ترجمة وتحرير: نون بوست
عندما هدد الرئيس ترامب الشهر الماضي بقصف سلطنة عُمان – حليفة الولايات المتحدة منذ زمن طويل -، كان الأمر استثنائيًا وغريبًا لدرجة أن البعض افترض أنها زلة لسان، وأنه كان يقصد إيران.
لكنه كان يعني ما يقول.
مع تصاعد التوترات في جميع أنحاء الشرق الأوسط بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وجدت سلطنة عُمان الهادئة نفسها في مرمى نيران إدارة ترامب، وعلى خلاف مع جيرانها من دول الخليج العربي، حيث ينظر إليها البعض على أنها متعاطفة مع إيران، وفقًا لمحللين.
يقول الأكاديمي العُماني عبد الله باعبود: “في بعض الأحيان، لا يكون الوقوف في المنتصف أمرًا سهلًا. منطق واشنطن هو إما أن تكون معنا أو ضدنا، وعُمان لا تريد أن تفعل ذلك”.
عملت عُمان منذ سنوات على تسهيل المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، وتؤكد أنها لا تزال تلعب دورها التقليدي كوسيط محايد يدعو إلى الاستقرار الإقليمي.
وفي الشهر الماضي، تبين أن عُمان ناقشت مع إيران فرض رسوم خدمات على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز، متجاهلة تحذيرات إدارة ترامب من القيام بهذه الخطوة.
ثار الرئيس وقال للصحفيين في أواخر مايو/ أيار: “ستتصرف عُمان كما تتصرف أي دولة أخرى، وإلا سيتعين علينا نسفهم. هم يفهمون ذلك. وسيكونون على ما يرام”.
صدم هذا التهديد شعوب المنطقة برمتها. اكتفت الحكومة العُمانية بالصمت، ولم تستجب لطلب التعليق على تصريحات ترامب.
لطالما عُرفت عُمان – الدولة المسالمة التي تقع في جنوب شرقي شبه الجزيرة العربية، ويفصلها عن إيران مضيق هرمز – بأنها منعزلة نوعا ما عن بقية دول المنطقة.
يقول مارك سيفرز، السفير الأمريكي السابق في عمان: “ما كانوا يقولونه لي هو: نحن نافذة الخليج على إيران، وهذا دور يجب احترامه. أعتقد أن الأمر كان كذلك، إلى حد ما”.

خلقت الحرب الأخيرة فجوة أكبر بين عُمان وجيرانها العرب الذين ازدادت علاقاتهم مع إيران عداء وتوترا.
على سبيل المثال، في مارس/ آذار الماضي، وبينما كانت دول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية تتعرض لضربات عنيفة بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، بعث سلطان عُمان هيثم بن طارق ببرقية تهنئة إلى المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي.
ويرى بدر السيف، الأستاذ المساعد في التاريخ بجامعة الكويت، أن هذا الدفء في العلاقات قد أثار استياء بعض الأطراف في دول الخليج الأخرى، مضيفاً: “هناك تساؤل يطرح نفسه: هل خرجت عُمان عن الصف؟ لم نعد في عصر يحتمل الضبابية والغموض، حيث يتعين على الجميع الآن تحديد مواقفهم بوضوح”.
على عكس دول الخليج الأخرى، نجت عُمان إلى حد كبير من الهجمات الإيرانية. بفضل هدوئها النسبي وموقعها الاستراتيجي، وجدت نفسها أيضًا في وضع اقتصادي جيد.
تم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد ممرا مائيا حيويا، مما أعاق قدرة دول الخليج الغنية بالوقود الأحفوري على تصدير النفط والغاز، وأدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا بشكل جنوني. ولكن نظراً لامتلاك عُمان موانئ تطل على بحر العرب، على بُعد مئات الأميال خارج المضيق، فإنها لا تزال قادرة على تصدير النفط دون أي عوائق.
وفي الربع الأول من العام، بينما شهدت بعض الدول المجاورة تراجعا حادا في إيراداتها بسبب عدم قدرتها على إيصال النفط والغاز إلى عملائها، سجلت عُمان زيادة بنسبة 13 بالمئة في الإيرادات الحكومية.

ولأسباب مماثلة، عادت الحرب بالنفع على عُمان من خلال تعزيز مكانتها كمركز إقليمي لوجستي، حيث أصبحت الشحنات التي كانت تصل بحرا إلى دولة الإمارات، تتجه الآن للموانئ العُمانية التي يسهل الوصول إليها، ثم تُنقل برا بواسطة الشاحنات.
يقول رجل الأعمال العماني توفيق اللواتي إن الأزمة الحالية تتيح “فرصة تاريخية” لبلاده للاستفادة من مزاياها الجغرافية، داعياً إلى الاستثمار في البنية التحتية، مثل أنابيب الطاقة وخطوط السكك الحديدية “لتلبية متطلبات هذه المرحلة الحرجة”.
وفي المقابل، يرى العديد من المسؤولين والمحللين الخليجيين أن الحرب يجب أن تدفع باتجاه تعاون إقليمي أكبر، مطالبين دول الخليج بالتكاتف لمواجهة التهديد المشترك.
لكن تجربة عُمان ما هي إلا مثال آخر على الطريقة التي عمّق بها هذا الصراع الانقسامات بين الدول.
بعد الهجوم الدامي الذي استهدف مطار الكويت الدولي الأسبوع الماضي، أدانت عُمان العملية وإن لم تذكر إيران بشكل صريح. أعربت الحكومة العُمانية عن “رفضها لكافة الأعمال العسكرية التي تقوض أمن المنطقة”، وهو تلميح مبطن لا يستهدف إيران فحسب، بل يشمل أيضا إسرائيل والولايات المتحدة.
يقول سيفرز الذي شغل منصب السفير الأمريكي في مسقط من 2016 حتى 2019، إن العلاقات بين البلدين كانت جيدة خلال إدارة ترامب الأولى.
وعندما غادر ترامب منصبه، أبرمت شركته العائلية صفقة لتشييد مشروع عقاري فاخر يحمل علامة “ترامب” التجارية في عُمان، وهو ما أدى إلى تداخل المصالح بين الحكومة العُمانية وأقارب ترامب بما يثير مخاوف أخلاقية، وفقاً لعدد من الخبراء.
لكن تلك العلاقات الدافئة ظاهريا بدأت تتدهور العام الماضي، بعد أن شنت إسرائيل حربا خاطفة على إيران انضمت إليها القوات الأمريكية. وقد أدى ذلك إلى انهيار المفاوضات التي كانت ترعاها عمان بين الولايات المتحدة وإيران.

وخلال الفترة التي سبقت الحرب الحالية، كانت عُمان تتوسط مجددا بين الولايات المتحدة وإيران.
اتضح أن عُمان تتبنى وجهة نظر في تلك المحادثات تختلف عن رؤية ترامب. في مقابلة مع شبكة “سي بي إس”، تحدث وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي بصراحة غير معهودة قائلا إن اتفاق السلام كان “في متناول أيدينا، إذا ما أتحنا للدبلوماسية المساحة التي تحتاجها”.
بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في اليوم التالي حربا مشتركة ضد إيران، ما أدى إلى التدهور الحالي في العلاقات بين مسقط وواشنطن.
يقول بدر السيف إن الجانب العُماني يشعر ربما بالإحباط والاستياء لأنهم حاولوا جاهدين منع الحرب، ثم هاجمت الولايات المتحدة إيران – ليس في مناسبة واحدة، بل في مناسبتين.
ولكن على الجانب الأمريكي، أثارت تصريحات وزير الخارجية العُماني حفيظة المسؤولين في واشنطن، وفقا للسفير سيفرز. ويقول في هذا السياق: “لقد وصف الموقف الإيراني بأنه معقول تماما، وأعتقد أن ذلك أغضب الكثيرين في واشنطن”.
بعد فترة وجيزة، عقد البوسعيدي اجتماعا مع صحفيين عُمانيين أخبرهم فيه بأن الحرب تفتقر إلى الشرعية القانونية، وفقاً لما نشرته “جريدة عُمان”.
لم يكن من المعتاد أن يتحدث مسؤول عُماني بمثل هذه الجرأة علنا. لكن البوسعيدي لم يتوقف عند هذا الحد.
في مقال نشرته مجلة “إيكونوميست” في مارس/ آذار الماضي، كتب البوسعيدي أن “أصدقاء أمريكا يتحملون مسؤولية قول الحقيقة”، وأشار إلى أن الولايات المتحدة “فقدت السيطرة على سياستها الخارجية” لصالح إسرائيل.
نالت تلك الآراء إعجاب البعض – بما في ذلك نشطاء حقوقيون عرب وأكاديميون يساريون، لكنها زادت مع تعقيد علاقة عُمان بإدارة ترامب.
ويرى سيفرز أن استعداد عُمان لمناقشة فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز كان بمثابة “القشة التي قصمت ظهر البعير” وأدت إلى إطلاق ترامب تهديده الأخير.

عند سؤاله عن التوترات مع عُمان، لم يجب مسؤول في البيت الأبيض عن السؤال بشكل مباشر، لكنه قال إن الرئيس لن يسمح لإيران أو لأي دولة أخرى بإعاقة حرية الملاحة في المضيق، أو فرض رسوم عبور. وقد تحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة الشؤون الدبلوماسية.
كانت عُمان تناقش مسألة “رسوم الخدمات”، وليس “رسوم العبور”. وعند سؤاله عما إذا كان ترامب يرى مثل هذا التمييز مقبولا، لم يقدم المسؤول بالبيت الأبيض أي إجابة.
خلال مؤتمر صحفي عُقد بعد تهديد ترامب بقصف عُمان، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إنه تحدث مع سفير عُمان الذي طمأنه بأن السلطنة تقف في صف الولايات المتحدة و”ليس لديها خطط لفرض رسوم عبور في المضيق”.
وقال بيسنت: “كما قال [السفير]، تجمع بلدينا علاقات جيدة منذ 200 عام. وهو يريد أن تستمر هذه العلاقات 200 عام أخرى”.
المصدر: نيويورك تايمز
