شكّلت بنية النظام الإيراني وتركيبته الأيديولوجية، ولا سيما مبادئ الثورة الإسلامية، عامل التوتر الرئيسي بين طهران وخصومها الإقليميين والدوليين. فقد تحولت عناوين مثل “تصدير الثورة” وتقسيم العالم إلى معسكري الأصدقاء والأعداء إلى مصدر تهديد دائم في نظر خصومها.
وفي سبيل حماية هذه المبادئ، برز الحرس الثوري الإسلامي بوصفه المؤسسة العسكرية المكلفة بحماية الثورة كيانًا ونظامًا وأفكارًا، داخليًا وخارجيًا. كما اضطلع بمهمة “تصدير الثورة”، ما وضعه في احتكاك مباشر بملفات المنطقة وعوامل التوتر الإقليمية، وجعل أدواره تتقاطع مع السياسة الخارجية الإيرانية وتتداخل مع بنية الدولة نفسها، خصوصًا أنه يتبع المرشد مباشرة، الذي يعين قائده العام ويتلقى تقاريره خارج التسلسل الحكومي.
ثم جاءت الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران لتجعل تغيير النظام هدفها المركزي، عبر الحملة العسكرية المشتركة التي انطلقت في الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، وافتُتحت باغتيال المرشد علي خامنئي، استكمالًا لموجة أولى بدأت خلال حرب يونيو/حزيران 2025. غير أن هذه الحرب أعادت تشكيل النظام بصورة معاكسة لأهدافها، بعدما دفعت الحرس الثوري، بوصفه الحارس الأيديولوجي المسلح للجمهورية الإسلامية، إلى موقع القوة الأكثر تأثيرًا داخل الدولة.
فقد أزالت الاغتيالات والخطر الوجودي توازنات حكمت البنية الداخلية الإيرانية لعقود، ووسّعت نفوذ الحرس على معظم مفاصل القرار. وهكذا، تحولت الحرب التي استهدفت إنهاء دوره إلى لحظة ولادته الثانية بوصفه مركز الثقل الأبرز في الجمهورية الإسلامية.
الحرس الثوري كاستجابة لمعضلة الولاء
شكل قرار تأسيس الحرس الثوري استجابة لمعضلة واجهت الثورة الإسلامية منذ لحظتها التأسيسية: من يحرس الثورة إذا كان الجيش القائم هو نفسه جيش الشاه؟ فقد ورثت الجمهورية الوليدة “الجيش الإمبراطوري”، الذي نظرت إليه باعتباره إحدى ركائز النظام المخلوع ومصدر شك دائم في ولائه، رغم إعلانه الحياد في الحادي عشر من فبراير/شباط 1979. وسرعان ما طالت الجيش حملة تطهير واسعة أفقدته ما بين 40 و60% من قوته البشرية وأضعفت قدراته العسكرية.
وفي هذا السياق، أصدر الإمام الخميني في أبريل/نيسان 1979 مرسومًا بتأسيس الحرس الثوري الإسلامي عبر توحيد عدد من الميليشيات الموالية للثورة في جسم واحد، بهدف خلق قوة موازية تحمي النظام الجديد من احتمالات الانقلاب العسكري، مستلهمًا تجربة انقلاب عام 1953 الذي أطاح بحكومة محمد مصدق وأعاد الشاه إلى السلطة.
وتعكس تسمية الحرس طبيعة وظيفته؛ فاختيار صفة “الإسلامي” بدل “الإيراني” يعبر عن مهمة تتجاوز الدفاع التقليدي عن الحدود إلى حماية البقاء العقائدي للنظام، وقد كرّس الدستور هذا الفصل؛ فالجيش، وفق المادة 143، مكلف بالدفاع عن السيادة والوحدة الترابية، بينما أُنيط بالحرس ضمان “سلامة الجمهورية الإسلامية”، بما يشمل مواجهة التدخلات الخارجية والانقلابات والحركات التي تُعد مهددة لإرث الثورة.
وإذا كان الشك في الجيش هو ما أنشأ الحرس، فإن الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988) هي التي صقلت هويته ومنحته شرعيته القتالية، فقد كشف الغزو العراقي هشاشة الجيش المستنزف، وسرّع تحول الحرس من ميليشيا عقائدية إلى قوة عسكرية منظمة.
كما وفرت الحرب للحرس شرعية رمزية عبر سردية “الدفاع المقدس”، ورسخت دوره في التعبئة الجماهيرية، خصوصًا بعد تأسيس الباسيج في نوفمبر/تشرين الثاني 1979 استجابة لدعوة الخميني إلى إنشاء “جيش من عشرين مليونًا”. ومن رحم هذه التجربة تبلورت عقيدته القائمة على الحرب غير المتماثلة، والصواريخ الباليستية، والعمل مع حلفاء غير دولتيين بوصفها أدوات للبقاء والردع.
ومع انتهاء الحرب، بدأ الحرس أخطر مراحل تمدده بالانتقال من الميدان العسكري إلى مؤسسات الدولة والاقتصاد. ففي عام 1990 أُنشئ مقر خاتم الأنبياء للإنشاءات تحت قيادته المباشرة للمساهمة في إعادة الإعمار، قبل أن يتحول خلال عقد واحد إلى أكبر مقاول هندسي في الشرق الأوسط عبر شبكة تتجاوز 800 شركة واجهة ومقاولات فرعية.
وتسارع هذا التمدد بفعل ثلاثة عوامل رئيسية: سياسة رفسنجاني خلال مرحلة إعادة الإعمار، ثم العقود الحكومية الواسعة التي مُنحت للحرس في عهد أحمدي نجاد (2005–2013)، وأخيرًا العقوبات الغربية التي أخرجت الشركات الأجنبية من السوق ووسّعت حضوره تحت شعار “اقتصاد المقاومة”. ونتيجة لذلك، تتراوح تقديرات حصته وشبكاته الاقتصادية بين 10% وأكثر من 50% من الناتج المحلي الإيراني، مع ارتباطه بأكثر من مئة شركة وإيرادات سنوية تتجاوز 12 مليار دولار وفق بعض التقديرات.
وبالتوازي مع ذلك، استكمل الحرس تحوله إلى جيش موازٍ يمتلك فروعه العسكرية الخمسة؛ القوات البرية، والقوة الجوفضائية، والقوات البحرية، وفيلق القدس، والباسيج، إضافة إلى أجهزته الاستخبارية ومنابره الإعلامية وإمبراطورياته الاقتصادية.
كما بات يمتلك القدرات العسكرية الأكثر تأثيرًا داخل إيران، من إدارة الترسانة الصاروخية وبرامج الطائرات المسيّرة إلى السيطرة الفعلية على مضيق هرمز ومياه الخليج، بينما يعتمد الجيش النظامي بدرجة كبيرة على عتاد قديم. وانعكس هذا التفوق أيضًا على الحياة السياسية؛ فمنذ حل وزارة الحرس عام 1989، تزايد حضور قدامى الحرس في الحكومات والبرلمان، مقابل غياب شبه كامل لقدامى الجيش النظامي.
الحرس والسياسة: التمدد وهندسة التوازنات في الجمهورية الثانية
يمكن قراءة تاريخ الجمهورية الإسلامية بوصفه انتقالًا بين نموذجين للحكم، فقد استندت الجمهورية الأولى في عهد الخميني (1979–1989) إلى الثقل الكاريزمي للمؤسس وإلى مكانة علماء الحوزة باعتبارهم المرجعية العقائدية لنظام ولاية الفقيه، فيما كان الحرس الثوري قوة صاعدة لم تتحول بعد إلى لاعب سياسي مكتمل.
ومع انتقال المرشدية إلى علي خامنئي عام 1989، بدأت الجمهورية الثانية التي امتدت حتى اغتياله مطلع عام 2026. وهنا برزت المفارقة الأساسية؛ إذ وصل خامنئي إلى موقعه من دون الرصيد الكاريزمي والمرجعي الذي تمتع به الخميني، ما دفعه إلى بناء قاعدة سلطة خاصة به، كان الحرس الثوري والباسيج عمادها الرئيسي. وتحولت هذه المرحلة إلى عملية ترسيخ للمؤسسات، وفي قلبها تثبيت الحرس بوصفه ركيزة سلطوية للمرشد.
لكن صعود الحرس جرى ضمن هندسة دقيقة للتوازنات قادها خامنئي بنفسه، عبر توزيع النفوذ بين الحوزات الدينية، والحرس الثوري، ومؤسسات الدولة المنتخبة، إلى جانب المؤسسات التوجيهية مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس الأمن القومي الأعلى. ومنح هذا النموذج المرشد القدرة على إدارة التنافس بين المكونات المختلفة ومنع أي طرف من الانفراد بالسلطة، بما حافظ على استقرار البرامج الاستراتيجية للدولة رغم تبدل الحكومات.
ومن المهم الإشارة إلى أن نفوذ الحرس سبق حرب عام 2026 بسنوات طويلة، إذ ترسخ خلال عهد خامنئي، فيما جاءت الحرب لاحقًا لتزيل التوازنات التي كان يديرها، لا لتصنع هذا النفوذ من الصفر.
ورغم نجاح هذه الإدارة، شهدت الجمهورية الإسلامية احتكاكات متكررة بين الحرس والحكومات، خصوصًا خلال العهود الإصلاحية. فقد بدأ التوتر مع أبو الحسن بني صدر وانتهى بعزله، وتجدد في عهد محمد خاتمي مع تدخل الحرس لمواجهة أجندته الإصلاحية، قبل أن يتوسع حضوره السياسي بصورة كبيرة خلال عهد محمود أحمدي نجاد.
أما أوضح تجليات هذا التداخل، وخصوصًا في السياسة الخارجية، فقد ظهرت عبر محطتين ارتبطتا بمحمد جواد ظريف.
تمثلت الأولى في استقالته عام 2019، عقب استبعاده بالكامل من الزيارة المفاجئة التي أجراها الرئيس السوري في حينه بشار الأسد إلى طهران. وكانت الصورة الأكثر دلالة هي جلوس قاسم سليماني إلى جانب المرشد في الموقع الذي يفترض أن يشغله وزير الخارجية. وقد قال ظريف إنه فقد، بعد تلك الصور، مصداقيته أمام العالم، فيما أرجع إصلاحيون الأمر إلى تدخل جهات غير خاضعة للمساءلة في السياسة الخارجية.
وزادت دلالة المشهد عندما تدخل سليماني نفسه لاحتواء الأزمة، مؤكدًا أن ظريف هو المسؤول عن السياسة الخارجية ويحظى بدعم المرشد، في تأكيد غير مباشر على طبيعة العلاقة القائمة. وينسجم ذلك مع شهادة أقدم لهاشمي رفسنجاني، الذي أقر بأن قوة القدس قيدت عمل وزارة الخارجية في ملفات العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان واليمن.
أما المحطة الثانية، فجاءت مع التسجيل الصوتي المسرّب عام 2021، الذي قال فيه ظريف إن “الميدان العسكري هو الحاكم في الجمهورية الإسلامية”، وإنه ضحى بالدبلوماسية لصالح الميدان، واصفًا دوره في صناعة السياسة الخارجية بأنه كان يصل أحيانًا إلى “الصفر”، كما اتهم سليماني بمحاولة تقويض الاتفاق النووي لعام 2015.
وأظهرت الواقعتان حجم نفوذ الحرس في الملفات الإقليمية، كما أبرزتا دور المرشد بوصفه ضابطًا للتوازنات. فعندما رد خامنئي على تصريحات ظريف، أكد أن السياسة الخارجية تُصنع في مجلس الأمن القومي الأعلى، بينما تتولى وزارة الخارجية تنفيذها فقط. وفي المحصلة، بدت الملفات الحساسة تُدار عبر محور المرشد–الحرس–قوة القدس أكثر من المؤسسات المنتخبة.
وفي الداخل، استمرت اتهامات المعارضين للحرس بالتدخل في الانتخابات الرئاسية، سواء عبر التأثير في استبعاد المرشحين أو توجيه شبكات الحرس والباسيج لدعم شخصيات محددة. وتبقى انتخابات عام 2009 أبرز هذه المحطات، بعدما أُعلن فوز أحمدي نجاد بنسبة تقارب 63% وسط اتهامات واسعة بالتزوير.
واتهم المرشح الإصلاحي مهدي كروبي الحرس والباسيج بالتعاون مع مجتبى خامنئي لتزوير النتائج، ما فجّر الحركة الخضراء، أكبر موجة احتجاجات شهدتها إيران منذ الثورة، قبل أن يتولى الحرس والباسيج قمعها، في مشهد كرّس أولوية المؤسسة الأمنية المرتبطة بالمرشد على الإرادة الشعبية.
وتكشف هذه المحطات مسارًا واضحًا؛ فكلما توسع نفوذ الحرس اقتصاديًا وعسكريًا، اتسع هامش تدخله السياسي. ومع ذلك، بقي خامنئي قادرًا على إدارة هذا التمدد ومنع تحوله إلى صراع داخلي مفتوح، بفضل قدرته على أداء دور الحَكَم بين مراكز القوى المختلفة.
الجمهورية الثالثة: حين أنتجت الحرب نقيض غايتها
انطلقت الحملة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026 بهدف معلن يتمثل في تغيير النظام عبر استهداف رموزه الكاريزمية والأمنية، وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي الذي اغتيل في اليوم الأول، إلى جانب قادة الحرس الثوري والباسيج.
كان الرهان يقوم على تفكيك العمود الفقري للنظام وفتح المجال أمام قوى أخرى لتولي السلطة، وهو ما عبّر عنه دونالد ترامب صراحة في 24 مارس/آذار حين قال إن واشنطن وتل أبيب نجحتا في إحداث تغيير في النظام لأن “القادة جميعهم مختلفون الآن”.
لكن النتائج جاءت معاكسة تمامًا؛ فبدل أن تفتح الاغتيالات المجال أمام المعارضة أو الإصلاحيين، أفرزت قيادة أكثر تشددًا وعداءً للولايات المتحدة و”إسرائيل”، وجميعها تنتمي إلى خلفية مرتبطة بالحرس الثوري. وهكذا، تحولت الحملة التي استهدفت تفكيك النظام إلى عملية أزالت عناصر التوازن داخله وسلمت السلطة إلى نواته الأمنية الأكثر صلابة.
العامل الحاسم كان الخطر الوجودي الذي استشعره الإيرانيون؛ فخطاب تغيير النظام، مقرونًا بالدعوات الأمريكية والإسرائيلية لتفكيك الجغرافيا الإيرانية ودعم الأقليات الانفصالية، نقل الحرب في الوعي الجمعي من مواجهة مع النظام إلى مواجهة مع الدولة نفسها. فقد دعت صحيفة جيروزاليم بوست إلى تبني مشروع لتقسيم إيران، كما روّجت بعض المؤسسات البحثية الأمريكية لفكرة استثمار التنوع العرقي الإيراني بوصفه نقطة ضعف.
غير أن هذه المقاربة أيقظت النزعة القومية الإيرانية وأنتجت ظاهرة “الالتفاف حول العلم”، حتى في مناطق مثل أذربيجان الإيرانية المنخرطة بعمق في الهوية الوطنية، وهو ما تعكسه حقيقة أن علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان ينحدران من أصول أذرية. كما امتد هذا الالتفاف إلى جزء من التيار الإصلاحي، بعدما تقدمت أولوية البقاء الوطني على الصراع الداخلي.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية أكبر إذا ما قورنت بالسياق السابق للحرب؛ فقبل أشهر قليلة فقط، شهدت إيران احتجاجات ديسمبر/كانون الأول 2025 – يناير/كانون الثاني 2026، وهي الأكبر منذ الثورة الإسلامية، وقُمعت بعنف أوقع آلاف القتلى. أي أن مجتمعًا كان على حافة مواجهة مفتوحة مع النظام عاد ليلتف حوله عندما أصبح التهديد وجوديًا وخارجيًا.
وفي موازاة ذلك، برز تحول جوهري في موقع المرشد نفسه. فمجتبى خامنئي، الذي دفع قادة الحرس وفي مقدمتهم أحمد وحيدي مجلس الخبراء إلى اختياره، يختلف عن والده؛ إذ يميل إلى التكامل مع الحرس بوصفه قاعدة سلطته الأساسية، على حساب الحوزات ومؤسسات الدولة. وبحسب توصيف وكالة رويترز، يمثل مجتبى “رمز موافقة لا رمز أمر”، ما يعني غياب المرشد القادر على إدارة التوازنات بين مراكز القوى.
وبالتوازي مع ذلك، انتقل القرار الفعلي إلى محور المرشد–الحرس. فرغم أن الواجهة التفاوضية مع واشنطن تمثلت في رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، فإن القرار الحقيقي بات يُنسب إلى المرشد وقائد الحرس أحمد وحيدي، الذي تشير تقييمات استخبارية أمريكية إلى أنه يشارك مباشرة في صناعة القرارات العسكرية والسياسية.
وتجسد هذا التحول بصورة أوضح في تعيين محمد باقر ذو القدر أمينًا لمجلس الأمن القومي الأعلى خلفًا لعلي لاريجاني الذي اغتيل في السابع عشر من مارس/آذار. فقد كان لاريجاني يمثل أحد أهم عناوين التوازن داخل النظام، بينما ينتمي خلفه بالكامل إلى مدرسة الحرس الثوري، وقد جرى تعيينه، وفق التقارير، بضغط مباشر من قادة الحرس وبموافقة مجتبى خامنئي.
وثمة دليل إجرائي آخر على انتقال مركز القرار؛ فعندما أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي إعادة فتح مضيق هرمز، سارع الحرس في اليوم التالي إلى إعلان إغلاقه مجددًا، متجاوزًا المؤسسة الدبلوماسية بصورة علنية.
كما امتدت الهيمنة إلى الجبهة الداخلية، بعدما توسع دور الباسيج في إدارة الملف الأمني، وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الطاقة التعبوية والتدريبية للحرس تتجاوز 220 ألف فرد سنويًا، ما جعله يهيمن على الردع الخارجي والضبط الداخلي معًا. ويعزز ذلك ارتفاع موازنة الأمن التي طرحها الرئيس بزشكيان قبل الحرب بنحو 150%، في مؤشر مبكر على تصاعد أولوية البعد الأمني.
من دولة الحوزات إلى دولة الحرس
تكشف التحولات التي راكمتها إيران على امتداد أربعة عقود، وتسارعت بصورة حاسمة بعد حرب 2026، عن انتقال تدريجي في مركز الثقل داخل النظام؛ من دولة استندت في شرعيتها إلى الحوزات الدينية والمرجعية العقائدية، إلى دولة يتصدر الحرس الثوري بنيتها السياسية والأمنية والاقتصادية.
فالحرب التي استهدفت تفكيك النظام أزالت جزءًا كبيرًا من التوازنات التي حكمته لعقود، وعززت اندماج المرشد الجديد مع الحرس، ومنحت الأخير شرعية إضافية لتوسيع نفوذه داخليًا وخارجيًا. وبذلك، تبدو “الجمهورية الثالثة” أقرب إلى نموذج ذي ملامح عسكرية–سلطوية، تتراجع فيه أدوار المؤسسات الدينية والمدنية لصالح النواة الأمنية التي أصبحت تمسك بمفاصل القرار.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على إعادة تشكيل السلطة داخل إيران، إذ يمتد إلى طبيعة سلوكها الإقليمي ومستقبل علاقتها بخصومها، في ظل صعود مؤسسة نشأت لحماية الثورة وانتهت إلى أن تصبح التعبير الأقوى عن الدولة نفسها.