نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
كيف أصبحت سلطنة عمان “الهادئة” في مرمى نيران ترامب؟
نون بوست
“من هاتاي إلى دمشق وبيروت”.. كيف يعيد أردوغان تعريف المجال الأمني لتركيا؟
نون بوست
من أزمة الرهائن إلى حرب اليوم: قصة الأصول الإيرانية المجمدة عبر نصف قرن
نون بوست
كأس العالم 2026.. هل يكشف وحدة أمريكا الشمالية أم انقسامها؟
نون بوست
مخطط “الاستيطان الصامت” لـ كوشنر.. اختراق في البلقان يهدد سيادة ألبانيا
نون بوست
تركيا.. كيف يقرأ جمهور حزب الشعب صراع قيادته؟
نون بوست
ذهب أبيض وممرات جديدة.. لماذا يتصارع الكبار على المحيط المتجمد الشمالي؟
نون بوست
من بحر قزوين إلى أوروبا.. كيف تصنع أنقرة وباكو طريق الطاقة البديل؟
نون بوست
التقارب المصري التركي.. لماذا يقلق واشنطن وتل أبيب؟
نون بوست
الحرب التي تدرّ ذهبًا.. كيف يمول الدعم السريع مشروعه؟
نون بوست
من غزة إلى ألبانيا.. منطق استعماري عابر للحدود خلف الاستثمارات والمنتجعات الفاخرة
نون بوست
التوسع الإسرائيلي يزلزل أركان الشرق الأوسط
نون بوست نون بوست
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
كيف أصبحت سلطنة عمان “الهادئة” في مرمى نيران ترامب؟
نون بوست
“من هاتاي إلى دمشق وبيروت”.. كيف يعيد أردوغان تعريف المجال الأمني لتركيا؟
نون بوست
من أزمة الرهائن إلى حرب اليوم: قصة الأصول الإيرانية المجمدة عبر نصف قرن
نون بوست
كأس العالم 2026.. هل يكشف وحدة أمريكا الشمالية أم انقسامها؟
نون بوست
مخطط “الاستيطان الصامت” لـ كوشنر.. اختراق في البلقان يهدد سيادة ألبانيا
نون بوست
تركيا.. كيف يقرأ جمهور حزب الشعب صراع قيادته؟
نون بوست
ذهب أبيض وممرات جديدة.. لماذا يتصارع الكبار على المحيط المتجمد الشمالي؟
نون بوست
من بحر قزوين إلى أوروبا.. كيف تصنع أنقرة وباكو طريق الطاقة البديل؟
نون بوست
التقارب المصري التركي.. لماذا يقلق واشنطن وتل أبيب؟
نون بوست
الحرب التي تدرّ ذهبًا.. كيف يمول الدعم السريع مشروعه؟
نون بوست
من غزة إلى ألبانيا.. منطق استعماري عابر للحدود خلف الاستثمارات والمنتجعات الفاخرة
نون بوست
التوسع الإسرائيلي يزلزل أركان الشرق الأوسط
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

بحر الصين الشرقي.. الجغرافيا التي قد تجرّ العالم إلى حرب كبرى

محمد مصطفى جامع
محمد مصطفى جامع نشر في ١٢ يونيو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

تتجسد في الممرات البحرية الضيقة لبحر الصين الشرقي ملامح الصراع الدولي الأكثر خطورة في القارة الآسيوية، حيث يتقاطع التاريخ القومي المشحون بالعداء مع مصالح الطاقة الحيوية والتحالفات الأمنية المعقدة – وتكتسب المقولة الجيوسياسية الشائعة بأن “الحرب التي ستُشعل العالم لن تبدأ من جزيرة كبيرة، بل من صخرة لا يسكنها أحد” – مصداقية عملياتية بالغة الحساسية عند إسقاطها على واقع أرخبيل سنكاكو (وفق التسمية اليابانية) أو “دياويو” (وفق التسمية الصينية). 

فهذا الحيز الجغرافي الصغير المتنازع عليه يقع في قلب مثلث استراتيجي معقد يضم الولايات المتحدة واليابان والصين، وهي قوى لا تبحث بشكل معلن عن مواجهة مسلحة، لكنها تجد نفسها عاجزة عن صياغة صيغة تضمن تجنبها على المدى الطويل. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن استمرارية هذا التوتر وتحوله إلى نمط دوري من استعراض القوة العسكرية ينذر بتحول أي خطأ تكتيكي أو سوء تقدير عملياتي من قِبل القادة الميدانيين إلى شرارة لحريق عالمي شامل، نظرًا لشبكات الدفاع المشترك والتداخل البنيوي مع أزمات إقليمية أخرى على رأسها معضلة تايوان وهو ما سنحاول بحثه في هذا التقرير.

تستمد منطقة بحر الصين الشرقي أهميتها القصوى من كونها شريانًا تجاريًا وطاقويًا لا يمكن الاستغناء عنه لثلاثة من أكبر اقتصادات العالم، وهي الصين واليابان وكوريا الجنوبية. تتضح هذه الأهمية القصوى بالنظر إلى المؤشرات الاستراتيجية للتدفقات التجارية عبر مياهه، حيث يعبر البحر ما يقرب من 35% من شحنات النفط والمنتجات البترولية البحرية العالمية لعام 2023، ويتجه أكثر من 95% من هذه الشحنات مباشرة إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ لتغذية القوى الصناعية الكبرى وفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA). 

كما يتدفق عبر هذا الممر المائي ما يقرب من 9 ملايين برميل يوميًا من المنتجات البترولية المكررة، وهو ما يعادل ثلث التجارة العالمية الكلية، وتتوزع هذه الواردات الحيوية بنسبة 38% للصين كأكبر مستورد في العالم، تليها كوريا الجنوبية بنسبة 19%، ثم اليابان بنسبة 8%. 

وعلى صعيد الغاز الطبيعي المسال، يعبر البحر سنويًا 6.0 تريليون قدم مكعب، وهو ما يمثل 31% من تجارة الغاز المسال العالمية لعام 2023، لتغذية الاحتياجات الأساسية لأكبر ثلاثة مستوردين عالميين للغاز: الصين (2.3 تريليون قدم مكعب)، وكوريا الجنوبية (2.1 تريليون قدم مكعب)، واليابان (1.2 تريليون قدم مكعب).

يبرز هذا الاعتماد المصيري لدى كوريا الجنوبية بشكل خاص، حيث يعتمد اقتصادها بالكامل على الشحن البحري لتسيير ما يتجاوز 99% من حجم تجارتها الدولية الإجمالية، مدعومًا بأسطول تجاري بلغت قدرته التشغيلية 101.3 مليون طن حمولة ساكنة عام 2023. ويعد ميناء بوسان الكوري، المصنف سابع أنشط ميناء حاويات في العالم، بوابتها اللوجستية الرئيسية بتداولات بلغت 22.75 مليون حاوية نمطية في العام ذاته، علمًا بأن 24% من إجمالي بضائع كوريا المنقولة بحرًا ترتبط مباشرة بالصين.

تؤكد هذه البيانات الرقمية أن بحر الصين الشرقي ليس مجرد مساحة مائية متنازع عليها، بل هو خط إمداد حيوي يؤثر انقطاعه مباشرة على مستويات التضخم العالمي، والقدرة الإنتاجية للمجمعات الصناعية الكبرى في شرق آسيا، وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا مع سعي الدول المطلة على البحر لاستغلال مكامن النفط والغاز الطبيعي الكامنة تحت قاعه، وهي خطط معطلة بنيويًا بسبب النزاعات الحدودية المتداخلة حول ترسيم حدود المناطق الاقتصادية الخالصة.

من يتنازع على ماذا؟

يدور النزاع المركزي حول جزر سنكاكو (بالياباني) / دياويو (بالصيني) التي سبقت الإشارة إليها والواقعة على بُعد نحو 105 أميال شرق تايوان و254 ميلًا غرب أوكيناوا. تطالب بها الأطراف المتنازعة على أسس متعارضة، تقول الصين إن سلالتي مينغ وتشينغ أدرجتاها ضمن أراضيها وربطتاها بإدارة تايوان، بينما تقول اليابان إنها ضمّتها رسميًا في يناير 1895 بوصفها أرضًا خالية لا أثر لسيطرة صينية عليها، وترفض أساسًا وجود أي نزاع. 

Senkaku Islands
جزر سينكاكو، محافظة أوكيناوا، اليابان

النقطة المفصلية أن بكين ولا تايبيه لم تقدما أي مطالبة طوال فترة الإدارة الأمريكية للجزر (1945-1972)، وإنما أعلنتا مطالباتهما فقط في 1971 بعد أن كشف مسح أممي عام 1968 عن احتمال وجود نفط، وعشية تسليم واشنطن الجزر لليابان ضمن إعادة أوكيناوا. وفي سبتمبر/أيلول 2012 اشترت الحكومة اليابانية ثلاثًا من الجزر من مالكها الخاص، فاندلعت احتجاجات صينية واسعة، ومنذ ذلك التاريخ بدأت بكين دورياتها البحرية المنتظمة التي لم تتوقف.

هنا تدخل الولايات المتحدة، فبموجب المادة 5 من معاهدة الدفاع المشترك الأمريكية- اليابانية (1960)، يُعدّ أي هجوم مسلّح على الأراضي الخاضعة للإدارة اليابانية خطرًا تتحرك واشنطن لمواجهته، والموقف الأمريكي مزدوج بدقة، إذ لا تتخذ واشنطن موقفًا من السيادة النهائية، لكنها تؤكد أن الجزر تحت الإدارة اليابانية ومن ثمّ تشملها المادة 5. أكّد هذا الموقف عدة رؤساء متعاقبون: أوباما (أول رئيس يصرّح بذلك علنًا، 2014)، وترامب وآبي في بيان مشترك (2017)، وبايدن (2021)، ثم السفير الأمريكي في طوكيو في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهذا الالتزام هو ما يحوّل أي اشتباك حول صخرة غير مأهولة إلى احتمال تورّط القوة العظمى الأولى في حرب مع قوة نووية.

The Evolution of the U.S.-Japan Security Partnership
من مراسم توقيع اتفاقية الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة واليابان

في الأعوام الأخيرة أخذ النزاع يتخذ طابع الاحتكاك اليومي بدلًا من النزاع النظري، فعلى مستوى خفر السواحل،ففي عام 2025، سجّلت السفن الصينية رقمًا قياسيًا للعام الرابع على التوالي، إذ دخلت سفن حكومية صينية المنطقة المتاخمة حول الجزر في 357 يومًا من أصل 365.

كما حافظت الصين على وجود متواصل لمدة 335 يومًا بين نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وأكتوبر/تشرين الأول 2025 وهو أطول وجود متواصل على الإطلاق، فيما باتت السفن الصينية الأربع التي تدخل عادةً المنطقة مزوّدة بمدافع من عيار 76 ملم، وتصف وكالة خفر السواحل اليابانية هذه التوغلات بأنها «اقتحامات طقوسية» لتثبيت ادعاء بكين بإنفاذ القانون. 

وعلى المستوى الجوي، نفّذت اليابان في السنة المالية 2024 نحو 704 طلعة اعتراضية، ثلثاها ضد طائرات صينية، وسجّلت رقمًا قياسيًا في اعتراض المسيّرات الصينية، فيما تتركّز هذه الطلعات حول الجزر الجنوبية الغربية وكثير منها يمرّ قرب تايوان رابطًا فعليًا بين مسرحي بحر الصين الشرقي وتايوان.

أمام هذا الضغط تشهد اليابان أكبر إعادة تسلّح منذ الحرب العالمية الثانية، تخلّت طوكيو عن سقف الـ1% من الناتج المحلي الملتزم به منذ 1976، وتعهّدت برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% بحلول 2027 ضمن برنامج خماسي بقيمة 43 تريليون ين (نحو 275 إلى 320 مليار دولار) يجعلها ثالث أكبر منفق دفاعي عالميًا، وقد بلغت طوكيو الهدف قبل عامين من موعده في عهد تاكايتشي. 

تمَّ رصد 64.8 مليار دولار لميزانية الدفاع لعام 2027، أي أنها زيادة تُقارب ضعفَي المبلغ الحالي.. لماذا رفعت #اليابان حجم إنفاقها الدفاعي؟#سياسة
تقرير: @Moh_Gamea https://t.co/XdnDMIj707

— نون بوست (@NoonPost) February 1, 2023

والأهم اكتساب اليابان قدرات الضربة المضادة بما يمكن اعتباره تحوّلًا جوهريًا عن العقيدة الدفاعية البحتة عبر شراء 400 صاروخ توماهوك أمريكي (مدى يتجاوز 1,600 كم)، وإطالة مدى صاروخ Type-12 المحلي إلى نحو 1,000 كم، ونشر منظومات صاروخية على جزرها الجنوبية الغربية، بما فيها جزيرة يوناغوني التي لا تبعد عن تايوان سوى نحو 110 كم. 

وقد تحوّلت الأزمة الدبلوماسية عام 2025 بسرعة إلى احتكاك عسكري، ففي 6 – 7 ديسمبر/كانون الأول 2025 عبرت حاملة الطائرات الصينية «لياونينغ» مضيق ميياكو إلى المحيط الهادئ ونفّذت نحو 100 عملية إقلاع وهبوط، والأخطر أن مقاتلتين صينيتين من طراز J-15 ثبّتتا رادار التحكم في إطلاق النار على مقاتلتي F-15 يابانيتين في حادثتين منفصلتين قرب أوكيناوا وكانت هذه أول مرة تعلن فيها طوكيو رسميًا حادثة من هذا النوع. ووصفها وزير الدفاع الياباني بأنها “عمل خطير تجاوز النطاق الضروري لسلامة الطيران”، فيما أنكرت بكين الرواية واتهمت الطائرات اليابانية بالمضايقة.

أزمة تايوان 

لا يمكن فهم خطورة بحر الصين الشرقي بمعزل عن تايوان، فالجزر المتنازع عليها تبعد نحو 105 أميال فقط عنها، وكلاهما جزء من سلسلة الجزر الأولى التي تمتد من اليابان عبر أرخبيل ريوكيو وتايوان إلى الفلبين، وتشكّل حاجزًا بحريًا يحصر البحرية الصينية قرب سواحلها. 

من المنظور الصيني، اختراق هذه السلسلة شرط أساسي لكسر الحصار الجغرافي، ومن المنظور الأمريكي- الياباني هي خط دفاع طبيعي وسلسلة نقاط اختناق، حيث تستضيف اليابان نحو 54 ألف جندي أمريكي، يتمركز نحو 30 ألفًا منهم في أوكيناوا التي تحتضن نحو 70% من القواعد الأمريكية الحصرية في البلاد، بما فيها قاعدة كادينا الجوية والقاعدة البحرية في يوكوسوكا وجزيرة يوناغوني، أقصى نقطة غربية يابانية، تبعد أقل من 70 ميلًا عن تايوان.

هذا التداخل يجعل السيناريوهات العسكرية مترابطة بلا فكاك: أي صراع حول تايوان سيجرّ فورًا قواعد أوكيناوا والجزر اليابانية الجنوبية الغربية إلى دائرة النار، والعكس صحيح. وتكشف محاكاة الحرب التي طوّرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) لسيناريو غزو صيني لتايوان في 2026 أن صدّ الغزو ممكن لكن بكلفة باهظة تشمل خسارة عشرات السفن ومئات الطائرات وغرق حاملتي طائرات أمريكيتين على الأقل، وأن أحد شروط النجاح الحاسمة هو قدرة واشنطن على العمل انطلاقًا من اليابان أي أن اليابان طرف لا غنى عنه ومن ثمّ هدف صيني محتوم.

Taiwan army hold a military exercise in Taichung County, Taiwan, Tuesday, Jan. 27, 2026. (AP Photo/Chiang Ying-ying)
تايوان تحاكي صدّ غزو بحري صيني في مناورات عسكرية

هذا الترابط هو ما فجّر أزمة 2025، ففي 7 نوفمبر/تشرين الثاني صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية سانائي تاكايتشي أن أي غزو صيني لتايوان سيشكل “أزمة وجودية لليابان”، مما يمنحها حق التدخل العسكري ، فردّت بكين بحرب كلامية وحملة إكراه اقتصادي (حظر المأكولات البحرية، تحذيرات السفر، تقييد العناصر النادرة) كان أثرها محدودًا وأدى إلى ارتفاع شعبية تاكايتشي داخليًا.

لماذا لا يحل النزاع؟

تظل احتمالية التوصل إلى تسوية سلمية أو تفاوضية للنزاع في بحر الصين الشرقي شبه منعدمة نتيجة لأربع معضلات بنيوية أساسية تجمد الوضع الراهن وتدفعه حتمًا نحو حافة الهاوية:

أولًا: التصادم القومي والذاكرة التاريخية: ترتبط ملكية هذه الجزر بالكرامة الوطنية وصراعات الذاكرة التاريخية في كلا البلدين. فبالنسبة للصين، تمثل جزر دياويو رمزًا لـ “قرن الإذلال” والأراضي التي “سرقتها” الإمبريالية اليابانية، ولا يمكن لأي قيادة في الحزب الشيوعي الصيني تقديم أي تنازل عنها دون تعريض شرعيتها المحلية للخطر. 

وفي المقابل، يرى الرأي العام والنخبة السياسية في اليابان أن الجزر جزء لا يتجزأ من أراضي الوطن التاريخية، وأن التراجع أمام الضغط الصيني يمثل تقويضًا للنظام القانوني لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتتعزز هذه الفجوة باستطلاعات الرأي، إذ كشف استطلاع منظمة “Genron NPO” لعام 2023 أن 92.2% من اليابانيين و62.9% من الصينيين يحملون مشاعر سلبية تجاه الطرف الآخر، مدفوعة بالنزاع المستمر على الجزر.

ثانيًا: الصراع حول حقول الغاز وترسيم الحدود البحرية: يتصادم الطرفان حول كيفية ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في بحر الصين الشرقي الذي يبلغ عرضه 360 ميلًا بحريًا فقط، مما يجعل تطبيق ادعاء الطرفين بمسافة 200 ميل بحري متداخلًا بالكامل. 

تطالب اليابان بترسيم الحدود وفقًا لـ “خط الوسط”، بينما تطالب الصين بامتداد منطقتها حتى “منخفض أوكيناوا” بناءً على الامتداد الطبيعي لجرفها القاري، وتجسد هذا الصراع في حقل غاز “تشونكسياو” (شيركابا باليابانية) المكتشف عام 1995؛ فرغم وقوع الحقل جغرافيًا على الجانب الصيني من خط الوسط المقترح يابانيًا بمسافة 4 كيلومترات، فإن طوكيو تعترض على قيام الصين بالإنتاج الأحادي فيه خوفًا من قيام المنصات الصينية بسحب الغاز من المكامن الممتدة تحت القاع.

ثالثًا: اهتزاز الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية، تشهد الساحة السياسية اليابانية شكوكًا متزايدة حول مدى التزام واشنطن الفعلي بالتضحية بأمنها القومي لحماية صخور غير مأهولة بالبشر، ووفقاً لاستطلاع نشرته صحيفة “أساهي شيمبون” اليابانية عام 2025، فإن 77% من اليابانيين يشكون في إمكانية تدخل القوات الأمريكية عسكريًا لحماية بلادهم في حال نشوب أزمة. 

تتبلور هذه المعضلة القانونية والأخلاقية فيما يصطلح عليه الخبراء بـ “مفارقة سنكاكو” (Senkaku Paradox) التي صاغها المحلل الاستراتيجي مايكل أوهانلون، وتتمحور حول التساؤل التالي: “كيف يجب أن يكون رد الفعل الأمريكي والياباني في حال قيام قوة صينية صغيرة مباغتة باحتلال جزر سنكاكو غير المأهولة دون إراقة دماء؟”

رابعًا، وهو الأخطر: غياب آليات فعّالة لإدارة الأزمات، فرغم إنشاء «آلية الاتصال البحري والجوي» (2018) وخط ساخن بين وزارتي الدفاع (2023)، لم يُستخدم الخط الساخن سوى مرة واحدة في مكالمة مجاملة، ولم يُفعّل في الحوادث عالية الخطورة كدخول مدمرة يابانية إلى المياه الصينية خطأً في 2024، ولا في حادثة الرادار في ديسمبر 2025، فيما توقفت الاجتماعات السنوية للآلية منذ 2021. وهذا الفراغ يعني أن أي اصطدام عرضي أو خطأ تكتيكي قد يتصاعد دون قناة لاحتوائه.

يقف بحر الصين الشرقي على أرضية بالغة الهشاشة الجيوسياسية، حيث تتآكل يومًا بعد يوم فاعلية كوابح الصراع التقليدية وتظل قنوات الاتصال الساخنة التي جرى الاتفاق عليها مثل آلية الاتصال البحري والجوي الموقعة عام 2018 والتي فُعّلت في مارس 2023 محدودة الأثر، فهي مقتصرة على التنسيق بين وزارات الدفاع والمسؤولين السياسيين دون أن تشمل قادة الطائرات والمقاتلين الميدانيين أو قادة سفن الميليشيات البحرية الذين ينفذون عمليات الاحتكاك المباشرة. كما تفتقر الأطراف لتطبيق حقيقي لمدونة السلوك الخاصة بالمواجهات غير المخطط لها في البحر (CUES) الموقعة في عام 2014 نظرًا لعدم وجود تدريبات دورية مشتركة عليها.

وفي النهاية، غياب آلية حقيقية لإدارة الأزمات الميدانية الفورية، جنبًا إلى جنب مع إصرار الصين على تغيير الأمر الواقع عبر استراتيجيات المنطقة الرمادية، وإعادة تموضع اليابان عسكريًا عبر جبهة الدرع الجنوبي وحيازة صواريخ هجومية بعيدة المدى، جميعها تتسبب في تشكل مناخ عملياتي شديد التوتر. 

وفي ظل هذه الظروف، تبدو فرضية اندلاع حرب واسعة من صخرة معزولة في بحر الصين الشرقي أكثر واقعية مما تبدو عليه، رغم أن كل الأطراف تدرك عواقبه، حيث يكفي تعرض سفينة صيد صينية أو طائرة مسيرة للتحطم، أو قيام قائد ميداني بإطلاق نار ناتج عن سوء تقدير، لتفعيل معاهدة الدفاع المشترك الأمريكية اليابانية والبدء في دوامة تصعيد عسكري واقتصادي شامل يعطل حركة الشحن والطاقة العالمية، ويضع القوى النووية الثلاث الكبرى في مواجهة عسكرية مباشرة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

الوسوم: التجارة العالمية ، الصين وتايوان ، الصين وترامب ، بحر الصين الشرقي ، طرق التجارة العالمية
الوسوم: الاقتصاد الصيني ، الاقتصاد العالمي ، النظام العالمي ، النفوذ الصيني ، صفير البحار
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
محمد مصطفى جامع
بواسطة محمد مصطفى جامع كاتب سوداني مهتم بالشؤون الأفريقية
كاتب سوداني مهتم بالشؤون الأفريقية
المقال السابق نون بوست كيف أصبحت سلطنة عمان “الهادئة” في مرمى نيران ترامب؟

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

صفير البحار

صفير البحار

نرصد النزاعات الدولية على بحار العالم، ونوضح دوافع كل صراع وأطرافه وطبيعة مكاسبه سواء كانت جيوسياسية أو اقتصادية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • ذهب أبيض وممرات جديدة.. لماذا يتصارع الكبار على المحيط المتجمد الشمالي؟
  • البحر الأسود: مسرح العالم العائم ومركز تجاذباته
  • بحر قزوين: صراع صامت على الطاقة والممرات والنفوذ
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

ذهب أبيض وممرات جديدة.. لماذا يتصارع الكبار على المحيط المتجمد الشمالي؟

ذهب أبيض وممرات جديدة.. لماذا يتصارع الكبار على المحيط المتجمد الشمالي؟

محمد مصطفى جامع محمد مصطفى جامع ١٠ يونيو ,٢٠٢٦
هل حقاً “لا رابح في الحروب التجارية”؟

هل حقاً “لا رابح في الحروب التجارية”؟

سمية كينز سمية كينز ٢٥ مايو ,٢٠٢٦
حرب الممرات الضيقة: كيف يهدد صراع النفوذ شريان الحياة العالمي؟ 

حرب الممرات الضيقة: كيف يهدد صراع النفوذ شريان الحياة العالمي؟ 

ريتشارد ميلن ريتشارد ميلن ٢٥ مايو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version