• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ذروة الطموح التركي.. كيف بنت “توساش” إمبراطوريتها الجوية؟

خالد أصلان٢٦ يوليو ٢٠٢٦

تحمل شركة توساش اليوم أكثر مشاريع أنقرة الجوية ثقلًا

من مجمعها الصناعي في كهرمان قازان على أطراف أنقرة، تتحرك شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية “توساش” (Turkish Aerospace/TUSAŞ) كإحدى الواجهات الثقيلة لمشروع تركيا الجوي، حيث تتقاطع داخل مصانعها برامج المقاتلات والطائرات التدريبية والمروحيات والمسيّرات التي تريد أنقرة بها نقل خبرتها من التجميع والتحديث إلى تصميم المنصة وقيادة إنتاجها.

تتوزع ملكية الشركة أساسًا بين وقف القوات المسلحة التركية (TSKGV/TAFF) ورئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB)، بما يضعها في قلب المنظومة الرسمية التي تدير مشاريع الطيران العسكري الكبرى في تركيا.

ومن هذا الموقع، تحمل الشركة اليوم أكثر مشاريع أنقرة الجوية ثقلًا، من المقاتلة الوطنية “قآن” وطائرة التدريب النفاثة “هورجت”، إلى مروحتي “غوكباي” و”أتاك”، وصولًا إلى مسيّرات “أنكا” و”أقسنغور” و”أنكا 3″.

في منتصف عام 2026، وصلت “توساش” إلى عتبة جديدة، بعدما حصلت مقاتلة “قآن” على أول طلب محلي من القوات الجوية التركية لدفعة من 20 طائرة Block 10، وفق ما أعلنه المدير العام للشركة محمد دمير أوغلو في مايو/أيار 2026. 

قبل ذلك بنحو عام، كانت “قآن” قد دخلت مسارًا خارجيًا غير مألوف في عمر مقاتلة ما تزال في مرحلة النضج، ففي يونيو/حزيران 2025، أعلن إطار أولي مع إندونيسيا لشراء 48 طائرة، ثم تحول المسار في الشهر التالي إلى عقد رسمي ملزم في إسطنبول، مع حديث عن تصنيع محلي وتدريب. 

وأكدت وزارة الدفاع الإندونيسية العقد لكنها لم تكشف قيمته النهائية ولا جدول التسليم، فيما كانت تقديرات سابقة لموقع Janes البريطاني، المتخصص في شؤون الدفاع، تتحدث عن قيمة تقارب 10 مليارات دولار وتسليم على مدى 120 شهرًا.

وفي المسار الأوروبي، أخذت طائرة التدريب النفاثة “هورجت” موقعًا مختلفًا، بعدما تحولت من منتج تركي قيد النضج إلى جزء من برنامج إسباني للتدريب القتالي المستقبلي تقوده شركة “إيرباص” الأوروبية، ويشمل 30 طائرة، مع مشاركة صناعية إسبانية تصل إلى 60%.

تضع هذه المحطات “توساش” أمام امتحان يتجاوز إخراج نموذج طائر إلى السماء، فالشركة التي راكمت خبرتها الأولى داخل مدرسة إف 16 الأمريكية، ثم وسعت عملها إلى المروحيات والمسيّرات والطائرات التدريبية، تسعى اليوم إلى تثبيت موقعها كعمود رئيسي في الطيران العسكري التركي، قادر على التصميم والاختبار والإنتاج والتصدير.

ينشر “نون بوست” هذا التقرير ضمن ملف “ترسانة الجمهورية”، الذي يتتبع صعود الصناعات الدفاعية التركية، من مرحلة الاعتماد على السلاح المستورد إلى بناء شركات وطنية قادرة على الإنتاج والتصدير وصناعة النفوذ.

الحظر الذي غيّر حسابات أنقرة

تأسست “توساش” في 28 يونيو/حزيران 1973 تحت وزارة الصناعة والتكنولوجيا التركية، في لحظة كانت فيها أنقرة تبحث عن قاعدة صناعية دفاعية تقلل اعتمادها على الخارج.

بعد عام واحد، جاءت عملية قبرص وما تبعها من حظر أمريكي على تسليح أنقرة لتمنح هذا الاتجاه سببًا سياسيًا مباشرًا، بعد أن أدركت المؤسسة التركية أن الجيش الذي يعتمد على سلاح خارجي ولا يملك مفاتيح صيانته وتطويره يبقى رهينة قرارات الموردين.

في تلك المرحلة برز وقف القوات المسلحة التركية، وهو مؤسسة تركية تأسست لدعم شركات الصناعات الدفاعية وتمويلها وتملك حصص فيها. ولاحقًا، أصبحت رئاسة الصناعات الدفاعية التركية الذراع الحكومية التي تدير عقود التطوير والتحديث والمشتريات الدفاعية.

داخل هذه المنظومة، كبرت “توساش” كذراع صناعية في مشروع تركي طويل النفس لبناء قاعدة جوية محلية تمتلك التصميم والاختبار والإنتاج، إذ ظهرت ملامح هذه النظرة لاحقًا في خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان داخل منشآت “توساش” في مايو/أيار 2023، حين ربط الصناعات الدفاعية ببناء بنية التصميم والإنتاج التي تلبي احتياجات الجيش، وبمنظومة أوسع تجعل تركيا لاعبًا في التكنولوجيا العالية.

وانطلقت الشركة عمليًا من حاجة تركيا إلى إدخال المعرفة الجوية إلى الداخل، فقد كانت أنقرة تشغّل طائرات غربية وتملك أسطولًا عسكريًا واسعًا، لكنها احتاجت إلى مصنع ومهندسين وفنيين وخطوط اختبار وخبرة في تحويل التصميم الأجنبي إلى طائرة تعمل داخل سلاح الجو التركي، ومن هذه الحاجة جاءت مدرسة “إف 16”.

مدرسة “إف 16”.. كيف تعلمت تركيا صناعة المقاتلات؟

في عام 1984، دخلت “توساش” مرحلة أكثر عملية مع تأسيس شركة صناعات الطيران التركية “تاي” TAI، كشركة استثمار تركية–أمريكية أُنشئت لمدة 25 عامًا لتنفيذ برنامج إنتاج وتجميع مقاتلات “إف 16” داخل تركيا ودمج أنظمتها وإجراء اختبارات الطيران.

ضمت الشركة الجديدة شريكين أمريكيين هما “لوكهيد مارتن” للصناعات الدفاعية والطيران بنسبة 42%، و”جنرال إلكتريك” للمحركات والطيران والطاقة بنسبة 7%، فيما امتلك الطرف التركي الحصة الأكبر بنسبة 51%.

كانت المهمة الأساسية مرتبطة ببرنامج مقاتلات “إف 16″، وتحديدًا حزم “Peace Onyx” التي جعلت تركيا جزءًا من تصنيع وتجميع واختبار مقاتلة أمريكية شديدة التعقيد.

بين عامي 1987 و1995، أنتجت الشركة 160 طائرة في إطار برنامج “Peace Onyx I”، ثم أنتجت 80 طائرة أخرى بين عامي 1992 و1999 ضمن “Peace Onyx II”. وبعد اكتمال دفعات الإنتاج الأولى، انتقلت الخبرة إلى مجال التحديث، فدخلت 40 طائرة ضمن إطار برنامج “Peace Onyx III/IV”، و117 طائرة ضمن برنامج CCIP الخاص بتحديث أسطول “إف 16”.

وتختصر هذه الأرقام مرحلة كاملة من التعلم الصناعي، فقد دخل المهندسون والفنيون الأتراك إلى عالم التجميع النهائي والاختبار الأرضي واختبار الطيران ودمج الأنظمة وفحص الهياكل وإدارة سلاسل توريد طويلة، وصولًا إلى تسليم طائرة قتالية لمستخدم عسكري.

وبمرور السنوات، صارت “تاي” مدرسة صنعت لغة الطيران العسكري داخل تركيا، وظهر أثرها بعد عقود في ملف “إف 16” نفسه، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قال وزير الدفاع التركي يشار غولر إن أنقرة خفّضت صفقة أمريكية واسعة كانت تشمل مقاتلات إف 16، وتخلت عن شراء 79 حزمة تحديث، لأن منشآت “توساش” باتت قادرة على تنفيذ هذه التحديثات محليًا.

حين أصبحت “توساش” تركية بالكامل..

عام 2005، اشترى المساهمون الأتراك الحصص الأجنبية في الشركة وجرى دمج “تاي” و”توساش” تحت سقف واحد برأس مال تركي كامل، ومن هذه النقطة، انتقلت “توساش” تدريجيًا من الإنتاج المرخص لطائرة أجنبية إلى دور المتعهد الأول للمنصة، أي الجهة التي تقود التصميم والتطوير والاختبار والتكامل وإدارة دورة الحياة.

يوضح الإنفوجراف كيف انتقلت منصات توساش من السوق التركي إلى شبكة زبائن خارجية تشمل إفريقيا وآسيا وأوروبا

ففي المروحيات، وُقع عقد “أتاك” في 7 سبتمبر/أيلول 2007، وفي المسيّرات، خرجت “أنكا” من الحظيرة في 16 يوليو/تموز 2010، ونفذت أول رحلة في 30 ديسمبر/كانون الأول 2010.

وفي الطائرات التدريبية، وقعت عقود “هوركوش” في 2013، أما في المروحيات العامة، فقد تحرك برنامج “غوكباي” بقرار رسمي عام 2010 ثم بعقود لاحقة في يونيو/حزيران 2013.

وفي 5 أغسطس/آب 2016، دخلت “توساش” إلى المستوى الأثقل بتوقيع اتفاق تطوير المقاتلة الوطنية مع رئاسة الصناعات الدفاعية. ومن هذه المحطة، تحولت خبرة التجميع والاختبار والتحديث إلى قاعدة لمشاريع تقودها الشركة بوصفها المتعهد الأول للمنصة.

أولى المنصات التي اختبرت الميدان والسوق

بعد منعطف 2005، بدأت “توساش” تختبر موقعها الجديد عبر منصتين خرجتا من مرحلة التطوير إلى الخدمة والتصدير، هما المسيّرة “أنكا” والمروحية “أتاك”.

جاءت “أنكا” لتلبية حاجة تركية واضحة إلى مسيّرة متوسطة الارتفاع طويلة البقاء، قادرة على الاستطلاع والمراقبة وتحديد الأهداف وحمل الذخائر عند الحاجة. 

في أكتوبر/تشرين الأول 2013، وقعت مستشارية الصناعات الدفاعية التركية (SSM)، التي أصبحت لاحقًا رئاسة الصناعات الدفاعية (SSB)، عقدًا مع “توساش” لإنتاج 10 طائرات من نسخة “أنكا إس” لمصلحة القوات الجوية التركية، وهي النسخة التي أضافت الاتصال عبر الأقمار الصناعية (SATCOM) والعمل خارج خط النظر (BLOS).

منح هذا التطور الطائرة وظيفة أوسع من التحليق ضمن مدى محطة تحكم قريبة، وفتح أمامها مهام أطول في مناطق بعيدة عن القواعد.

وفي فبراير/شباط 2016، بدأت “أنكا” أول تشغيل عملياتي موثق من إلازيغ في شرق تركيا، لتدخل بذلك مرحلة الخدمة الفعلية بعد سنوات التطوير والاختبار.

أنكا إس نسخة مطورة من أنكا أضافت الاتصال عبر الأقمار الصناعية والعمل خارج خط النظر

وتوسع استخدام “أنكا إس” داخل أكثر من ذراع تركية عام 2019، فدخلت القوات الجوية والدرك، ثم البحرية في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. وبحلول أغسطس/آب 2020، امتلكت البحرية أربع طائرات، قبل أن تتسلم طائرتين مسلحتين بعيدتي المدى في فبراير/شباط 2021.

خلال عملية “درع الربيع” في إدلب عام 2020، ظهرت “أنكا إس” ضمن منظومة أوسع جمعت المسيّرات والحرب الإلكترونية والمدفعية. وقدمت الطائرة وظيفة الرصد والمراقبة والاتصال خارج خط النظر، مع قدرة على نقل البيانات والعمل في بيئة تشويش على نظام GPS. 

وفي قراءة لهذه التجربة، أشار المعهد الملكي للخدمات المتحدة “روسي”، وهو مركز أبحاث بريطاني متخصص في الأمن والدفاع، إلى أن منظومة الحرب الإلكترونية التركية “كورال” مهدت المجال أمام المسيّرات التركية في إدلب، وهنا تظهر “أنكا إس” كجزء من شبكة أوسع للرصد والتشويش وتمرير الإحداثيات وربط النيران.

وتظهر وثائق وزارة الدفاع التركية أن النسخة صممت لحمل حزم EO/IR وSAR/ISAR/GMTI، وهي أنظمة تصوير كهروبصري وحراري ورادارات مراقبة وتتبع أهداف متحركة. بهذه الوظيفة، ساعدت “أنكا” على تمديد حلقة الرصد وتثبيت الهدف وتمرير الإحداثيات والعمل الشبكي.

خارجيًا، فتحت “أنكا” باب تصدير مهمًا للشركة، فأصبحت تونس أول زبون أجنبي مؤكد وتسلمت 5 طائرات حتى عام 2023، وفق ما أعلنت “توساش”.

وتعاقدت كازاخستان عام 2021 على ثلاث طائرات ومحطتي تحكم أرضيتين، وتحقق التسليم بحلول 2023، ثم وُقع في 2026 إطار مشروع مشترك للتصنيع والصيانة في ذلك البلد. وبدورها، تسلمت تشاد طائرتين عام 2023 بالتوازي مع ثلاث طائرات “هوركوش”، بينما استلمت ماليزيا ثلاث طائرات “أنكا إس” في يناير/كانون الثاني 2026، ضمن مسار أوسع على مراحل قد يصل إلى تسع طائرات.

أما “أتاك”، فقد حملت مدرسة مختلفة، إذ إن المروحية “T129 ATAK” تقوم على مروحية “A129 Mangusta” التي طورتها “أغوستا ويستلاند”، وهي شركة أوروبية اندمجت لاحقًا داخل مجموعة “ليوناردو” الإيطالية، إحدى كبريات شركات الطيران والدفاع في إيطاليا.

عملت “توساش” على تكييف المنصة لاحتياجات القوات التركية، من الإلكترونيات وأنظمة المهمة إلى التسليح والاتصالات والعمل في ظروف حارة ومرتفعة.

وتستهدف الحزمة التركية 76 مروحية للقوات البرية و27 لوزارة الداخلية. وفي مايو/أيار 2025، قال محمد دمير أوغلو إن 92 مروحية “أتاك” باتت في خدمة المستخدمين. 

داخل تركيا، دخلت المروحية ساحة العمليات من بوابة المعارك الحدودية، ففي عفرين خلال عملية “غصن الزيتون” عام 2018، استخدمت “أتاك” ليلًا ضد أهداف مرتبطة بحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية، مستخدمة صواريخ “جيريت” من إنتاج شركة “روكيتسان” التركية المتخصصة في الصواريخ والذخائر الموجهة.

وفي الخارج، تسلمت الفلبين ست مروحيات على ثلاث دفعات انتهت في مايو/أيار 2024، فيما برزت نيجيريا كزبون مؤكد بست مروحيات، مع تسليم أولي في 2023 وحديث عن اكتمال الدفعة بحلول 2024.

أما باكستان، فبقيت المثال الأوضح على حدود التصدير، إذ وقعت عام 2018 صفقة لشراء 30 مروحية بقيمة 1.5 مليار دولار شملت التدريب والذخائر وقطع الغيار والدعم اللوجستي.

وتعثرت الصفقة عند رخص تصدير محركات “LHTEC CTS800” الأمريكية التي تنتجها “إل إتش تي إي سي”، المشروع المشترك بين “هانيويل” الأمريكية و”رولز رويس” البريطانية. ونفت باكستان مطلع 2022 إلغاء الصفقة رسميًا وبقي الملف مجمدًا بلا تسليم.

صناعة الطيار قبل صناعة المقاتلة

إلى جانب برنامج “قآن”، بنت “توساش” طبقة تدريب تحتاجها أي قوة جوية قبل الوصول إلى المقاتلة. وفي هذه السلسلة جاءت “هوركوش” كطائرة تدريب توربينية يمكن تجهيزها لمهام الهجوم الخفيف، ثم حضرت “هورجت” كطائرة تدريب نفاثة متقدمة تنقل الطيار إلى مرحلة أقرب من مقاتلات الجيل الجديد.

بدأ مسار “هوركوش” العسكري في 26 ديسمبر/كانون الأول 2013، حين وقعت مستشارية الصناعات الدفاعية التركية SSM، عقد إنتاج تسلسلي مع “تاي/توساش” لصالح القوات الجوية التركية، شمل 15 طائرة من نسخة “HÜRKUŞ-B”، مع خيار لدفعات إضافية.

وفي 3 مايو/أيار 2021، دخل البرنامج مرحلة جديدة مع مشروع النسخة الأحدث “HÜRKUŞ-II”، ضمن عقد مع رئاسة الصناعات الدفاعية لتلبية احتياجات التدريب الأساسي في القوات الجوية التركية. وتشير مصادر متخصصة إلى أن الحزمة تستهدف 55 طائرة، تبدأ بدفعة أولى من 15 طائرة.

داخل تركيا، ظل البرنامج يتحرك بين التطوير والملاءمة والاعتماد، وفق ما يظهر في تقرير وزارة الدفاع التركية لعام 2025، قبل أن تبدأ النسخة الأحدث “HÜRKUŞ II” الطيران في ديسمبر/كانون الأول 2024، مع مسار تسليم مقرر للقوات الجوية خلال 2026.

وخارج تركيا، ظهر “هوركوش” بوضوح أكبر في إفريقيا، ففي عام 2022، وقعت “توساش” عقدًا مع النيجر حصلت بموجبه على طائرتين، فيما تسلمت تشاد ثلاث طائرات “HÜRKUŞ-C” في 2023، مع تدريب للطيارين والأطقم الأرضية.

منح هذا المسار “هوركوش” حضورها الخارجي الأوضح حتى الآن، خصوصًا في سوق التدريب والهجوم الخفيف بإفريقيا، بينما ظل مسارها التركي مرتبطًا بالنسخة الأحدث وتسليماتها المنتظرة.

أما “هورجت”، فتمثل الدرجة الأعلى في السلسلة نفسها، إذ طورتها “توساش” كطائرة تدريب نفاثة متقدمة وهجوم خفيف، لتأهيل الطيارين قبل الانتقال إلى مقاتلات الجيل الجديد، ولتحل تدريجيًا محل طائرات T-38 وطائرات F-5 المستخدمة في التدريب والعروض.

أقلعت “هورجت” أول مرة في 25 أبريل/نيسان 2023، ثم طار النموذج الثاني في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وتشير بيانات الشركة إلى تسليم مقرر للقوات الجوية التركية في 2026، فيما تتحدث وكالة الأناضول عن مرحلة أولى من 16 طائرة.

وتستخدم “هورجت” محرك “جنرال إلكتريك إف 404” الأمريكي، ما يجعل المحرك أحد عناصر الارتباط بسلسلة توريد غربية داخل المنصة. وفي الخارج، فتحت الطائرة مسارًا لافتًا عبر إسبانيا، حين وقعت “توساش” في يوليو/تموز 2025 اتفاقًا مع “إيرباص” لتسريع إدماج “هورجت” في القوات الجوية الإسبانية.

وتحول المسار في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى برنامج رسمي ضمن نظام التدريب القتالي المستقبلي C-ITS/SAETA II مع 30 طائرة، وتسليم أولي بين 2028 و2029، على أن تمتد عملية إدخال المنظومة الجديدة في القوات الجوية الإسبانية بين 2031 و2035. وبحسب “إيرباص”، تبلغ المشاركة الصناعية الإسبانية 60%.

في أبريل/نيسان 2026، قالت مارتا نوغيرا، رئيسة أعمال “إيرباص للدفاع والفضاء” في إسبانيا، إن البرنامج يمنح مدريد نقل تكنولوجيا في مجالات أساسية، وعائدًا صناعيًا عميقًا، وسيادة لإدارة الإسناد والتطوير المستقبلي.

ووضع جان-بريس دومون، رئيس قسم القوة الجوية في “إيرباص للدفاع والفضاء”، الصفقة في سياق أوسع حين وصف البرنامج في ديسمبر/كانون الأول 2025 بأنه مسعى لإنشاء نظام تدريب قتالي حديث في إسبانيا يضمن السيادة الإسبانية طوال العملية.

جناح دوّار لاحتياجات الحرب والدولة

وعقب “أتاك”، اتجهت “توساش” إلى مساحة أخرى في عالم المروحيات، فالمروحية الهجومية منحت الشركة خبرة في التكييف والتسليح والعمل القتالي، أما “غوكباي” (T625 GÖKBEY) ففتحت أمامها باب المروحية العامة متعددة المهام، التي تخدم النقل والإسعاف والبحث والإنقاذ والأمن الداخلي والخدمات الحكومية.

بدأ برنامج “غوكباي” رسميًا بقرار من لجنة تنفيذ الصناعات الدفاعية التركية SSİK في 15 يونيو/حزيران 2010، ثم دخل مرحلة تعاقدية أوسع في 26 يونيو/حزيران 2013.

وبعد سنوات من التطوير، أقلعت المروحية أول مرة في 6 سبتمبر/أيلول 2018، قبل أن تنفذ في 19 أبريل/نيسان 2023 رحلة بمحرك “تي إس 1400” المحلي من إنتاج شركة “تي إي آي” التركية لصناعات المحركات TEI.

أعطى التسليم الأول في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2024 البرنامج معنى عمليًا جديدًا، حين وصلت “غوكباي” إلى قيادة الدرك التركية. وبحلول أغسطس/آب 2025، كانت التسليمات المؤكدة قد بلغت أربع مروحيات، ثم أُعلن عن الخامسة بحلول فبراير/شباط 2026. وبهذه الخطوة، دخلت “توساش” فئة المروحيات العامة من باب التسليم الفعلي بعد سنوات من النماذج والاختبارات.

تخدم “غوكباي” مهام النقل والإسعاف والبحث والإنقاذ والخدمات العامة والأمن الداخلي، وهي بذلك تتحرك في مساحة تحتاجها مؤسسات الدولة يوميًا، بعيدًا عن صورة المروحية الهجومية وحدها.

وتمنح “غوكباي” قصة “توساش” بعدًا آخر في المنصات الدوارة، إذ تضع الشركة داخل فئة المروحيات العامة التي اعتمدت فيها تركيا لعقود على منصات أجنبية وقديمة.

ويظل المحرك جزءًا من امتحان هذه المنصة، فالسرد الرسمي يبرز رحلة “غوكباي” بمحرك TS1400 المحلي، بينما تظهر في بعض الجداول الفنية إشارات إلى محركات LHTEC الأجنبية.

وعلى أطراف هذا المسار، تظهر “أتاك 2″ و”تي 925” كمشاريع مروحيات أثقل داخل عائلة “توساش”. الأولى مروحية هجومية ثقيلة، والثانية مروحية نقل ومهام عامة ثقيلة، وحتى يونيو/حزيران 2026، ظلتا في مساحة التطوير والاختبار، بينما بقيت “أتاك” و”غوكباي” المحطتين الأوضح في الخدمة والتسليم داخل خط المروحيات.

قآن.. توساش تصعد إلى السماء الثقيلة

بعد عقود من العمل على التجميع والتحديث والمروحيات والمسيّرات، وصلت “توساش” إلى مشروعها الأثقل متمثلًا في مقاتلة وطنية تريد تركيا أن تجعلها بديلًا بعيد المدى لأسطول “إف 16″، ورمزًا لقدرتها على دخول طبقة الطيران القتالي المتقدم.

بدأ هذا المسار رسميًا في 5 أغسطس/آب 2016، عندما وقعت رئاسة الصناعات الدفاعية اتفاق تطوير المقاتلة الوطنية، في مشروع كان يُعرف وقتها باسم TF-X أو MMU.

وجاء المشروع بالتزامن مع حاجة القوات الجوية التركية إلى بديل طويل الأمد لأسطول “إف 16″، ثم اكتسب معنى سياسيًا إضافيًا بعد إخراج تركيا من برنامج المقاتلة الأمريكية “إف 35” عقب أزمة منظومة “إس 400” الروسية.

وشاركت شركة “بي إيه إي سيستمز” البريطانية للدفاع والطيران BAE Systems في الدعم الهندسي للمراحل الأولى، وبقيت “توساش” المقاول الرئيسي للمشروع تحت إدارة رئاسة الصناعات الدفاعية.

وفي يناير/كانون الثاني 2022، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن المقاتلة الوطنية، التي كان مخططًا أن تنفذ أول رحلة في 2025، ستأخذ مكانها في السماء عام 2029 بعد الاختبارات والتأهيل.

وفي مايو/أيار 2023، خرج المشروع من اسمه الفني إلى اسمه المعلن. فخلال برنامج “قرن المستقبل” في منشآت “توساش” بكهرمان قازان، أُعلن اسم المقاتلة “قآن”، بعدما بقيت لسنوات مرتبطة بتسميات TF-X وMMU. في تلك اللحظة، وضعت أنقرة المقاتلة داخل سردية أوسع عن التكنولوجيا والسيادة الصناعية، وقدّمها أردوغان كإحدى منصات “قرن تركيا”.

تقدمت الطائرة على الموعد السياسي المعلن، ففي 21 فبراير/شباط 2024، نفذت “قآن” أول رحلة لها لمدة 13 دقيقة على ارتفاع 8 آلاف قدم وبسرعة 230 عقدة. وفي 6 مايو/أيار 2024، نفذت رحلة ثانية لمدة 14 دقيقة، وصلت خلالها إلى 10 آلاف قدم وبسرعة 230 عقدة.

على المسار الخارجي، ظهر إطار أولي مع إندونيسيا في يونيو/حزيران 2025 لشراء 48 طائرة، مع تقديرات تحدثت عن 10 مليارات دولار وتسليم خلال 120 شهرًا. وفي 11 يونيو/حزيران 2025، قال أردوغان إن الاتفاق يظهر التقدم والإنجازات التي حققتها الصناعة الدفاعية المحلية والوطنية.

وفي يوليو/تموز 2025، تحول الإطار الأولي إلى عقد نهائي ملزم في إسطنبول، يشمل تصنيعًا محليًا وتدريبًا. وقالت رويترز إن وزارة الدفاع الإندونيسية أكدت العقد، مع غياب قيمة نهائية وجدول تسليم علنيين.

ثم جاءت محطة مايو/أيار 2026 داخل تركيا، حين أعلن محمد دمير أوغلو أول طلب محلي لدفعة من 20 طائرة Block 10 لمصلحة القوات الجوية التركية. بهذه الخطوة، انتقلت “قآن” من رمز صناعي وسياسي إلى مسار تعاقدي داخلي، مع بقاء الامتحان الأوسع في الإنتاج والتسليم.

وتعمل النماذج الحالية بمحركين أمريكيين من طراز “جنرال إلكتريك إف 110” GE F110، وهو الطراز المستخدم أيضًا في مقاتلات “إف 16”. وبالتزامن، تمضي تركيا في مسار محرك محلي لاحق يرتبط بشركة “توساش لصناعات المحركات” TEI، المتخصصة في محركات الطيران، وشركة “تي آر موتور” التركية TRMotor العاملة في تطوير محركات الطيران.

وصرح خلوق غورغون، رئيس رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، أن تركيا تستهدف استخدام محركات محلية الإنتاج في مرحلة الإنتاج المتسلسل، المتوقع أن تبدأ عند حدود 2028.

وفي “قآن”، يظهر الامتحان الأثقل للصناعات الجوية التركية. فـ”توساش” تقود هيكل المشروع وهندسته واختباراته وعقوده، لكنها تحتاج إلى تحويل هذه العناصر إلى إنتاج متسلسل، ومحرك وطني ناضج، وجدول تسليم يقنع الزبائن.

يلخص الجدول المفارقة الأساسية في مشروع توساش من نقاط القوة وحلقات الضعف

أقسنغور وأنكا 3.. مسيّرات توساش الأثقل

بعد “أنكا”، وسعت “توساش” عائلة المسيّرات نحو فئتين أعلى، الأولى “أقسنغور”، وهي مسيّرة ثقيلة نسبيًا ذات حمولة وبقاء أطول، مبنية على خبرة “أنكا”، وتخدم مهام الاستطلاع بعيد المدى والمراقبة البحرية والحمولات الأكبر.

وتشير بيانات الشركة إلى استخدامها بمحرك “بي دي 170” المحلي من “تي إي آي”، مع اختبارات وصلت إلى 30 ألف قدم و41 ساعة طيران في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، واختبارات لاحقة فوق 40 ألف قدم.

تصديريًا، ثبتت قرغيزستان كحالة تسليم مؤكدة لطائرتين في 2023، وظهرت تشاد كمستخدم خارجي مثبت في 2024، مع عدم الإعلان عن العدد.

أما أنغولا، فتحدثت تقارير عن موافقة حكومية في أكتوبر/تشرين الأول 2022 على عقد بقيمة 93 مليون دولار، ثم أشارت تقارير لاحقة إلى تأخر التسليم بسبب مشاكل دفع وسيولة، مع بدء تدريب العاملين.

الفئة الثانية تتمثل في “أنكا 3″، وهي طائرة قتالية غير مأهولة ذات جناح طائر وبصمة منخفضة نسبيًا، شُغل محركها أول مرة عام 2023، ونفذت أول طيران ذاتي في 28 ديسمبر/كانون الأول 2023، ثم بدأت اختبارات ذخائر مثل TEBER-82 وTOLUN.

وحتى يونيو/حزيران 2026، بقيت “أنكا 3” في مساحة الاختبار والتشكيل الصناعي، بوصفها اتجاهًا مستقبليًا داخل “توساش” أكثر من كونها سجلًا تشغيليًا مكتملًا.

ولذلك فإن وجود “أنكا 3” يضع “توساش” في المساحة نفسها التي تتحرك فيها “بايكار” عبر “قزل إلما”، الطائرة القتالية غير المأهولة النفاثة.

الفارق بين النموذجين واضح، فقد صعدت “بايكار” كشركة خاصة عبر “بيرقدار تي بي 2” Bayraktar TB2 وساحات القتال والتصدير السريع، بينما تتحرك “توساش” من موقع مؤسسة دولة ثقيلة تحمل خبرة “إف 16” والمروحيات والمسيّرات ومشروع المقاتلة.

وخلف هذه العائلة الواسعة من الطائرات والمروحيات والمسيّرات، تقف كتلة صناعية كبيرة، ففي يناير/كانون الثاني 2024، قال محمد دمير أوغلو إن “توساش” تضم 7 آلاف مهندس و6 آلاف فني، وإن مجموع العاملين اقترب من 17 ألفًا.

وفي مايو/أيار 2025، رفع دمير أوغلو سقف الطموح أكثر، حين تحدث عن خطة حتى 2034 تشمل نحو 500 طائرة من “قآن” و”هورجت” و”هوركوش”، وأكثر من 350 منصة دوارة من “غوكباي” و”أتاك” و”أتاك 2″، ونحو 600 منصة غير مأهولة من “أنكا 3″ و”أقسنغور” وغيرها.

تكشف الأرقام حجم الكتلة الصناعية التي تقف خلف توساش من آلاف المهندسين والفنيين إلى خطط إنتاج واسعة

وتعطي مجلة “ديفنس نيوز” الأمريكية المتخصصة في شؤون الدفاع مؤشرًا خارجيًا على حجم الشركة، إذ وضعت توساش في المرتبة 47 ضمن قائمة أكبر 100 شركة دفاع في العالم لعام 2025، بعدما كانت في المرتبة 50 في العام السابق و58 في العام 2023.

وجاء هذا الصعود ضمن حضور تركي أوسع في القائمة، شمل “أسيلسان” في المرتبة 43، و”روكيتسان” في المرتبة 71، و”أسفات” في المرتبة 78، و”إم كيه إي” في المرتبة 80.

ورأى خلوق غورغون، رئيس رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، أن دخول خمس شركات تركية إلى قائمة “ديفنس نيوز” يعكس تصميم المهندسين الأتراك، والتكامل داخل قطاع الصناعات الدفاعية، والثقة التي يضعها البلد في هذا المسار.

في المحصلة، قطعت “توساش” مسافة طويلة من مدرسة “إف 16” إلى “قآن”، ومن المروحية المكيّفة إلى المروحية المحلية، ومن المسيّرة المتوسطة إلى الطائرة القتالية غير المأهولة.

واليوم، ينتقل اختبارها إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تقاس قيمة هذه المنصات بقدرتها على دخول الخدمة واستقرار خطوط الإنتاج ونضج المحركات، واستمرار الدعم بعد البيع من تدريب وصيانة وتحديث وقدرة على البقاء والمنافسة.

علاماتأسلحة الجيش التركي ، الجيش التركي ، الجيش التركي في سوريا ، الصناعات الدفاعية التركية ، الصناعات العسكرية
مواضيعترسانة الجمهورية

قد يعجبك ايضا

سياسة

سلطة الطاقة الفلسطينية لـ”نون بوست”: إسرائيل تهيئ بنية تحتية للتوسع الاستيطاني عبر الغاز

سندس بعيرات٢٦ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

طفل كل يوم.. إسرائيل تواصل قتل أطفال غزة بشكل روتيني

نير حسون٢٦ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

تونس تنتفض ومصر تترقب.. كيف يقرأ المصريون الحراك ضد قيس سعيّد؟

فريق التحرير٢٦ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑