Also available in English
في تصعيد استثنائي للخطاب السياسي التركي، رفع الرئيس رجب طيب أردوغان سقف المواجهة مع “إسرائيل” الذي تشهد علاقات بلاده معها توتيرًا متصاعدًا خلال الأونة الأخيرة، واضعًا ما بدا أنه خطوط حمراء تركية في مواجهة المشروع التوسعي الإسرائيلي، وذلك حين أكد أن “أمن تركيا لا يبدأ فقط من هاتاي، بل يبدأ من حلب ومن دمشق ومن بيروت”.
وجاءت تصريحات أردوغان، خلال كلمته أمام اجتماع الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتواصل فيها العمليات الإسرائيلية في ثلاث ساحات مترابطة، غزة، وجنوب لبنان، وجنوب سوريا؛ في ترجمة عملية لخرق اتفاقي وقف إطلاق النار في القطاع ولبنان، فضلًا عن اتفاق فصل القوات لعام 1974 في الجولان.
ولا يمكن قراءة هذه التصريحات في إطارها الضيق بوصفها مجرد موقف تضامني مع سوريا ولبنان، إذ تحمل في طياتها رسائل ودلالات أعمق، تكشف عن تحول لافت في الخطاب الأمني والسياسي التركي؛ من الدفاع عن الحدود المباشرة للدولة، إلى الدفاع عن المجال الحيوي المحيط بها، وهو التحول الذي إذا ما تُرجم هذا التحول عمليًا، فقد يمثل نقطة فاصلة في مستقبل التوازنات الإقليمية، وفي حدود الحركة الإسرائيلية داخل المشرق العربي وشرق المتوسط، فالرئيس التركي لم يكتف بإدانة السياسات الإسرائيلية، بل سعى إلى تقديم تعريف جديد لخريطة التهديد كما تراها أنقرة، في لحظة إقليمية مضطربة وشديدة التعقيد، تبدو مفتوحة على تحولات جيوسياسية محورية.
نقلة في العقيدة الأمنية التركية
تعكس القراءة الأولى لهذه التصريحات نقلة نوعية واضحة في مقاربة أنقرة لأمنها القومي؛ إذ لم تعد التهديدات التي تواجه تركيا محصورة في حزب العمال الكردستاني أو قوات سوريا الديمقراطية، ولا في الاضطرابات المتكررة على حدودها الجنوبية فحسب، وهي المقاربة التقليدية التي شكّلت لسنوات طويلة إحدى الركائز الأساسية للتصور الأمني التركي.
فاليوم، تبدو تركيا أكثر ميلًا إلى تقديم أمنها القومي بوصفه مسارًا متصلًا بصورة مباشرة باستقرار الطوق المشرقي المحيط بها؛ من شمال سوريا إلى دمشق، ومن لبنان إلى شرق المتوسط، ووفق هذا التصور، ينتقل الأمن القومي التركي من مفهوم الأمن الحدودي المباشر إلى مفهوم الأمن المعمّق داخل ساحات أبعد جغرافيًا، لكنها قادرة على إنتاج تهديدات تنعكس على الداخل التركي ومصالحه الحيوية، ومن ثم، تحاول أنقرة أن تقول إن حماية أمنها لا تبدأ عند لحظة وصول الخطر إلى حدودها، بل عند مرحلة تشكّل بيئة إقليمية معادية أو مضطربة قد تتحول لاحقًا إلى مصدر تهديد مباشر لها.
غير أن المسألة المحورية التي ينبغي التوقف عندها هنا، هي أن هذا التحول لا يعني أننا أمام انتقال كامل ومكتمل في العقيدة الأمنية التركية من الحدود إلى العمق السوري واللبناني؛ فالعقيدة الأمنية تحتاج إلى أدوات واضحة، وتموضع عسكري، وتحالفات، وقواعد اشتباك، وآليات تنفيذ لا تزال غير مكتملة حتى الآن.
لكن ما يمكن تأكيده أن هذه التصريحات تكشف عن ملامح عقيدة أمنية تركية آخذة في التشكل، تقوم على توسيع تعريف مجال الأمن القومي التركي، وربطه بساحات إقليمية أبعد من الحدود المباشرة، وهذا في حد ذاته يمثل تطورًا محوريًا في التوجه التركي، وفي طريقة نظر أنقرة إلى أمنها القومي وامتداداته وساحات تأثيره.
مقاربة جديدة إزاء سوريا ولبنان
اللافت في تصريحات أردوغان أنها وضعت سوريا ولبنان داخل معادلة أمنية واحدة، بعدما ظلت المقاربة الأمنية التركية، لسنوات طويلة، متمركزة أساسًا حول الساحة السورية، بحكم الجغرافيا، وطول الحدود المشتركة، وملف اللاجئين، والتهديدات الكردية، وهي دوافع مفهومة أمنيًا ومقبولة سياسيًا في الحسابات التركية.
غير أن إدخال بيروت ضمن هذه المعادلة يفتح الباب أمام مقاربة تركية أوسع، تتجاوز الشمال السوري إلى المجال المشرقي وشرق المتوسط، فأنقرة تحاول هنا بشكل غير مباشر أن تقول إن الساحة السورية، رغم مركزيتها، لم تعد وحدها المحدِّد لحركتها الأمنية، بل إن لبنان بات جزءًا من بيئة إقليمية أوسع ترى تركيا أن اضطرابها قد ينعكس على مصالحها وأمنها وتموضعها الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، حملت تصريحات أردوغان رسائل متعددة إلى أكثر من طرف، الأولى تتعلق بالساحة السورية، وهي موجهة بالأساس إلى “إسرائيل”، ومفادها أن الجنوب السوري ودمشق وحلب لم تعد ساحات مفتوحة لفرض وقائع أمنية جديدة، وأن أي صياغة مستقبلية للترتيبات داخل سوريا لا يمكن أن تتم بمعزل عن المصالح والحسابات التركية.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بالساحة اللبنانية. فرغم أن النفوذ التركي في لبنان لا يقارن بنفوذها في سوريا، فإن أنقرة تحاول عبر هذا الخطاب تقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية معنية بالمشهد اللبناني، ورافضة لتحويل لبنان إلى مساحة مفتوحة أمام العربدة الإسرائيلية أو محاولات إعادة تشكيل التوازنات الداخلية والإقليمية فيه.
وفق هذا المنظور فإن ذكر بيروت في خطاب أردوغان لا يمكن التعاطي معه كتعبير عن تضامن معنوي أو سياسي، بل إشارة إلى أن تركيا تسعى إلى توسيع تعريف مجالها الأمني من الحدود السورية المباشرة إلى قوس مشرقي أوسع، ترى فيه أن سوريا ولبنان وشرق المتوسط ساحات مترابطة داخل معادلة واحدة.
خطوط حمراء.. سياسية لا عسكرية
وصفت بعض القراءات التي تناولت تصريحات أردوغان بأنها خطوط حمراء تركية في مواجهة التوغلات الإسرائيلية، غير أن هذا التوصيف، وإن اقترب من جوهر المشهد، يحتاج إلى مزيد من التفكيك، بالنظر إلى ما يحمله مصطلح “الخطوط الحمراء” من دلالات متعددة وتفسيرات متباينة بين السياقين السياسي والعسكري.
ففي المفهوم السياسي، يشير الخط الأحمر إلى تحذير استراتيجي يهدف إلى رفع كلفة سلوك الدولة الخصم، والمقصود هنا “إسرائيل”، عبر توجيه رسالة مفادها أن أي تمدد إسرائيلي في الساحتين السورية واللبنانية لم يعد يُقرأ تركيًا باعتباره ملفًا بعيدًا أو منفصلًا، بل بوصفه متصلًا بصورة مباشرة بالأمن القومي التركي.
في خطوة جريئة تتحدى الجغرافيا والتاريخ، يسعى #أردوغان لتشكيل تحالف تركي كردي عربي يُنهي عقودًا من الصراع، ويواجه "إسرائيل" والغرب بمشروع وحدوي جديد يعيد التوازن للمنطقة
أردوغان والرهان الأكبر: هل يحتمل الشرق تحالفًا تركيًا كرديًا عربيًا❗https://t.co/rDLVe0SLFK pic.twitter.com/afDsmCoLcn
— نون بوست (@NoonPost) October 19, 2025
أما في المفهوم العسكري، فالأمر يختلف جذريًا؛ إذ ينطوي الخط الأحمر هنا على تحذير عملي مقرون بإمكانية الرد المباشر، بما يعني أن تجاوز الطرف الآخر لهذه الحدود المعلنة قد يستدعي تحركًا عسكريًا واضحًا، أو قواعد اشتباك محددة، أو تموضعًا ميدانيًا يترجم التحذير إلى فعل.
ومن هذه الزاوية، تبدو تصريحات أردوغان أقرب إلى الخطوط الحمراء السياسية المرنة، لا إلى الخطوط الحمراء العسكرية الصلبة، فحتى الآن، لا تتوافر مؤشرات كافية على ترجمة هذا التصعيد إلى ترتيبات عسكرية مباشرة داخل الساحتين السورية أو اللبنانية، سواء عبر إعادة تموضع، أو بناء قواعد اشتباك، أو إعلان آليات رد محددة.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه التصريحات تكمن في أنها ترفع الكلفة السياسية والاستراتيجية لأي تحرك إسرائيلي واسع في هاتين الساحتين، وتؤكد أن أنقرة لن تتعامل مع التمدد الإسرائيلي بوصفه شأنًا بعيدًا عن حساباتها، فهي، على الأقل، تعلن أنها لن تقف صامتة سياسيًا إزاء أي محاولة لفرض أمر واقع جديد في سوريا أو لبنان، مستندة إلى ما تمتلكه من أدوات ضغط، ونفوذ داخل دوائر صنع القرار الإقليمي والدولي.
إعادة تموضع
في ظل التحولات الجيوسياسية التي فرضتها التطورات الأخيرة، من حرب غزة وصولًا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تبدو المنطقة أمام لحظة إعادة تموضع واسعة، تسعى فيها القوى الإقليمية والدولية إلى مراجعة حساباتها وفق معادلات جديدة لم تعد المقاربات التقليدية قادرة على استيعابها، وتعد تركيا واحدة من أبرز القوى التي سارعت إلى التفاعل مع هذه المستجدات، عبر خطاب واستراتيجية وخطوات عملية تحاول من خلالهما إعادة تثبيت حضورها كقوة إقليمية فاعلة في قلب معادلات الشرق الأوسط، لا على أطرافها فقط.
ومن هذا المنطلق يمكن قراءة تصريحات أردوغان باعتبارها إعلانًا عن انتقال تركي من موقع المراقبة الحذرة إلى موقع الفاعل المعني مباشرة بمآلات الصراع، فأنقرة، من خلال هذا الخطاب، تقول إنها لن تكتفي بمتابعة التطورات من بعيد، ولن تبقى أسيرة حدود مقارباتها الجغرافية التقليدية، التي انشغلت طويلًا بالبلقان والبحر الأسود والقوقاز، بل باتت ترى أن سوريا ولبنان وشرق المتوسط تشكل امتدادًا مباشرًا لمجالها الحيوي وأمنها القومي.
هذا التحول، إذا ما تُرجم عمليًا، قد يمنح تركيا أوراق نفوذ وضغط إضافية، تعزز ثقلها الإقليمي وتفتح الباب أمام احتمالات أوسع لتشكيل اصطفافات أو تفاهمات إقليمية وازنة، قادرة على موازنة المخططات التوسعية الإسرائيلية والحد من عربدتها في ساحات المشرق، خاصة إذا ما قُرأ بجانب حراك موازي أخر تقوم به أنقرة على قدم وساق، شمل تباحث تشكيل تحالفات عربية إسلامية.
وإذن، لا يمكن قراءة خطاب أردوغان بوصفه تصريحات عابرة أو تعبيرًا عاطفيًا وسياسيًا عن التضامن مع سوريا ولبنان في مواجهة “إسرائيل”، وفي الوقت ذاته، لا يمكن التعامل معه باعتباره إعلانًا عن تحول جذري مكتمل في العقيدة الأمنية التركية، أو فرضًا لخطوط حمراء عسكرية صارمة، فنحن، على الأرجح، أمام مرحلة وسطى بين الأمرين؛ مرحلة لا ترقى بعد إلى عقيدة أمنية مكتملة، لكنها تكشف عن ملامح عقيدة آخذة في التشكل، ولا تؤسس لخطوط حمراء صلبة بالمعنى العسكري، لكنها ترسم حدودًا سياسية مرنة قادرة على تقييد هامش الحركة الإسرائيلية وعرقلة شعورها بالأريحية في الساحتين السورية واللبنانية.
ولعل الرسالة الأبرز التي حملتها تلك التصريحات هي ما أرادت أنقرة توجيهه إلى تل أبيب، وكذلك إلى القوى الإقليمية والدولية، أن سوريا ولبنان وشرق المتوسط ليست فراغات استراتيجية يمكن إعادة تشكيلها بالقوة من دون أخذ المصالح التركية في الحسبان، وتبقى الأيام المقبلة وحدها كفيلة باختبار جدوى هذه الرسالة، ومدى تأثيرها في الحسابات الإسرائيلية، وقدرة أنقرة على تحويلها من خطاب سياسي عالي السقف إلى معادلة ردع إقليمية أكثر تماسكًا