• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف ستعيد الجمهورية الإسلامية بشكلها الجديد صياغة الشرق الأوسط؟

نرجس باجوغلي٤ يونيو ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير نون بوست

في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير/ شباط 2026، بدت الجمهورية الإسلامية منهكة وضعيفة. دمر قصف واسع النطاق الصناعة والبنية التحتية، وأدى الحصار البحري الأمريكي إلى تدهور الاقتصاد المتردي أصلا. في أوائل شهر مارس/ آذار، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية قائلاً: “لقد دمرنا إمبراطورية الشر بأكملها”. وبعد أسابيع، أعلن عن “النصر الشامل والكامل”.

لكن بعد مرور ثلاثة أشهر، تبدو الصورة مختلفة تمامًا، حيث لا تزال إيران تحتفظ بقدراتها العسكرية والصناعية. ورغم الدعوة التي وجهها ترامب للإيرانيين للإطاحة بالنظام، إلا أنه لا توجد أي انتفاضة شعبية تلوح في الأفق. ثبت أن الهدف الأولي للحرب – وهو توجيه ضربة قاضية للجمهورية الإسلامية – غير قابل للتحقيق.

بدلًا من كسر شوكة إيران، أدت محنة الحرب إلى تحوّلات غير متوقعة. من أجل البقاء وتحقيق مزايا استراتيجية جديدة، كان على نظام الجمهورية الإسلامية التكيف والابتكار، وتغيير طريقة خوض الحرب، وإدارة الدولة، وإدارة المجتمع. وكان عليها القيام بذلك بسرعة غير مسبوقة.

طهران الآن واثقة مما حققته ومصممة على ترسيخ تلك المكاسب في الداخل والخارج. لقد أدت الحرب إلى ظهور إيران جديدة ستعيد تشكيل الشرق الأوسط وتؤثر على مسار الجغرافيا السياسية لسنوات قادمة.

انتقال هادئ للسلطة

شعرت إسرائيل والولايات المتحدة أن النظام الإيراني منهك بعد حرب الـ 12 يوماً في يونيو/ حزيران 2025 والانتفاضة الشعبية في يناير/ كانون الثاني 2026، وأطلقتا حملة جوية على إيران في 28 فبراير/ شباط. توقعتا تحقيق نصر سريع من خلال اغتيال أبرز قادة النظام، لكن قطع رأس القيادة لم يؤد إلى انهيار النظام، بل فتح الباب أمام جيل جديد لتولي زمام السلطة.

يرى العديد من المراقبين الغربيين أن القيادة الجديدة التي برزت خلال الحرب، والتي يسيطر عليها الحرس الثوري الإسلامي، أكثر تشددًا أيديولوجيًا ونزوعًا للمواجهة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل. ولكن هذا ليس دقيقًا تمامًا، حيث إن ما يميزها حقًا هو أمر أكثر دقة وأعمق أثرًا.

يركز المراقبون خارج إيران على عدد من كبار القادة مثل مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد، ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وأحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري. لكن الأهم من ذلك هو التحول الذي طرأ على الصفوف الأدنى: جيل جديد من قادة الحرس الثوري والمسؤولين الأمنيين المدنيين الذين نشأوا بعد ثورة عام 1979. هم يشغلون الآن مناصب حيوية في دائرة صنع القرار، كما أن نظرتهم القومية لإدارة الدولة والأمن تعيد صياغة هوية الجمهورية الإسلامية.

تشكّلت رؤى الجيل المؤسس للثورة، لا سيما روح الله الخميني وعلي خامنئي، من خلال معارضتهم الطويلة لحكم محمد رضا شاه بهلوي المدعوم من الولايات المتحدة، والسنوات التي أمضوها في سجون الشاه أو في المنفى.

أما ألئك الذين يمسكون بزمام الأمور اليوم، وهم الجيل الثاني للثورة، بمن فيهم مجتبى خامنئي وقاليباف ووحيدي، فقد كانوا في سن المراهقة والشباب خلال الحرب الإيرانية العراقية، وتشكّلت رؤيتهم للعالم في خنادق أطول حرب تقليدية في القرن العشرين.

أما القيادات التي تمثل الطبقة الإدارية الجديدة في صلب النظام والقوات المسلحة الإيرانية، وهم الجيل الثالث للثورة، فلا يعرفون سوى إيران ما بعد الثورة. تبنى هذا الجيل من ضباط القوات المسلحة والحرس الثوري، وبقية المؤسسات الأمنية، ثقافة تكنوقراطية منضبطة ورؤية استراتيجية تتمحور حول الدفاع عن الوطن، وليس الأيديولوجيا الثورية. وهم يقودون البلاد حاليا بثقة القادة الذين يعتقدون أنهم نجحوا في الدفاع عن إيران في حربين ضد قوى تتفوق عليهم عسكريًا (حرب الأيام الـ12 العام الماضي، والحرب الحالية)، محققين بذلك وعودا أطلقتها الثورة في الماضي: إضعاف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط بشكل ملموس.

كان المرشد الأعلى السابق، آية الله علي خامنئي، الذي قُتل في اليوم الأول من حرب فبراير/ شباط، نتاجًا للتيارات الفكرية والسياسية في إيران ما قبل الثورة على نظام الشاه. وقد صُقلت خبراته السياسية من خلال النقاشات مع قوميين علمانيين ويساريين وليبراليين شاركوه أهدافه المتمثلة في إسقاط الملكية ومواجهة الإمبريالية الغربية. وبمجرد وصولهم إلى السلطة، فرض قادة الثورة أيديولوجيتهم، لكنهم لم يتغلبوا قط على الشعور بعدم الأمان بسبب فرض رؤيتهم على مجتمع يرفض الانصياع لهم بشكل كامل.

جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران، مايو/ أيار 2026

أما الجيل الجديد فلا يعرف شيئاً من ذلك. غالبيتهم كانوا أطفالاً إبان تأسيس الجمهورية الإسلامية، ونشأوا على الإيمان بحقها المطلق في الحكم. لم يشق هؤلاء الرجال طريقهم إلى السلطة عبر النضال، بل ترعرعوا داخل مؤسسات الحكم، معتبرين شرعيتها أمراً محسومًا. مشاعر القلق وعدم الأمان التي ميزت جيل التأسيس ــ وتحديداً الحاجة المستمرة لإثبات شرعية الثورة، وجدية مطالبها، وهزيمة النخبة القديمة بشكل كامل ــ غائبة عنهم إلى حد كبير. هم لا يدافعون عن ثورة، بل يديرون دولة.

هذا التمايز النفسي له آثار عميقة. عندما كان جيل علي خامنئي يواجه العالم ــ سواء في مفاوضات تحرير الرهائن، أو المحادثات النووية، أو المواجهات الإقليمية ــ كان خطابه ينطوي دائما على نبرة خفية من المظلومية، وصوت يتردد فيه صدى المظالم التاريخية والانتصار الإسلامي.

كان هذا الخطاب مؤثرا وحقيقيا، لكنه شكّل عبئاً استراتيجياً في الوقت ذاته، حيث جعل مواقفهم متوقعة ودفاعية، وجعلهم معرضين للخلط بين الدفاع عن الأيديولوجيا والدفاع عن مصالح إيران الوطنية، ولم يكن المساران متوافقين دائما بشكل واضح.

أما الجيل الجديد فقد فصل بين الثورة وفن إدارة الدولة. فهو لا يتبنى شعارات العظمة الثورية في الداخل أو الخارج، ولا يدعو إلى النضال الثوري. القادة الجدد في النظام هم قوميون براغماتيون ومتمرسون، يعملون وفق تقييم واقعي ودقيق لقدرات إيران ونقاط ضعفها.

وعلى عكس أسلافهم، لديهم القدرة على ممارسة الصبر الاستراتيجي والتحرك بحسم. يراقبون مكامن الضعف في إيران بشكل متكرر وعلني ــ وهو أمر كان الجيل المؤسس يفتقر إلى ما يكفي من الثقة لمواجهته بصدق ــ ويتعاملون معها بوصفها مشكلات تتطلب الحل. هذه العقلية هي التي دفعت نحو إجراء التغييرات التي قامت بها طهران في الفترة الفاصلة بين الحربين.

بين حربين

قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في يونيو/ حزيران 2025، كان حكام إيران يعتقدون أن بإمكانهم الإبقاء على حالة اللاحرب واللاسلم مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ما لا نهاية. لكن ثبت خطأ هذا التقدير، وبدأت عملية التخلص من تلك الثقة الزائفة في اللحظة التي انتهت فيها حرب الـ 12 يوما.

كانت القيادة الجديدة للحرس الثوري تتوقع انهيار وقف إطلاق النار الذي أُقر في يونيو/ حزيران، واندلاع حرب أخرى، ربما تشارك فيها الولايات المتحدة منذ البداية. بدأت الجامعات والمؤسسات البحثية ومراكز الفكر والهيئات الحكومية الإيرانية باستضافة نقاشات حول الدروس المستفادة والتغييرات المطلوبة.

حدثت تغييرات مؤسسية في تلك الأشهر الثمانية أكثر مما حدث في السنوات العشر السابقة. نُقلت العديد من القرارات التنفيذية المتعلقة بالتجارة والزراعة وإدارة الخدمات الاقتصادية والاجتماعية من طهران إلى عواصم المحافظات. وخضعت المنظمات التي تشرف على الدعاية والتواصل مع الرأي العام في الداخل ونشر المعلومات في الخارج لإصلاح شامل. لطالما اتسمت بيروقراطية الجمهورية الإسلامية بالخمول المؤسسي، لكنها أفسحت المجال الآن أمام ضرورة التكيف السريع. ضمن هذه العملية، تولى التكنوقراط زمام صناعة القرار.

وبعد مقتل خامنئي في غارة جوية أمريكية إسرائيلية، جاءت عملية تعيين ابنه مجتبى سريعة ومنظمة بشكل لافت للنظر. اختاره الجيل الجديد الذي صعد بعد حرب يونيو/ حزيران 2025، جزئياً لأنه كان طوال سنوات من أبرز المدافعين عنه.

كان مجتبى ينتمي للحرس الثوري وشارك في الحرب الإيرانية العراقية قبل أن يلتحق بالحوزة العلمية ليصبح رجل دين. خدم لاحقاً إلى جانب والده، حيث أشرف على عملية تحوّل الحرس الثوري وصعود قياداته المستقبلية. أكد صعود مجتبى عملية الانتقال بين الأجيال وسرّع من وتيرتها، ولم ينتج عن ذلك الانهيار المؤسسي الذي توقعته واشنطن، بل العكس تماما.

كانت الطريقة التي قُتل بها خامنئي الأب، في منزله، وليس في مخبأ محصّن، مهمة للغاية. سارع القادة الجدد إلى وصف موته بالشهادة، وقد نجح الأمر. بدلاً من أن يُحبط اغتياله معنويات النظام، أعطى الجيل الجديد من القادة وجهةً وهدفًا، وكان أول ما فعلوه هو حشد قواعدهم للاحتجاج على عملية الاغتيال. وقد جذبت هذه الرسالة أيضا شريحة واسعة من المجتمع الإيراني للالتفاف حول العلم.

عكست إدارة طهران للحرب الحالية النهج التكنوقراطي للجيل الجديد. كانت الجمهورية الإسلامية تعمل منذ فترة طويلة ضمن متاهة من مراكز القوى المتنافسة، وهو ما أسفر عن سجالات داخلية لا تنتهي وحالة من الجمود.

ولكن في الفترة الفاصلة بين الحربين، تركت تلك الفوضى المكان للانضباط والمرونة التنظيمية. تم تأسيس مجلس أعلى جديد للدفاع بقيادة جنرالات الحرس الثوري عبد الرحيم موسوي، ومحمد باكبور، وعلي شمخاني، بهدف تسريع التغييرات العسكرية. واضطلع قاليباف، الجنرال السابق في الحرس الثوري الذي تولى رئاسة البرلمان عام 2020، وعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بأدوار متوازية في البيروقراطية المدنية والاقتصادية، من خلال الوزارات الحكومية والسلطات المحلية.

باعتبارهم من قدامى المحاربين في الحرب الإيرانية العراقية، فقد تعلم هؤلاء الرجال كيفية إدارة الدولة في مواجهة العقبات على جبهات القتال. وفي مواجهة أكبر تحدٍّ تعيشه البلاد منذ ثمانينيات القرن الماضي، تحرك الجيل المؤسس بسرعة لإعادة تنظيم شؤون الدولة وفق متطلبات الحرب.

أشرف هؤلاء القادة على مرحلة الانتقال إلى الجيل الجديد، والذي سارع بدوره إلى جمع مراكز القوى المشتتة ضمن هيكل متماسك لصنع القرار، قادر على الصمود والاستمرار حتى في حال خسارة أبرز القيادات.

أُعيد تنظيم القوات المسلحة الإيرانية لتتحوّل إلى شبكة من القيادات العملياتية، أقرب إلى قوات حرب العصابات منها إلى الجيش التقليدي، حيث تركزت السلطة بأيدي مجموعات متجانسة فكرياً، بدلاً من توزيعها على تيارات مختلفة. ورغم مقتل لاريجاني وموسوي وباكبور وشمخاني لاحقا في غارات إسرائيلية، فإن المرونة التي ساعدوا في بنائها لم تتأثر.

أما على أرض المعركة، فقد طبقت القوات المسلحة الإيرانية الدروس المستفادة من حرب يونيو/ حزيران 2025 بدقة متناهية. واجهت إيران الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي بدأ في فبراير/ شباط 2026 برشقات منظمة من الصواريخ والطائرات المسيرة، المصممة خصيصا لاستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

وقد خلص الإيرانيون إلى أن خصومهم كانوا يتوقعون تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية بسرعة، ولم يكونوا مستعدين لخوض حملة طويلة الأمد. خلال حرب عام 2025، استهدفت إسرائيل مداخل “مدن الصواريخ” الإيرانية، مما أدى إلى إغلاقها فعلياً، وإجبار إيران على إطلاق صواريخها بشكل أساسي من المناطق الشرقية التي لا تستطيع إسرائيل الوصول إليها.

ردّت إيران على ذلك بنشر منصات إطلاق الصواريخ على امتداد أراضيها الشاسعة، ونشر مهندسين داخل مدن الصواريخ إلى جانب الكوادر العسكرية، لإصلاح المنصات والمداخل المتضررة بشكل فوري. وقد مكّن هذا الإجراء من مواصلة إطلاق الصواريخ لفترة أطول بكثير مما توقعته إسرائيل والولايات المتحدة.

كما أطلق الحرس الثوري طائراته المسيّرة زهيدة التكلفة لاستنزاف أنظمة الرادار والمواقع العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج وإسرائيل، مما أعاق حملة القصف الجوي وفتح مسارات آمنة للصواريخ لضرب أهدافها في جميع أنحاء المنطقة.

واستناداً إلى منطق الحرب غير المتكافئة – وتجربة استخدام الموجات البشرية لاكتساح المواقع العراقية في ثمانينيات القرن الماضي – أرسلت إيران أسرابا من طائرات “شاهد” المسيّرة. وقد أدت هذه الأسلحة منخفضة التكلفة إلى استنزاف الدفاعات الجوية التي تحمي القواعد الأمريكية، وقواعد حلفاء واشنطن العرب، وفتحت ممرات سمحت للصواريخ الدقيقة بضرب أهداف ذات قيمة عالية. تعلم الجيش الإيراني كيف يمتص الضربات والخسائر، وكيف يحقق مكاسب استراتيجية من خلال إحباط أهداف خصومه.

توازن قوى جديد

أهم انتصار حققه الجيل الجديد من القادة هو أن استراتيجيتهم حققت أهدافها. نجا النظام من محاولات قطع الرأس، وصمد في وجه القصف الأمريكي والإسرائيلي العنيف، وفرض سيطرته على مضيق هرمز، وواجه الحصار البحري الأمريكي.

وفي الأثناء، وسّع نطاق المعركة إلى الخليج العربي، وألحق أضرارًا جسيمة بـ 16 قاعدة أمريكية، وجعل العديد منها خارج الخدمة. وفي مارس/ آذار، أجبرت الميليشيات العراقية الولايات المتحدة على التخلي عن قاعدة “كامب فيكتوري”، وهو منشأة عسكرية أمريكية رئيسية في بغداد كانت القوات الأمريكية تحتلها منذ عام 2003.

تسببت الهجمات الإيرانية أيضًا في أزمة ثقة بين دول الخليج وواشنطن. تسببت الولايات المتحدة من خلال الحرب باستهداف مدن الخليج وبنيتها التحتية الحيوية، وفشلت في حمايتها، وأصبحت اقتصاداتها ضحية للصراع.

ستتواصل أزمة الثقة بين عواصم الخليج وواشنطن إلى ما بعد الحرب الحالية. ويبقى السؤال مطروحًا حول عدد القواعد الأمريكية التي سيُعاد بناؤها، وما إذا كانت الولايات المتحدة أو حلفاؤها العرب سيجدون فيها فائدة تُذكر في مواجهة إيران التي أثبتت قدرتها على السيطرة على مضيق هرمز.

فرضت إيران تكاليف باهظة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية بإغلاق المضيق واستهداف البنية التحتية للطاقة، وقد أظهر هذا الهجوم – الذي جمع بين أسراب الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والألغام – قدرةً لطالما استخفت بها واشنطن.

تعتبر طهران حالة الجمود الحالية بمثابة توازن قوى جديد. صحيح أن الحصار البحري الأمريكي أضرّ بالاقتصاد الإيراني، إلا أنه كشف عن الأهمية الاستراتيجية لسيطرة إيران على مضيق هرمز. بتحولها من الحرب الجوية إلى الحصار البحري، أقرت الولايات المتحدة ضمنيًا بأن إيران قد غيّرت ساحة المعركة التي سيُحسم عليها الصراع.

مضيق هرمز، يونيو/ حزيران 2026

اعتبر ترامب الحصار البحري الحل الأمثل لحسم الحرب، لكن الحصار لم يُسفر إلا عن مزيد من الضغط على الاقتصاد العالمي. أوحى الجمود الحالي بوجود تكافؤ استراتيجي أكبر، وهو ما أكدته القيادة الإيرانية بقولها إن الحرب لن تنتهي إلا برفع الولايات المتحدة وإيران قبضتهما عن الخليج.

من الآن فصاعدًا، ستُمثل السيطرة على المضيق، الذي يُعدّ بلا شكّ نقطة اختناق حيوية للاقتصاد العالمي، سلاحا اقتصاديا فعّالا بيد طهران، ورادعًا ضد أي هجمات مستقبلية. بالنسبة لقادة إيران، هذه الورقة المُكتسبة حديثًا تُعوض جزئيًا التكاليف التي تكبّدتها خلال الحرب، بما في ذلك تراجع حليفها اللبناني حزب الله، وغيرها من النكسات التي مُنيت بها في السنوات الأخيرة، مثل فقدان سوريا كممر استراتيجي بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي كان أقوى حلفاء إيران في العالم العربي.

من وجهة نظر طهران، انتهت سياسة الاحتواء التي مارستها الولايات المتحدة تجاه إيران لعقود. سوف يتشكل النظام الإقليمي الجديد في ظل تراجع الهيمنة الأمريكية، وقدر أكبر من التعددية القطبية، حيث ستصبح الصين لاعبًا محوريًا بشكل متصاعد، وستكون إيران طرفًا أساسيًا، وليس هامشيًا.

تعتزم طهران ترسيخ هذه المكاسب ضمن أي اتفاق لإنهاء الحرب. ويعكس إصرارها على السيطرة على مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن، وشروطها المسبقة للمحادثات – وهي وقف إطلاق النار في لبنان وإنهاء الحصار البحري الأمريكي – قناعة القيادة بأن الحرب قد غيّرت ميزان القوى لصالحها، وهذا ما يتفاوض حكام إيران الجدد بناء عليه.

فن الإدارة قبل الأيديولوجيا

حققت إيران هذه المكاسب الاستراتيجية من خلال تطبيق الدروس المستفادة من حرب الـ 12 يومًا بسرعة مدهشة. في يونيو/ حزيران 2025، وجدت إيران نفسها تخوض حربًا وفق شروط إسرائيل، لكنها كانت هذه المرة مصممة على القتال وفق شروطها.

إلى جانب إعادة تنظيم الجيش الإيراني، برزت عدة تطورات أخرى. كان أحدها هجوم طهران على البنية التحتية المعلوماتية، حيث أدرك القادة الإيرانيون مبكرًا أنهم لا يستطيعون مجاراة التفوق الأمريكي والإسرائيلي في مجال الاستخبارات عبر الأقمار الصناعية والضربات الدقيقة والدفاع الجوي المتكامل.

ما كان بإمكانهم فعله هو إحباط عملية صنع القرار الأمريكي والإسرائيلي في ساحة المعركة من خلال خلق فجوات بين ما تلتقطه أجهزة الاستشعار وما يفسرّه القادة. أدت الضربات الإيرانية على الرادارات الأمريكية في الخليج العربي إلى إضعاف البنية التحتية التي تدعم العمليات الجوية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. عملت إيران بشكل ممنهج على تقويض التفوق التكنولوجي للعدو بدلاً من مواجهته بشكل مباشر.

كان استيلاء إيران على مضيق هرمز تطورًا رئيسيًا آخر. لطالما نوقش إغلاق المضيق في طهران كخيار عملي، بينما استبعدت واشنطن هذا الاحتمال بحجة أنه سيضر بصادرات إيران. علاوة على ذلك، رأى المسؤولون الأمريكيون أن القوة البحرية الأمريكية قادرة على تدمير الأسطول الإيراني في بداية الحرب، ما يُفقد طهران القدرة على إغلاق المضيق.

لكن إيران أثبتت خطأ كل هذه الافتراضات. على مدى أكثر من أربعة عقود، ركزت العقيدة العسكرية الإيرانية على مبادئ الحرب غير المتكافئة التي تقوم على استغلال نقاط ضعف القوات التقليدية الأمريكية والإسرائيلية. لم تكن إيران بحاجة إلى أسطول بحري تقليدي لإغلاق المضيق، فقد سيطرت عليه باستخدام الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة والتهديد بالألغام، وقامت بموزانة الضغط بشكل ممنهج، وحافظت عليه لأسابيع، متجنبةً بذلك المواجهة الشاملة التي لم تكن قادرة على كسبها.

أصبحت جميع الأطراف تدرك اليوم أن مضيق هرمز هو ورقة ضغط إيرانية، وليس مجرد ممر مائي مفتوح يحظى بحماية أمريكية. يقول أحد المحللين الإيرانيين: “لم يعد تخفيف العقوبات مهمًا بالنسبة لنا، لأننا نعلم أنه لن يحدث، وحتى لو تم فلن يدوم طويلًا. نحن لا نرتكب الأخطاء السابقة. إدارة هرمز هي المفتاح الآن”.

يمثل ذلك تحولًا جوهريًا في استراتيجية إيران الاقتصادية، من السعي لإعادة الاندماج في النظام المالي الغربي، وهو أمر يعتبره الجيل الجديد بعيد المنال، إلى محاولة الاستفادة من موقع جغرافي حيوي.

من جهة أخرى، دفعت الحرب طهران إلى تعزيز تحالفها التكتيكي مع الصين، وبناء ما يشبه الشراكة الاستراتيجية. خلصت القيادة الإيرانية إلى أنه لا يوجد أي مسار للتطبيع مع الولايات المتحدة، مع إدراكها في الآن ذاته عدم قدرتها على مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية بمفردها.

يعتقد النظام الإيراني أن بكين باتت تنظر إلى إيران الصامدة كحليف جدير بالثقة. صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مايو/ أيار عقب لقائه بنظيره الصيني في بكين: “يعتقد أصدقاؤنا الصينيون أن مكانة إيران الدولية قد تعززت منذ بدء الحرب. نحن مقبلون على حقبة جديدة من التعاون بين إيران والصين”.

وأمام ضرورة إعادة الإعمار بعد الحرب، يبدي القادة الإيرانيون انفتاحا أكثر من أي وقت مضى على الصين باعتبارها شريكا رئيسيا في إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.

شكّلت حملة إيران الإعلامية خلال الحرب نقطة تحوّل أخرى مقارنة بالماضي. أظهرت رسائل الحكومة الإيرانية عبر القنوات الإعلامية والدبلوماسية فهما عميقا للرأي العام العالمي. نشرت السفارات الإيرانية محتوى انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك مقاطع فيديو متحركة تعتمد على شخصيات “ليغو” مصحوبة بالموسيقى، مما أثار نقاشات واسعة أبعد بكثير من حدود الشرق الأوسط.

نجحت السردية الإيرانية حول الحرب في الوصول إلى جماهير واسعة في العالم العربي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، وحتى في الولايات المتحدة وأوروبا، وكان لها وقع كبير. يعكس هذا التواصل الاستراتيجي البراعة التكنوقراطية نفسها التي ميّزت الحملة العسكرية الإيرانية.

وأخيرًا، أدرك القادة الإيرانيون أن الركود الاقتصادي هو أكبر تهديد لاستقرار النظام. الدرس الذي استخلصوه من الاحتجاجات الشعبية الأخيرة هو أن المظالم الاقتصادية تزيد من قوة المعارضة. لذلك، بمجرد إعلان وقف إطلاق النار في أبريل/ نيسان الماضي، سارعت الحكومة إلى المضي قدمًا في حزمة إصلاحات اقتصادية، أنهت بموجبها عددًا من الإعانات والبرامج التي كانت تحظى بغطاء سياسي، وهي خطوة قالت القيادة إنها ضرورية للتعامل مع التداعيات الاقتصادية للحرب.

يشير الإسراع في الإعلان عن مشاريع إعادة تهيئة البنية التحتية – من جسور وسكك حديدية ومستشفيات – إلى أن الحكومة تتجه نحو عقد اجتماعي جديد، يعتمد على الكفاءة، وليس على الأيديولوجيا. أظهر الحرس الثوري الإيراني قدراته في ساحة المعركة، والسؤال الذي يطرحه قادة إيران الجدد على أنفسهم الآن: هل يمكنهم العمل بنفس الكفاءة في إدارة الاقتصاد؟

تحوّل الرأي العام

في أعقاب الانتفاضة الشعبية والمذبحة التي أعقبتها بحق المتظاهرين في يناير/ كانون الثاني 2026، بدا الإيرانيون متحدين ضد النظام. كانت السياسة الإيرانية حينها تتسم بالانقسام بين شعب ساخط سئم العزلة والمعاناة جراء العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وحكومة تتراجع شعبيتها وتتفاقم أزماتها. وقد زادت الحرب من تعقيد المشهد.

كان الدمار الذي خلفته الحرب هائلًا: البنية التحتية العامة، والمصانع والمدارس والمستشفيات والمعالم التاريخية وأحياء بأكملها، أصبحت أنقاضًا. بينما كانت القنابل والصواريخ الإسرائيلية والأمريكية تتساقط على إيران، هدد ترامب بتسليح الانفصاليين وإعادة رسم حدود إيران وسحق اقتصادها وإبادة حضارتها. أثارت هذه الحملة العسكرية والخطاب العدائي رد فعل ذا طابع قومي تجاوز الانقسامات السياسية.

لم يندثر السخط الشعبي تجاه النظام. لا تزال مشاعر الألم والإحباط والاستياء المتراكم جراء عقود من سوء الحكم والقمع موجودة، لكن ما تغير هو المشهد السياسي الذي يتم من خلاله التعبير عن تلك المشاعر.

يتجلى السخط الشعبي اليوم في صورة نضال وطني ضد عدو أجنبي يُشبهه الإيرانيون بالإسكندر الأكبر الذي غزا الإمبراطورية الفارسية في القرن الرابع قبل الميلاد، والجيوش العربية التي غزت البلاد في القرن السابع الميلادي، والمغول الذين جاءوا بعد ذلك بستة قرون.

على عكس التوقعات الأمريكية والإسرائيلية، لم تؤدِّ الحرب إلى اندلاع مظاهرات في الشوارع. كلما طال أمد الحرب، تقلّصت مخاوف النظام من اندلاع انتفاضات شعبية. لم يتحرك الشارع الإيراني ضد الدولة، بل وقف إلى جانبها، حيث نظم مسيرات يومية في أنحاء البلاد، وشكّل سلاسل بشرية لحماية محطات الطاقة، وتجمّع على الجسور التي هدد ترامب بتدميرها.

تلاشى الانقسام الحاد الذي كان يميّز المشهد في يناير/ كانون الثاني، ليس من خلال الإقناع أو القمع، بل من خلال تجربة العيش تحت القصف ومشاهدة الدمار.

تجمع مؤيد للحكومة في طهران، يونيو/ حزيران 2026

وفقًا لتحليل أجرته وكالة بلومبيرغ، كان ثلثا الأهداف التي تعرضت للقصف في طهران قبل وقف إطلاق النار عبارة عن مبانٍ سكنية وتجارية وغيرها من المنشآت المدنية. وفي المقابلات الصحفية، تحدث الإيرانيون عن موجات القصف التي كانت تستهدفهم ليلًا ونهارًا، مسببة جروحًا نفسية عميقة.

بالنسبة للإيرانيين، لم تعد القوات المسلحة الجهة التي تقمعهم، بل تلك التي تدافع عنهم. جسّدت الهتافات في جميع أنحاء إيران تحوّل المزاج العام، حيث هتفت الجماهير للضربات الإيرانية في الخارج بالصواريخ والطائرات المسيرة. وكما قال الفيلسوف والمعارض الإيراني محمد مهدي أردبيلي في طهران خلال الأسبوع الخامس من الحرب: “في هذه اللحظة، الجمهورية الإسلامية وإيران هما شيء واحد. إذا سقطت الجمهورية الإسلامية، سقطت إيران”.

امتدت هذه المشاعر إلى طريقة إدارة الحرب في الداخل. لاحظ الإيرانيون، بشيء من الاستغراب، أنه لم يكن هناك نقص في الغذاء أو الوقود بعد أسابيع من القصف والحصار البحري، واستمرت الحياة اليومية بشكل طبيعي إلى حد كبير.

قال أحد سكان طهران: “بغض النظر عن القنابل، لم نشعر أننا في حالة حرب. لو استطاعت الجمهورية الإسلامية إدارة البلاد دائمًا بهذه الكفاءة، فلن تكون هناك انتقادات نوجهها إليها مثلما تعودنا”. هذه الآراء ليست تأييدًا للنظام، لكنها تعكس تغيرًا في نظرة الإيرانيين إلى قادتهم.

أدى قطع الإنترنت إلى تعزيز هذه الديناميكية. عندما قطعت الحكومة المعلومات القادمة من الخارج ضمن استراتيجيتها الدفاعية ضد العمليات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية، شعر الإيرانيون بالاستياء، ولكن لم يكن أمامهم خيار سوى اللجوء إلى شبكة الإنترنت الداخلية ووسائل الإعلام المحلية.

أدى ذلك إلى حجب وسائل الإعلام الإيرانية في الخارج وحسابات التواصل الاجتماعي التي كانت تهدف إلى حشد المعارضة، مما أدى إلى شكل مختلف من الحوار الوطني. ترسخت وجهات نظر جديدة وأكثر تعقيدًا حول الحرس الثوري الإيراني، والتهديدات الأمنية التي تواجه إيران، وما حققته البلاد وما يجب الدفاع عنه.

قال أحد قدامى النشطاء، والذي تم استجوابه مرات عديدة بسبب معارضته للنظام: “كنت دائمًا أتجاهل أو أرفض ما يقوله الحرس الثوري أو النظام عن إسرائيل أو الولايات المتحدة. لكن في الأسابيع القليلة الماضية، لم يكن أمامي إلا الدخول إلى تطبيقات المراسلة والتطبيقات الإخبارية المحلية، واضطررنا إلى الاطلاع على مواقفهم وعلى واقع التعرض للهجمات اليومية”. وقال أستاذ جامعي: “دخلت البلاد حربا قومية، وتتشكل الآن هوية جديدة”.

مقياس جديد للولاء

لطالما سعت الجمهورية الإسلامية إلى إبرام عقد اجتماعي مع شعبها، لكن شروطه تغيّرت بشكل جذري عبر تاريخها. في السنوات الأولى، كان ذلك العقد قائمًا على التحول الثوري وإعادة توزيع الثروة. وفي التسعينيات، تحوّل إلى النمو الاقتصادي وتقليص الانفتاح الاجتماعي مقابل الاستقرار السياسي.

قبل عقدين من الزمن، وجّه الرئيس محمود أحمدي نجاد عائدات النفط إلى الفقراء مقابل الولاء للأيديولوجية الرسمية. ووعد خليفته، حسن روحاني، بالنمو الاقتصادي من خلال الاتفاق النووي ورفع العقوبات.

فشلت كل هذه الجهود في إرساء علاقة مستقرة بين الدولة والمجتمع، بدرجات متفاوتة ولأسباب مختلفة.

ما يُعرض الآن هو صفقة قومية تكنوقراطية، تستند فيها شرعية الدولة إلى قدرة مثبتة على الدفاع عن البلاد وإعادة إعمارها. شروط هذا العقد قومية وليست إسلامية.

تنشر وسائل الإعلام الحكومية محتوى يتضمن نساء محجبات وغير محجبات يقفن جنبًا إلى جنب، ويُصوّر الهوية الإيرانية على أنها ثقافية وليس دينية بحتة، ويستهدف فئات المجتمع التي رفضت الجمهورية الإسلامية رفضًا قاطعًا، مثل الشباب والطبقة الوسطى الحضرية.

هذا ليس تحريرًا. في الواقع، يواصل النظام قمع المعارضة السياسية بقوة، لكن الدولة تعترف الآن بأنها بحاجة إلى قاعدة اجتماعية أكبر بكثير مما يمكن أن توفره الأيديولوجية الإسلامية وحدها. أصبحت الجمهورية الإسلامية حاليا أقرب إلى الدولة القومية اليمينية الاستبدادية، منها إلى الدولة الثيوقراطية.

لا تزال الأيديولوجية الإسلامية قائمة، لكنها تخضع لضرورات التماسك الوطني. لم يعد اختبار الولاء السياسي هو “هل أنت إسلامي بما يكفي؟” بل “هل أنت إيراني بما يكفي؟”. مازال المسجد حاضرا، لكن الرمز السياسي المهيمن حاليا على القلائد ودبابيس السترات التي يرتديها الصغار والكبار هو خريطة البلاد.

تجذب المظاهرات التي تنظمها الحكومة للدفاع عن البنية التحتية كل الفئات، بمن فيهم معارضي النظام الذين تعرضوا للقمع، وأصبحت هذه المظاهرات بؤرة لمشاعر قومية تتمحور حول الحفاظ على الحضارة الإيرانية والاحتفاء بالصمود في مواجهة قوة غاشمة.

تدرك القيادة الإيرانية أن هذه اللحظة فريدة وربما تكون عابرة. فالشعب الذي دافع عن محطات الطاقة سيعود إلى مطالبه السابقة بمجرد أن يزول الخطر المباشر. هيمنت الحرب على غضب الشعب الإيراني من القمع وسوء الإدارة الاقتصادية وسوء معاملة النساء والأقليات، لكنها لم تقض عليه.

تمثل تنازلات الدولة بشأن القضايا الاجتماعية – أي التساهل في فرض الحجاب، والتسامح مع الحفلات الموسيقية وقيادة النساء للدراجات النارية – محاولة لجعل الوحدة الحالية مستدامة قبل أن يتغير الوضع السياسي. يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه التنازلات كافية لتغيير العلاقة بين الدولة والمجتمع بشكل جذري.

بالنسبة لحكام إيران، ستكون معالجة المظالم الاقتصادية أمرًا ضروريًا بمجرد انتهاء الحرب. تفترض واشنطن أن طهران لا تزال مهتمة بالتفاوض من أجل رفع العقوبات، لكن الحرس الثوري الإيراني لا يعول على الدبلوماسية. لم يعد الحرس الثوري يؤمن بأن الولايات المتحدة سترفع العقوبات، بل يسعى إلى اتفاق ينهي الحرب، ويعزز مكاسب إيران، ويمهد الطريق لتحقيق مكاسب اقتصادية من فرض ضرائب على حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز.

تفسر واشنطن هذا الموقف الجديد على أنه عناد نابع من التصلب الأيديولوجي والتنافس بين التيارات المختلفة داخل النظام. قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في أبريل/ نيسان: “لسوء الحظ، فإن المتشددين أصحاب الرؤية التشاؤمية للمستقبل هم من يملك السلطة المطلقة في ذلك البلد”. وأضاف: “فريقنا لا يتفاوض مع الإيرانيين فحسب.. يتعين على هؤلاء الإيرانيين بعد ذلك التفاوض مع إيرانيين آخرين لمعرفة ما يمكنهم الاتفاق عليه، وما يمكنهم تقديمه، وما هم على استعداد للقيام به، وحتى مع من هم على استعداد للقاء به”.

كرر نائب الرئيس جي دي فانس هذا الرأي في مايو/ أيار، قائلا: “قد لا يكون الإيرانيون أنفسهم واضحين تمامًا بشأن الاتجاه الذي يريدون السير فيه. كما أنهم ببساطة دولة منقسمة”.

روبيو وفانس مخطئان. لا يعكس نهج طهران المتشدد أي تصلب أيديولوجي أو صراعات داخلية بين تيارات مختلفة، بل يظهر الثقة التي اكتسبتها إيران والدروس المستفادة من الحرب وجولات المفاوضات السابقة.

يدرك قادة إيران أن الولايات المتحدة تسعى من خلال المحادثات إلى الحصول على ما لم تستطع تحقيقه عبر الحرب، وأن واشنطن ليست مهتمة بالتوصل إلى اتفاق، بل باستسلام إيران. توقفت المحادثات مع الولايات المتحدة مرتين بسبب عمليات أمريكية وإسرائيلية، في يونيو/ حزيران الماضي، وفي فبراير/ شباط. وبعد انهيار المحادثات في إسلام أباد في 12 أبريل/ نيسان، فرضت واشنطن على الفور حصارًا بحريًا، تلاه مطلب آخر باستسلام غير المشروط.

يرى القادة الإيرانيون أنهم انتصروا في الحرب، وهم غير مستعدين للتنازل عن المكاسب التي حققوها أو العودة إلى قفص الاحتواء الذي كانوا فيه قبل الحرب. هذه الثقة بالنفس – التي تنبع من القناعة بأن الحرب عززت قوة إيران بدلاً من إضعافها – هي التي تشكل نظرتهم للخارج، كما أنها أساسية لتعزيز الشرعية في الداخل. يجب أن تعكس استراتيجيتهم الدبلوماسية للحل النهائي ما حققه صمودهم خلال الحرب.

مبدأ الجبهات المتعددة

تحوّل إيران الواضح نحو القومية على الصعيد الداخلي لا يعني أن طهران ستتخلى عن حلفائها الإقليميين، فهي لن تعيد التفاوض بشكل جذري على علاقاتها مع حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن.

لكنها ستدير هذه العلاقات بانضباط استراتيجي أكبر ورومانسية أيديولوجية أقل. لن تضحي القيادة الإيرانية الجديدة بمصالح إيران على مذبح التضامن الثوري، بل سيتم استخدام هذه التحالفات كجزء من استراتيجية إقليمية متماسكة تهدف إلى الحفاظ على العمق الاستراتيجي في مواجهة الضغط المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل.

خلص الاستراتيجيون الإيرانيون إلى أنه كان من الخطأ خلال الحرب في غزة إتاحة الوقت لإسرائيل لاستهداف أركان “محور المقاومة” واحدا تلو الآخر. جاءت الضربات الأمريكية الإسرائيلية خلال العام الماضي نتيجة مباشرة لهذا الفشل في التنسيق مع الحلفاء.

لكن إيران تعلمت الدرس في فبراير/ شباط، وسرعان ما حشدت حزب الله في لبنان والميليشيات العراقية في وقت واحد، مما خلق جبهة ثانية لإسرائيل في لبنان، ووسع نطاق الحرب في المنطقة، وأجبر الولايات المتحدة على إغلاق “كامب فيكتوري” في العراق، وهو ما تعتبره طهران تأكيدًا على فاعلية مبدأ الجبهات المتعددة.

لا يحافظ القادة الإيرانيون على شبكتهم الإقليمية بدافع رغبة أيديولوجية في بسط نفوذهم، بل انطلاقًا من حسابات مفادها أن إيران لا يمكن أن تتمتع بالسيادة الكاملة طالما أنها تواجه تهديدات عسكرية وحصارا اقتصاديا من الولايات المتحدة وإسرائيل.

ما يؤكد على هذه النظرة الواسعة للدفاع الإقليمي إصرار إيران على أن المفاوضات مع الولايات المتحدة مشروطة بوقف إطلاق النار في لبنان، وأن أي اتفاق نهائي يجب أن ينهي الحرب على جميع الجبهات ويعكس مكاسب إيران الاستراتيجية. وتهدف السياسة الأمريكية والإسرائيلية، حسب رؤية طهران، إلى هيمنة إسرائيل على الشرق الأوسط، وهو هدف يتطلب أن تكون إيران ضعيفة ومنهكة.

أما محور المقاومة، الذي كان ينظر إليه العديد من الإيرانيين في السابق على أنه جهد تطوعي بخلفية أيديولوجية، تنظر إليه فئة أوسع الآن على أنه وسيلة للدفاع عن البلاد. هدف إيران المتمثل في منع الولايات المتحدة من إعادة بناء منشآتها الرادارية المتضررة في الخليج العربي هو تعبير آخر عن نفس المنطق، وهو جهد يهدف لتقويض البنية التحتية للإنذار المبكر التي دعمت الهيمنة العسكرية الأمريكية في المياه التي تعتبرها إيران فناءها الخلفي الاستراتيجي.

جمهورية إسلامية جديدة

كانت الحرب بمثابة المحك الذي شكّل نسخة جديدة من الجمهورية الإسلامية، ومثّل أول انتقال كبير من جيل إلى آخر داخل النظام منذ الثورة. لم تعد السلطة حكرا على الجيل المؤسس، بل أصبح الجيل الثاني يدير الشؤون العسكرية والسياسية، بينما يتولى الجيلان الثالث والرابع ملف الاتصالات والتواصل مع الخارج.

في سنواتها الأولى تحت حكم الخميني، كانت الجمهورية الإسلامية دولة ثورية: تتمحور حول التحول الأيديولوجي، وسلطة المرشد الأعلى الذي ينفذ الإرادة الإلهية، وتصدير الثورة للخارج.

بعد وفاة الخميني عام 1989، وخلال حقبة الإصلاحات وتوطيد أركان الجناح المتشدد في عهد خامنئي، كانت الجمهورية دولة ما بعد ثورية تتأرجح باستمرار بين أيديولوجيتها التأسيسية ومتطلبات الحكم. حكمت القيادة شعبا منتفضا بشكل متزايد عبر القمع والمحسوبية والانفتاح المحدود، ورأت في مقاومة النفوذ الأمريكي ضرورة من ضرورات مناهضة الإمبريالية، لكنها ظلت جمهورية إسلامية في المقام الأول، يحكمها الجيل المؤسس، وتغذيها الصراعات الداخلية.

أما الجمهورية التي ولدت من رحم الحروب الأمريكية الإسرائيلية، فهي قومية أكثر منها أيديولوجية، وتركز على فن الحكم أكثر من شعارات الثورة، وتعتمد على روح طبقة جديدة من الضباط التكنوقراط أكثر من كاريزما رجال الدين.

هذه النسخة تشبه الدول القومية التي قادتها الجيوش في القرن العشرين – على غرار تركيا في عهد الكماليين المتأخرين، ومصر في عهد جمال عبد الناصر -، حيث استمرت الأيديولوجية لكنها خضعت للمصلحة الوطنية ومتطلبات إدارة الدولة.

هذا التخلي عن العقائد الجامدة والتوجه نحو فن الحكم البراغماتي لا يجعل الجمهورية الإسلامية أكثر اعتدالًا. هذه الدول الأمنية القومية غالبًا ما تكون قاسية مع شعوبها ومزعزعة للاستقرار على الصعيد الدولي.

ستظل الجمهورية الإسلامية بنسختها الحالية دولة استبدادية، لكن التصنيفات التي غالبًا ما استخدمها المحللون الغربيون لوصف التيارات المختلفة داخل النظام – المتشددون مقابل المعتدلين، والأيديولوجيون مقابل الإصلاحيبن – ستكون أقل دقة من أي وقت مضى.

ستتشكل أولويات الجمهورية الإسلامية الجديدة، وطريقة سعيها لتحقيق أهدافها، بناءً على تجارب حربيها مع إسرائيل والولايات المتحدة: الخسائر التي تكبدتها إيران، والثقة التي اكتسبتها قيادتها، والعقد الاجتماعي الجديد الذي جعلته الحرب ضروريًا وممكنًا.

المصدر: فورين أفيرز

علاماتالأجندة الإيرانية ، الحرس الثوري ، السياسة الإيرانية ، النظام الإيراني ، النفوذ الإيراني
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الإيرانية ، المشهد الإيراني ، النفوذ الإيراني ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

آبي أحمد.. الوكيل الإقليمي لمشروع أبوظبي في القرن الأفريقي

محمد مصطفى جامع٣ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

تحت غطاء البيئة.. كيف تُجنّد “إيكو بيس” النخب العربية لصالح إسرائيل؟

سجود عوايص٣ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

خلف أزمة السفير.. ماذا تريد القاهرة من دمشق الجديدة؟

عماد عنان٣ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑