• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ماذا تكشف حفنة من القطع المعدنية عن إمبراطوريات أفغانستان المنسية؟

شبنم نسيمي٢١ يونيو ٢٠٢٦

رسم توضيحي من تصميم جوانا أندرياسون 

ترجمة وتحرير: نون بوست

كانت العملات أصغر مما توقعت. كان ذلك هو انطباعي الأول بينما كانت أمينة المتحف تضع بحذر صينية مبطنة بالمخمل على الطاولة في غرفة الدراسة بالمتحف البريطاني.

انتظرت ثلاثة أسابيع كاملة من أجل هذا الموعد؛ أمضيتها في ملء الاستمارات، وشرح اهتماماتي البحثية، وتقديم المراجع المطلوبة. وكل هذا الجهد من أجل رؤية مجموعة أثرية تعود ملكيتها في الأصل إلى ألكسندر بيرنز، وهو ضابط ودبلوماسي اسكتلندي جاب أفغانستان في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

كان بيرنز مكلفًا برسم خرائط الأراضي وتوثيق الشعوب لصالح شركة الهند الشرقية، وذلك في وقت كانت فيه ملامح اللعبة الكبرى بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية قد بدأت تتشكل للتو. لطالما كنت مفتونة بشخصية بيرنز، حتى أنني أطلق عليه لقب لورانس أفغانستان، رغم أنه سبقه بقرن من الزمان وواجه نهاية أكثر دموية وبشاعة، حين قُتل بوحشية على يد حشد غاضب في العاصمة كابول عام 1841. ولكن لم يكن بيرنز نفسه ما دفعني للمجيء إلى هنا اليوم، بل ما كان يحمله في جيوبه. 

وأشارت أمينة المتحف، وهي سيدة ذات صوت هادئ متخصصة في علم العملات في منطقة آسيا الوسطى، بيدها المغطاة بقفاز نحو القطع المعدنية. وأوضحت قائلة إن بيرنز جمع هذه العملات خلال رحلاته التي شملت مناطق السند وكابول وبلخ وبخارى، مشيرة إلى أن معظمها قد حصل عليه بين عامي 1831 و1838.

وتضم المجموعة حوالي 25 عملة معدنية، رُتبت بتسلسل زمني من اليسار إلى اليمين. في البداية؛ لفتت الأحرف اليونانية انتباهي، تلتها الأبجدية البخترية، وهي لغة إيرانية شرقية كُتبت بأبجدية يونانية معدلة، واستُخدمت في شمال أفغانستان وجنوب آسيا الوسطى من القرن الأول حتى القرن التاسع الميلادي تقريبا.

وبعدها الكتابة البهلوية، وهي الأبجدية المشتقة من الآرامية للغة الفارسية الوسطى، والتي استُخدمت تقريبا من القرن الثاني قبل الميلاد حتى القرن العاشر الميلادي، وكانت تمثل الكتابة الرسمية للإمبراطورية الساسانية.

وتتنوع خامات هذه العملات؛ فبعضها صُنع من الذهب، وأغلبها من الفضة، بينما صُنع عدد قليل منها من البرونز أو النحاس. وتآكلت حواف الكثير منها حتى باتت ملساء، وأصبح من الصعب قراءة النقوش المحفورة عليها.

هذه ليست قطعًا نادرة محفوظة في الخزائن، بل عملات حية تناقلتها الأيادي، واشترت الخبز والخيول، ودفعت أجور العبور عبر السلاسل الجبلية الوعرة، وسافرت على طول الطرق التجارية الممتدة لتربط البحر الأبيض المتوسط بالصين.

وما يثير دهشتي حقاً هو الثقل المعنوي والتاريخي الذي تمثله هذه الأقراص المعدنية الصغيرة، ليس بقيمتها النقدية، بل بالحضارات التي تحمل شفراتها وتختزلها؛ فكل قطعة منها تمثل جزءا من إمبراطورية، وتوثق لحظة تدفقت فيها القوة والثقافة عبر أرجاء المنطقة التي نطلق عليها اليوم اسم أفغانستان.

غير أن معظم هذه الإمبراطوريات، كالإمبراطورية اليونانية البخترية، والكوشانية، والبارثية، والساسانية، ولا تكاد توجد في الذاكرة الشعبية إلا كهوامش عابرة، هذا إن وُجدت أصلًا. فعندما نتحدث عن أفغانستان اليوم، يتركز حديثنا على حركة طالبان، أو الغزو السوفييتي، أو الانسحاب الأمريكي.

بيد أن هذه العملات تروي قصة مغايرة تمامًا، قصة تعقد كل السرديات المبسطة أو السطحية حول المنطقة، وتحكي أمجاد مكان لعب يومًا ما دورًا مركزيا في المنطقة، ولم يكن على الهامش. مكان كان يمثل ملتقى للطرق الثقافية والتجارية، وليس مجرد منطقة نائية ومنسية، وأرضًا نهضت فيها إمبراطوريات وسقطت أخرى، تاركة بصماتها الخالدة على قطع من المعدن.

وكان ألكسندر بيرنز يبلغ من العمر 26 عامًا عندما وطأت قدماه أرض أفغانستان لأول مرة في عام 1831،وكان قد جاء ظاهريًّا لقيادة مهمة هدفها إيصال هدايا من الملك ويليام الرابع إلى المهراجا رانجيت سينغ في مدينة لاهور، وهو مؤسس إمبراطورية السيخ التي هيمنت مملكتها في البنجاب على الطريق البري الرابط بين الهند البريطانية وأفغانستان.

ولكن هدفه الحقيقي، كما كان واضحًا للجميع، هو الاستطلاع وجمع المعلومات؛ فقد كانت شركة الهند الشرقية تتوق للحصول على معلومات استخباراتية دقيقة حول الأراضي الواقعة ما وراء نهر السند، ومسارات الطرق المؤدية إلى آسيا الوسطى، ومدى قوة الحكام المحليين، فضلاً عن تقييم احتمالات التمدد والنفوذ الروسي.

وكان بيرنز الشخص المثالي لتولي هذه المهمة، فقد كان شابًّا لامعًا وطموحًا، يجيد اللغتين الفارسية والهندوستانية بطلاقة، ويمتلك ذلك المزيج الاستثنائي الذي يجمع بين الفضول المعرفي الصادق والحسابات الإمبراطورية البراغماتية، وهي صفات ميزت أفضل وأكفأ الضباط السياسيين في الشركة.

وسافر بيرنز مرتديًا الزي الأفغاني التقليدي، واتبع العادات المحلية، وكتب بإسهاب وتفصيل عن الشعوب التي التقى بها، مبديًا الكثير من الاحترام والانبهار. وقد حقق كتابه الصادر عام 1834، بعنوان “رحلات إلى بخارى”، مبيعات هائلة ليصبح من أكثر الكتب رواجًا في العاصمة لندن. وكان الكتاب يزخر بوصف حي ونابض للأسواق الشعبية والممرات الجبلية، وحوارات شيقة دارت مع التجار ورجال الدين. وتقديرًا لجهوده، مُنح بيرنز لقب فارس وهو في الحادية والثلاثين من عمره، وقلدته الجمعية الجغرافية الملكية ميداليتها الذهبية، حتى بات يُقارن بالرحالة الشهير ماركو بولو.

غير أن بيرنز كان في الآن ذاته يرسم خرائط دقيقة للأراضي تمهيدًا لغزوها، ويقيّم مكامن الضعف العسكرية، ويجند شبكات من المخبرين. وعندما اتخذت الإمبراطورية البريطانية قرارها بغزو أفغانستان عام 1839 لتنصيب حاكم يدين لها بالولاء، كان بيرنز في قلب الحدث، حيث تقلد منصب كبير المسؤولين السياسيين في كابول.

وبعد مرور عامين؛ عندما انهار الاحتلال وساءت الأمور، كان بيرنز من أوائل الذين لقوا حتفهم، وأُحرق منزله بالكامل، وشُوهت جثته بوحشية. وبذلك، أُسدل الستار على مغامرته التي دامت عقدًا كاملًا في الأراضي الأفغانية.

وتكشف العملات المعدنية التي جمعها بيرنز عن هذا التناقض والتجاذب بين فضوله الفكري الصادق من جهة، ونزعته الإمبراطورية القائمة على الاستغلال والنهب من جهة أخرى. وقد ابتاع بعض العملات من التجار في الأسواق الشعبية، وتلقى بعضها الآخر كهدايا من الحكام المحليين، وربما استخرج بنفسه بعضا منها من المواقع الأثرية. وقد دأب على تدوين ملاحظات دقيقة حول مكان العثور على كل عملة، وما تجسده من نقوش، وما يمكن أن تكشفه عن التاريخ الخفي للمنطقة.

وفي الرسائل التي كان يبعث بها إلى وطنه، كتب بحماس وشغف بالغين عن اكتشافه أدلة تثبت وجود ممالك يونانية قديمة في آسيا الوسطى، وتأثيرات بوذية راسخة، وشبكات تجارية معقدة كانت تربط في الماضي بين البحر الأبيض المتوسط والصين.

ومع ذلك، كان بيرنز يقوم حرفيا بتكديس التراث الأفغاني في جيوبه، منتزعا هذه القطع الأثرية الثمينة من سياقها التاريخي والجغرافي ليرسلها إلى لندن، حيث ينتهي بها المطاف ضمن مقتنيات المتاحف.

وتبدو المفارقة هنا واضحة وساخرة إلى حد بعيد؛ فهو رجل سخّر جهده لتوسيع رقعة السيطرة الإمبراطورية البريطانية على أفغانستان، وهو ذاته من كان يكشف عن أدلة تثبت التاريخ الطويل للمنطقة في مقاومة السرديات الإمبراطورية المبسطة. 

إن العملات التي جمعها لا ترسم خريطة جغرافية فحسب؛ بل ترسم ملامح تاريخ أقدم وأكثر تعقيدًا من تلك اللعبة الكبرى التي كان يخوض غمارها. كانت توثق طبقات متراكمة من الإمبراطوريات، ومسارات لطرق تجارية، وحالات من التبادل والاندماج الثقافي، مما يعقّد أي محاولة لتعريف أفغانستان ضمن قالب بسيط واحد.

العملة الأولى التي ظهرت على الصينية المخملية كانت عملة يونانية بخترية تعود إلى أواخر القرن الثالث قبل الميلاد. وأشارت إليها أمينة المتحف بحرص شديد، موضحة أنها عملة فضية من فئة الدرهم الرباعي، ويظهر على أحد وجهيها رأس رجل يعتمر عصابة ملكية في صورة جانبية. 

وقالت أمينة المتحف إن هذا الرجل هو يوثيديموس الأول، مبينة أن بيرنز عثر على هذه القطعة في مدينة بخارى. وحكم يوثيديموس منطقة باختريا في الفترة الممتدة تقريبا بين عامي 230 و200 قبل الميلاد، ونجح في الدفاع عن مملكته ببسالة ضد أنطيوخوس الثالث، الملك السلوقي الذي حاول غزو المنطقة. ويُعد يوثيديموس من أهم الحكام اليونانيين البختريين، حيث أرسى دعائم سلالة حاكمة استمرت لأجيال متعاقبة.

تأملتُ العملة طويلاً، محاولةً تخيل تلك الأيادي التي تداولتها قبل أكثر من ألفي عام. كانت الأحرف اليونانية المنقوشة حول حافتها لا تزال واضحة ومقروءة، وتحمل عبارة تشير لـ”الملك يوثيديموس”. ويُظهر النقش رجلاً بملامح قوية، شُد شعره بعصابة رأس ملكية، في حين يظهر على الوجه الآخر للعملة البطل الأسطوري هرقل جالسًا على صخرة ممسكًا بهراوته، وقد رُسم بأسلوب الفن اليوناني الكلاسيكي. 

رحلة هذه العملة، منذ أن تم صكها في باختريا القديمة، مرورًا بأسواق بخارى في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى متحف في لندن في القرن الحادي والعشرين، تجسد بوضوح طبقات التاريخ العميقة التي تحتويها هذه القطعة الفضية الصغيرة.

وانبثقت الممالك اليونانية البخترية من رحم تفكك إمبراطورية الإسكندر الأكبر عقب وفاته في عام 323 قبل الميلاد. وفي حين يعرف معظم الناس تاريخ السلالة البطلمية في مصر أو الإمبراطورية السلوقية في سوريا، فإن قلة قليلة فقط تتذكر أن اليونانيين أسسوا أيضًا ممالك في آسيا الوسطى، وتحديدا في المنطقة التي أطلق عليها اليونانيون اسم باختريا، والتي تضم اليوم تقريبا شمال أفغانستان وجنوب أوزبكستان. لم تكن هذه الممالك مجرد بؤر عسكرية نائية، بل كانت دولا هلينستية متطورة، تزخر بالمدن، ودور صك العملات، والشبكات التجارية، وتقدم نموذجًا مذهلًا لاندماج الثقافتين اليونانية والمحلية.

كان يوثيديموس مغتصبا للسلطة؛ فهو يوناني ينحدر من مدينة مغنيسيا، استولى على الحكم في عام 230 قبل الميلاد تقريبًا. وعندما غزا أنطيوخوس الثالث منطقة باختريا في عام 208 قبل الميلاد في محاولة لإعادة فرض السيطرة السلوقية، صمد يوثيديموس لعامين كاملين قبل أن يتفاوض على سلام يعترف باستقلاله. 

وحسب المؤرخ بوليبيوس، استند يوثيديموس في حجته إلى ضرورة اتحاد قواته مع قوات أنطيوخوس لمواجهة الشعوب البدوية التي كانت تهدد مملكتيهما من جهة الشمال. وقد أثمرت تلك الحجة، فانسحب أنطيوخوس، وعاشت المملكة اليونانية البخترية لقرن آخر من الزمان، لتتوسع في نهاية المطاف جنوبًا نحو الأراضي التي تُعرف اليوم بأفغانستان وباكستان.

وتكشف العملات المعدنية هذا التاريخ العميق في صورة مصغرة؛ فالعملات اليونانية البخترية المبكرة كانت تحمل طابعا يونانيًّا خالصًا، ولا يمكن تمييزها عن تلك التي صُكت في أثينا أو أنطاكية. ولكن مع مرور الزمن، بدأ يظهر بوضوح تأثير التقاليد الفنية المحلية، حيث دُمجت الرموز الدينية الهندية، وأُضيفت النقوش بالخط الخاروشتي إلى جانب الحروف اليونانية. وتُظهر بعض العملات اللاحقة ملوكًا يونانيين يرتدون أزياء هندية أو يتبنون رموزًا بوذية. لم يكن ذلك مجرد إمبريالية ثقافية بالمعنى البسيط والسطحي، بل كان عبارة عن تكيف ومفاوضات وخلق لكيان جديد كليّا.

وأكثر ما يثير دهشتي في هذا الصدد هو كيف مُحي هذا التاريخ بالكامل من السرديات الحديثة حول أفغانستان؛ غعندما نتحدث عن علاقة المنطقة بالغرب، نبدأ عادةً بالحديث عن الحملات البريطانية في القرن التاسع عشر. ولكن ها نحن هنا أمام دليل مادي يثبت وجود ممالك يونانية صمدت لقرون في قلب آسيا الوسطى، ومدن شاهدة على نقاشات حول الفلسفة اليونانية وترجمة للنصوص البوذية، وطرق تجارية ربطت البحر الأبيض المتوسط بطريق الحرير. ووصف المؤرخ فرانك هولت منطقة باختريا بأنها مفترق طرق آسيا، وهذه العملات تثبت صحة مقولته بلا شك.

في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، قامت فرق من علماء الآثار الفرنسيين بالتنقيب في مواقع المدن اليونانية البخترية، مثل مدينة آي خانم في شمال أفغانستان، ليكشفوا عن مسارح وصالات ألعاب رياضية ومكتبات يونانية. 

غير أن عقودا من الحروب الطاحنة حالت دون مواصلة أعمال التنقيب. هذا ما يطرح تساؤلات ملحة: كم عدد المواقع الأخرى التي لا تزال غير مكتشفة ومدفونة تحت الأنقاض؟ وكم ضاع من قصص التاريخ، ليس فقط بفعل الزمن، بل بسبب ذاكرتنا الانتقائية وميلنا الدائم لفرض سرديات مبسطة على ماضٍ بالغ التعقيد؟

تهيمن العملات الكوشانية على المجموعة الأثرية. يوجد منها أكثر من عشر قطع، يُظهر معظمها الإمبراطور كانيشكا الأول. تعاملت أمينة المتحف مع هذه القطع بعناية فائقة، مشيرة إلى أدق التفاصيل فيها، بدءاً من دقة رسم الوجوه، مروراً بتنوع الرموز الدينية، وصولاً إلى الأدلة التي تؤكد وجود حركة تجارية عبرت مسافات طويلة. 

الكوشانيون هم شعوب بدوية انحدرت من آسيا الوسطى، وأسست إمبراطورية في القرنين الأول والثاني الميلادي امتدت أراضيها من بحر آرال إلى نهر الغانج، لتسيطر في أوج مجدها على قلب طريق الحرير.

تُظهر إحدى العملات صورة جانبية للإمبراطور كانيشكا بلحيته، مرتديا معطفا طويلا وحذاء، وهو الزي التقليدي لبدو آسيا الوسطى. وعلى الوجه الآخر، تظهر صورة لبوذا واقفا ورافعا إحدى يديه للمباركة، مصحوبا بنقش بالحروف اليونانية لكلمة بودو، وهي الترجمة الصوتية لاسم بوذا. في حين تحمل عملة أخرى صورة الإله الإيراني ميثرا، وتُظهر ثالثة الإله اليوناني هرقل. يبدو من ذلك أن الكوشانيين كانوا يؤمنون بالتعددية الدينية، أو على الأقل يتمتعون ببراغماتية سياسية كافية لطباعة صور آلهة متعددة ومتنوعة على عملاتهم الرسمية.

حكم كانيشكا في القرن الثاني الميلادي، ويُذكر في التاريخ كأحد أعظم رعاة البوذية وداعميها. في عهده، انتشرت البوذية من الهند إلى آسيا الوسطى، لتصل في النهاية إلى الصين. كما ازدهرت مدرسة غاندارا للفن البوذي، التي صورت بوذا بأسلوب يوناني روماني، تحت رعاية وإشراف الإمبراطورية الكوشانية. بيد أن العملات المعدنية تُظهر أيضا آلهة زرادشتية، وهندوسية، وأبطالاً يونانيين، مما يشكل دليلا دامغا على وجود إمبراطورية كوزموبوليتانية منفتحة تتقبل تقاليد دينية متعددة ومتنوعة.

تمثل الإمبراطورية الكوشانية ذروة المجد في تاريخ المنطقة، وهي لحظة كانت فيها أفغانستان مركزا للعالم. كانت تجارة طريق الحرير في أوج ازدهارها، تربط روما بالصين، وكان الكوشانيون يحكمون سيطرتهم على الطرق الرئيسية التي تمر عبر آسيا الوسطى. 

كانت مدنهم الكبرى، مثل باغرام وباميان وتاكسيلا، بمثابة مراكز عالمية التقى فيها التجار من جميع أنحاء أوراسيا لتبادل السلع. وقد اكتشف علماء الآثار في المواقع الكوشانية أواني زجاجية رومانية، وحريرًا صينيًّا، وعاجًا هنديًّا، ومنحوتات يونانية، مما يبرهن على وجود شبكة تجارية عالمية.

واستخدمت العملات والنقوش الكوشانية اللغات اليونانية، والبخترية، والسنسكريتية، والبراكريتية، مما يعكس الطابع المتعدد اللغات لهذه الإمبراطورية. لقد كانت هذه ثقافة هجينة، عصية على التصنيف البسيط والمقولب. وتُعد العملات المعدنية بحد ذاتها دليلاً مادياً على هذا الاندماج الثقافي؛ حيث استُخدمت الأحرف اليونانية لكتابة أسماء الآلهة الإيرانية، ورُسمت الأيقونات البوذية بأسلوب هلينستي، وتبنى حكام آسيا الوسطى ألقاباً هندية.

وبينما كنت أتمعن في هذه العملات، جالت بخاطري تماثيل بوذا في باميان؛ تلك التماثيل الضخمة التي تعود للقرن السادس الميلادي، والتي دمرتها حركة طالبان في عام 2001. كانت تلك التماثيل جزءًا لا يتجزأ من التقاليد الثقافية ذاتها التي تمثلها العملات الكوشانية، وهي بوذية تأثرت بالفن اليوناني، وحظيت برعاية حكام آسيا الوسطى، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بشبكات تجارية قارية امتدت عبر مسافات شاسعة.

وقد صُور تدميرها للعالم على أنه عمل إسلامي لكسر الأصنام ورفض للوثنية. ولكنه في جوهره، كان أيضًا رفضًا قاطعًا لتاريخ طويل من الاندماج الثقافي، وطمساً للأدلة التي تؤكد أن أفغانستان كانت ذات يوم ملتقى تتلاقى فيه التقاليد المختلفة وتندمج، بدلاً من أن تتصادم وتتناحر.

وتطرح العملات الكوشانية أسئلة شائكة ومزعجة حول ما نختار أن نتذكره، وما نصر على نسيانه ومحوه من الذاكرة؛ فهذه القطع المعدنية تقف شاهداً على أفغانستان مختلفة كليًّا؛ أفغانستان التي كانت ثرية، وعالمية، وواثقة من هويتها وثقافتها. فماذا سيعني إذن أن نأخذ هذا التاريخ على محمل الجد؟ وماذا سيعني أن ننظر إلى أفغانستان ليس كدولة هامشية تعيش في اضطراب دائم، بل كمكان كان يومًا ما المحور والقلب النابض في تاريخ العالم؟

تتمثل القطع الأخيرة في هذه المجموعة الأثرية في عملات فارسية؛ إحداها بارثية، والعديد منها ساسانية. التقطت أمينة المتحف العملة البارثية أولاً، وهي عبارة عن درهم فضي يُظهر الملك فولوغاسيس الثالث، الذي حكم بين عامي 105 و147 ميلادية. وأوضحت أن البارثيين تنافسوا بضراوة مع الكوشانيين للسيطرة على طرق التجارة الشرقية. تُظهر هذه العملة صورة جانبية للملك يعتمر تاجًا مدببًا مميزًا، وتحيط بها نقوش يونانية حول الحافة. أما على الوجه الآخر، فيظهر الملك جالسًا على العرش ويتلقى سعفة نخيل، وهو رمز للنصر مستعار من الأيقونات الهلينستية.

أما العملات الساسانية، فتبدو أصغر حجمًا وأقل سُمكًا، وقد صُكت من الفضة بأسلوب فني فريد ومميز. وقد سيطرت الإمبراطورية الساسانية، التي خلفت البارثيين عام 224 ميلادية، على أجزاء واسعة من أفغانستان من القرن الثالث وحتى القرن السابع الميلادي، ودخلت في منافسة شرسة مع الكوشانيين ومن خلفهم للسيطرة على تجارة طريق الحرير. وتُظهر هذه العملات ملوكًا ساسانيين في صور جانبية وهم يرتدون تيجاناً متقنة الصنع، بينما تظهر على الوجه الآخر مذابح النار، وهي الرموز المقدسة للديانة الزرادشتية التي كانت تمثل دين الدولة الرسمي.

وتُبرز إحدى هذه العملات صورة كسرى الأول، الذي حكم في القرن السادس الميلادي ويُخلده التاريخ كأحد أعظم الملوك الساسانيين. وتتميز صورته المنقوشة بتفاصيل دقيقة ومذهلة رغم صغر حجم العملة؛ حيث رُسمت لحيته بعناية فائقة، وعلا تاجه هلال ونجمة. وعلى الوجه الآخر، يقف حارسان على جانبي مذبح النار، وتصاحب ذلك نقوش باللغة البهلوية تحمل اسم الملك وألقابه. وتُظهر عملة أخرى الملك شابور الثاني، الذي امتدت فترة حكمه المذهلة لسبعين عاماً في القرن الرابع الميلادي.

ما يثير الاهتمام في هذه العملات الفارسية هو كيف تكشف عن حدود السيطرة الإمبراطورية الحقيقية؛ فالعملات التي صُكت في المقاطعات الشرقية تظهر غالباً اختلافات محلية واضحة، كأنماط تيجان مختلفة، وتصميمات متباينة على الوجه الخلفي، بل وتستخدم أحياناً خطوطًا وأبجديات مغايرة.

ويشير هذا الأمر بوضوح إلى أن السيطرة الساسانية في العديد من المناطق كانت اسمية وشكلية أكثر منها فعلية، وأن الحكام المحليين احتفظوا باستقلالية كبيرة بينما كانوا يقرون شكليًّا بالسيادة الساسانية. كما تقدم هذه العملات دليلاً دامغاً على حجم التجارة العابرة للمسافات الطويلة؛ إذ عُثر على كنوز من العملات الساسانية المخبأة في جميع أنحاء آسيا الوسطى، وفي الصين، والهند، وحتى في الدول الاسكندنافية البعيدة.

وشهد العصر الساساني أيضًا استمرارًا لحالة التنوع الديني المذهل في المنطقة؛ فبينما كانت الزرادشتية هي دين الدولة الرسمي للإمبراطورية الساسانية، واصلت البوذية ازدهارها وتألقها في أفغانستان، وهناك أدلة تاريخية تؤكد وجود مجتمعات مسيحية ويهودية وهندوسية جنباً إلى جنب. لم تكن هذه المنطقة خاضعة لهيمنة دين واحد أو ثقافة وحيدة، بل كانت واحة للتعايش؛ تعايش قد يكون سلمياً تارة، ومحتقناً تارة أخرى، ولكنه كان دائماً تعايشاً متعدداً ومتنوعاً.

يدفعني هذا التاريخ للتفكير في كيف تتعقد السرديات الحديثة حول أفغانستان وإيران، وحول الفرس والبشتون؛ فالحدود التي نرسمها اليوم بين أفغانستان وإيران، أو بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، ما هي إلا صنيعة حديثة، ونتاج مباشر للجيوسياسة التي فرضت نفسها في القرنين التاسع عشر والعشرين.

وتكشف هذه العملات عن جغرافيا مختلفة كلياً؛ جغرافيا تنتظم وتتمحور حول طرق التجارة بدلاً من الدول القومية، وحول مناطق ثقافية تتداخل وتتغلغل في بعضها البعض بدلاً من الحدود المرسومة بدقة. لقد ضمت الإمبراطورية الساسانية أجزاء من أفغانستان الحديثة والعراق وإيران وآسيا الوسطى، بينما شملت الإمبراطورية الكوشانية أجزاء من أفغانستان الحديثة وباكستان والهند وأوزبكستان. لم تكن هذه الكيانات دولاً قومية ذات حدود ثابتة، بل كانت شبكات من المدن وطرق التجارة، ومناطق نفوذ تتمدد وتتقلص، ودوائر ثقافية تتمازج وتذوب في بعضها البعض عند الأطراف.

أعود بذاكرتي الآن إلى الحاضر، داخل غرفة الدراسة بالمتحف البريطاني، وأنا أُمعن النظر في هذه القطع النقدية الثلاثين أو نحو ذلك، المتناثرة أمامي على قطعة من المخمل. تركتني أمينة المتحف بمفردي لبضع دقائق لأفحصها عن كثب وأدون ملاحظاتي من أجل بحثي. يخيم الهدوء التام على الغرفة، ولا يقطعه سوى أزيز نظام التحكم في المناخ. ومن خلال النافذة، أستطيع رؤية سماء لندن الرمادية الملبدة بالغيوم، والسياح الذين يتجمعون في الفناء الأكبر للمتحف بالأسفل.

ثمة مفارقة ساخرة ومؤلمة في رؤية تاريخ أفغانستان محفوظًا هنا في لندن، وتحديدًا في المتحف البريطاني؛ فهذه العملات جمعها ضابط بريطاني إبان الحرب الأنجلو-أفغانية الأولى، حيث انتُزعت من سياقها الأصلي وأُرسلت لتقبع في عاصمة الإمبراطورية. إنها جزء لا يتجزأ من نمط أوسع للنهب والاستحواذ، حيث يستولي الغرب على التراث الثقافي لبقية دول العالم ويحتفظ به لنفسه. ويزخر المتحف البريطاني بمثل هذه المقتنيات، ولعل أبرزها رخاميات إلغن، وحجر رشيد، وبرونزيات بنين.

ومع ذلك كله؛ لا يسعني إلا أن أشعر بالامتنان العميق لنجاة هذه العملات وبقائها؛ فكم من العملات الأخرى لم يحالفها الحظ؟ وكم منها أُذيب للاستفادة من معدنه، أو فُقد في أتون الحروب، أو دُفن في كنوز مخبأة لم تُسترد أبداً؟ لقد غاصت أفغانستان في مستنقع الحروب لأكثر من أربعين عاماً متواصلة؛ بدءًا من الغزو السوفيتي، مرورًا بالحرب الأهلية، وحكم حركة طالبان، ثم التدخل الأمريكي، وصولاً إلى عودة طالبان مجددًا؛ فكم حجم الدمار الذي لحق بالبلاد؟ وكم عدد المواقع الأثرية التي نُهبت، والتحف التي ضاعت في غياهب السوق السوداء، والتاريخ الذي مُحي وطُمس ببساطة؟

ينفطر قلبي وأنا أفكر في المتحف الوطني الأفغاني في كابول، الذي تعرض لقصف وحشي خلال الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، لتُنهب مقتنياته وتُدمر بالكامل. وأفكر في تماثيل بوذا في باميان، التي نسفتها حركة طالبان بالديناميت. وأفكر في منجم ميس أيناك للنحاس، حيث يُدمر مجمع دير بوذي ضخم لإفساح المجال أمام عمليات التعدين الصينية. وأفكر في كل تلك المواقع التي لم تُكتشف يوماً، وفي جميع العملات والتحف والنقوش التي لا تزال مدفونة في باطن الأرض، وفي كل هذا التاريخ المجهول الذي نجهله لأننا لم نحظَ قَط بفرصة البحث عنه.

تُعد أفغانستان واحدة من أغنى مناطق العالم من الناحية الأثرية؛ فهي مكان تتراكم فيه طبقة تلو أخرى من التاريخ المدفون حرفياً تحت التراب. ولكنها في الوقت ذاته، واحدة من أقل المناطق استكشافاً ودراسة. لقد كشفت الحفريات الفرنسية في مدينة آي خانم في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين عن مدينة يونانية بخترية متكاملة، تضم نقوشاً يونانية، ومسرحاً، وصالة ألعاب رياضية، ومكتبة. غير أن الموقع نُهب واستُبيح خلال الحرب السوفيتية الأفغانية، وظل محظوراً على علماء الآثار منذ ذلك الحين. فكم عدد المواقع الأخرى المماثلة لـ”آي خانم” التي لا تزال قابعة هناك، وتنتظر من يكتشفها؟

لا تمثل العملات المعدنية الماثلة أمامي سوى نزر يسير وجزء ضئيل جدًّا مما لا بد أنه لا يزال موجوداً. لقد جمع بيرنز هذه القطع في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حيث ابتاعها من الأسواق الشعبية وتلقاها كهدايا. ولم يكن ينفذ حفريات منهجية أو علمية، بل كان يلتقط ما هو متاح أمامه، وما عثر عليه السكان المحليون وكانوا مستعدين لبيعه. وإذا كان كل هذا الكم الهائل من التاريخ متاحاً للبيع في الأسواق في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، فكم هو حجم الكنوز التي لا تزال مدفونة؟ وكم منها سنحظى بفرصة استعادتها يوماً ما؟

إن ما تكشفه هذه العملات هو تاريخ يفكك ويعقد كل سردية مبسطة وسطحية حول أفغانستان، وحول الإسلام، وحول العلاقة الشائكة بين الشرق والغرب. إنها تظهر منطقة كانت في يوم من الأيام غنية وعالمية الطابع، وكانت تمثل المركز لا الهامش، وكانت بوتقة للاندماج الثقافي بدلاً من الصدام. إنها تُبرز الممالك اليونانية في آسيا الوسطى، والإمبراطوريات البوذية على طريق الحرير، والنفوذ الفارسي في جبال هندوكوش. إنها تكشف عن تاريخ متعدد الوجوه، ومتراكم الطبقات، وشديد التعقيد، تاريخ يرفض ويأبى الاستسلام للقصص المبسطة التي نهوى سردها عن المنطقة.

غير أن هذا التاريخ قد طواه النسيان إلى حد كبير، أو على أقل تقدير، جرى تهميشه؛ فعندما نتحدث عن أفغانستان اليوم، ينصب حديثنا على الإرهاب والحرب، وعلى حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وعلى التدخلات الفاشلة والأزمات الإنسانية الطاحنة. ولا نتحدث أبداً عن الممالك اليونانية البخترية، أو الأباطرة الكوشانيين، أو طريق الحرير. ولا نأتي على ذكر ذلك الزمن الذي كانت فيه مدينة بلخ واحدة من أعظم مدن العالم، وكانت باميان مركزاً للتعليم البوذي، وكانت هرات ذائعة الصيت بشعرائها وفنانيها. لقد اختزلنا أفغانستان في أزمتها الراهنة، ونسينا ماضيها العميق، وفقدنا القدرة على رؤية ذلك التعقيد المذهل الذي تكشفه هذه العملات.

ومع ذلك، تبقى هذه العملات المعدنية الصغيرة حاضرة وشاهدة؛ لقد صمدت لقرون طويلة، وتناقلتها أيادٍ لا حصر لها، وسافرت من أسواق أفغانستان لتستقر في متاحف بريطانيا. إنها باقية كدليل، وكشهادة، وكشظايا من تاريخ يأبى أن يُمحى أو يُطمس بالكامل. لقد حملها ألكسندر بيرنز في جيوبه وهو يجوب أفغانستان في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ليرسم خرائط إقليمية لصالح الإمبراطورية البريطانية، بينما كان يكشف في الوقت ذاته عن أدلة دامغة لإمبراطوريات أقدم وأكثر تعقيداً بكثير. وقد لقى حتفه بعنف ووحشية في كابول عام 1841، واُحرقت جثته حتى طُمست معالمها، وباءت مهمته بالفشل الذريع. لكن عملاته صمدت وبقيت، لتستمر في سرد حكاياتها الخالدة.

أجمع أوراقي وملاحظاتي، وأشكر أمينة المتحف، ثم أشق طريقي خارجاً من المتحف البريطاني نحو ظهيرة لندن. وتبقى العملات في الخلف، قابعة ومغلقة في غرفة تخزين، ولا يمكن رؤيتها إلا بموعد مسبق. ومن المرجح أن تبقى هناك في المستقبل المنظور، كجزء من المجموعة الدائمة للمتحف، وكجزء من هذا الركام الهائل من المقتنيات التي جمعتها الإمبراطورية البريطانية من جميع أنحاء العالم. وما إذا كان ينبغي أن تبقى هناك، أو ما إذا كان يجب إعادتها إلى أفغانستان، فهو تساؤل لا أملك الإجابة عليه. ولكن ما أعرفه يقيناً هو أنها تمثل شيئاً بالغ الأهمية، شيئاً لا ينبغي نسيانه أبداً؛ إنها الدليل الساطع على تاريخ أغنى وأكثر تعقيداً بكثير مما تسمح به سردياتنا الحالية والمشوهة.

المصدر: نيو لاينز

علاماتأفغانستان ، أفغانستان القديمة ، احتلال أفغانستان ، التاريخ
مواضيعالتاريخ ، ترجمات ، حرب أفغانستان ، معالم وآثار

قد يعجبك ايضا

تاريخ

رغم اتساع رقعتها ومنجزاتها الحضارية.. لماذا سقطت الدولة الأموية؟

أحمد سيف النصر٢٣ أبريل ٢٠٢٦
تاريخ

الأندلس الأموية.. إمارة العلم والعمران والتسامح

أحمد سيف النصر١٦ أبريل ٢٠٢٦
تاريخ

سكّ العملة ومشاريع الري: كيف أسّس الأمويون اقتصادًا مزدهرًا؟

أحمد سيف النصر٣١ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑