• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

محاكمتنا بقوانين الأسد: قضية حسان عقاد واختبار حرية التعبير في سوريا الجديدة

محمد بشير٢٠ يونيو ٢٠٢٦

الناشط والمخرج حسان عقاد

كان حسان عقاد جالسًا في مقهى بحي المالكي وسط دمشق، يتحدث إلى صحفيين أجانب عن سوريا الجديدة، مساء الأربعاء 17 يونيو/حزيران الجاري، حين دخل خمسة رجال بلباس مدني، لم يعرفوا عن أنفسهم، ولم يبرزوا مذكرة قضائية، واقتادوه إلى سيارة بانتظاره في الخارج.

يقول القاضي العام في دمشق حسام خطاب، في توضيح نشرته وزارة العدل الخميس، إن توقيف حسان عقاد جاء بناءً على ادعاء مقدّم من الصحافي موسى العمر بتهمة “القدح والذم والتشهير الإلكتروني”، مشيرًا إلى أن “تدقيق قيوده أظهر وجود إذاعة بحث صادرة عن النيابة العامة بحقه، إلى جانب عدة بلاغات مراجعة ناتجة عن شكاوى أخرى تتعلق بقضايا القدح والذم والتشهير الإلكتروني”.

وكان عقاد قد نشر فيديو في شوارع حمص يطالب فيه الإعلامي موسى العمر بسداد عشرة آلاف دولار تعهد بها لحملة “أربعاء حمص”، أي أنّ اعتقاله جاء لأنه طرح سؤالًا علنيًا في فضاء عام، عن مال عام، وبموجب قانون رقم 20 لعام 2022 الذي وقعه بشار الأسد قبل أشهر قليلة من سقوطه، ولم يلغ، ولم يعدل، ولم يجمد.

ويقول موسى العمر في تسجيل مصور إن عقاد شهّر به وآذاه، واعتبر في تسجيل مصور أن “حرية التعبير لا تعني التشهير. التشهير اغتيال جسدي”، ونفى أن يكون سبب دعواه ضد عقاد مرتبط بمطالبته بتعهداته، بل لأنه تعرض له بـ”تشهير سمعة”.

وحتى ساعة كتابة هذه السطور لم يكن قد أفرج عن عقاد، ويبحث هذا التقرير في أحقيّة المحاكمة الجنائية لناشط كل ما فعله هو أنه ساءل المتعهدين بدفع التبرعات عن مصير الأموال، حتى لو كانت طريقة مساءلته “مبتذلة” (والابتذال هي الحجة التي ساقها موسى العمر في تسجيله المصور كذريعة لتغيير موقفه من دعم حملة عقاد إلى محاكمته عليها)، كما نبحث في شرعية الإجراءات التي اتبعتها السلطات في اعتقال حسان وتعاملها مع الملف عمومًا.

ونحن هنا لا نبحث في سؤال: هل أخطأ حسان عقاد؟ بل: حين يخطئ مواطن في فضاء عام، بقضية عامة، هل تأتي إليه الدولة بخمسة عناصر، بعضهم ملثمون، في الليل، أم تحيله إلى قاضٍ مدني يفصل بين الضرر المستحق للتعويض، والرأي المحمي بالدستور؟

ما يقوله الخبراء

نبدأ بما كتبه عدد من المحامين والقانونيين السوريين في الساعات التالية للاعتقال، وسنرى أنها تكشف أعطاب إجرائية لا يستقيم معها وصف ما جرى بأنه “تطبيق قانون”.

يقول المحامي ميشيل شماس، في تشريح دقيق للملف، إن “الجرم المدعى به جنحة بسيطة، والمشكو منه معروف، والأدلة واضحة، ولا يوجد أي مبرر أو عنصر تقني يستدعي إحالة الشكوى إلى قسم الجرائم الإلكترونية”. الإجراء الصحيح، بحسبه، كان “استدعاء المشكو منه مباشرة ومعالجة الأمر دون إحالة” إلى قسم متخصص يفترض أن يتدخل في حالات بعينها: كشف هوية حساب مجهول، تحليل بيانات رقمية، استعادة محتوى محذوف. أما حين يكون المتحدِث معروفًا والفيديو منشورًا علنًا، فاللجوء إلى قسم الجريمة المعلوماتية ليس قانونًا، بل اختيارًا سياسيًا).

وكانت النيابة العامة أصدرت “إذاعة بحث” بحق عقاد “لضبط أقواله”، وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه شماس: هل يحتاج ضبط الأقوال إلى أكثر من 24 ساعة؟ بما أن الملف انتقل إلى عهدة النيابة منذ لحظة ختم الضبط، كان “الواجب على قسم الجرائم الإلكترونية ضبط الأقوال فورًا وإحالته للنيابة العامة دون أي إبطاء”، تأخير “ضبط الأقوال” — وهو إجراء يستغرق ساعات في أي نظام قضائي سليم — تحول في ملف عقاد إلى أيام، وكأن المطلوب ليس الحقيقة بل العقوبة الموازية.

يخالف الإعلان الدستوري.. هل اعتقال الناشط السوري حسان العقاد قانوني؟ خبير قانوني يجيب. pic.twitter.com/kwsvfB25QW

— نون سوريا (@NoonPostSY) June 18, 2026

بدوره، كتب القانوني إبراهيم حسين: “إن التوسع في إصدار إذاعات البحث خارج الحالات التي تستوجبها الضرورة الفعلية قد يؤدي إلى إفراغ هذا الإجراء من غايته القانونية، وتحوله من وسيلة استثنائية لحماية العدالة إلى إجراء روتيني يفتقد المبرر الموضوعي”.

أما المختص بالقانون الدولي المعتصم الكيلاني، فطرح في حديث مع “ألترا صوت”، الإشكال من زاوية حقوقية، وقال إنْ صحت المعلومات أن “العناصر التي قامت بالتوقيف رفضت التعريف عن نفسها ولم تبرز مذكرة توقيف”، فإن ذلك يطرح “شبهة مخالفة لمبدأ الشرعية الإجرائية الذي يقتضي أن يعلم الشخص الجهة التي تقيِد حريته والأساس القانوني لهذا الإجراء”.

ويضيف أن التصريحات المنسوبة إلى عقاد، إذا كانت تندرج ضمن “النقد المرتبط بالشأن العام أو تقييم أداء شخصيات عامة، فإن المعايير الدولية لحقوق الإنسان تمنح هذا النوع من التعبير حماية أوسع من تلك الممنوحة للخطاب المتعلق بالحياة الخاصة للأفراد  هذه ليست رفاهية حقوقية، بل مبدأ قانوني مستقر في أحكام لجنة حقوق الإنسان الأممية وفي المحاكم الدستورية حول العالم.

من جانبه، لاحظ المحامي عارف الشعال أن المشتكي صرح بنيته إسقاط حقه الشخصي “فور عودته إلى سوريا”، أي أنه “أرجأ هذا الإجراء عمدًا ليمضي المشكو عنه بضعة أيام في التوقيف، كـ(فركة أذن)”. ثم يستدرك: لو كانت النية حقيقية، “كان يمكنه ذلك على الفور عبر إرسال رسالة واتساب بسيطة إلى محاميه”. الشعال يقترح، لمنع تكرار ما جرى، حصر اللجوء إلى فرع مكافحة الجريمة الإلكترونية بحالات الخبرة الفنية فقط، وتقييد سلطة القبض المنصوص عليها في المادة 38/أ من القانون 20/2022 بقرار من المحامي العام حصرًا، وعلى الحوادث الجسيمة وحدها. غير ذلك، يقول، يتحول القضاء إلى “أداة ضغط أو وسيلة لتصفية حسابات شخصية، كأنه طوع بنان المقربين من السلطة.

أربعة قانونيين من خلفيات مختلفة، يصلون إلى الخلاصة نفسها: حتى لو كان قانون 20/2022 ساري المفعول حرفيًا، فإن تطبيقه على ملف كملف عقاد ينطوي على تجاوز فقهي وأخلاقي قبل أن يكون قانونيًا.

القانون الذي لم يرحل مع صاحبه

أصدر بشار الأسد قانون “الجرائم المعلوماتية رقم 20” في 18 نيسان/أبريل 2022، أي قبل أقل من سنتين من بدء انهياره. خمسون مادة، بعضها يجرِم القدح الإلكتروني بالحبس شهرين إلى ستة أشهر إذا كان موجهًا إلى مكلف بعمل عام، وبعضها أشد بكثير: المادة 27 تنص على الحبس بين سبع وخمس عشرة سنة وغرامة تصل إلى خمسة عشر مليون ليرة، لكل من نشر محتوى رقميًا “بقصد قلب نظام الحكم أو تغيير الدستور بطرق غير مشروعة” أو “النيل من هيبة الدولة والوحدة الوطنية”.

المركز الخليجي لحقوق الإنسان وصف القانون يوم صدوره بأنه “محاولة جديدة لقمع حرية التعبير على الإنترنت” وكان هذا بدهيًا في زمن الأسد، أما ما هو غير بدهيّ فأن يبقى هذا القانون، بمواده ذاتها وعباراته الفضفاضة ذاتها، حاكمًا للفضاء الرقمي السوري بعد سقوط من أصدره.

يقول المحامي شماس: “قانون الجرائم الإلكترونية أصدره بشار الأسد المخلوع بهدف تقييد حرية التعبير وتكميم أفواه الناس، لا بهدف حماية المجتمع. ومن غير المقبول أن يتحول قانون صمِم لقمع المواطنين إلى مرجع لتبرير إجراءات مبالغ فيها في قضايا رأي أو جنح بسيطة.”

في الفقه السياسي، يسمى هذا “الميراث القانوني للاستبداد”، تلك الطبقة من النصوص التي تتسلل من نظام إلى نظام، فتبقى نائمة في أدراج وزارات العدل، تستيقظ كلما احتاجها القاضي أو المشتكي أو المسؤول.

سوريا، إن أرادت أن تكون مختلفة، عليها أن تتعلم من حالات قريبة: تونس بعد 2011 ورثت قوانين بن علي القمعية، وبدلًا من أن تلغيها، أعاد قيس سعيد إنتاجها في “المرسوم 54” عام 2022، الذي يعاقب بخمس سنوات سجنًا على “نشر إشاعات أو أخبار كاذبة”، وهو ما رأى فيه رئيس نقابة الصحفيين التونسيين “وسيلة لتجريم الآراء” وأنه يفرض “رقابة ذاتية بين الإعلاميين”، ومصر أصدرت في 2018 قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الذي يعطي السلطة صلاحية حجب أي موقع يعتبر “تهديدًا للأمن القومي”.. والأمثلة عديدة.

ما الذي يعِد به الإعلان الدستوري؟

في 13 آذار/مارس 2025، وقع الرئيس أحمد الشرع الإعلان الدستوري الانتقالي.

تنص المادة 13 بوضوح: “تكفل الدولة حرية الرأي والتعبير، والإعلام والنشر والصحافة.” وتؤكد المادة 17 أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، وأن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات”. وتحرِم المادة 18 الاعتقال التعسفي وتلزم بأن يكون كل توقيف بقرار قضائي، باستثناء حالة التلبس. ثم تذهب المادة 12 إلى أبعد من ذلك، وتدرج المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها سوريا في صلب المنظومة الدستورية، أي أن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية صار، نظريًا، جزءًا من القانون السوري الأعلى.

وفي أهم المواد بالنسبة لقضيتنا، تنص المادة 48 على أن الدولة “تمهِد لتحقيق العدالة الانتقالية من خلال إلغاء جميع القوانين الاستثنائية التي ألحقت ضررًا بالشعب السوري وتتعارض مع حقوق الإنسان.”

هذا نص لا يحتمل التأويل، وقد التقطه المحامي عبد الرحمن العبد الله بدقة حين نشر مواد الإعلان الدستوري المتعلقة بالحقوق والحريات، إلى جانب المادة 48، تعليقًا صامتًا ولكنه بليغ على ما جرى مع عقاد، وكأنه يريد ان يقول إن المواد 12 و13 و17 و18 و48 من الإعلان الدستوري موجودة جنبًا إلى جنب في النص، لكنها معطلة في الممارسة. قانون الجرائم المعلوماتية 20/2022 صادر عن نظام الأسد، ووصْفه بـ”الاستثنائي المتعارض مع حقوق الإنسان” ليس اجتهادًا من شباب الثورة، بل توصيف منظمات حقوقية دولية قبل سقوط النظام بسنوات، منطق الدستور يقتضي إلغاءه، لكنه لم يلغ.

ثمة شرخ صغير في الجدار الدستوري اسمه المادة 23، التي تجيز “إخضاع ممارسة الحقوق لقيود تشكل تدابير ضرورية للأمن الوطني، أو السلامة العامة، أو حماية النظام العام، أو منع الجريمة.” هذه لغة معروفة لكل من يقرأ الدساتير العربية: بنود “السلامة العامة” و”الآداب العامة” هي البوابة التي تدخل منها الاستثناءات حتى تغرق القاعدة.

في الديمقراطيات الراسخة، يضبط القضاء المستقل هذه المواد عبر “اختبار التناسب” (Proportionality Test): هل القيد ضروري؟ متناسب؟ أقل القيود الممكنة؟ هل يخدم هدفًا مشروعًا؟ في غياب محكمة دستورية فاعلة، تبقى المادة 23 خنجرًا معلقًا، يمكن لأي نائب عام أن يلتقطه. في حالة عقاد، لم يحتجْ النائب العام أن يلتقطه أصلًا؛ القانون الأسدي كان جاهزًا وأقصر طريقًا.

وعد الرئيس والاختبار

سئل الرئيس أحمد الشرع  في حوار علني، عن حرية الإعلام في سوريا، فلم يقدِم تصريحًا مقتضبًا، بل عرض فلسفةً كاملة في مقاربة الحرية في المرحلة الانتقالية، تستحق القراءة بتأنٍ لأنها تكشف الإطار الذي يفكِر فيه أعلى مسؤول في الدولة.

بدأ الرئيس بتذكير دستوري مهم: “القانون ليس أنا الذي أضعه في الدولة”، بل مجلس الشعب والقانونيون والمختصون، وأن “لكل منطقة تعريفًا يختلف عن الأخرى” حين يتعلق الأمر بالحريات السياسية والإعلامية، هذا تأطير ينقل المسؤولية من فرد إلى مؤسسات، وهو في ذاته أمر يحسب للرئيس الشرع. ثم انتقل إلى توصيف اللحظة “في حرية كثير واسعة إعلامية، بس في فوضى كمان بنفس الوقت، بفوضى كثير كبيرة”، وهذا اعتراف لا يصدر عادةً عن رؤساء انتقاليين، لكن تشخيص “الفوضى” بمضامينها التي عددها؛ تهجم طائفي، استهزاء بمقدسات الناس، تصوير أحداث أمنية حساسة، إهانة المسؤولين.. يفتح بابًا تشريعيًا يستحق التأمل.

هنا يتمايز الإطار الذي يقدمه الرئيس عن إطار الإعلان الدستوري، فالإعلان وعد بإلغاء القوانين الاستثنائية (المادة 48) وبكفالة حرية التعبير (المادة 13)ن لكن الرئيس، في المقابل، يطرح أن مرحلة بناء الدولة تستدعي قوانين خاصة “ليست هي المعتمدة طول الحياة”، وأن على الناس أن يتعلموا “ثقافة ممارسة الحريات” قبل أن يتمدد سقفها. هذه فلسفة دفاعها الأخلاقي ممكن: لا حرية بلا ثقافة تحْكمها، لكنها فلسفة سياسية فيها مخاطر، إذ إن كل سلطة تقول لشعبها “تعلموا أولًا” تحتفظ ضمنًا بحق تعريف “لحظة التخرج” إن صحت العبارة.

“تم توقيف حسان العقاد بدمشق إثر شكاوى متعددة”.. قال المحامي العام بدمشق حسام خطاب إن توقيف الناشط حسان العقاد جاء على خلفية شكوى مقدمة من موسى العمر تتعلق بالتشهير الإلكتروني، موضحًا أن العقاد لم يراجع فرع الجرائم الإلكترونية رغم تبليغه عدة مرات.

وأضاف خطاب أن تدقيق الأوراق… pic.twitter.com/DVEpd0IB87

— نون سوريا (@NoonPostSY) June 18, 2026

وفي صلب جوابه، يطرح الشرع تعريفه الخاص للحرية الإعلامية: “الحريات لما تراد أن تمارس، ما هي غاية في ذاتها بقدر ما يجب أن تصل إلى أهداف، منها: تقويم للسلطة، تقويم للدولة، إيصال أفكار ناجحة، نقل التجارب”. هذا تعريفٌ وظيفي للحرية، أي أنه اعتبرها مجرد أداة، لا حق في ذاته. هنا تحديدًا ينشأ التوتر مع التقليد الدستوري الحديث الذي يصونه الإعلان السوري نفسه: حرية التعبير، في النصوص الدستورية وفي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، حق أصيل لا تتوقف مشروعيته على نجاحه في “إيصال أفكار ناجحة”. المواطن الذي يسب ويتذمر ويخطئ، يبقى صاحب حق.

ويذهب الرئيس أبعد حين يدعو النخب إلى التركيز على “الاستراتيجيات الكبرى” بدل التفاصيل، وإلى “مساحة ثقة” مع المسؤولين تمنع “تجريبهم كل يوم”، وقد يكون لهذا المنطق وجاهة في إدارة الأزمات، لكنه يحمل خطرًا تأسيسيًا، لأنه إذا صار النقد التفصيلي من قبيل مَن دفع، ومَن قبض، وأين ذهبت العشرة آلاف دولار؟.. يُصنّف خارج الفضاء المشروع، فإن هامش المساءلة الحقيقي ينكمش إلى عناوين عامة لا تحاسب أحدًا. حملة “هاتو الفلوس” التي قادها عقاد لم تكن نقدًا للأهداف الاستراتيجية، بل ممارسةً حرفية لما يصفه الرئيس نفسه بـ”تقويم السلطة”، فإن لم تكن هذه الممارسة محمية، فأي ممارسة تكون؟

وما يجعل ملف عقاد محرجًا بشكل خاص أنه ليس الأول. قبل أسابيع، رفعت محافظة دمشق دعوى تشهير ضد ياسر عباس (الناطق باسم حملة إلغاء المرسوم 66) والمهندس إبراهيم شيخ الشباب (ممثل المتضررين من مشروع “ماروتا سيتي” في حي المزة)، بتهم تتدرج من “التشهير بالمحافظ” إلى “إهانة السلطات العامة” و”التحريض على التظاهر”، أفرج عنهما بكفالة بعد وساطة وجهاء. لكن من يقرأ النمط، يرى ما يراه الباحث حايد حايد حين كتب: “إذا كان الناشطون آمنين فقط عندما يتراجع محافظ، أو تختار شخصية عامة عدم التصعيد، أو تنجح وساطة، فلا تكون حريتهم حقيقية، بل تغدو مجرد إذن مشروط”.

العالم ألغى التشهير الجنائي

في الفقه الدولي لحرية التعبير، ثمة قاعدة مستقرة منذ عقود: التشهير الجنائي قيد غير مبرر على حرية التعبير. هذا ما قاله المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير، مع نظيريه في OSCE وOAS، في إعلان مشترك صدر عام 2002، وكرروه في إعلانات لاحقة.

ويقوم هذا على فكرة بسيطة، وهي أن الضرر الناتج عن التشهير ضرر مدني بطبيعته، تعويضه المالي مناسب وكافٍ. أما السجن، فهو عقوبة قاسية تنشئ “أثرًا تبريديًا” (chilling effect) على فضاء النقاش العام كله، بمن فيهم من لم يلاحق قط، لأنه يعرِف لهم سقفًا غير مرئي يصمتون تحته.

في الولايات المتحدة مثلًا، حسمت المحكمة العليا الأمر منذ 1964، في قضية نيويورك تايمز ضد سوليفان، حين أرست قاعدة “النية الفعلية” (actual malice)، ومفادها أنه “لا يحق لمسؤول عام أن يكسب دعوى تشهير ضد منشور صحفي إلا إذا أثبت أن ناشر المحتوى كان يعلم بكذبه، أو تجاهل التحقق منه تجاهلًا صارخًا”. ما فعلته هذه القاعدة هو تحويل عبء الإثبات من الناشر إلى المشتكي العام، فأطلقت يد الصحافة الأمريكية في مساءلة السلطة لعقود.

وفي ألمانيا، يبقى التشهير جناية بموجب المادة 185 من قانون العقوبات، لكن المحاكم تطبق اختبار موازنة صارمًا بين حرية التعبير (المادة 5 من الدستور) وكرامة الإنسان (المادة 1)، ويندر أن يسجن أحد بسبب رأي تجاه شخصية عامة. النموذج الألماني ليس مثالًا يحتذى حرفيًا، لكنه يظهر أن وجود مادة تشهير لا يكفي وحده لخنق التعبير؛ المهم هو القاضي، والثقافة القانونية، والقضاء المستقل.

الأسئلة التي على سوريا أن تجيب عنها قبل أن تتأخر

في الفترة الانتقالية يجب أن تحدد الأعراف قبل أن تكتب القوانين، فالقاضي الذي يقبل اليوم شكوى تشهير بحق ناشط، يؤسِس عرفًا سيلاحق الجميع، والمشتكي الذي يلجأ اليوم إلى قانون 20 ضد خصمه، يفتح بابًا سيدخل منه خصمه غدًا، والحكومة التي تترك الأمر للوساطات بدل النص، تعلن أن الحرية في سوريا تحت رحمة العلاقات، لا تحت سلطة القانون.

وباعتقادي، بناء على ما تقدم، ثمة خمسة أسئلة يجب أن نطرحها وأن تجيب عنها الحكومة الانتقالية:

  1. متى يلغى قانون الجرائم المعلوماتية 20/2022؟ وقد أقرّت المادة 48 من الإعلان الدستوري إلزامية إلغائها.
  2. هل ستلغي سوريا تجريم التشهير الجنائي، تماشيًا مع المعيار الأممي، وتحيله إلى القضاء المدني؟ وهل ستتبنى صراحةً قاعدة “النية الفعلية” للمسؤولين العامين.
  3. هل تصدِر وزارة العدل تعميمًا عاجلًا -كما اقترح عدد من المحامين السوريين- يقيِد إحالة قضايا الرأي إلى قسم الجرائم الإلكترونية، ويحصرها بحالات الخبرة الفنية فقط؟ هذا ممكن اليوم بالمناسبة، حتى قبل أن ينضج النص التشريعي الجديد.
  4. متى يصدر قانون صحافة ونشر جديد، يحمي الصحفيين والناشطين الإعلاميين، ويحدد بدقة نطاق “السر المهني” و”حماية المصادر” و”الرد” و”التصحيح”؟
  5. متى تؤسس محكمة دستورية مستقلة، تستطيع أن تلغي المواد القانونية التي تتعارض مع الإعلان الدستوري؟ من دونها، لا قيمة عملية للمواد 12 و13 و17 و48.

كل يوم تتأخر فيه الإجابة عن هذه الأسئلة، تترسخ ممارسة قانونية وقضائية تشبه عهد الأسدية، تجعل التراجع لاحقًا أصعب.

سوريا الجديدة تكتب اليوم، لا تكتب بخطاب الرئيس ولا ببيان الحكومة ولا حتى بنص الإعلان الدستوري؛ بل بتراكم القرارات الصغيرة في المحاكم، والقضاة، والوسطاء، والمشتكين، والمحرِرين الذين يقررون أن يكتبوا أو يصمتوا، كل قرار من هذه القرارات يضيف لبنة، بعضها يبني سوريا التي وعدتْها مساجدها وشوارعها وساحاتها، وبعضها يعيد رسم الدولة القديمة بأقلام جديدة.

علاماتالثورة السورية ، الحقوق والحريات ، الشأن السوري ، حقوق الإنسان ، سوريا.. صفحة جديدة
مواضيعالثورة السورية ، الشأن السوري ، حقوق الإنسان ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

سياسة

اتصالات واشنطن بالمعارضة الإسرائيلية.. رسالة ضغط أم ترتيب لما بعد نتنياهو؟

عماد عنان٢٠ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

بحماية “إسرائيل” وخبرة الفلول.. كيف أصبحت السويداء بؤرة الكبتاغون الأخيرة؟

فتون استانبولي٢٠ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

من دولة الحوزات إلى دولة الحرس: كيف أعادت الحرب تشكيل إيران؟

أحمد الطناني٢٠ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑