• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

محمد صلاح وأسطورة المهاجر المثالي

تام حسين١٧ يونيو ٢٠٢٦

محمد صلاح لاعب ليفربول يلتقط صورة مع المشجعين أثناء احتفالهم بالفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز

ترجمة وتحرير: نون بوست

في 11 أبريل/ نيسان، مرّر محمد صلاح الكرة إلى لويس دياز الذي سددها بقوة في شباك حارس مرمى ويست هام، وانفجر جمهور ليفربول فرحًا في ملعب أنفيلد، المعقل التاريخي للنادي. كان الفريق على اقترب من تحقيق لقب الدوري الإنجليزي الممتاز. 

انتهت كل التكهنات حول مستقبل صلاح مع توقيعه عقدًا جديدًا مع النادي. وحسب منتديات المشجعين على “ريديت”، فقد كان الجناح المصري يستحق راتبه الأسبوعي الذي يبلغ 380 ألف جنيه إسترليني (506 آلاف دولار)، خاصة بعد أن فاز الفريق باللقب في الأسبوع التالي، وسجل صلاح هدفًا في المباراة.

مع نهاية عقده، سيكون صلاح قد لعب مع النادي لعقد كامل، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من هوية ليفربول، تمامًا مثل فرقة البيتلز أو مأساة هيلزبره عام 1989، حين لقي 97 مشجعًا مصرعهم في حادث تدافع مأساوي – وهي لحظة مفصلية في تاريخ المدينة والرياضة في بريطانيا. وفي مدينة تُعتبر فيها كرة القدم بمثابة الدين، أصبح صلاح نجمًا لامعا ومثالا يُحتذى به في الآن ذاته.

لم يكن صلاح مجرد لاعب مميز، بل كان أيضًا رمزًا للاندماج. شخص تحدّى الظروف وغيّر المفاهيم السائدة في مدينة ليفربول. طريقة صلاح في إظهار تدينه، خصوصًا بعد تسجيل الأهداف، جعلت الهتافات تصفه بأنه “هبة من الله”، أو تلمّح إلى أن الجماهير قد تعتنق الإسلام إذا سجل بضعة أهداف أخرى.

سارعت وسائل الإعلام إلى تصوير القبول الذي حظي به صلاح كنموذج للتعددية الثقافية، خاصة أن كرة القدم ارتبطت لفترة طويلة بالطبقة العاملة البيضاء والعنصرية والشغب. لكن أحداث الشغب التي قادها اليمين المتطرف في ليفربول الصيف الماضي تثير التساؤل: هل ما يُسمى بـ”تأثير صلاح” مجرد تصور سطحي؟ وهل استخدامه كرمز للاندماج والتنوع يمثل معضلة بحد ذاته؟

انضم صلاح إلى ليفربول في عام 2017، بعد فترة قصيرة قضاها في تشيلسي. بدأ صلاح يترك بصمته على أرض الملعب تحت قيادة يورغن كلوب، وحصد جائزة “الحذاء الذهبي” لأفضل هداف في الدوري عدة مرات، إلى جانب العديد من البطولات وأكثر من 200 هدف، ليرسخ مكانته كأحد أعظم اللاعبين في تاريخ النادي. 

وأشار قادة الجالية المسلمة في المدينة إن تأثير صلاح، إلى جانب وجود زميله السابق ساديو ماني، ساعد في التطبيع مع الهوية الإسلامية في ليفربول، حيث انتشرت صور صلاح وهو يقرأ القرآن، وساديو ماني وهو ينظف المسجد بعد صلاة الجمعة.

لم يقتصر التأثير على تلك الحركات الرمزية. لاحظ باحثون في جامعة ستانفورد وجود علاقة بين وصول صلاح إلى ليفربول وانخفاض جرائم الكراهية في ميرسيسايد بنسبة 16 بالمئة، وانخفاض عدد التغريدات المعادية للمسلمين إلى النصف. 

وخلص الباحثون إلى أن ازدياد معرفة سكان المدينة بمحمد صلاح ساهم في ذلك. لكن اللاعب المصري لا ينفرد بهذا التأثير، فهو ينطبق أيضًا على مشاهير آخرين. كان للشهرة التي حظي بها جاكي روبنسون، أول لاعب أمريكي من أصل إفريقي في دوري البيسبول، تأثير مشابه على الجمهور الأمريكي الذي كان يعاني من تحيز عميق في الأربعينيات والخمسينيات. مهدت نجاحاته الطريق أمام تألق لاعبين آخرين من أصول أفريقية في هذه الرياضة. 

ورغم أن تأثير صلاح قد لا يكون موثقا بشكل قاطع، إلا أن دراسة جامعة ستانفورد تشير إلى أنه كان حقيقيًا. أتذكر جيدًا تأثير النجم الهولندي رود غوليت على تشيلسي في التسعينيات. نشأت بجوار ملعب ستامفورد بريدج، ورأيت بنفسي كيف تحوّل النادي من معقل لليمين المتطرف – وتحديدًا مجموعة “كومبات 18” المرتبطة بالشغب في ملاعب كرة القدم – إلى نادٍ عالمي له قاعدة جماهيرية متنوعة بعد وصول اللاعب الهولندي. لكن وصوله تزامن أيضًا مع فترة ازدهار اقتصادي.

ومع أن قصة صلاح تُظهر قدرة المشاهير على مواجهة التحيزات الاجتماعية الراسخة، فإن أحداث الشغب في ميرسيسايد وأنحاء بريطانيا العام الماضي أظهرت أيضًا حدود هذا التأثير. لم يستطع تأثير صلاح أن يواجه التغطية الإعلامية التي حظيت بها أصوات اليمين المتطرف وموجة تشويه صورة المهاجرين والأقليات العرقية.

حتى بطاقة المعايدة التي أرسلتها عائلة صلاح في عيد الميلاد لم تستطع إخفاء الحقائق المرّة: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومعاداة الإسلام، وبلد في دوامة من الصراعات. لم يستطع وجه صلاح المبتسم سد الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء، ولا مواجهة الركود الاقتصادي، والبنية التحتية المتهالكة التي تؤثر على البلد بأسره. 

هذا ما رأيناه عندما قتل المراهق البريطاني من أصل رواندي، أكسل روداكوبانا، ثلاث فتيات صغيرات بوحشية في بلدة ساوثبورت الساحلية الصغيرة في ميرسيسايد، في يوليو/ تموز 2024. أدت حادثة الطعن إلى مهاجمة المسجد المحلي وأشعلت أعمال شغب في جميع أنحاء المملكة المتحدة. 

رغم أن المهاجم لم يكن مسلمًا، زعم منشور على وسائل التواصل بأن اسم القاتل هو “علي الشكاتي”. أجج الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون (اسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي-لينون)، والمؤثر المعادي للنساء أندرو تيت، التوترات المعادية للمسلمين. تلا ذلك مواقف معادية أخرى من رواد التكنولوجيا مثل إيلون ماسك، وسياسيين يمينيين مثل نايجل فاراج، المعروف بدوره في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. 

بالنسبة للبعض، بدا ذلك الصيف كأنه نسخة من هجوم “ليلة الكريستال”، مع انتشار صور لمتظاهرين يحطمون المتاجر وينشرون الفوضى. دفع ذلك العديد من المسلمين البريطانيين إلى التفكير في الهجرة للهروب من هذا العداء المتصاعد.

ساد أيضًا شعور بالاستغراب من خروج مظاهرات لليمين المتطرف في شوارع ليفربول، التي تُعرف تقليديًا بانتمائها لليسار ومناهضتها للفاشية. بدا أن المدينة، التي تفتخر بإرثها المرتبط بالمهاجرين الأيرلنديين، ولهجة “سكاوس” التي تتفرد بها – وهي هوية محلية تقاوم الصور النمطية للمدن البريطانية وتحتفي بتميز ليفربول – قد تغيرت. بدت أعمال الشغب خلال ذلك الصيف كأنها عودة إلى أحداث الشغب العرقي عامي 1919 و1948، حين رفض الجنود المسرحون من الخدمة وجود السود في المدينة. 

حاول بعض النشطاء إلقاء اللوم على أطراف من خارج المدينة، متجاهلين حدوث اشتباكات عرقية أخرى قبل أعمال الشغب. في فبراير/ شباط 2023، استهدف اليمين المتطرف فندقًا في نوزلي لأنه كان يؤوي طالبي لجوء. وأفادت الصحافة المحلية أن مناطق مثل بوتل وسانت هيلينز كانت أرضًا خصبة للتجنيد في اليمين المتطرف، وقد تمت إحالة عدد من الأطفال في المنطقة إلى برنامج “بريفنت”، وهو برنامج لمكافحة التطرف في المملكة المتحدة. 

في عامي 2015 و2018، حاولت جماعات اليمين المتطرف تنظيم مسيرات في المدينة لكنها واجهت احتجاجات مضادة واسعة النطاق. ولكن في أغسطس/ آب 2024، اجتاح اليمين المتطرف المدينة وأحدث فوضى عارمة، ولم تمنع الهتافات باسم صلاح من تدمير المباني العامة. 

الحقيقة هي أن صلاح لم يستطع إخفاء الانقسامات في ميرسيسايد. لم تكن المدينة في مأمن من صعود اليمين المتطرف الذي كان يسعى للتغلغل فيها منذ عقود. وقد وفّر المناخ السياسي والاقتصادي أرضًا خصبة، وساهم في انجذاب الطبقة العاملة البيضاء إلى أيديولوجيات اليمين المتطرف. 

أفاد تقرير لمنظمة “كيك إت آوت”، وهي منظمة بريطانية مناهضة للعنصرية تراقب حالات التمييز في كرة القدم، أن الإساءات العنصرية ارتفعت بنسبة 47 بالمئة خلال موسم 2023-2024، بدءًا من دوريات الهواة، وصولاً إلى الدوريات الاحترافية. كما ارتفعت الحوادث المعادية للإسلام بنسبة 138 بالمئة، فيما يمكن اعتباره صفعة قوية على وجه “تأثير صلاح”.

هنا تكمن معضلة اعتبار صلاح رمزًا للاندماج. الرمزية هشة، وقبوله مشروط بالأداء المميز واللباقة والالتزام بعدم التدخل في السياسة. وبدلًا من تحدي الصور النمطية، فإنه صلاح يمكن أن يعزز صورة “المهاجر المثالي”، الذي يُمدح عندما ينجح، ويُجرّم حين يخطئ.

هذا النمط متجذر بعمق في المجتمعات الغربية: في رواية محسن حامد “الأصولي المتردد”، يُعد بطل القصة تشانغيز نموذجًا لـ”المهاجر المثالي” الذي يحظى بالتقدير طالما أنه يسهم في نجاح شركته، ولكن بمجرد أن يفكر بنفسه أو يصبح “متعجرفًا” نوعا ما، يُنظر إليه على أنه تهديد، ويُصبح هدفا للتصفية.

لا يُسمح لصلاح أو تشانغيز بارتكاب أي خطأ. لو قبِل صلاح عرضًا ماليًا للانضمام للدوري السعودي، لأصبح مثالا للشخص الجشع. ولو فقد أعصابه كما فعل زين الدين زيدان مع ماركو ماتيرازي بعدما أهان أخته في مونديال 2006، لتمت شيطنته.

ما علينا سوى النظر إلى مصير نجوم كرة القدم الآخرين. بعد أن تعرض مسعود أوزيل لانتقادات شديدة بسبب التقاط صورة مع الرئيس التركي، قال في تصريح شهير: “أنا ألماني عندما أفوز، وتركي عندما أخسر”. وتعرض بوكايو ساكا لهجوم عنصري لاذع من مشجعي منتخب إنجلترا بعد أن أضاع ركلة ترجيحية في نهائي يورو 2020. عندما يقصّر اللاعبون، ولو قليلًا، تتبخر كل المشاعر الجميلة تجاههم.

لكن الأمر لا يقتصر على كرة القدم. وُصف محمد علي، رغم موهبته وشهرته، بأنه غير وطني، وتم تشويه سمعته لرفضه الخدمة في حرب فيتنام. وقد وُصف كريم عبد الجبار، أحد أساطير الدوري الأمريكي لكرة السلة، الذي دافع عن الحقوق المدنية ولم يحاول كسب ود وسائل الإعلام، بأنه شخص صعب المراس، لمجرد أنه فضَّل النزاهة على كسب الإعجاب.

من نواحٍ عديدة، يعزز صلاح الصور النمطية العنصرية السائدة في البلد الذي استضافه. وكما يشير نيكيش شوكلا، محرر مجموعة المقالات “المهاجر المثالي”: المهاجرون “يسرقون وظائفكم، ونساءكم، وأماكنكم في غرفة الانتظار عند الطبيب. علينا أن نأخذ مكاننا عن جدارة، وألا نكون مصدر إزعاج، وأن نساهم في تطور المجتمع دون أن نحرم البريطانيين الحقيقيين من فرصهم. الخط الفاصل بين الصالح والطالح متقلب وغير منطقي”. 

طالما استمر صلاح في تحقيق الانتصارات وتسجيل الأهداف، سيظل المسلمون “صالحين”، وسيواصل مشجعو ليفربول الهتاف باسمه. لكن إذا لم يفعل ذلك، فماذا سيحدث؟ وضع صلاح، دون قصد، معيارًا مسحتلًا لما يتوقعه المشجعون البيض من ذوي البشرة الملونة، وهو معيار لا يراهم على أنهم بشر.

ربما لا يتعلق الأمر فقط بكيفية تعامل المجتمعات الغربية مع الأقليات الناجحة عندما تصل إلى القمة، بل بكيفية تعامل كل المجتمعات البشرية مع أبطالها. جمهور ليفربول يرى في صلاح “هبة من الله”. أما أبناء بلده، فيحبونه لأنه بنى مؤسسات صحية وتعليمية وإدارية، ولأنه يتبرع بانتظام للأيتام. 

ومع ذلك يشتكون من أدائه الذي لا يرقى إلى المستوى المطلوب مع المنتخب المصري. بالنسبة لبعض العرب، كانت تبرعاته لضحايا غزة ودعوته لوقف إطلاق النار كافية، أما بالنسبة لآخرين فلم تكن كذلك. يُمدح لدفاعه عن حقوق المرأة، ويُلام لدفاعه عن زميل له متهم بالتحرش. وتثير بطاقة المعايدة التي يوجهها في عيد الميلاد لجميع الأديان الإعجاب والانتقاد من المشجعين المسلمين كل عام.

ربما لا يكمن الدرس المستفاد من قصة صلاح فيما يفعله أو ما لا يفعله، بل في كيفية تحميل أعظم رياضيينا قدرا كبيرا من الأمل والرمزية لدرجة أننا لا نسمح لهم بأن يكونوا بشرا: أن يخطئوا، وأن يفشلوا، وأن يكونوا جزءًا من المجتمع.

المصدر: نيو لاينز

علاماتإحتراف كرة القدم ، الإسلاموفوبيا ، العنصرية ضد المسلمين ، المهاجرين إلى أوروبا ، محمد صلاح
مواضيعالإسلاموفوبيا ، ترجمات ، كرة القدم

قد يعجبك ايضا

رياضة

كأس العالم 2026.. هل يكشف وحدة أمريكا الشمالية أم انقسامها؟

رافاييلا جينيش١١ يونيو ٢٠٢٦
رياضة

لماذا يعجز مونديال 2026 عن مجاراة نسخة قطر؟

محمد مصطفى جامع٢٩ مايو ٢٠٢٦
رياضة

فعاليات رياضية كبرى وشعوب غير راضية.. المغرب نموذجًا

أحمد مستاد٥ يناير ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑