Also available in English
تحوّلت الاحتجاجات العارمة التي تجتاح العاصمة الألبانية تيرانا وإقليم “فلورا” من مجرد حراك بيئي تقليدي إلى صرخة وجودية ضد مشروع سياحي ضخم يقوده جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي الأسبق، عبر شركة “Atlantic Incubation Partners LLC”. يتخوف الشارع الألباني اليوم من تحويل جزر ومحميات البلاد إلى مستعمرات حصينة ومعزولة للنخبة العالمية فوق أراضٍ سيادية، وهو ما دفع الناشطين لإطلاق شعار “ألبانيا ليست للبيع” في اعتصامهم المفتوح الذي يتواصل أمام مقر رئاسة الوزراء.
وما أجج مشاعر الإهانة الوطنية هو النبرة الاستعلائية التي تعامل بها المطورون الأمريكيون مع أراضي الدولة؛ ففي “بودكاست” أخير، وصفت إيفانكا ترامب جزيرة “سازان” الاستراتيجية بأنها كانت بمثابة “لقطة نادرة” عثروا عليها بالمصادفة أثناء رحلة بحرية برفقة نات روتشيلد -لملياردير البريطاني المرتبط اسمه بفضائح شبكة جيفري إبستين (Jeffrey Epstein) سيئة السمعة- زاعمة أنها وزوجها كانا أول من “اكتشف” هذه البقعة وسارا حفاة الأقدام حتى قمتها. هذا المنطق صدم الشارع الألباني الذي يرى في جزر بلاده إرثًا وطنيًا سياديًا لا ملكية خاصة يجري تقاسمها في نزهة مرفهة ترتبط بنخب تحوم حولها الشبهات الدولية.
ولم يكن هذا التوغل ليمر دون غطاء محلي؛ فحتى يتم الالتفاف على القوانين الصارمة، منحت الحكومة في تيرانا المستثمر الأمريكي وضعية “مستثمر استراتيجي” (Strategic Investor)، ممَّا فتح الباب لتجاوز الضوابط الدستورية والبيئية وسحق النظم البيئية الحساسة التي تضم كائنات نادرة كفقمة الراهب المتوسطية وبجع دالماسيا والفلامنجو الوردي، مدعومًا بصندوق “Affinity” الاستثماري الذي يضخ رساميل واسعة تجمعها تفاهمات مباشرة مع دوائر سياسية دولية نافذة.
مضيق هرمز البلقان: أبعاد عسكرية خلف قناع الاستثمار
وفي هذا السياق، يعلق الخبير الألباني في القضايا الجيواستراتيجية، مارليند لاسي، في حديث خاص لـ”نون بوست”، بالقول: “إن قضايا السيادة والملكية الترابية تثير اليوم جدلًا هو الأوسع في ألبانيا منذ سقوط الشيوعية؛ فالخلافات المحتدمة المحيطة بجزيرة “سازان” ومنطقة “زفيرنيتس” ليست سوى المظهر الخارجي لقلق وطني أعمق. وتواجه سيادة ألبانيا وأراضيها حاليًا خطر التحول إلى حقل تجارب للنخب السياسية والاقتصادية الغربية.”
ويمضي لاسي في تشريحه للموقف قائلًا: “من منظور استراتيجي، تقع جزيرة “سازان” عند مدخل خليج “فلورا” الفاصل بين البحرين الأدرياتيكي والأيوني؛ وبناءً عليه، فإن من يسيطر على هذه المنطقة يمتلك نقطة مراقبة متميزة ومشرفة على أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة، وموقعًا مفصليًا يربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأيوني. إن هذه الأهمية الحيوية الفائقة لجزيرة “سازان” يمكن تشبيهها، نسبيًا، بأهمية مضيق هرمز.”
وشير لاسي إلى أبعاد أخرى: “طبيعة سازان كقاعدة عسكرية سابقة تحتوي على شبكة أنفاق معقدة وبنية تحتية ضخمة تحت الأرض، تؤجج الشكوك لدى الشارع الألباني والأوروبيين على حد سواء، في ظل رفض قاطع لرؤية منتجعات مغلقة غامضة تنبت عند أعتاب أوروبا. ورغم ذلك، يصر رئيس الوزراء الألباني إيدي راما على تمرير المشروعين، بالتوازي مع الترويج لأفكار تفتيت ترابي تثير ريبة الشارع، في مسعى يندرج ضمن محاولات الهروب إلى الأمام من قضايا فساد كبرى تلاحق حكومته وتصل قيمتها إلى مليارات اليوروهات.”
“ألبانيا ليست للبيع”.. آلاف المتظاهرين ينتفضون في تيرانا لليوم السادس ضد منتجع فاخر لعائلة ترامب في محمية طبيعية، وسط مطالبات شعبية بوقف المشروع واستقالة رئيس الوزراء. pic.twitter.com/gR4BUOn9jX
— نون بوست (@NoonPost) June 8, 2026
واعتبر الخبير الألباني أن “مخطط تحويل ألبانيا إلى “أرض بلا شعب” ومن ثم توطينها بـ”شعب بلا أرض” عبر تفريغ البلاد بالهجرة الممنهجة هو خطر قائم ومتصاعد، وهو ما حذرتُ منه شخصيًا في مقال نُشر عام 2020 تحت عنوان “هجرة المستقبل”؛ حيث نبّهتُ من سيناريو يشبه النكبة الفلسطينية عام 1948 تروج فيه شبكات الدعاية لمقولة “أرض بلا شعب”، لتتحول ألبانيا لاحقًا إلى ساحة تستغلها شعوب تمتلك رساميل ضخمة بدعم دولي لصهر المجتمع وتهميشه نهائيًا.”
ويرى لاسي أن “الاحتجاجات الحالية تكتسب زخمها كـ “انتفاضة ضد الاستعمار”؛ فالاستثمارات المستقبلية في “زفيرنيتس” و”سازان” تُنذر بتحويل هذه المناطق إلى “كيبوتسات” ومستوطنات تؤدي في النهاية إلى تحويل الألبان إلى خدم في أراضيهم التاريخية. وانطلاقًا من يقين الشارع بأن هذا الوطن يعود لأبنائه وحدهم، يتردد اليوم الشعار الرئيسي للمتظاهرين في كل مكان: “ألبانيا للألبان، والموت للخونة”.”
ويختم لاسي تفكيكه للمشهد الجيوسياسي بالقول: “بالنظر إلى التحاهدات الاستراتيجية للجمهورية التركية بالتعاون مع ليبيا في المجال البحري، يبدو واضحًا أن تل أبيب تسعى لكسر هذا الحصار البحري الذي يهدد تفوقها الإقليمي. وتأسيسًا على ذلك، ولمواجهة المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالعقيدة البحرية التركية “الوطن الأزرق” (Mavi Vatan)، يجري توظيف قبرص اليونانية، واليونان، وألبانيا كـ “دول وكيلة” (Proxy States). لكن حبال هذه السياسات سوف تنقطع في النهاية، ليبقى الصوت الشعبي هو الأعلى: “ألبانيا للألبان”.”
التعديلات الدستورية: هندسة تشريعية على مقاس المستثمر
ومن جانبه، يوضح الصحفي والناشط الحقوقي الألباني، إيغون لولي، في حديث خاص مع “نون بوست” الأبعاد القانونية للملف قائلًا: “من الناحية القانونية، لا يمكن التعاطي مع ما يحدث في “سازان” و”زفيرنيتس” كمجرد استثمار سياحي عابر؛ بل نحن أمام توغلات سافرة في مناطق شريط ساحلي محمي بموجب القانون، وأملاك يطالب بها السكان المحليون، وجزيرة ذات ثقل عسكري يمس سيادة ألبانيا وأمنها. والسؤال الجوهري هنا: هل تحمي الدولة المصلحة العامة، أم أنها تعيد هندسة القوانين وتطويع المؤسسات لتمرير صفقة تجارية خاصة؟”
ويسترسل لولي في حديثه بالقول: “المثير للريبة والصدمة، أن أحدًا من المستثمرين أو مديري الشركات المتورطة لم يظهر علنًا لمواجهة الناس، بل إن المصممين والمهندسين البيئيين الذين وصفهم رئيس الوزراء بأنهم “الأفضل في العالم” اختفوا تمامًا. بناءً على ذلك، فإن الرفض الشعبي الحالي لا يستهدف فكرة الاستثمار الأجنبي بحد ذاتها، بل يرفض نموذجًا مشبوهًا تُجبر فيه القوانين على التكيف مع مقاس المستثمر ورغباته، بدلًا من إلزامه بالامتثال الصارم للقانون.”
رئيس وزراء ألبانيا يدافع مجددًا عن مشروع جزيرة كوشنر مدعيًا أن بلاده تتعرض لهجوم هجين من قوى متعددة pic.twitter.com/NX9zTYodfO
— نون بوست (@NoonPost) June 7, 2026
ويتابع لولي تحذيراته قائلًا: “هذا الصراع ليس حربًا بين “التنمية” و”معارضي التنمية” كما يزعم الإعلام الموجه؛ بل هو صراع وجودي بين نموذجين للتنمية: نموذج يرى أن الاستثمارات الضخمة يمكنها سحق أكثر المناطق حساسية طالما تجلب رؤوس الأموال، ونموذج يصر على أن التنمية يجب أن تكون شفافة وخاضعة للمساءلة ومقيدة بالمصلحة العامة. الخطر الأكبر يكمن في “السابقة القانونية الخطيرة”؛ فإذا فُتِحت منطقة محمية اليوم لمستثمر قوي، فإن ذات الصيغة والمؤامرة التشريعية ستُستخدم غدًا لنهب أي جزء آخر من الساحل الألباني.”
ويفصل لولي الخلل التشريعي بالقول: “تكمن المشكلة الرئيسية في التعديلات الأخيرة التي أُدخلت على “قانون المناطق المحمية”؛ إذ خلقت الحكومة آلية تظل بموجبها الحماية مجرد حبر على ورق، بينما تُفرغ في الممارسة العملية بالسماح بالبناء وتشييد المنتجعات داخلها، لتتحول الحماية القانونية إلى “واجهة ديكورية” بلا مضمون. ومن المنظور الدستوري، يقر الدستور الألباني صراحة بحق المواطن في بيئة صحية، ويفرض التزامًا بحماية الأصول الطبيعية؛ وتغيير القوانين دون استشارة عامة حقيقية، وفي توقيت تتأهب فيه مشاريع ملموسة للاستفادة منها، يثير شبهة جنائية بأن الإجراءات لم تكن محايدة. هل تم تغيير القانون لأن ألبانيا كانت بحاجة إلى سياسة بيئية أفضل، أم لأن استثمارات ضخمة بعينها كانت بحاجة إلى إطار قانوني رخو وهش؟”
“بالنسبة لسكان “زفيرنيتس”، القضية هي قضية ملكية وكرامة وحق في الوصول إلى الأرض التي توارثوها لأجيال”، يقول لولي، ويضيف: “عندما يرى المجتمع المحلي الأسلاك الشائكة والحرّاس الخاصين، فإن النزاع يتحول إلى مواجهة أعمق حول لمن تعود ملكية هذه الأرض حقًا. والمصطلحات الأكثر دقة من الناحية القانونية لوصف ما يحدث هنا هي: “تقييد وصول الجمهور”، و”نزع ومصادرة الأراضي”، و”الخصخصة الفوقية والواقعية للمجال العام”. ولهذا ترتبط المعارك القانونية المشتعلة حاليًا بحقوق الملكية والقرارات الإدارية التي جاملت الاستثمار دون ضمانات كافية للجمهور.”
مليارات خليجية كأوراق ضغط، خطط سلام مُعاد تدويرها من الكرملين، ومفاوضات كارثية دفع ثمنها الأمن القومي الأمريكي
📍كيف تحوّل جاريد كوشنر من مستشار في البيت الأبيض إلى “مهندس صفقات مشبوهة” مع الأنظمة الاستبدادية؟ 👇 pic.twitter.com/2l6qU673Ds
— نون بوست (@NoonPost) June 9, 2026
وحول جزيرة سازان، يتساءل لولي بالقول: “جزيرة “سازان” لها تاريخ عسكري ضخم وموقع استراتيجي فريد يمس أمن البلاد وسيادتها، وأي قرار بمنحها للاستخدام طويل الأجل يجب أن يخضع لمساءلة أعلى بكثير من أي مشروع عادي. والأسئلة عاجلة ومحددة: هل أُخرِجت سازان من الأنظمة العسكرية بإجراءات قانونية معلنة؟ هل جرى تقييم المشروع من قِبل مؤسسات الأمن القومي العليا؟ هل تم إخطار البرلمان؟ وهل نُشِرت العقود والالتزامات المتعلقة بحق الجمهور في الوصول إليها؟ وبدون هذه الإجابات الشافية، تظل سازان قضية سيادة وأمن قومي ورقابة ديمقراطية مفقودة.”
وحول ما يمكن للمجتمع فعله للمواجهة، يقول لولي “إن هناك مسارات واضحة للطعن القانوني بناءً على المستندات والخرائط وأدلة غياب الاستشارة العامة. على الصعيد الوطني، تشمل المسارات المحاكم الإدارية والدستورية، بالإضافة إلى تقديم بلاغات مباشرة إلى “الهيئة القضائية الخاصة لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة” (SPAK). أما على الصعيد الدولي، فيمكن تفعيل الآليات المرتبطة بـ “اتفاقية آرهوس” (لحق الحصول على المعلومات البيئية) و”اتفاقية بيرن” (لحماية التنوع البيولوجي)، فضلًا عن ممارسة أوراق الضغط عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي في ملف مفاوضات الانضمام. إن هذه المعركة تهدف في جوهرها إلى كسر وسحق سابقة خطيرة يتم فيها تسخير القانون لمصالح خاصة.”
ملايين “سباك” ورواية تل أبيب
وفي تطور دراماتيكي متزامن يعزز هذه المخاوف الحقوقية الشائكة، أكدت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في ألبانيا (SPAK) فتح تحقيق موسع يتعلق بالآليات التشريعية لتمرير المشروع لصالح شركة “Atlantic Incubation Partners”، مما فجّر أزمة سياسية حادة داخل أروقة الحكم. ورغم ضغوط التحقيقات وغليان الشارع، جدد رئيس الوزراء الألباني إيدي راما التزامه الصارم بالمشروع، معلنًا عن القيمة المالية الضخمة للمخطط الشامل بقوله بنبرة تحدٍّ حادة: “لا ينبغي لألبانيا أن تخاف من مشروع عملاق يجتذب شركاء استثنائيين ليضخوا استثمارات بقيمة 4 مليارات يورو (4.7 مليار دولار)”، مؤكدًا أن حجم الاستثمار المخصص لجزيرة سازان وحدها يبلغ 1.6 مليار دولار، ومختتمًا حديثه: “طالما أنني في هذا المنصب، فليس هناك أي احتمال لوقف هذه الاستثمارات”.
وفي الوقت الذي يثور فيه الشارع حول ملف الأراضي وحماية الثروة المائية، تتوارد الأنباء الساخنة من الميدان عن قيام شركات تكنولوجيا أمنية إسرائيلية بالعمل الميداني لتركيب أنظمة رقابة متطورة في محيط منطقة “زفيرنيتس” لتأمين الحفر، بالتزامن مع توقيع تيرانا مذكرة تفاهم (MoU) مع “إسرائيل” في مجالات الأمن الغذائي والزراعي.
هذا التوقيت المتسارع يعكس تداخلًا جليًا يربط السيطرة العقارية الممنوحة لـ “المستثمرين الاستراتيجيين” بالهيمَنة على القطاعات الحيوية، مما يؤكد دقة التحذيرات الجيواستراتيجية التي أطلقها الخبراء حول محاولة تحويل شواطئ ألبانيا العذرية ومواقعها العسكرية الحساسة إلى مستوطنات مغلقة للنخبة العالمية، وبما يتقاطع مباشرة مع معركة السيادة الإقليمية في حوض المتوسط وعقيدة “الوطن الأزرق”.