنظر بحذر إلى أي محاولة لإعادة ربط التطبيع بشرط فلسطيني صارم، لأن ذلك يضع المسار الذي اختارته في موقع دفاعي. أما مصر، فرغم تقاطعها مع تركيا في دعم حل القضية الفلسطينية وإدارة ملف غزة، فإنها تراقب الطموح التركي الإقليمي بحساسية تاريخية مرتبطة بمكانتها التقليدية في النظام العربي.
هذه الحسابات لا تمنع التنسيق، لكنها تجعل بناء منصة أمنية مشتركة مسألة معقدة. فالدول المرشحة للانخراط في هذا التصور لا تنطلق من رؤية واحدة للتهديدات. الخليج يوازن بين إيران وإسرائيل والضمانات الأمريكية، ومصر تضع أمن غزة وسيناء والبحر الأحمر في صدارة أولوياتها، والسعودية تسعى إلى صياغة ترتيبات تحفظ قيادتها الإقليمية، وتركيا تبحث عن موقع يضمن مصالحها في سوريا والعراق وشرق المتوسط والقوقاز. لذلك يحتاج الطرح التركي بجانب التوافق الأخلاقي حول فلسطين إلى تقاطع مصالح عملي بين دول ترى الإقليم من زوايا مختلفة.
أما العقبة الأمريكية فتضيف طبقة أخرى من القيود. فواشنطن قد تستفيد من الوساطة التركية في بعض الملفات، خصوصا حين تكون أنقرة قادرة على التواصل مع أطراف لا تملك الولايات المتحدة قناة مباشرة معها، لكنها لا تبدو مستعدة لمنح تركيا حرية كاملة في إعادة تعريف قواعد الأمن الإقليمي. الرؤية الأمريكية ما زالت تنظر إلى اتفاقيات أبراهام بوصفها نموذجا قابلا للتوسيع، بينما يحاول فيدان إعادة إدخال القضية الفلسطينية إلى قلب أي تطبيع أو هندسة أمنية. كما أن إدراج إيران المحتمل في أي منصة إقليمية مستقبلية حتى بعد التهدئة، يثير حساسية واضحة لدى واشنطن، التي تريد احتواء طهران لا دمجها في ترتيبات تمنحها شرعية إقليمية أوسع.
وفوق ذلك كله، تصطدم تركيا بحدود موقعها كقوة متوسطة صاعدة. فهي تملك نفوذا واسعا وشبكة علاقات مرنة وقدرة على الحركة بين معسكرات متناقضة، لكنها لا تملك وحدها القدرة على فرض تسويات كبرى. تستطيع أنقرة فتح قنوات وتقديم صيغ وجمع أطراف وخفض كلفة الحوار، لكنها تحتاج إلى قبول القوى الكبرى والإقليمية كي يتحول تصورها إلى نظام فعلي. وهذا هو الفارق بين أن تكون دولة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية، وبين أن تكون الدولة القادرة على فرض شكل هذه التسوية.
مع ذلك، لا يقلل هذا من أهمية ما تحاول تركيا فعله. فقيمة طرح فيدان لا تكمن فقط في قابليته الفورية للتطبيق، بل في أنه يعيد وضع القضية الفلسطينية داخل معادلة الأمن الإقليمي بعد سنوات من محاولات فصل التطبيع عنها. ومن هذه الزاوية، تبدو أنقرة كمن يسعى إلى تغيير لغة النقاش قبل تغيير موازين السياسة.
هنا تظهر حدود الطموح التركي وقيمته في آن واحد. فأنقرة تدرك أن إسرائيل الحالية لن تقبل بسهولة شرط الدولة الفلسطينية، وأن بعض العواصم العربية لا تريد العودة إلى ربط صارم بين التطبيع والحل، وأن واشنطن تفضل توسيع اتفاقيات أبراهام بدل إعادة بنائها من الأساس. لكنها تطرح معادلتها رغم ذلك، لأنها تدرك أن لحظات ما بعد الحروب الكبرى لا تُحسم فقط بما هو قابل للتحقق فورا، بل أيضا بما يوضع على الطاولة من تصورات تنتظر تغير موازين القوى.
لذلك يبدو مقترح فيدان أقرب إلى محاولة تأسيس معادلة طويلة الأمد لا إلى مبادرة تنتظر نتائج سريعة. فتركيا لا تملك كل مفاتيح الإقليم، لكنها تحاول أن تضمن ألا تصاغ ترتيباته المقبلة من دونها. وبين طموح بناء نظام أمني جديد وواقع إقليمي يرفض الانضباط داخل نظام واحد، ستبقى قدرة أنقرة على المناورة والصبر واختيار اللحظة هي العامل الحاسم. أما السؤال المفتوح، فهو ما إذا كانت المنطقة، المنهكة بالحروب والتطبيع الناقص والتوازنات الهشة، ستمنح هذه المعادلة وقتا كافيا كي تنضج، أم ستسبقها أزمة جديدة تعيد الجميع إلى منطق إدارة الحرائق بدل بناء الأمن.