• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

إقليم ابتلعته الجغرافيا السياسية.. كيف تحول القرن الأفريقي إلى مركز ثقل عالمي؟

محمد مصطفى جامع٢٤ يونيو ٢٠٢٦

يُنظر إلى القرن الأفريقي في الغالب باعتباره منطقة أزمات وفقر وحروب أهلية، وهي صورة لها ما يبرّرها في تاريخ طويل من النزاعات والانقلابات والأزمات الإنسانية. غير أن هذه الصورة على واقعيتها، تحجب تحوّلًا جوهريًا جرى خلال الفترة الأخيرة خاصة بعد الأزمة التي خلفتها الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران وما تبعها من إغلاق لمضيق هرمز، فقد أصبح القرن الأفريقي واحدًا من أهمّ مواقع التنافس الجيوسياسي في العالم، والسبب في ذلك يعود إلى الجغرافيا قبل السياسة، فهو يشرف على ممرّات بحرية حيوية تربط آسيا بأوروبا، وقد تحوّل ساحله إلى ساحة مزدحمة بالقواعد العسكرية والموانئ والتحالفات الاقتصادية والصراعات الإقليمية المتشابكة.

تنبع أهمية القرن الأفريقي من كونه نقطة التقاء ثلاثة عوالم بحرية وبرية في آن واحد: البحر الأحمر شمالًا، وخليج عدن والمحيط الهندي جنوبًا وشرقًا، والعمق الأفريقي غربًا. وفي القراءة الضيّقة يضمّ الإقليم الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، بينما تتّسع القراءة الأشمل للقرن الأفريقي الكبير لتشمل السودان وكينيا و”صوماليلاند”. هذا الموقع لا يجعل الإقليم ممرًّا تعبره التجارة فحسب، بل بوّابة تتحكّم في تدفّقها، وهو فرق جوهري سنعود إليه.

تستمد هذه المنطقة أهميتها الاستراتيجية من موقعها الفريد كبوابة شرقية لأفريقيا وحارس جنوبي للبحر الأحمر وخليج عدن، مما يجعلها تشرف على ممرات الملاحة البحرية الدولية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس. وتتموضع جغرافيا الإقليم عند مضيق باب المندب، وهو حلقة الوصل الحيوية التي لا يتجاوز عرضها عند أضيق نقطة حوالي ثلاثين كيلومترًا بين شواطئ جيبوتي واليمن، حيث تتدفق من خلاله يوميًا ملايين البراميل من النفط والغاز المسال بجانب السلع التجارية التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد العالمي.

إن الطبيعة الممرية الحساسة لهذه المنطقة تعني أن أي اضطراب أمني أو عسكري فيها ينعكس فورًا على تكلفة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، وهو ما تجلى بوضوح في ضوء الهجمات المستمرة التي شنتها جماعة الحوثي على سفن وصفتها بأنها مرتبطة بـ”إسرائيل”، مما كشف هشاشة هذا الممر المائي وحوله إلى بؤرة مستمرة لعرض القوة والردع المتبادل بين التحالفات العسكرية الدولية والقوى الإقليمية المتنافسة.

فالممر الملاحي الذي يبدأ من قناة السويس شمالًا، مرورًا بالبحر الأحمر، وصولًا إلى مضيق باب المندب في أقصى الجنوب، يمثّل الطريق الأقصر بين أوروبا وآسيا، وتشير التقديرات إلى أنّ نحو 12% من التجارة العالمية ونحو 30% من حركة الحاويات بين القارتين تمرّ عبره في الظروف الطبيعية، وأيّ بديل عنه، كالدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، يضيف ما بين عشرة وأربعة عشر يومًا إلى الرحلة، وقرابة مليون دولار من تكاليف الوقود في الرحلة الواحدة ذهابًا وإيابًا، وبهذا تصبح الجغرافيا نفسها أصلًا استراتيجيًا، لا مجرد خلفية للأحداث.

ولا تقتصر أهمية القرن الأفريقي على التجارة وحدها، بل تتضاعف بفعل عاملين إضافيين:

الأول هو القرب من أخطر بؤر التوتر، فالساحل الأفريقي للبحر الأحمر يقع على مرمى حجر من اليمن المشتعل، ومن السودان الغارق في حربه التي أصبحت صراعًا بالوكالة نتيجة للتدخلات الإقليمية، ومن خطوط التماس الإثيوبية – الإريترية. هذا القرب يرفع القيمة الاستراتيجية للمواقع الآمنة نسبيًا داخل محيط مضطرب.

الثاني، أنّ النفط والغاز يعبران هذا الممرّ مع البضائع، وهو ما يربط استقراره مباشرةً بأسواق الطاقة العالمية، وتقاطُع شريانَيْ التجارة والطاقة في ممر واحد ضيّق هو ما يفسّر كيف يتحوّل أيّ اضطراب محلي إلى حدث عالمي.

القرن الأفريقي: جغرافيا متميزة

تمثل الجغرافيا في القرن الأفريقي مصدر أهميته ومصدر أزماته في الوقت نفسه، إذ تتجلّى خصوصيتها في ثلاث مزايا متكاملة:

تتمثّل الأولى في الإشراف على البوّابة لا على الممر، والفرق بينهما جوهري.. فالممرّ يُعبَر، أمّا البوّابة فيمكن نظريًا فتحها وإغلاقها، وبما أنّ سواحل القرن الأفريقي تطلّ مباشرة على مضيق باب المندب، أضيق مواضع الممر، فإنّ من يسيطر على هذا الساحل لا يستفيد من التجارة العابرة فحسب، بل يملك قدرة محتملة على التأثير في تدفّقها. وهذه القدرة على التحكّم، لا مجرد الاستفادة، هي ما يحوّل الموقع الجغرافي إلى أداة نفوذ.

وتتمثّل الميزة الثانية في اقتران السواحل الطويلة بالدول الهشّة. فالصومال وحده يملك أطول ساحل في أفريقيا القارية، لكنّ طول هذا الساحل ترافق مع ضعفٍ مزمن في الدولة المركزية، وهذا التزاوج بين موردٍ استراتيجي بالغ القيمة وسلطةٍ مركزية عاجزة عن إدارته هو الثغرة التي نفذت منها القوى الخارجية، إذ تقدّمت لتملأ الفراغ بالمال والسلاح حيثما عجزت الدولة عن ملئه.

أمّا الميزة الثالثة فهي وجود عمقٍ حبيس خلف الشريط الساحلي، تمثّله إثيوبيا بكتلتها السكانية التي تتجاوز مئة وثلاثين مليون نسمة، واقتصادها المتوسّع، لكنها مع ذلك تظلّ بلا منفذ بحري. وهذا التناقض بين الثقل الديموغرافي والاقتصادي من جهة، والحبس الجغرافي من جهة أخرى، يولّد ضغطًا دائمًا في اتّجاه البحر، وهو ضغط يحرّك الصفائح الجيوسياسية للمنطقة بأكملها كما سنوضح لاحقًا.

الجذور الاستعمارية وتفتيت الهوية الوطنية

لم تكن الاضطرابات الحالية في القرن الأفريقي وليدة الصدفة، بل ترتبط على نحو وثيق بالتَركة الاستعمارية الوعرة التي رسمت حدودًا مصطنعة مزقت النسيج الاجتماعي والقبلي الطبيعي للإقليم، مما أنتج كيانات سياسية هشة تفتقر إلى الهوية الوطنية الجامعة وتغرق في نزاعات حدودية مزمنة.

تبرز تداعيات هذا التاريخ في الصراع التقليدي بين إثيوبيا والصومال، والذي تجسد في حرب أوغادين المدمرة بين عامي 1977 و1978 عندما حاول النظام الصومالي بقيادة سياد بري تحقيق حلم الصومال الكبير عبر استعادة إقليم أوغادين الذي سلمته بريطانيا بشكل كامل إلى إثيوبيا (تحت حكم هايلي سيلاسي) عام 1954 وهو ما اعتبره الصوماليون “احتلالًا مكملًا للاستعمار الأوروبي.

أسفرت تلك الحرب عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح الملايين، وخلفت وراءها سياسات تدمير متبادلة أدت في نهاية المطاف إلى انهيار الدولة المركزية الصومالية عام 1991 وإعلان إقليم صوماليلاند انفصاله من جانب واحد، مما أغرق الصومال في عقود من الانقسامات الفصائلية والقبلية العميقة التي استغلتها جماعات متطرفة مثل حركة الشباب لتوسيع نفوذها، فالبنية القبلية المعقدة في الصومال، والتي ارتبطت تاريخيًا بالنزاع على الموارد الشحيحة كالمياه والمراعي، تحولت بفعل غياب السلطة المركزية إلى محرك أساسي للاستقطاب والنزوح الجماعي الذي يهدد استقرار الإقليم ككل.

ومع محاولة تدارك هذا التفتت عبر تبني النظام الفيدرالي في الصومال، إلا أن التطبيق الفعلي لهذا النموذج أسفر عن نتائج عكسية عمقت الأزمة البنيوية بدلًا من حلها، فمنذ إقرار الفيدرالية بالكامل عام 2012، تسببت طريقة تشكيل الولايات الإقليمية على أسس قبلية في خلق بؤر نزاع جديدة على السلطة والموارد والمجالات الجغرافية المتداخلة بين الولايات والحكومة الفيدرالية في مقديشو.

منحت الهشاشة المؤسساتية والغموض الدستوري رؤساء الولايات الإقليمية القدرة على تجاوز الحكومة المركزية والدخول في اتفاقيات أمنية واقتصادية مباشرة ومستقلة مع قوى خارجية كدولة الإمارات وكينيا، مما جعل الدولة الصومالية عرضة للتدخلات الخارجية المباشرة وعزز الانقسامات المحلية على حساب السيادة الوطنية الموحدة.

تسعى واشنطن لتصفير العقوبات على كل من أريتريا وإثيوبيا، وصناعة توازن مزدوج يحول العداء التاريخي بين الجارتين إلى تنافس مدار تحت سقفها ومصالحها

📍التفاصيل في تقرير @Moh_Gamea 👇https://t.co/0bdaaaBt46 pic.twitter.com/DTOzUOfrPN

— نون بوست (@NoonPost) May 21, 2026

وفي المقابل، يمثل نموذج الفيدرالية العرقية في إثيوبيا، الذي أُقر عام 1991 بهدف تلبية طموحات القوميات الكبرى كالأورومو والأمهرة والتيغراي، محركًا رئيسيًا للحروب الإقليمية المعاصرة. فرغم دورها الأولي في حماية الأقليات، أدت مأسسة العرقية إلى خلق حدود إدارية صلبة وتغذية فكرة “العرقيات الأصيلة والعرقيات الدخيلة”، مما فجر صراعات دامية بين الأقاليم، وجعل البلاد تنزلق إلى حرب تيغراي الكارثية التي حصدت أرواح المئات من الآلاف، تلتها تمردات مسلحة عنيفة لميليشيات فانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو ضد محاولات رئيس الوزراء آبي أحمد لمركزة السلطة وإضعاف الهياكل العرقية الإقليمية.

تتجلى هذه الصراعات أيضًا وبوضوح في إقليم الصومال الإثيوبي حيث تغذي الانقسامات الحادة بين عشائر الأوغادين والعشائر غير الأوغادينية الخلافات السياسية حول هوية الإقليم وتمثيله، وتلجأ السلطات هناك لاستخدام لجان أمنية محلية تُعرف باسم لجان “تيمير” لممارسة رقابة أمنية مشددة وقمع الحركات المسلحة كجبهة تحرير أوغادين الوطنية، مما يعكس بوضوح كيف تساهم بنية الحكم العرقية والقبلية في استدامة العنف وعدم الاستقرار.

وخلاصة هذا؛ أنّ الانقسامات الداخلية لم تكن عائقًا أمام التدخّل الخارجي، بل كانت مدخله المفضّل. فالقوى الكبرى لا تخترق الدول المتماسكة بسهولة، وإنّما تجد في الدول المشقّقة بيئةً مثالية للنفوذ. والقرن الأفريقي، بحكم إرثه الاستعماري وتاريخه من النزاعات، إقليم مشقّق للأسباب التي ذكرناها، وهو ما يفسّر إلى حدٍّ بعيد كثافة الحضور الأجنبي فيه، إذ أدركت بعض القوى الإقليمية أنّ الطريق إلى النفوذ قد لا يمر عبر العاصمة، بل عبر زعيم قبلي أو إقليم متمرّد، وصار دعم فاعلٍ محلي في مواجهة مركزه تكتيكًا متكرّرًا.

الاستثنائية الإثيوبية ومقاومة الحصار الجغرافي

تتمتع جمهورية إثيوبيا بخصوصية استثنائية تجعلها المحرك الأساسي والدولة الأكثر تأثيرًا وخطورة في معادلة القرن الأفريقي، فهي تمتلك ثاني أكبر كتلة سكانية في القارة الأفريقية وتعتبر قاطرة النمو الاقتصادي للإقليم، لكنها في الوقت ذاته تعاني من قيد جيوسياسي قاتل يجعلها أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث تعداد السكان منذ استقلال إريتريا عنها رسميًا في مطلع التسعينيات.

هذا الوضع البري المغلق فرض على إثيوبيا اعتمادًا شبه مطلق يتجاوز 95% على موانئ جيبوتي لتمرير صادراتها ووارداتها، وهو اعتماد مكلف للغاية يكبد الخزانة الإثيوبية رسوم موانئ تتجاوز مليار دولار سنويًا تقريبًا، كما يضع أمنها القومي تحت رحمة جارتها الصغيرة. ولمواجهة هذه التبعية الخانقة، تبنى رئيس الوزراء آبي أحمد خطابًا قوميًا متصاعدًا اعتبر فيه الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر “قضية وجودية” لبلاده لا يمكن التنازل عنها، ملوحًا بإمكانية استخدام القوة العسكرية لتحقيق ذلك، مما أثار غضبًا بالغًا لدى دول الجوار وخاصة إريتريا.

بيد أن أديس أبابا لجأت للمناورة الدبلوماسية عبر إبرام مذكرة تفاهم مفاجئة ومثيرة للجدل مع إقليم صوماليلاند الانفصالي في الأول من يناير/كانون الثاني عام 2024. وبموجب هذا الاتفاق، تحصل إثيوبيا على حق استئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومترًا على خليج عدن لمدة 50 عامًا لإنشاء قاعدة عسكرية بحرية وميناء تجاري متطور على ممر بربرة التجاري، في مقابل أن تمنح أديس أبابا اعترافًا رسميًا بسيادة الإقليم واستقلاله كدولة مستقلة عن الصومال الأم، فضلًا عن منحه حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية.

⭕ #أرض_الصومال: دولة غير معترف بها تُعيد تشكيل القرن الإفريقي

أرض الصومال: دولة غير معترف بها عالميًا، لكنها تعيد تشكيل المشهد السياسي في القرن الإفريقي باستقلالها الاقتصادي والسياسي👇 #الصومالhttps://t.co/uDKOUW7HAu pic.twitter.com/ro7ldh4vW8

— نون بوست (@NoonPost) September 19, 2024

أحدث هذا الاتفاق زلزالًا سياسيًا في المنطقة، حيث اعتبرته الحكومة الصومالية في مقديشو اعتداءً صارخًا ومباشرًا على سيادتها ووحدتها الترابية، وقامت بإلغائه قانونيًا ومطالبة المجتمع الدولي بالتدخل، وأدى هذا التطور إلى استقطاب إقليمي حاد دفع مقديشو لبناء تحالف دفاعي مضاد بالتعاون مع مصر وإريتريا لحصار الطموحات الإثيوبية، مما جعل مذكرة التفاهم بمثابة صاعق تفجير قد يجر المنطقة برمتها إلى نزاع عسكري واسع النطاق تتداخل فيه مصالح المياه والسيادة والممرات البحرية.

ويبقى السؤال: هل تملك دول أخرى في الإقليم الخصوصية ذاتها؟

الجواب أن لكل دولةٍ خصوصيتها، لكنّ أيًّا منها لا يجمع العناصر الإثيوبية مجتمعة.

فخصوصية جيبوتي مثلًا وظيفية بحتة فهي دولة صغيرة المساحة تكمن قيمتها في الجغرافيا لا في الحجم، وتحت قيادة الرئيس إسماعيل عمر جيله الذي يحكم البلاد بقبضة حديدية منذ عام 1999، وظفت جيبوتي دبلوماسية استضافة القواعد العسكرية الأجنبية كأداة لضمان بقاء النظام الحاكم وحماية أراضيها من الأطماع الإقليمية، مما جعلها تضم أراضيها أرقامًا قياسية كأكبر تجمع للقواعد العسكرية في العالم.

تستضيف جيبوتي حاليًا قواعد عسكرية دائمة لكل من الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وفرنسا، واليابان، وإيطاليا، والمملكة العربية السعودية، وتجني من هذه الاستضافات عوائد إيجار سنوية مباشرة تساهم بفعالية في دعم اقتصادها، حيث تدفع واشنطن 65 مليون دولار سنويًا لإدارة قاعدتها الحيوية لعمليات مكافحة الإرهاب، وتدفع فرنسا 30 مليون دولار لحماية وجودها التاريخي، بينما تدفع الصين 20 مليون دولار لإدارة أول قاعدة دعم بحري خارجية لها خارج حدودها، والتي تتميز بحجمها الضخم وأسوارها المحصنة وتبعد بضعة أميال فقط عن القاعدة الأمريكية، مما يبرز حجم التوتر والتنافس الاستراتيجي الصامت بين القوى العظمى في هذه البقعة الضيقة.

أما خصوصية إريتريا فتكمن في امتلاكها واحدًا من أطول السواحل على البحر الأحمر، مُشرفةً على المدخل الجنوبي لمضيق باب المندب، ويشكل ميناءا “مصوّع” و”عصب” مرتكزيها الرئيسيين، فهي تملك ما تفتقده إثيوبيا؛ أي الموانئ، وتستخدمه ورقةً سيادية ووجودية لكنها تعاني من عزلة سياسية ونظام حكم ديكتاتوري، أمّا الصومال وصوماليلاند فتنبع خصوصيتهما من اجتماع الساحل والتشظّي معًا، إذ يجسّد الأول معضلة الدولة الهشّة التي تملك موردًا ثمينًا، بينما يجسّد الإقليم معضلة الكيان الفاعل على الأرض غير المعترف به دوليًا.

وعلى هذا الأساس، تبقى إثيوبيا استثناءً لأنّها تجمع القوة والحبس في آنٍ واحد، وهذا المزيج قوة تبحث عن منفذ هو أخطر ديناميكية في القرن الأفريقي اليوم، لأنّه يدفع نحو الاحتكاك بدل الاستقرار.

من الاضطراب المحلي إلى الأزمة العالمية

لم يعد تأثير الاضطراب الأمني في القرن الأفريقي على التجارة العالمية مجرد فرضية نظرية، بل بات اختبارًا حيًّا جرت مشاهدته على أرض الواقع منذ أواخر عام 2023، فحين بدأت جماعة الحوثيين هجماتها في البحر الأحمر، انكشفت هشاشة الممرّ أمام العالم بأسره.

تشير البيانات إلى أنّ العبور عبر مضيق باب المندب تقلص بنحو 70% مقارنةً بما كان عليه قبل بدء الهجمات، وأنّ حصّة الممرّ من التجارة البحرية العالمية هبطت من نحو 10% إلى ما يقارب 3% خلال فترة الذروة، بينما اضطرّت كبرى شركات الشحن، مثل ميرسك وإم إس سي وسي إم إيه، إلى تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح، بكلفةٍ إضافية قُدّرت بمليارات الدولارات سنويًا.

غير أنّ السيناريو الأخطر يتمثّل في تزامن إغلاق باب المندب مع اضطرابٍ في مضيق هرمز عند الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية، فبحسب بعض التقديرات، قد يؤدّي مثل هذا الاختناق المزدوج إلى تعطيل نحو 30% من الشحن العالمي للحاويات، وتهديد ما يقارب 22% من إمدادات النفط العالمية، بقيمة تجارة مهدّدة تُقدَّر بنحو عشرة مليارات دولار يوميًا.

بل إنّ سيناريوهات التصعيد القصوى تشير إلى احتمال قفزاتٍ حادّة في سعر خام برنت نحو 140 – 150 دولارًا للبرميل أو أكثر، ويعود السبب في ذلك إلى الترابط الوثيق بين سلاسل الإمداد العالمية، فتأخّر شحنةٍ في باب المندب ينعكس على رفوف المتاجر في أوروبا، وعلى خطوط الإنتاج في آسيا، وعلى أسعار التأمين البحري في العالم، ولأنّ القرن الأفريقي يجلس على هذا الزرّ تحديدًا، فإنّ أيّ طرفٍ قادرٍ على تعطيل الملاحة فيه يملك ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي بأسره، وهي المعادلة التي حوّلت إقليمًا يُوصف بالفقر إلى ساحةٍ يتنافس عليها الكبار.

القوى المتنافسة

تتزاحم في القرن الأفريقي 7 قوى رئيسية، تتقاطع أهدافها أحيانًا وتتصادم أحيانًا أخرى، وتأتي الإمارات في مقدّمة الفاعلين الإقليميين، إذ بنت شبكة موانئ وقواعد ممتدّة على طول الساحل، تشمل قاعدة عسكرية وبحرية في ميناء عصب الإريتري (تم إغلاقها عام 2021)، ومشروع ميناء وقاعدة بحرية قيد الإنشاء في بربرة بأرض الصومال عبر شركة موانئ دبي العالمية، وحقوق تطوير ميناء بوصاصو في إقليم بونتلاند.

كما يُعتقد على نطاق واسع أن دعم الإمارات المستمر لمليشيا الدعم السريع في السودان هدفه الأول والأخير الاستحواذ على الساحل السوداني على البحر الأحمر الذي يضم عدة موانئ بينها ميناءي بورتسودان وسواكن، إلى جانب مطامع الإمارات في أراضي السودان الزراعية الخصبة خاصة أراضي الفشقة التي تقع على الحدود مع إثيوبيا.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية تحوّل قاعدة بربرة إلى منشأةٍ شبه مكتملة، تضمّ مدرجًا يبلغ طوله نحو 4 كيلومترات قادرًا على استقبال طائرات النقل الثقيلة والمقاتلات، ويبدو أنّ هدف أبوظبي هو بناء سلسلةٍ من النقاط البحرية تتيح لها التأثير في خليج عدن ومدخل البحر الأحمر، وتأمين خطوط تجارتها، وتعزيز نفوذها في مواجهة خصومها الإقليميين، إذ تتعامل مع الموانئ بوصفها أصولًا جيوسياسية لا تجارية فحسب، وقد تسبب طموح أبوظبي في عن توتّرٍ مزمن مع الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو بسبب دعم الإمارات لكياناتٍ ذات نزعة انفصالية (صوماليلاند وبونتلاند).

وتنافس تركيا الإمارات على النفوذ في الإقليم، لكن من موقعٍ مختلف يقوم على التحالف مع الحكومة الصومالية الفيدرالية، فقد أنشأت أنقرة قاعدة «تُركصوم» في مقديشو عام 2017، وهي أكبر قواعدها العسكرية في الخارج، ودرّبت فيها أكثر من 16 ألف جندي صومالي، إلى جانب توقيع اتفاقٍ دفاعي لبناء البحرية الصومالية، وإدارة ميناء العاصمة ومطارها عبر شركةٍ تركية.

#إثيوبيا تريد منفذًا بحريًا، #مصر ترفع لافتة الرفض، وتركيا تحاول إدارة الاشتباك بهدوء.. القرن الأفريقي يتحول إلى ساحة دبلوماسية مفتوحة

🔴 كيف تدير #أنقرة بوصلة العلاقات مع حلفائها؟ https://t.co/4WpSa7Q66r
✍️@Emad_Anan

— نون بوست (@NoonPost) February 19, 2026

وثّقت تقارير في أبريل/نيسان من عام 2026 تحليق مقاتلاتٍ تركية من طراز إف-16 فوق مقديشو، ويتمثّل هدف تركيا في ترسيخ نفسها شريكًا أمنيًا واقتصاديًا أوّل للحكومة الفيدرالية، ومدّ نفوذها إلى سلاسل الإمداد بين أفريقيا والشرق الأوسط، ومنافسة النفوذ الخليجي، مع تقديم نفسها حاميةً لوحدة الصومال في مواجهة مشاريع التفتيت.

فيما تتحرك مصر بدافع حماية أمنها القومي وحقوقها التاريخية في مياه نهر النيل، فضلًا عن تأمين عوائد قناة السويس التي تمثل شريانًا ماليًا لا غنى عنه وتأثرت بشدة باضطرابات البحر الأحمر، وترى القاهرة في مذكرة التفاهم الإثيوبية مع صوماليلاند وتطلُّع أديس أبابا لبناء قاعدة عسكرية بحرية في خليج عدن محاولة إثيوبية لفرض الهيمنة الإقليمية وتهديدًا مباشرًا لخطوط الملاحة المتجهة لقناة السويس.

وردًا على ذلك، سارعت مصر لتوقيع بروتوكول تعاون عسكري ودفاعي مشترك مع الصومال في أغسطس/آب 2024، وشرعت في إرسال تعزيزات عسكرية ثقيلة شملت أسلحة ومعدات، وبدأت في نشر قوة عسكرية مصرية تقدر بحوالي 1100 جندي بحلول عام 2026 للمشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة لدعم الاستقرار في الصومال (أوصوم) وتأمين منطقة شبيلي الوسطى المضطربة.

تتحرك مصر لدفع السعودية نحو تعميق علاقاتها الأمنية مع إريتريا، في محاولة لموازنة تنامي النفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي، خصوصًا مع توسع التعاون العسكري بين أبوظبي وإثيوبيا.

الدافع المصري يأتي جزئيًا من اتفاق دفاعي أُبرم بين الجيش السوداني وباكستان مطلع العام، ويُعتقد أن… pic.twitter.com/S8GDWEw25F

— نون بوست (@NoonPost) February 7, 2026

تمثّل هذه القوات المجهزة بمركبات مدرعة من طراز “باي كايمان” ومدرعات “نمر عجبان” ومصحوبة بمروحيات هجومية من طراز “مي-24 هيند” وطائرات استطلاع ومكافحة تمرد، الوجود العسكري المصري الأبرز في القرن الأفريقي منذ عقود، بهدف بناء جبهة ردع قوية تطوق إثيوبيا بالتعاون مع الصومال وإريتريا وجيبوتي وتأمين الخاصرة الجنوبية للبحر الأحمر، إلا أن هذا الوجود العسكري يواجه تحديات معقدة من الداخل الصومالي، حيث تشير التقارير إلى تسريب جزء من المساعدات العسكرية المصرية الموجهة للدفاع الوطني واستخدامها من قبل الحكومة الفيدرالية لتسليح ميليشيات محلية في الصراع السياسي الداخلي ضد حكومة جنوب غرب الصومال المحلية.

أمّا الصين فيتّصف حضورها بالأعمق بنيويًا والأطول نفَسًا، إذ أنشأت أوّل قاعدةٍ عسكرية لها خارج أراضيها في جيبوتي عام 2017، وربطت الاقتصاد الإثيوبي الحبيس بالساحل عبر سكة حديد أديس أبابا – جيبوتي، كما امتلكت حصّة في ميناء دوراليه بدلًا عن الإمارات إثر طرد الأخيرة من قبل حكومة جيبوتي عام 2018.

زار وزير الخارجية الصيني وانغ يي أديس أبابا في عام 2026، وتكرّرت زيارات مبعوثيها إلى أسمرة، حيث يتمحور هدف بكين حول حماية استثماراتها في مبادرة «الحزام والطريق» وطريق الحرير البحري، وتتمثّل أولويتها العملية في الحيلولة دون انزلاق إثيوبيا وإريتريا إلى حربٍ قد تهدّد هذه الأصول.

على الجانب الآخر، تحتفظ الولايات المتحدة بمعسكر «ليمونييه» في جيبوتي بوصفه قاعدتها الرئيسية لعمليات مكافحة الإرهاب في أفريقيا، وقد قدّمت الخارجية الأمريكية في يونيو/حزيران من عام 2026 مذكرة إلى الكونغرس اعتبرت أرض الصومال إقليمًا تابعًا للصومال، مؤكّدًا اعترافها بسيادة الصومال الفيدرالي ووحدة أراضيه، ويتمثّل هدفها في الحفاظ على موطئ قدمٍ لمكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة ومواجهة النفوذ الصيني، وإن وُصفت مقاربتها في المرحلة الراهنة بأنّها أقرب إلى منطق الصفقات المتدرّج حول المعادن الحرجة والطاقة وأمن الملاحة، منها إلى استراتيجيةٍ شاملة طويلة المدى.

وإلى جانب هذه القوى، برزت السعودية لاعبًا جديدًا يتّخذ دور المنسّق والمموّل في ترتيبات البحر الأحمر، فقد وقعت المملكة اتفاقًا بحريًا بين مقديشو والهيئة العامة السعودية للنقل يوجّه استثماراتٍ نحو ميناء لاسقري في إقليم بونتلاند، بوصفه ثقلًا موازنًا فيدراليًا لميناء بربرة الخاضع للنفوذ الإماراتي.

كما استحوذت شركة سعودية كبرى على مشروع ميناء باجامويو العملاق في تنزانيا، ووقّعت شركة بوابة البحر الأحمر الدولية – التابعة لصندوق الثروة السيادية السعودي – العام الماضي مذكرة تفاهم مع حكومة جيبوتي لإدارة ميناء تاجورة لمدة 30 عامًا، وفي الوقت نفسه تحدثت تقارير أخرى عن قرب ضخ استثمارات سعودية في ميناء عصب الإريتري.

يتمثّل هدف الرياض في تأمين الضفّة الأفريقية للبحر الأحمر باعتبارها امتدادًا لأمنها القومي، وبناء محور بحرٍ أحمر جديد يجمع أطرافًا إقليمية من موقع المنسّق والمموّل أكثر منه صاحب قواعد عسكرية مباشرة، ذلك أن غياب المملكة – وهي الدولة الخليجية الأكبر والأكثر تأثيرًا – فتح المجال أمام الإمارات للعب دور في المنطقة يتجاوز حجمها الفعلي.

من باجامويو إلى تاجورة وعصب… لماذا عادت #الرياض بقوة إلى شرق أفريقيا؟ وهل نحن أمام سباق سعودي–إماراتي محموم للسيطرة على الموانئ الاستراتيجية؟

🔴 تقرير لـ @Moh_Gamea يرصد تحولات النفوذ، صراع المصالح، ومعركة الممرات البحرية في القرن الأفريقيhttps://t.co/FBIkGs3a7W

— نون بوست (@NoonPost) January 13, 2026

كذلك تسعى روسيا منذ سنوات إلى تثبيت موطئ قدمٍ بحري على البحر الأحمر، مع اهتمامٍ مزمن بالساحل السوداني، عبر أدواتٍ أمنية واقتصادية، بهدف كسر الاحتكار الغربي للممرّ وخدمة طموحها العالمي، وإن ظلّ حضورها أقلّ ترسّخًا من حضور الصين أو القوى الخليجية في هذه البقعة تحديدًا.

وشكّل اعتراف “إسرائيل” بصوماليلاند في ال26 من ديسمبر/كانون الأول عام 2025، تطوّرًا قلب توازنات البحر الأحمر، إذ يهدف إلى تأمين موطئ قدمٍ استراتيجي على خليج عدن قرب باب المندب، ومراقبة خطوط الملاحة، ومواجهة التهديد الحوثي – الإيراني من العمق الأفريقي، وهو ما يفتح الباب نظريًا أمام وجودٍ أمني على هذا الساحل، ويثير في المقابل تهديدات حوثية مباشرة.

يعتزم إقليم صوماليلاند الانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية حيث يراها خطوة استراتيجية لتأمين موطئ قدم استخباري وعسكري متقدم للجانب الإسرائيلي، وتعمل تل أبيب بتنسيق وثيق مع الإمارات لتطوير وتوسيع مدارج الطائرات العسكرية ومحطات الرادار والاستطلاع الجوي في جزيرة ميون اليمنية وأرخبيل سقطرى لإنشاء حزام مراقبة متكامل لمواجهة الصواريخ والمسيرات الإيرانية وتأمين حركة التجارة البحرية المتجهة نحو الموانئ الإسرائيلية.

ولعل خطّ التماس بين إثيوبيا وإريتريا يشكل التجسيد الأبرز لهذا التنافس، حيث تلتقي معظم الديناميكيات السابقة في هذا الخط، فقد وصف رئيس الوزراء الإثيوبي الوصول إلى البحر بأنّه “مسألة وجودية” لبلاده، علمًا أنّ الميناء لا يبعد سوى 60 كلم عن الحدود الإثيوبية، ونجح خطاب آبي أحمد وكبار مسؤوليه في حشد عدد كبير من الإثيوبيين وإقناعهم بأن فقدان المنفذ البحري كان مأساةً وطنية.

في المقابل، ترفض إريتريا رفضًا قاطعًا أيّ مطلبٍ إثيوبي بشأن الميناء وتعدّه تهديدًا لسيادتها، وقد وجّهت أديس أبابا في فبراير/شباط من عام 2026 رسالةً إلى أسمرة تطالبها بسحب قواتٍ من أراضٍ إثيوبية ودعتها لحوار من أجل حل كافة القضايا بما فيها وصول إثيوبيا إلى البحر، فردّت أسمرة بالرفض واصفةً الاتهامات الإثيوبية باحتلال أراضٍ وطنية بأنها “كاذبة وملفّقة”.

تتفاوت تقديرات المراقبين بين ترجيحٍ لعدم إقدام إثيوبيا على غزوٍ واسع لإريتريا خلال عام 2026 بهدف الاستيلاء على ميناء عصب، وتحذيرٍ من تصاعد اشتباكاتٍ بالوكالة على الحدود قد تنزلق سريعًا إلى مواجهةٍ أكبر يصعب احتواؤها. وهذا التماس تحديدًا هو ما يدفع قوىً مثل السعودية والصين إلى التحرّك لمنع الانزلاق.

ففي فبراير/نيسان الماضي أجرى وفد سعودي برئاسة نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي جولة مكوكية بين أسمرة وأديس أبابا اجتمع خلالها مع الرئيس الإريتري إسياس أفورقي، ومنها توجه إلى أديس أبابا للاجتماع مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.

لمن تكون الغلبة في القرن الأفريقي؟

عند استشراف آفاق الصراع على الهيمنة والنفوذ في القرن الأفريقي، يثور السؤال المركزي حول الأداة الأكثر فعالية وقدرة على حسم الغلبة في هذا الإقليم المعقد، هل ستكون الغلبة للقواعد العسكرية المباشرة، أم للموانئ التجارية وشبكات اللوجستيات، أم للاستثمارات العابرة للحدود، أم للتحالفات السياسية والأمنية المرنة؟

الأقرب إلى الواقع أنّ الغلبة ستكون لمن يجيد الجمع بين الأدوات لا لمن يملك إحداها منفردة؛ فالقواعد العسكرية والموانئ والاستثمارات والتحالفات السياسية ليست بدائل يقصي بعضها بعضًا، بل طبقاتٌ متكاملة في معادلةٍ واحدة، وإن تفاوت وزن كلٍ منها.

فالقواعد العسكرية تمنح حضورًا صلبًا وقدرةً على الردع، لكنّها مكلفة وتثير حساسياتٍ سيادية، وتربط صاحبها بمستضيفٍ قد تتقلّب أحواله، فهي تشتري التموضع المؤقّت أكثر مما تشتري النفوذ الدائم. أمّا الموانئ فهي العملة الأثمن في اللحظة الراهنة، لأنّ من يسيطر على ميناءٍ يمسك بعقدةٍ في سلسلة الإمداد، ويجمع بين العائد التجاري والنفوذ الاستراتيجي، حتى إنّ التنافس على الموانئ بربرة في مقابل لاسقري في مقابل بوصاصو في مقابل دوراليه يمثّل القلب الحقيقي للصراع الجاري.

بينما تأتي الاستثمارات والبنية التحتية في مرتبةٍ لا تقلّ أهمية، إذ تصنع السكك والطرق وشبكات الكهرباء ارتباطًا بنيويًا يصعب فكّه، ويكفي النظر إلى النموذج الصيني، حيث أنشأت السكة الحديدية الرابطة بين إثيوبيا وجيبوتي تبعيةً أطول عمرًا من أيّ قاعدةٍ عسكرية، كما تبقى للتحالفات السياسية أهميتها الخاصة التي تماسك بقية الأدوات، فالقاعدة بلا حليفٍ محلي عبء، والميناء بلا غطاءٍ سياسي هشّ، ومن يبني تحالفاتٍ داخلية متينة لا مجرد صفقاتٍ عابرة هو من يحمي استثماراته الأخرى.

آبي أحمد.. كيف تحوّل رئيس وزراء إثيوبيا إلى “الوكيل الإقليمي” لمشروع أبوظبي في القرن الإفريقي؟

📍هنا نستعرض كيف تتقاطع طموحات إثيوبيا البحرية وصفقة “أرض الصومال” مع مصالح الإمارات في السيطرة على الشرايين البحرية، ودورها في إشعال توترات إقليمية جديدة 👇https://t.co/Kmt4BL7SJe pic.twitter.com/ZMG6DH9xDe

— نون بوست (@NoonPost) June 3, 2026

وعلى هذا الأساس، يبدو أنّ المستقبل سيكون لمن يدمج هذه الطبقات الأربع في معادلةٍ واحدة متماسكة، لا لمن يراهن على القاعدة وحدها أو الميناء وحده. ويقترب من هذه الصيغة النموذجان الصيني – الجيبوتي والتركي – الصومالي، بينما يراهن النموذج الإماراتي على كثافة الموانئ والقواعد، والنموذج السعودي الصاعد على التنسيق والتمويل.

غير أنّ المتغيّر الحاسم في نهاية المطاف سيظلّ داخليًا لا خارجيًا، فلا قاعدة ولا ميناء ولا استثمار يصمد فوق أرضٍ مشتعلة، ويبقى استقرار إثيوبيا، ومصير العلاقة الإثيوبية – الإريترية، وتماسك الدولة الصومالية، ومسار الحرب في السودان، هي العوامل التي ستحدّد فعلًا من يملك مستقبل الإقليم.

فالقوى الخارجية تملك المال والسلاح والقواعد، لكنّ المفتاح يبقى في يد الجغرافيا المحلية وأهلها، وبهذا المعنى، لم يعد القرن الأفريقي ضحيةً للجغرافيا السياسية بقدر ما صار مسرحها الأهمّ، فالإقليم الذي طالما بدا أنّ الجغرافيا قد ابتلعته قد يكون هو نفسه من يرسم، عبر استقراره أو انفجاره، ملامح التجارة والطاقة والنفوذ في نصف الكرة الشرقي، ومن يقرأ القرن الأفريقي اليوم، إنّما يقرأ في الحقيقة مستقبل ممرّات العالم غدًا.

ويمكن القول إن مستقبل القرن الأفريقي ينحصر في الغالب بين سيناريوهين مرجحين: يتمثل الأول وهو الأكثر احتمالًا، في استمرار حالة الاستقطاب والتوتر الهيكلي المزمن وتحوُّل الإقليم لساحة دائمة للحروب بالوكالة بين معسكرين إقليميين متقابلين أحدهما يشمل إثيوبيا وإقليم صوماليلاند بدعم من الإمارات و”إسرائيل”، وثانيهما يضم الصومال ومصر وإريتريا بدعم من تركيا.

أما السيناريو الثاني والخطير فيتمثل في إصرار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على الوصول إلى البحر مدفوعًا بنشوة الفوز في الانتخابات – سواء كان ذلك عبر مذكرة التفاهم مع صوماليلاند أو عبر غزو إريتريا – ما يؤدي إلى انزلاق القوى الإقليمية لصدام عسكري مباشر ومفتوح يجر وراءه القوى الدولية الحاشدة لقواعدها البحرية، وهو ما يجعل الجغرافيا السياسية تبتلع القرن الأفريقي بالكامل وتدفع بالاقتصاد العالمي نحو أزمة لوجستية واقتصادية غير مسبوقة.

علاماتأرض الصومال ، إثيوبيا ، إسرائيل تعترف بأرض الصومال ، التدخل الإسرائيلي في إفريقيا ، العلاقات التركية الصومالية
مواضيعأرض الصومال ، الشأن الإثيوبي ، الشأن الصومالي ، القارة الإفريقية ، القرن الإفريقي

قد يعجبك ايضا

سياسة

عقد على البريكست.. هل ندم البريطانيون على مغادرة الاتحاد الأوروبي؟

عماد عنان٢٤ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

المملكة المتحدة أخفقت في منع مجزرة الفاشر خوفًا من الإمارات

دانيال هيلتون٢٣ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

عسكرة الدعوة في مصر.. حين يتحول الإمام إلى “مجند مدني”

فريق التحرير٢٣ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑