• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

من مليشيا إلى سلطة موازية.. كيف يبني الدعم السريع دولته على أنقاض الحرب؟

الفاتح محمد٢ يونيو ٢٠٢٦

قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (الأناضول)

في الثلاثين من أغسطس/آب 2025، وقف محمد حمدان دقلو “حميدتي” في نيالا ليؤدي اليمين بصفته رئيسًا لمجلس رئاسي من خمسة عشر عضوًا يدّعي حكم السودان. فبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، بدأت معركة أخرى تتشكل بالتوازي مع المعارك الميدانية، هي معركة بناء السلطة نفسها. وفي قلب هذه المعركة تتحرك مليشيا الدعم السريع بخطوات تتجاوز منطق المليشيا التقليدية نحو محاولة إنتاج مؤسسات حكم متكاملة في المناطق التي تسيطر عليها.

وخلال الأشهر الماضية، أصبحت قوات الدعم السريع تتحدث عن حكومة ومجلس رئاسي ودستور انتقالي ومجلس للأمن والدفاع وعلاقات خارجية وبرنامج سياسي، وهي مفردات ترتبط عادة بالدول لا بالجماعات المسلحة. وفي يوليو/تموز 2025، أعلنت القوى المتحالفة معها، والمعروفة باسم تحالف “تأسيس”، تشكيل ما أسمته “حكومة السلام والوحدة”.

ولا يمكن قراءة هذه الخطوات باعتبارها مجرد حملة دعائية أو محاولة لتحسين الصورة السياسية للدعم السريع. فالمؤسسات التي يجري الإعلان عنها تتراكم تدريجيًا ضمن تصور أوسع يسعى إلى تحويل السيطرة العسكرية إلى سلطة سياسية وإدارية مستقرة، خاصة بعد تعثر إمكانية الحسم العسكري الشامل على مستوى السودان بأكمله.

لماذا لم يعد الدعم السريع يكتفي بالسيطرة العسكرية؟

في بدايات الحرب، بدا أن مليشيا الدعم السريع تتصرف باعتبارها قوة تسعى للسيطرة على الدولة المركزية نفسها. فالمعارك الكبرى التي شهدتها الخرطوم ومحيطها عكست رهانًا على إخضاع مؤسسات الدولة أو فرض تسوية تجعل القوة العسكرية أساسًا للحكم. لكن مسار الحرب تغير تدريجيًا مع اتساع الجبهات واستمرار الاستنزاف العسكري، وجاءت نقطة التحول مع استعادة الجيش السوداني السيطرة على ولاية الخرطوم في مايو/أيار 2025، ما دفع الدعم السريع إلى تعزيز نفوذه في كردفان ودارفور، بالتوازي مع إطلاق مشروعه السياسي الموازي.

ومع مرور الوقت، أصبحت السيطرة العسكرية وحدها غير كافية. فالمليشيا تستطيع الاستيلاء على الأرض، لكنها لا تستطيع إدارة ملايين السكان أو اكتساب شرعية سياسية مستدامة بالوسائل العسكرية وحدها. لذلك برزت الحاجة إلى بناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد والخدمات والحدود والعلاقات الخارجية، ولو ضمن نطاق محدود.

وهذا النمط ليس جديدًا. ففي تجارب عديدة، تحولت الحركات المسلحة، بعد فشلها في حسم الحرب لصالحها، إلى بناء هياكل حكم موازية داخل المناطق التي تسيطر عليها. حدث ذلك بدرجات متفاوتة في جنوب السودان قبل الانفصال، وفي اليمن مع الحوثيين، وفي شرق ليبيا مع المؤسسات الموازية التي نشأت تحت سلطة قوات خليفة حفتر.

وبالنسبة للدعم السريع، مثّلت خطوة توقيع “الميثاق التأسيسي” في نيروبي خلال فبراير/شباط 2025 نقطة تحول سياسية واضحة. فقد انتقل الخطاب من إطار التحالف العسكري إلى مشروع سلطة معلنة يضم قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة، مع إعلان نية تأسيس حكومة موازية في مناطق السيطرة.

من غير المتوقع أن تحظى الحكومة الموازية التي أعلن عن تشكيلها في نيروبي باعتراف واسع النطاق (رويترز)

ولم يتوقف الأمر عند الميثاق السياسي. ففي فبراير/شباط 2026، أعلن تحالف “تأسيس” إجازة برنامج وموازنة الحكومة الموازية، إلى جانب استكمال اللوائح الداخلية، وتشكيل اللجان المتخصصة، والإعداد لسياسات العلاقات الخارجية والإدارة التنفيذية. وهي خطوات تعكس محاولة الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة البناء المؤسسي الفعلي.

لذلك، أصبحت مليشيا الدعم السريع تتصرف كفاعل سياسي يسعى إلى تثبيت واقع جديد على الأرض، بحيث تصبح أي تسوية مستقبلية مضطرة للتعامل مع مؤسساته باعتبارها جزءًا من المشهد السياسي القائم.

وثمة دافع آخر لا يقل أهمية. فبحسب بعض التقديرات، أراد تحالف “تأسيس” تسهيل عمليات استيراد السلاح عبر منح المشروع غطاءً سياسيًا يسمح للداعمين الخارجيين بالتعامل معه بصيغة أكثر رسمية. أو بعبارة أخرى، فإن مشروع الدولة الموازية لا يمثل مجرد محاولة للحكم، بل يؤدي أيضًا وظيفة لوجستية وسياسية تخدم استمرارية المشروع العسكري نفسه.

ماذا يعني إنشاء مجلس للأمن والدفاع في مناطق سيطرة الدعم السريع؟

أعلن محمد حمدان دقلو “حميدتي” في الأول من يونيو/حزيران 2026 تشكيل مجلس للأمن والدفاع ضمن هياكل حكومة “تأسيس”. ومنحه منذ اللحظة الأولى مهمة إعداد السياسات الاستراتيجية للأمن والدفاع، والإشراف على مشروع إنشاء جيش جديد، ما يجعله أقرب إلى مؤسسة سيادية عليا منه إلى لجنة مؤقتة أو جهاز تنفيذي محدود الصلاحيات. ووفق البيان الصادر عن حكومة “تأسيس” الموازية، سيتولى المجلس الإعداد لـ”جيش وطني جديد”.

وفي التجارب السياسية المعاصرة، يمثل مجلس الأمن والدفاع هيئة تنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية، إلى جانب كونه أحد أبرز رموز السيادة داخل الدولة. ففي معظم الدول، يتولى هذا المجلس رسم السياسات الدفاعية، واتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب والسلم، والإشراف على المؤسسات العسكرية والأمنية العليا. لذلك، فإن إنشاء مجلس مماثل داخل سلطة موازية يعني عمليًا الانتقال من إدارة مناطق نفوذ عسكري إلى محاولة بناء منظومة حكم تمتلك أدوات السيادة الأساسية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية إذا ما وُضعت ضمن سلسلة الإجراءات التي اتخذتها سلطة “تأسيس” خلال الأشهر الماضية. فمنذ إعلان الحكومة الموازية في يوليو/تموز 2025، لم يتوقف المشروع عند تشكيل مجلس رئاسي وحكومة تنفيذية، بل امتد إلى إنشاء هياكل تشريعية وإدارية وقضائية متدرجة.

ففي أبريل/نيسان 2026، أُعلن عن مجلس للأقاليم باعتباره هيئة رقابية وتمثيلية للأقاليم الثمانية المنصوص عليها في الدستور الانتقالي الذي أقره التحالف. كما عُقدت أولى جلساته في نيالا لاحقًا ضمن مسار يهدف إلى ترسيخ المؤسسات الدائمة وتوسيع البنية الإدارية للسلطة الموازية.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by نون بوست | NoonPost (@noonpost)

التوازي مع ذلك، أعلن التحالف تشكيل مجلس عدلي يتولى الإشراف على تعيين رئيس القضاء والنائب العام واستكمال هياكل السلطة القضائية والمحكمة الدستورية. وجاء القرار ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى إنشاء سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية تعمل خارج منظومة الدولة السودانية القائمة.

كما بدأت السلطة الجديدة في نيالا اتخاذ خطوات اقتصادية وإدارية لا تقل أهمية عن المؤسسات السياسية. ففي يناير/كانون الثاني 2026، ظهرت معلومات عن تحركات لإنشاء بنك مركزي ونظام مصرفي موازٍ في مناطق سيطرة الدعم السريع، وهي خطوة ترتبط مباشرة بمحاولة إدارة الموارد والتمويل بمعزل عن المؤسسات الموجودة في الخرطوم.

وفي محاولة لتأكيد استقلالها النقدي عن الحكومة السودانية، ذكر موقع “دارفور 24”، نقلًا عن تجار وسكان محليين، أن “حكومة تأسيس” الموازية ضخت كتلة نقدية جديدة في أسواق مدينة نيالا والمناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع عبر شركة المستقبل للخدمات المصرفية والمالية. وتحمل هذه الأوراق توقيع محافظ بنك السودان السابق محمد الفاتح زين العابدين (جنقول)، الذي عيّنته الحكومة الموازية محافظًا لبنك السودان التابع لها، وذلك بعد قرار الدعم السريع حظر تداول الفئات النقدية الصادرة بعد يونيو/حزيران 2024 والموقعة من المحافظ الحالي لبنك السودان برعي الصديق داخل مناطق سيطرته.

لذلك، لا يمكن النظر إلى مجلس الأمن والدفاع باعتباره مجرد تفصيل إداري داخل مشروع “تأسيس”. فالمجلس يأتي ضمن مسار متدرج لبناء مؤسسات حكم موازية، يبدأ بالمجلس الرئاسي والحكومة، ويمر بالمجالس القضائية والتشريعية والقطاع المالي، وصولًا إلى المؤسسة العسكرية الجديدة.

من هم الذين يريد حميدتي إدخالهم إلى الجيش الجديد؟

عندما أعلن مجلس الأمن والدفاع التابع لتحالف “تأسيس” أن من أولى مهامه الإشراف على بناء “جيش وطني جديد”، كان ذلك إعلانًا سياسيًا بامتياز. فالجيوش لا تُبنى بالمقاتلين والسلاح وحدهما، بل تقوم أيضًا على التحالفات والولاءات والهوية السياسية التي تقف خلفها.

ووفقًا للبيانات الصادرة عن تحالف “تأسيس”، فإن النواة الأولى لهذا الجيش ستتكون من قوات الدعم السريع، إلى جانب قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، والحركات المسلحة المنضوية في التحالف السياسي والعسكري الجديد. ويعكس هذا التوجه محاولة واضحة لتجاوز الصورة التقليدية للدعم السريع باعتباره قوة مرتبطة بقبائل أو مناطق بعينها، وتحويله إلى مظلة عسكرية أوسع تضم قوى متعددة تحت قيادة مركزية واحدة.

لكن هذا المشروع يواجه منذ بدايته معضلة جوهرية. فالقوات المرشحة للاندماج في الجيش الجديد لا تنتمي إلى خلفية عسكرية واحدة، ولا تستند إلى عقيدة قتالية مشتركة. فالدعم السريع نشأ أساسًا من تشكيلات شبه عسكرية تطورت من تجربة الجنجويد في دارفور، قبل أن تتحول إلى قوة رسمية مستقلة عن الجيش السوداني. أما الحركة الشعبية بقيادة الحلو، فتمثل امتدادًا لتجربة الحركة الشعبية التاريخية التي خاضت حروبًا طويلة ضد الدولة المركزية تحت شعارات “السودان الجديد” والعلمانية وحق تقرير المصير. وبين الطرفين تقف حركات مسلحة أخرى تختلف في تركيبتها الاجتماعية وأهدافها السياسية وخبراتها القتالية.

كما يسعى المشروع، بحسب تقديرات عدد من المراقبين، إلى استيعاب مجموعات محلية ومقاتلين من مناطق النزاع المختلفة، لا سيما في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. فالحرب الحالية أفرزت خلال سنواتها الثلاث آلاف المقاتلين المنخرطين في تشكيلات محلية وقبلية متعددة، قاتل بعضها إلى جانب الدعم السريع، بينما التزم بعضها الآخر الحياد أو تحرك وفق اعتبارات محلية بحتة. ويبدو أن مشروع الجيش الجديد يحاول استيعاب جزء من هذه القوى بدلًا من تركها خارج منظومة السلطة التي يجري بناؤها.

كما يراهن المشروع على جذب عناصر عسكرية من خارج التشكيلات الموقعة على الميثاق، بما في ذلك ضباط وجنود سابقون، أو شخصيات عسكرية تعارض القيادة الحالية للجيش السوداني. ورغم عدم وجود مؤشرات موثقة على حدوث انشقاقات واسعة داخل القوات المسلحة السودانية، فإن خطاب “تأسيس” يحرص على تقديم الجيش المقترح باعتباره مؤسسة قومية مفتوحة أمام مختلف المكونات العسكرية، لا مجرد إعادة تسمية لقوات الدعم السريع وحلفائها.

وتكشف هذه التشكيلة المقترحة عن هدف سياسي يتجاوز إعادة تنظيم القوات المقاتلة الموجودة بالفعل. فحميدتي يسعى إلى إعادة تعريف الجهة التي تمتلك حق تمثيل الدولة عسكريًا. ومن هذا المنظور، يصبح الجيش الجديد منافسًا مباشرًا للقوات المسلحة السودانية، لا قوة حليفة أو رديفة لها. لذلك يحرص خطاب “تأسيس” على استخدام مصطلحات من قبيل “الجيش الوطني”، بدل الحديث عن قوات مشتركة أو تحالف عسكري مؤقت.

ومع ذلك، فإن بناء جيش موحد من هذه المكونات المتباينة يظل تحديًا بالغ التعقيد. فالتجارب الإفريقية والعربية خلال العقود الماضية أظهرت أن دمج الحركات المسلحة والقوات غير النظامية داخل مؤسسة عسكرية واحدة لا يؤدي بالضرورة إلى إنتاج جيش مهني متماسك. وفي كثير من الحالات، تحولت الجيوش الناتجة عن مثل هذه الترتيبات إلى تحالفات هشة بين قوى متنافسة احتفظت بولاءاتها القديمة رغم وجود قيادة مركزية مشتركة.

لذلك، ترتبط معركة الجيش الجديد بالسؤال الأهم المتعلق بطبيعة الدولة التي يريد تحالف “تأسيس” بناءها. فإذا كان الجيش هو المؤسسة التي تحتكر العنف المشروع داخل الدولة، فإن هوية هذا الجيش وتركيبته الاجتماعية والسياسية ستحددان، في نهاية المطاف، شكل السلطة التي يسعى حميدتي إلى ترسيخها في المناطق الخاضعة لنفوذه، وربما في السودان كله إذا ما تغيرت موازين الحرب أو آلت التسوية السياسية المستقبلية إلى واقع جديد.

لماذا تمثل نيالا ودارفور مركزًا لمشروع حميدتي؟

مع انتقال تحالف الدعم السريع وحلفائه من مرحلة العمل العسكري إلى مرحلة بناء المؤسسات الموازية، برزت نيالا بوصفها المدينة الوحيدة تقريبًا التي تتوافر فيها الشروط السياسية والعسكرية والاقتصادية اللازمة لاحتضان هذا المشروع على المدى الطويل. فعلى المستوى العسكري، تمثل دارفور اليوم أكبر مساحة جغرافية متصلة تخضع، بدرجات متفاوتة، لنفوذ الدعم السريع وحلفائه.

وتتمتع نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، بموقع استراتيجي يميزها عن بقية مدن الإقليم. فهي ترتبط بشبكات تجارة وطرق عابرة للحدود مع تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا، كما تضم واحدًا من أكبر المطارات في غرب السودان. وخلال سنوات الحرب، تحولت المدينة إلى مركز رئيسي للحركة التجارية واللوجستية داخل مناطق سيطرة الدعم السريع، ما منحها أهمية تتجاوز دورها الإداري التقليدي.

مخيم كالما للنازحين على حدود نيالا (الفرنسية)

لكن الجغرافيا وحدها لا تفسر اختيار نيالا. فدارفور تمثل أيضًا العمق الاجتماعي والسياسي الأكثر أهمية لقيادة الدعم السريع. فالقوة التي نشأت أصلًا في بيئة النزاعات المسلحة بالإقليم ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على شبكات النفوذ والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تشكلت هناك خلال العقود الماضية. لذلك تبدو دارفور، بالنسبة إلى قيادة الدعم السريع، المنطقة الأكثر قابلية لاستيعاب مشروع سياسي جديد مقارنة بمناطق أخرى ما تزال فيها مؤسسات الدولة المركزية أكثر حضورًا.

كما يمتلك الإقليم عاملًا إضافيًا بالغ الأهمية يتمثل في موقعه الحدودي. فدارفور تتصل بأربع دول هي تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، ما يمنح أي سلطة تسيطر عليها هامشًا واسعًا للحركة التجارية واللوجستية بعيدًا عن الموانئ والمراكز الاقتصادية الخاضعة للحكومة في الخرطوم. وفي ظل الحرب المستمرة، أصبحت هذه الحدود شرايين حيوية للتجارة ونقل السلع وحركة الأفراد والتهريب، فضلًا عن أهميتها العسكرية المعروفة.

ويبدو أن قادة “تأسيس” يدركون هذه الميزة جيدًا. فمنذ الإعلان عن الحكومة الموازية، جرى توجيه جزء كبير من الخطاب السياسي نحو تقديم نيالا باعتبارها مركزًا لإدارة مؤسسات الدولة الجديدة. كما استضافت المدينة اجتماعات متتالية للمجلس الرئاسي والمجالس الانتقالية والهيئات التي أُعلن عنها خلال الأشهر الماضية، في محاولة لترسيخ صورتها بوصفها العاصمة الفعلية للمشروع السياسي الجاري بناؤه.

إلى جانب ذلك، توفر دارفور موردًا لا يقل أهمية عن الموقع الجغرافي، وهو الموارد الاقتصادية. فالإقليم يضم مناطق واسعة لتعدين الذهب، ويمثل عقدة رئيسية في تجارة الماشية والسلع العابرة للحدود. وعلى الرغم من صعوبة الحصول على أرقام دقيقة في ظل الحرب، فإن السيطرة على هذه الموارد تمنح أي سلطة محلية قدرة أكبر على تمويل مؤسساتها ودفع رواتب مقاتليها وموظفيها، وهو عنصر أساسي لاستمرار أي مشروع حكم موازٍ.

ومع ذلك، فإن تحويل نيالا إلى عاصمة فعلية لمشروع سياسي جديد لا يخلو من تحديات كبيرة. فالإقليم ما يزال يشهد نزاعات قبلية وأمنية متكررة، كما أن المسيّرات التابعة للجيش السوداني قادرة على الوصول إلى معظم أنحاء دارفور واستهداف مواقع داخلها، ما يجعل أي محاولة لترسيخ مؤسسات حكم مستقرة عرضة لضغوط أمنية وعسكرية مستمرة.

كيف تتحول المؤسسات الموازية إلى خطوة عملية نحو تقسيم السودان؟

حتى الآن لا يوجد إعلان رسمي من الدعم السريع أو تحالف “تأسيس” يدعو إلى انفصال دارفور أو تقسيم السودان، إذ ما زالت الوثائق والخطابات الصادرة عن التحالف تتحدث عن السودان الموحد والدولة الجديدة وإعادة تأسيس البلاد على أسس مختلفة. لكن تاريخ الصراعات الأهلية يبين أن الانقسامات السياسية تبدأ ببناء مؤسسات حكم منفصلة عن الدولة المركزية.

فالدولة مجموعة من المؤسسات التي تحتكر إدارة الأرض والسكان والموارد. وعندما تمتلك جهة ما حكومة مستقلة، وجيشًا مستقلًا، وأجهزة أمنية خاصة بها، ونظامًا قضائيًا منفصلًا، وإدارة مالية خاصة، فإنها تبدأ عمليًا في أداء وظائف الدولة حتى لو لم تعلن نفسها دولة مستقلة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن قيادة الدعم السريع اتخذت قرارًا استراتيجيًا بالانفصال. فهناك تفسير آخر لا يقل أهمية، وهو أن هذه المؤسسات قد تكون جزءًا من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى رفع سقف النفوذ السياسي في أي تسوية مستقبلية. فكلما نجح التحالف في ترسيخ مؤسسات حكم فعلية على الأرض، أصبح من الصعب تجاهله أو التعامل معه بوصفه مجرد حركة مسلحة يمكن نزع سلاحها وإقصاؤها من المشهد السياسي.

لكن المشكلة أن الوقائع التي تُبنى لأغراض تفاوضية قد تتحول مع مرور الزمن إلى حقائق سياسية مستقلة. فكل مؤسسة جديدة تنشأ خارج إطار الدولة المركزية تخلق مصالح ونخبًا وشبكات اقتصادية وأمنية خاصة بها. ومع مرور الوقت يصبح تفكيك هذه البنية أكثر صعوبة حتى لو توصلت الأطراف إلى اتفاق سياسي. وهذا ما حدث بدرجات متفاوتة في تجارب عديدة شهدت ظهور سلطات موازية قبل أن تتحول لاحقًا إلى كيانات شبه مستقلة أو دول منفصلة.

كما أن استمرار الحرب لفترة طويلة يمنح هذه المؤسسات فرصة إضافية للنمو والتجذر. فكلما طال أمد الصراع، ازدادت حاجة السكان المحليين إلى خدمات وإدارات ومحاكم وأجهزة أمنية تتعامل مع شؤونهم اليومية. وفي حال نجحت المؤسسات الموازية في أداء بعض هذه الوظائف، فإنها قد تكتسب شرعية عملية بحكم الأمر الواقع.

ومع ذلك، فإن الحديث عن تقسيم السودان ما يزال سابقًا لأوانه. فالدعم السريع لا يملك اعترافًا دوليًا بحكومته الموازية، والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ما زالا يعترفان بالحكومة السودانية بوصفها الممثل الرسمي للدولة. كما أن التركيبة السكانية والاقتصادية للسودان تجعل أي مشروع انفصال أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان سياسي أو سيطرة عسكرية على إقليم بعينه.

لذلك قد لا يكون السؤال الأكثر دقة هو ما إذا كان السودان يتجه نحو التقسيم، بل ما إذا كانت الحرب تدفع البلاد نحو واقع جديد تصبح فيه إعادة بناء الدولة الموحدة أكثر صعوبة مع كل يوم يمر.

كيف تؤثر الإمارات وكينيا وتشاد وشرق ليبيا في مشروع الدولة الموازية؟

لا يمكن فهم مشروع “تأسيس” بوصفه تطورًا داخليًا سودانيًا خالصًا. فمثلما تعتمد الدول على بيئاتها الإقليمية في تثبيت سلطتها وتوسيع نفوذها، تحتاج الكيانات الناشئة إلى فضاء خارجي يسمح لها بالحركة السياسية والاقتصادية واللوجستية. ومن هذا المنظور، تبدو قصة الدولة الموازية التي تحاول الدعم السريع بناءها مرتبطة إلى حد كبير بشبكة من العلاقات والحدود والمصالح تمتد خارج السودان نفسه.

وتبرز الإمارات في مقدمة الأطراف الأكثر ارتباطًا بالجدل الدائر حول الحرب السودانية. فمنذ اندلاع النزاع في أبريل 2023، وجهت الحكومة السودانية اتهامات متكررة لأبوظبي بتقديم الدعم لمليشيا الدعم السريع، كما أشارت تقارير دولية متعددة إلى وجود دعم عسكري ولوجستي ومرتزقة عبر شبكات معقدة للدعم السريع، إلى جانب شبكات تهريب الذهب وتوفير الغطاء الدبلوماسي في المحافل الدولية.

وبغض النظر عن الجدل المرتبط بالدعم العسكري، فإن أهمية الإمارات بالنسبة لمشروع الدولة الموازية تتجاوز الجانب العسكري المباشر. فالدعم السريع يحتاج إلى منافذ مالية وتجارية وعلاقات إقليمية تساعده على تجاوز العزلة التي تفرضها الحرب. وفي النزاعات المعاصرة لا يقل التمويل وشبكات التجارة أهمية عن السلاح نفسه، خصوصًا بالنسبة لسلطة تحاول بناء مؤسسات إدارية وعسكرية مستقرة في منطقة معزولة عن المركز السياسي التقليدي للدولة.

على المستوى السياسي، لعبت كينيا دورًا محوريًا منذ استضافتها اجتماعات فبراير 2025 التي أنتجت الميثاق التأسيسي لتحالف “تأسيس”، وهو الاتفاق الذي مثّل نقطة الانطلاق الرسمية لمشروع الحكومة الموازية. لكن الجدل حول دور نيروبي لم يتوقف عند استضافة الاجتماعات السياسية. فقد تحدثت تقارير إعلامية وتحقيقات متعددة عن رصد طائرات مسجلة في كينيا وهي تنقل إمدادات إلى نيالا، كما نُسب إليها نقل جرحى من قوات الدعم السريع خلال مراحل مختلفة من الحرب.

وفي يونيو 2025، اتهمت الحكومة السودانية كينيا بالعمل كقناة لتزويد الدعم السريع بالأسلحة، وهو ما نفته نيروبي بشدة، مؤكدة أن دورها يقتصر على الوساطة السياسية والجهود الإنسانية. وزاد الجدل بعد تدمير الجيش السوداني في مايو 2025 طائرة شحن من طراز بوينغ 737 مسجلة في كينيا داخل مطار نيالا، وقال إنها كانت تستخدم في نقل إمدادات عسكرية مرتبطة بالدعم السريع. وقد دفعت هذه التطورات بعض الأصوات داخل الولايات المتحدة إلى المطالبة بالتحقيق في طبيعة العلاقات بين كينيا والدعم السريع، خصوصًا بعد حصول نيروبي على صفة “حليف رئيسي من خارج الناتو” عام 2024.

وفي المقابل، تمثل تشاد وشرق ليبيا البعد اللوجستي للمسألة أكثر من أي شيء آخر. فخلال السنوات الأولى للحرب شكلت الحدود التشادية أحد أهم المنافذ التي عبرت من خلالها الإمدادات إلى دارفور، لكن تقارير استخباراتية وتسريبات إعلامية حول شحنات عسكرية ومنظومات دفاع جوي عبر الأراضي التشادية وضعت نجامينا تحت ضغوط متزايدة، ما دفعها إلى اتخاذ مسافة أكبر من الدعم السريع ومحاولة تجنب الظهور كطرف مباشر في النزاع.

وفي حالة تشاد، تبدو الجغرافيا أكثر أهمية من السياسة المعلنة. فالحدود الممتدة بين دارفور وتشاد تمثل أحد أهم الشرايين الحيوية للإقليم منذ عقود طويلة. وخلال الحرب الحالية اكتسبت هذه الحدود أهمية إضافية بسبب حركة اللاجئين والتجارة ونقل السلع والاتصالات الاجتماعية الممتدة بين المجتمعات على جانبي الحدود. ومن جهة أخرى لا تستطيع تشاد تجاهل التطورات الجارية في دارفور بسبب التأثير المباشر لأي تغيرات أمنية أو سياسية على استقرارها الداخلي.

لوجستيًا، ومع تراجع أهمية المسار التشادي، اتجهت الأنظار شمالًا نحو مدينة الكفرة الليبية الواقعة في شرق ليبيا تحت نفوذ قوات خليفة حفتر، والتي تحولت تدريجيًا إلى مركز لوجستي مهم يربط دارفور بالفضاء الصحراوي الممتد بين ليبيا والسودان ومصر، خصوصا بعد سيطرة مليشيا الدعم السريع على المثلث الحدودي.

فالمناطق الجنوبية الشرقية من ليبيا تشكل منذ سنوات ممرًا مهمًا للحركة التجارية وغير النظامية عبر الصحراء الكبرى. وخلال الحرب السودانية ظهرت تقارير متعددة تحدثت عن استخدام طرق وممرات تمتد عبر جنوب وشرق ليبيا في حركة الإمدادات والأنشطة اللوجستية والعسكرية المرتبطة بالدعم السريع.

حظيرة طائرات أُعيد بناؤها جزئيًا في مطار الكفرة، كما تظهر في صورة أقمار صناعية التُقطت في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2025- Vantor

ولا يتعلق الأمر هنا فقط بنقل السلاح أو المقاتلين، بل بطبيعة الجغرافيا نفسها. فدارفور ليست إقليمًا مغلقًا داخل حدود السودان، وإنما جزء من فضاء صحراوي واسع ومترابط يمتد نحو ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى. وكل مشروع سلطة ينشأ في الإقليم سيكون مضطرًا للتعامل مع هذه الشبكات العابرة للحدود، سواء أراد ذلك أم لا.

في النهاية، لا تبدو الإمارات وكينيا وتشاد وشرق ليبيا أطرافًا منفصلة عن قصة الدولة الموازية التي يحاول الدعم السريع بناؤها، بل تمثل كل منها نوعًا مختلفًا من البيئة التي يحتاجها المشروع للاستمرار. فهناك فضاء سياسي يوفر منصات للحركة الدبلوماسية، وفضاء اقتصادي يساعد على التمويل والتجارة، وفضاء جغرافي يربط دارفور بمحيطها الإقليمي، وفضاء أمني تتحرك عبره الإمدادات والشبكات العابرة للحدود.

ختامًا

عندما اندلعت الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، بدا الصراع في جوهره معركة على السلطة داخل الدولة. لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، فالتطور الأبرز الذي أفرزته الحرب يتمثل في ظهور مشروع سياسي يسعى إلى بناء مؤسسات حكم كاملة خارج إطار الدولة المركزية.

فمن الحكومة والمجلس الرئاسي إلى مجلس الأمن والدفاع، ومن مشروع الجيش الجديد إلى المجالس القضائية والإدارية، أصبحت مليشيا الدعم السريع وداعميها تتحرك بوصفها فاعلًا يحاول إنتاج سلطة موازية تمتلك مقومات البقاء والاستمرار داخل المجال الذي تسيطر عليه.

ولا يعني ذلك أن هذا المشروع أصبح دولة مكتملة الأركان أو أنه يسير حتمًا نحو الانفصال. فما تزال أمامه عقبات كبيرة تتعلق بالاعتراف الدولي والقدرة المؤسسية والتحديات الأمنية والاقتصادية، فضلًا عن استمرار الحرب نفسها، واحتمالية توسيع الجيش السوداني سيطرته على كردفان ودارفور. لكن المؤكد أن مجرد الشروع في بناء هذه المؤسسات يغير طبيعة الصراع ويعيد صياغة الأسئلة المطروحة حول مستقبل السودان.

لهذا ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان الدعم السريع سينجح في بناء دولته الموازية أم لا، بل ما إذا كان السودان سيستطيع استعادة فكرة الدولة الواحدة قبل أن تتحول الانقسامات التي أنتجتها الحرب إلى واقع سياسي دائم. 

علاماتأزمات السودان ، الأزمة السودانية ، الجيش السوداني ، الحرب في السودان ، الدعم السريع
مواضيعالحرب في السودان ، السودان ، السودان من الداخل ، الشأن السوداني ، قوات الدعم السريع

قد يعجبك ايضا

سياسة

العراق تحت الضغط الأميركي: اختبار الحكومة والسيادة والفصائل

عماد عنان٢ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

كيف بدأت إسرائيل سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟

إيلان بابي٢ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

فيدان يقرأ لحظة ما بعد الحرب.. هل تحاول تركيا قلب معادلة التطبيع؟

زيد اسليم٢ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑