في منتصف مايو/أيار الماضي، أجرى المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، الجنرال ديفيد بترايوس، زيارة لافتة إلى العاصمة العراقية بغداد، عقد خلالها سلسلة لقاءات مع مسؤولين عراقيين بارزين من مستويات سياسية وقضائية وعسكرية، من دون إعلان مسبق لطبيعة الزيارة أو الصفة التي حملها خلالها.
فتحت هذه الزيارة الباب أمام قراءات سياسية وأمنية واسعة، خاصة في ظل توقيتها المتزامن مع تصاعد الضغوط الأميركية على بغداد لإعادة ضبط مسارها الأمني والسياسي، وفي مقدمة ذلك ملف الفصائل المسلحة الحليفة لإيران، التي باتت تُنظر إليها أميركيًا بوصفها الذراع الأهم المتبقية لطهران في المنطقة، والأكثر قدرة على خدمة أجنداتها الإقليمية بعد التحولات الأخيرة في غزة ولبنان وسوريا.
وسبقت زيارة بترايوس ضغوط أميركية مباشرة ومعلنة من إدارة دونالد ترامب بشأن شكل الحكومة العراقية المقبلة وهوية مرشحها، إذ أبدى الرئيس الأميركي اعتراضًا واضحًا على ترشيح نوري المالكي، ما دفع قوى الإطار التنسيقي إلى إعادة حساباتها والدفع باسم علي الزيدي بدلًا منه، رغم وجود توافق سابق حول المالكي.
وتأتي هذه التطورات ضمن موجة ضغط أميركية مكثفة على العراق، تجمع بين الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية، في محاولة للتأثير في توازنات الحكم ومسار القرار الداخلي، غير أن خطورة هذه الضغوط تكمن في أنها تعمّق المخاوف من تآكل هامش السيادة الوطنية العراقية، بعدما تحولت بغداد إلى واحدة من أبرز ساحات الاشتباك غير المباشر بين واشنطن وطهران، وإلى عقدة مركزية في صراع النفوذ الإقليمي والدولي.
لماذا العراق الآن؟
رغم أن النفوذ الإيراني في العراق يمتد لسنوات طويلة، فإن درجة التركيز الأميركي على الساحة العراقية خلال المرحلة الراهنة تبدو لافتة وغير مسبوقة، خاصة بعد حرب غزة وما أعقبها من تصعيد واسع ضد إيران وحلفائها.
ففي لحظة إقليمية تعرضت فيها حماس لضربات قاسية في غزة، واتسع هامش الحركة الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان، وتراجع الحضور الإيراني في سوريا بعد انهيار أحد أهم حلفاء طهران، برز العراق بوصفه الساحة الأخيرة التي ما زالت تحتضن شبكة النفوذ الإيراني الأكثر اكتمالًا وتشعبًا.
من هنا يمكن فهم التصاعد الأميركي، ومعه بعض النقاشات الخليجية، حول ملف الفصائل العراقية، وكذلك تعيين شخصية مثل توم باراك مبعوثًا خاصًا للعراق، فالرسالة هنا لا تبدو دبلوماسية تقليدية، ولا تتعلق فقط بإدارة العلاقات الثنائية مع بغداد، بل تشير إلى أن واشنطن تنظر إلى العراق باعتباره ساحة إعادة تشكيل سياسي وأمني، وربما الحلقة الأكثر حساسية في معادلة النفوذ الإيراني بالمنطقة.
مجلس الأمن الوطني العراقي يمنح الحشد الشعبي والأجهزة الأمنية الأخرى حق التصدي والرد على الهجمات الجوية الأمريكية التي تستهدف مقار وتشكيلات الحشد والقوات المسلحة pic.twitter.com/IjNzAJhwY8
— نون بوست (@NoonPost) March 25, 2026
وتسعى الولايات المتحدة، في هذا السياق، إلى تقليم أظافر طهران داخل العراق عبر تضييق الخناق على فصائل الحشد الشعبي وتجريدها تدريجيًا من أدوات القوة السياسية والأمنية والعسكرية، فهذه الفصائل، من المنظور الأميركي، لا تمثل مجرد قوى محلية مسلحة، بل إحدى آخر طبقات الحماية المتقدمة للمشروع الإيراني بعد تراجع أذرعه في أكثر من ساحة.
لذلك، فإن بقاء النفوذ الإيراني في بغداد يشكل تحديًا مباشرًا للأجندة الأميركية في الشرق الأوسط، وقد يعرقل كثيرًا من الأهداف التي تسعى واشنطن ومن خلفها تل أبيب إلى تحقيقها في مرحلة ما بعد التصعيد مع إيران، فالعراق، بما يحمله من ثقل جغرافي وسياسي ومذهبي وأمني، ليس ساحة هامشية في هذا الصراع، بل قد يكون الحلقة قبل الأخيرة في مسار تفكيك النفوذ الإيراني قبل الانتقال إلى مواجهة طهران وهي أكثر عزلة وأقل قدرة على المناورة.
ومن هنا تحديدًا جاء الضغط الأميركي المكثف على بغداد في هذا التوقيت الاستثنائي؛ فالمعركة لم تعد فقط حول الفصائل، ولا حول شكل الحكومة العراقية المقبلة، بل حول مستقبل العراق نفسه: هل يبقى مساحة نفوذ إيراني متقدمة، أم يتحول إلى نقطة انكسار كبرى في المشروع الإقليمي لطهران؟
بوابات الضغط الأمريكي
بات واضحًا أن واشنطن لم تعد تنظر إلى بغداد باعتبارها ملفًا أمنيًا محدودًا، أو ساحة ترتبط فقط بوجود القوات الأميركية وحماية المصالح والقواعد داخل العراق، فالضغط الأميركي الراهن تجاوز هذا الإطار التقليدي، وتحول إلى أداة لإعادة ضبط البوصلة السياسية والأمنية داخل الدولة العراقية نفسها، وإعادة تشكيل ميزان القوة، وتحديد من يمتلك القرار، ومن يدير المشهد عسكريًا وسياسيًا، عبر أدوات ضغط ممنهجة ونافذة.
ومن هذا المنطلق، تتحرك واشنطن عبر ثلاثة مسارات رئيسية، الأول هو المسار الأمني، والذي يتعلق بمحاولة تجريد فصائل الحشد الشعبي الموالية لطهران من مصادر قوتها، سواء عبر تقليص نفوذها، أو ضبط سلاحها، أو دفعها نحو الاندماج داخل مؤسسات الدولة بوصفها قوة منضبطة لا لاعبًا عسكريًا مستقلًا، والهدف الأميركي هنا هو إخراج هذه الفصائل تدريجيًا من المجالين السياسي والعسكري، أو على الأقل تحويلها إلى قوة قابلة للاحتواء داخل بنية الدولة العراقية.
غير أن هذا المسار يصطدم بمعضلة معقدة؛ فهذه الفصائل لم تعد كيانًا هامشيًا أو طارئًا، بل أصبحت منذ عام 2016 جزءًا من شبكة السلطة وموازين الحكم والنفوذ داخل العراق، لذلك، فإن الاستجابة للشروط الأميركية بشأن تقليص دورها أو تجريدها من السلاح تبدو شديدة الصعوبة، لأن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تُقرأ من جانب هذه الفصائل باعتبارها استهدافًا وجوديًا لا إصلاحًا مؤسسيًا، وهو ما قد يفتح الباب أمام ارتدادات أمنية وسياسية تتجاوز العراق إلى الإقليم بأكمله.
• كشف قيادي في الإطار التنسيقي بالعراق عن إلغاء اجتماع كان مقررًا لحسم ترشح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، موضحًا أن انعقاده أصبح غير ذي جدوى في ظل إصرار المالكي على خوض السباق رغم الضغوط.
• أوضح المصدر أن قوى داخل الإطار تدرك صعوبة تمرير الترشيح بسبب جدية واشنطن في التلويح… pic.twitter.com/egKLQSRIE3
— نون بوست (@NoonPost) February 20, 2026
أما المسار الثاني فهو المسار السياسي، حيث تسعى واشنطن إلى التأثير في هوية الشخصيات التي تتقدم لإدارة الدولة، بحيث لا تكون، -إن لم تكن قريبة من الولايات المتحدة-، منضوية بالكامل تحت المظلة الإيرانية، ومن هنا يمكن فهم الاعتراض الأميركي على طرح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، رغم علاقاته السابقة والجيدة مع واشنطن، إذ إن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالعلاقات الشخصية، بل بموقع المرشح داخل توازنات النفوذ الإيراني في العراق، وينسحب الأمر نفسه على الفصائل، حيث ترفض واشنطن إدماج وجوه مرتبطة بها في الحكومة أو تمكينها من المواقع الحساسة داخل الدولة.
أما المسار الثالث، وربما الأكثر تأثيرًا وحضورًا، فهو المسار الاقتصادي، فهذا المسار يمثل العصا الأميركية الأشد فاعلية لتحقيق الهدفين الأمني والسياسي، من خلال التلويح بالعلاقات المصرفية، وشحنات الدولار، وورقة العقوبات، والإفراج عن الأرصدة المجمدة، والقيود المالية التي يمكن أن تخنق جزءًا مهمًا من حركة الدولة والسوق في العراق، وتكمن خطورة هذا المسار في أنه لا يضغط على طرف واحد فقط، بل يمس الجميع، القوى القريبة من واشنطن، والقوى القريبة من طهران، والدولة العراقية نفسها.
الحكومة في مأزق
هنا تجد الحكومة العراقية نفسها أمام مأزق بالغ التعقيد، وربما أمام معادلة شبه مستحيلة: كيف تُرضي واشنطن من دون أن تُغضب البيت الشيعي؟ وكيف تطمئن الفصائل من دون أن تخسر الغطاء والدعم الأميركي؟ وبين هذين الحدّين، تبدو حكومة الزيدي في موقع إدارة التناقضات أكثر من كونها صاحبة قرار مستقل قادر على فرض خياراته بعيدًا عن ضغوط الداخل والخارج.
سياسيًا، لم يعد مأزق تشكيل الحكومة محصورًا في توازنات الداخل العراقي التقليدية بين الإطار التنسيقي والقوى السنية والأكراد، بل تجاوزه إلى مستوى أكثر حساسية، حيث باتت الضغوط الخارجية حاضرة في تحديد طبيعة الشخصيات المرشحة لدخول الحكومة، وحدود قربها أو بعدها عن إيران والفصائل، فضلًا عن دفع ملفات شديدة الحساسية إلى طاولة التفاوض، وهذا ما يزيد عملية التشكيل تعقيدًا، ويطيل أمدها، ويربك حسابات القوى العراقية التي لم تعد تتحرك داخل هامش وطني خالص، بل داخل شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية والدولية.
أما أمنيًا، فالمعادلة تبدو أكثر اشتعالًا. فأي اندفاع حكومي نحو الاستجابة الكاملة للشروط الأميركية، سواء عبر تقليم نفوذ الفصائل أو تجريدها سياسيًا وأمنيًا، قد يُفجر التوازنات الداخلية ويفتح الباب أمام ارتدادات خطيرة داخل العراق وربما خارجه، وفي المقابل، فإن تجاهل هذه المطالب أو المماطلة فيها قد يعرّض العراق لضغوط مالية وسياسية أوسع، ويضع الدولة بكاملها، لا الفصائل وحدها، أمام مأزق خانق.
اختبار السيادة في وقت حساس
لا شك أن الضغوط الأميركية على العراق تمتلك وزنًا وتأثيرًا واضحين، ومن شأنها أن تقلّص هامش المناورة أمام الحكومة العراقية، غير أن تضخيم حجم النفوذ الأميركي إلى ما يتجاوز حدوده الفعلية قد يؤدي إلى قراءة غير دقيقة للمشهد؛ فهذا النفوذ، على قوته، يصطدم بجملة من العوامل التي تحدّ من قدرته على فرض مسار كامل داخل العراق.
أولى هذه العوامل أن الفصائل الموالية لإيران لم تعد كيانات هشة أو هامشية يمكن استبعادها بقرار خارجي أو تسوية سياسية سريعة، بل أصبحت متوغلة في مفاصل السياسة والأمن والاقتصاد، وتشكل رقمًا صعبًا في المعادلة العراقية، كما أن إيران ما زالت تمتلك أدوات تأثير عميقة داخل العراق، تجعل من استئصال نفوذها مسألة شبه مستحيلة، لا سيما أن أي صدام مباشر مع هذه الفصائل قد يفتح الباب أمام اضطرابات أمنية واسعة، وربما انزلاق خطير إلى مواجهة داخلية ذات طابع طائفي لا يمكن التنبؤ بحدودها أو مآلاتها.
هذه المعطيات تقلل نسبيًا من قدرة واشنطن على فرض شروطها بالكامل، وتمنح الحكومة العراقية مساحة محدودة للموازنة والمناورة، بما يمنعها من الانبطاح الكامل أمام المطالب الأميركية، لكنها في المقابل لا تمنح بغداد استقلالًا حقيقيًا في القرار، بل تضعها داخل معادلة أكثر تعقيدًا، حيث تتحرك بين ضغط أميركي متصاعد ونفوذ إيراني متجذر ومخاوف داخلية من الانفجار.
برّرت وزارة الخارجية الأمريكية هذه الخطوة بما وصفته بـ”إخفاق” الحكومة العراقية في كبح هجمات الفصائل المسلحة الموالية لإيران
مرّر لقراءة الاقتباس 📲
زر موقعنا الإلكتروني لقراءة تقرير @Emad_Anan كاملًا👇https://t.co/TGkofIs9Li pic.twitter.com/lfypCwdvMc— نون بوست (@NoonPost) April 24, 2026
ومن هنا يتعمق الخطر الأكبر على السيادة العراقية؛ فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود نفوذ خارجي، بل في أن القرارات المصيرية، مثل تشكيل الحكومة، وضبط السلاح، وتحديد شكل العلاقة مع إيران والولايات المتحدة، باتت محكومة بمنطق “تجنب الانفجار” أكثر من كونها محكومة بمنطق “بناء الدولة”، وهذا يعني أن العراق لا يتحرك وفق رؤية وطنية خالصة بقدر ما يدير أزمات متراكمة بين قوى داخلية مسلحة وضغوط خارجية متعارضة.
في المحصلة، يمكن القول إن النفوذ الأميركي، رغم ثقله وحضوره، لا يبدو قادرًا وحده على إعادة رسم الخريطة العراقية وفق مقاربته وشروطه بصورة مطلقة، لكنه في المقابل يمتلك من الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية ما يكفي لتضييق خيارات بغداد ودفعها إلى مراجعات قسرية في ملفات شديدة الحساسية، وعلى الجانب الآخر، قد لا يكون النفوذ الإيراني قادرًا على حماية مواقعه السابقة بالصلابة ذاتها، لكنه لا يزال كافيًا لمنع أي تحول حاد وسريع ضده داخل المعادلة العراقية.
ومن هنا تبدو الحكومة العراقية عالقة في مساحة رمادية معقدة؛ فلا هي تملك رفاهية المواجهة الكاملة مع واشنطن، ولا القدرة على التحرر الكامل من ثقل النفوذ الإيراني وشبكة الفصائل المرتبطة به، وهذا ما يجعلها أمام اختبار يتجاوز فكرة تشكيل حكومة جديدة أو توزيع حقائب وزارية، إلى اختبار أعمق يتعلق بهوية القرار العراقي نفسه وحدود استقلاله.
فالسؤال الحقيقي لم يعد فقط من يشارك في الحكومة؟ بل تساؤلات أخرى تمس السيادة في المقام الأول، من يختار وعلى أي أساس ووفق أي مقاربة، فهل تستطيع بغداد أن توازن بين واشنطن وطهران من دون أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بينهما؟ أم أن الضغوط الأميركية المتصاعدة ستدفع الحكومة الجديدة إلى مواجهة مبكرة مع القوى التي ساهمت، خلال السنوات الماضية، في صناعة جزء أساسي من معادلة الحكم والنفوذ داخل العراق؟