شهدت المعادلة السياسية في العراق بعد هزيمة تنظيم داعش عام 2017 تحولا جذريا في طريقة إدارة الحكم بالبلاد، فبينما قام النظام السياسي بعد عام 2003 على مفهوم ما يعرف بـ”الديمقراطية التوافقية”؛ المرتكزة على تقاسم السلطة أفقيا بين المكونات الثلاثة الرئيسية “الشيعة والعرب السنة والكرد” عبر المحاصصة؛ انتقلت قوى “الإطار التنسيقي” الشيعي الحاكم نحو استراتيجية تتمثل بابتلاع الدولة بشكل كامل، وإعادة إنتاج الشركاء المفترضين من المكونات الأخرى على أساس الولاء لمشروعها، مقابل مكاسب مالية وسياسية، وربما أمنية محدودة.
تقوم هذه الاستراتيجية على إعادة هندسة مؤسسات الدولة الحساسة المتمثلة بالدرجات الخاصة والقضاء والهيئات المستقلة والأمن الموازي؛ لضمان مركزية القرار وتأمين المشروع السياسي الشيعي على المدى الطويل، وتحصينه ضد الصدمات السياسية أو الاحتجاجية.
وقد دفعت احتجاجات تشرين التي انطلقت عام 2019، ثم فوز التيار الصدري بالانتخابات البرلمانية عام 2021؛ قوى الإطار التنسيقي إلى تشديد قبضتها على مؤسسات الدولة بشكل واضح، بالتوازي مع ضخ مزيد من الأموال لتفتيت التحالفات المعارضة، أو استقطاب شخصيات عربية سنية أو كردية إلى صفوفها؛ من أجل تمرير صفقات سياسية، وكسب مزيد من النفوذ خارج جغرافيتها التقليدية، خصوصا في المحافظات السنية، التي ما زالت تعاني آثار الحرب على تنظيم داعش حتى اليوم.
ولإحكام السيطرة على المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد؛ استخدمت القوى الشيعية المتنفذة آليات متعددة، تعمل جميعها تحت سقوف دستورية وتكييف قانوني، بفعل تغلغل ما يعرف بـ”الدولة العميقة” في جسد النظام السياسي، وتوظيف كل ذلك لصالح نفوذ طويل الأمد، ولا يواجه معارضة حقيقية على الأرض.
البيروقراطية العميقة: الدرجات الخاصة والوكالات
تعد الوظائف التنفيذية المتقدمة في العراق؛ مثل وكلاء الوزارات والمدراء العامون ورؤساء الهيئات المستقلة؛ هي العصب الحقيقي للدولة، ويبلغ عددها نحو 5541 منصبا خاصا؛ وفقاً لتقديرات اللجنة المالية في البرلمان العراقي.
ولأن المادة (61 خامسا/ب) من الدستور العراقي تنص على أن تعيين أصحاب الدرجات الخاصة يتطلب موافقة مجلس النواب؛ لجأت الحكومات المتعاقبة وتحديدا بعد عام 2022 إلى تفعيل نظام “التثبيت بالوكالة”، عبر قرارات ديوانية من رئيس الوزراء.
هذا الأسلوب أتاح لقوى السلطة إحلال عناصر موالية حزبيا وعقائديا في مناصب مفصلية، دون الحاجة لتمريرهم عبر المساومات البرلمانية، وتوسعت هذه الممارسة إلى درجة التدخل في بنية وهيكلية مؤسسات ذات طابع ديني خاص، مثل ديوان الوقف السني الذي يدير دور العبادة والأملاك الموقوفة في عموم العراق، لتقوم بمنع تعيين رئيس للديوان بالأصالة منذ إقالة رئيسه الراحل أحمد عبد الغفور السامرائي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، والذي عرف برفضه التفريط في ممتلكات الوقف للقوى الشيعية، التي بسطت سيطرتها بالقوة على أعداد لا يمكن حصرها من البنايات والأراضي والمساجد السنية في عموم العراق؛ باستثناء إقليم كردستان.
تمويل حزبي ذاتي بأموال الدولة
ويمثل الوزير في النظام السياسي العراقي واجهة سياسية متغيرة، فيما يعد “المدير العام” أو “الوكيل” هو الثابت الذي يدير لجان العقود والإحالات والمناقصات.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن السيطرة على المديريات العامة في وزارات مثل النفط والتجارة والصحة والنقل؛ مكنت الأحزاب المتنفذة من توجيه عقود استثمارية ضخمة لصالح شركات تابعة لها، مما خلق تمويلا ذاتيا مستداما للمشاريع الحزبية بأموال الدولة.
وعقب تشكيل حكومة الإطار التنسيقي في تشرين الأول/أكتوبر عام 2022؛ جرت أكبر عملية إعادة هيكلة للمناصب الخاصة، حيث جرى إعفاء وإبدال أكثر من 300 مدير عام ووكيل وزارة في غضون أشهر قليلة، واستبدالهم بمرشحين ينتمون للكتل الشيعية النافذة، مثل حركة عصائب أهل الحق وحزب الدعوة ومنظمة بدر وتيار الحكمة؛ لضمان بسط السيطرة على مفاصل الدولة الحيوية.
وكشفت قضية “سرقة القرن” والتي تجاوزت ستة مليارات دولار؛ أن المتهم فيها نور زهير كان يحظى بحماية جهات حزبية متنفذة، وقيادات في كتل سياسية اشتركت في توفير الدعم له وتسهيل حركته وتنقله، بل والدفاع عنه خلف الكواليس، ثم تسهيل تسويات خروجه مقابل وعود باسترداد الأموال.
وأظهرت تحقيقات القضية أن علاقة المتهم بأصحاب الدرجات الخاصة كانت تنفيذية وتمريرية، حيث تغلغلت شبكة نور زهير داخل مفاصل حيوية في وزارات مثل المالية “الهيئة العامة للضرائب”، والتخطيط وغيرها.
شبكات واسعة تتحكم بعصب الدولة
وتشير تقارير محلية ودولية إلى أن عمليات الفساد المنظم المرتبطة بأحزاب مهيمنة على المشهد في العراق؛ كانت تعتمد على مدراء عامين ووكلاء لتسهيل صرف الصكوك الوهمية، وإصدار كتب رسمية تلغي الرقابة السابقة، مثل إلغاء تدقيق ديوان الرقابة المالية على الأمانات الضريبية قبل الصرف.
وفي العديد من تلك الصفقات؛ جرى فتح حسابات وإيداع مبالغ ضخمة وتمرير مناقلات مالية مشبوهة، بتوقيع أو غض بصر من مسؤولين بدرجة مدير عام أو وكيل وزارة في الهيئات المعنية؛ مقابل نسب مئوية أو عمولات مجزية.
وتوضح العديد من التسريبات والاعترافات في كواليس التحقيق القضائي؛ أن جزءا من الأموال المنهوبة من قبل هذه الشبكات كان يعاد تدويره لتمويل شراء مناصب عليا، مثل مدراء عامين أو وكلاء وزارات؛ لصالح شخصيات تابعة لأحزاب معينة، لضمان استمرار السيطرة على العقود والمناقصات والمنافذ الاقتصادية للوزارات.
وبيّنت التحقيقات في العشرات من قضايا الفساد؛ أن المتهمين يمثلون المشغل المالي المحرك، في حين يمثل وكلاء الوزارات والمدراء العامون الأدوات التنفيذية داخل المؤسسات، بينما يشكل المسؤولون الحزبيون المظلة السياسية والقانونية؛ التي تحمي المنظومة وتضمن عدم المساس بها، إلى حين تضارب المصالح أو حدوث تصفية للحسابات.
موازنات المحافظات وضغط المركز
شهدت العلاقة بين بغداد والمحافظات تحولا من النزاع القومي – الطائفي إلى صراع سيطرة مالية وإدارية، خصوصا بعد تغول المكاتب الاقتصادية للأحزاب الشيعية في المحافظات السنية؛ عقب تحريرها من سيطرة داعش.
وقد أجرى البرلمان تعديلات حدت من الصلاحيات الواسعة التي مُنحت للمحافظات سابقا في مجالات الأمن والتعليم والصحة، معيدا تركيز القرار بيد الوزارات الاتحادية ببغداد.
وفي موازنة 2023 – 2025 الثلاثية، والتي تعد الأضخم في تاريخ العراق، وبلغت قيمتها 198 تريليون دينار عراقي سنويا؛، تم تحجيم حصص موازنات “تنمية الأقاليم” المخصصة للمحافظات مباشرة، مقابل تضخيم موازنات الوزارات الاتحادية وصناديق التنمية المركزية، مثل “صندوق إعادة إعمار المحافظات الأكثر فقرا” وغيرها، بشكل يجعل المحافظين مجبرين على تقديم الولاء السياسي للحكومة المركزية؛ من أجل ضمان إطلاق تخصيصاتهم المالية
مفوضية الانتخابات والهيمنة بالصندوق
شكلت العودة لانتخابات مجالس المحافظات في كانون الأول/ديسمبر 2023؛ بعد تعطيلها في عام 2019؛ أداة حاسمة لتثبيت النفوذ المحلي للكتل الشيعية الكبيرة.
فرغم تدني نسبة المشاركة الإجمالية التي بلغت 41%؛ وفقا للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات؛ فقد تمكنت كتل الإطار التنسيقي من اكتساح مجالس محافظات الوسط والجنوب، مما أتاح لها عزل المحافظين المستقلين أو التابعين لغريمها الشيعي “التيار الصدري”، وتعيين محافظين يضمنون انسجام القرار المحلي مع التوجه الاستراتيجي للمركز الذي تهيمن عليه.
وقد مثلت السيطرة على قواعد اللعبة الانتخابية الضامن الأكبر لعدم تكرار صدمة انتخابات 2021، والتي خسر فيها الإطار التنسيقي معظم مقاعده لصالح الصدريين.
لذا مرر البرلمان في آذار/مارس من عام 2023؛ قانونا اعتمد فيه نظام “سانت ليغو” في انتخابات البرلمان ومجالس المحافظات؛ بقاسم انتخابي يبلغ 1.7، وجعل المحافظة دائرة انتخابية واحدة، بعد إقرار قانون الدوائر المتعددة عقب احتجاجات تشرين؛ التي طالبت بقانون انتخابي جديد، يتيح لقوى من خارج دائرة الأحزاب الكبيرة المنافسة والوصول إلى مجلس النواب والحكومات المحلية.
وقد قضى هذا التعديل عمليا على حظوظ المستقلين والحركات الناشئة؛ التي صعدت عبر الدوائر المتعددة عام 2021، حيث قام النظام الانتخابي الجديد بإعادة توجيه الأصوات المشتتة آليا لصالح القوائم الكبيرة والمستقرة ماليا ولوجستيا.
كما استطاعت القوى الشيعية المتنفذة تفكيك وإعادة بناء المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وإخضاعها لتوازنات جديدة.
ورغم وجود قضاة على رأسها؛ فإن المكاتب التنفيذية والمديريات العامة للمفوضية في المحافظات خضعت لمحاصصة عميقة غير معلنة بين الأحزاب المتنفذة، مما يضمن الإشراف والسيطرة الكاملة على اللوجستيات، وعمليات العد والفرز الإلكتروني ومراكز الاقتراع.
المحكمة الاتحادية.. الحكم وصانع القرار
تحولت المحكمة الاتحادية العليا بعد عام 2021 إلى اللاعب الأقوى في الساحة العراقية؛ عبر إصدار قرارات دستورية لم تكتف بمنحها الحق الحصري في تفسير النصوص القانونية، بل وجعلتها الفاعل الأهم في إعادة رسم خارطة موازين القوى السياسية.
وجاءت قرارات المحكمة خلال الفترة المذكورة لتمهد الطريق للإطار الشيعي في تسيد الساحة السياسة، خصوصا تعطيل مشروع “حكومة الأغلبية الوطنية” الذي قاده التيار الصدري مع حزب تقدم السني والحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2022، وإنهاء عضوية رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي عام 2023، وهو ما أسهم في تفكيك وحدة المكون السني، وإدخاله في أزمة قيادة استمرت لأشهر طويلة.
كما ألغت المحكمة مقاعد الكوتا في إقليم كردستان عام 2024، ليتقلص نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني لصالح منافسه الاتحاد الوطني المقرب من إيران، فضلا عن تأميم رواتب موظفي الإقليم سنة 2024، والذي ربط رواتب كردستان بالمصارف الاتحادية في بغداد، ووزارة المالية الاتحادية والبنك المركزي العراقي.
ويرى مراقبون أن المؤسسة القضائية في العراق؛ تبنت منذ عام 2022 عقيدة يمكن وصفها بـ”المركزية القانونية الحازمة”، حيث ساهمت قراراتها في إضعاف مراكز القوة المنافسة لبغداد “أربيل في الشمال، والأنبار في الغرب”؛ لصالح تقوية الدولة الاتحادية التي تسيطر عليها قوى مؤتمر لندن الشيعية.
الهيئات المستقلة والأمن الموازي
أكمل الإطار الشيعي الحاكم طوق السيطرة البيروقراطية على مفاصل الدولة من خلال الهيمنة على أدوات الرقابة والمال والأمن عبر الهيئات المستقلة، حيث جرى تقاسم الهيئات الحساسة مثل هيئة الإعلام والاتصالات، والبنك المركزي وهيئة النزاهة لصالحها بشكل كامل، وبعيدا عن الرقابة.
وأتاحت السيطرة على “هيئة الإعلام والاتصالات” لقوى السلطة فرض قيود وغرامات على المؤسسات الإعلامية الناقدة والمعارضة، بينما تم تحويل “هيئة النزاهة” في بعض الأحيان كأداة للمساومة السياسية، واستهداف الخصوم عبر ملفات الفساد المنتقاة.
أما على صعيد الفصائل المسلحة؛ فقد شهدت موازنات 2023 – 2025 قفزة تاريخية في التخصيصات المالية المخصصة لصالح هيئة الحشد الشعبي، حيث ارتفعت ميزانيته إلى أكثر من 3.5 تريليون دينار عراقي، مع زيادة ملاكاته البشرية لتصل إلى أكثر من 230 ألف منتسب، جرى تثبيتهم كموظفين دائمين على ملاك الدولة.
والأخطر من ذلك –وفقا لمحللين سياسيين- كان تأسيس “شركة المهندس العامة للمقاولات والخدمات الاستثمارية” برأس مال حكومي، وهي شركة استثمارية تابعة للحشد، تمنحها الحكومة حق الاحتكار والإحالة المباشرة للمشاريع والأراضي الزراعية الشاسعة، مما يعني خلق إمبراطورية اقتصادية موازية؛ تحمي الوجود العسكري والعقائدي للقوى النافذة.
وبهذه الطريقة استطاعت القوى الشيعية المتنفذة؛ ممثلة بالإطار التنسيقي –بمختلف فصائله- أن تدير معادلة السلطة في البلاد، ورغم الانشقاقات التي ضربتها مؤخرا عقب تشكيل حكومة علي الزيدي؛ إلا أنها احتفظت بمكاسبها وفقا لمحاصصة داخلية، وزعت الأدوار والنفوذ والامتيازات بين الحركات والأحزاب الشيعية المتنفذة حتى إشعار آخر.