ترجمة وتحرير: نون بوست
يوم الأربعاء، وبعد أن اعترضت القوات الإسرائيلية أسطولًا احتجاجيًّا متجهًا إلى غزة واقتادت المشاركين فيه إلى ميناء إسرائيلي، نشر إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي. ويُظهر المقطع القصير السياسي اليميني المتطرف وهو يسخر من المحتجزين ويردد شعارات قومية، بينما أُجبر السجناء المكبلون على الركوع، فيما يصرخ أحد النشطاء “فلسطين حرة!” فيدفعه أفراد الأمن أرضاً. وعلّق بن غفير على الفيديو قائلاً: “هكذا نستقبل داعمي الإرهاب”.
وأثبت الاستفزاز الأخير الذي قام به بن غفير أمرًا لطالما ارتاب فيه العديد من الإسرائيليين لسنوات: إن بن غفير ليس مجرد كابوس لليبراليين الإسرائيليين فحسب، بل هو تجسيد لأحلام أعداء إسرائيل. فهو يمنحهم بالضبط الذخيرة التي يحتاجونها ليدللوا، مراراً وتكراراً، على أن إسرائيل، في حربها مع حماس وحزب الله، هي الطرف المعتدي، بل والمعتدي القاسي. بن غفير هو هدية للجماعات الإرهابية والدول التي تسعى لتدمير إسرائيل. لم يكن نشطاء الأسطول يخططون فعلياً لـ “كسر حصار” غزة كما زعموا، بل أرادوا استفزاز السلطات الإسرائيلية وتوثيق رد فعلها. وفي أشد شطحات خيالهم، لم يكونوا ليتصوروا أبداً أن المسؤول الإسرائيلي المكلّف بإدارة شرطة البلاد سيحقق آمالهم بنفسه عبر نشر مقاطع فيديو تُهينهم وتسخر منهم. ولا بد أنهم يشعرون بالبهجة ذاتها إزاء رد فعل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المتخاذل والصامت بشكل مثير للشفقة.
في فبراير/ شباط 2021؛ وعشية الانتخابات البرلمانية، صرّح نتنياهو بأن إيتمار بن غفير “غير لائق” للعمل كوزير في الحكومة، مضيفاً أن “مواقفه لا تمثلني”. خسر نتنياهو تلك الانتخابات، وأصبح نفتالي بينيت رئيساً للوزراء. ولكن بعد فوز نتنياهو في الانتخابات التالية، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، تغيرت آراؤه بشأن بن غفير فجأة، وعيّن هذا الرجل – الذي كان غير لائق بالأمس – في حكومته. ورغم مدى العبثية والاستفزاز الذي بدا عليه هذا التعيين في الأيام الأولى لـ”حكومة اليمين المتطرف”، إلا أن النتيجة جاءت أسوأ بكثير مما كان يتوقعه أي شخص.
إن وضع بن غفير على رأس جهاز الشرطة وإدارة السجون كان أشبه بتعيين مُشعل حرائق لإدارة قسم الإطفاء، والذي يقع بالمناسبة ضمن صلاحياته أيضاً.
علاوة على كونه عنصرياً استبدادياً، يُعد بن غفير مجرماً بامتياز؛ فقد أدانته المحاكم الإسرائيلية بثماني تهم، من بينها إثارة الشغب، وإعاقة عمل ضابط شرطة، والتحريض على العنصرية، وحيازة مواد دعائية لمنظمة إرهابية، ودعم منظمة إرهابية.
ولعقود من الزمن، نشط بن غفير على الأطراف المتطرفة للسياسة الإسرائيلية؛ فقد نشأ في كنف والدين يهوديين عراقيين في منزل علماني، وأصبح متديناً في سن الثانية عشرة، وبعد بضع سنوات انضم إلى حركة “كاخ”، التي صُنفت لاحقًا في إسرائيل كمنظمة إرهابية. ولم يخدم قط في الجيش الإسرائيلي، إذ تم استبعاده بسبب عضويته في حركة “كاخ”. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1995، اكتسب سمعة سيئة على المستوى الوطني عندما انتزع الشعار المعدني من مقدمة سيارة الكاديلاك الخاصة برئيس الوزراء آنذاك، إسحق رابين، قائلاً: “مثلما وصلنا إلى هذا الشعار، سنصل إليه أيضاً”. وبعد أسابيع قليلة، اغتيل رابين على يد المتطرف اليميني إيغال عمير.
وعلى مدار السنوات اللاحقة، واصل بن غفير استفزازاته؛ فقد شارك في مظاهرات ضد مسيرة “الفخر” في القدس، وعلّق في منزله صورة لباروخ غولدشتاين، أحد أنصار لمائير كاهانا والذي قتل 29 مصلياً فلسطينياً في مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، كما أثار مراراً وتكراراً التوترات في محيط الحرم القدسي. وفي مايو/ أيار 2021، وبعد انتخابه في البرلمان، أقام بن غفير مكتباً مؤقتاً في حي فلسطيني بالقدس الشرقية، مما أثار غضب السكان المحليين.
وكان هذا هو الرجل الذي اختار نتنياهو تعيينه وزيراً للأمن القومي. ومنذ تنصيبه؛ تدهور الأمن القومي للمواطنين الإسرائيليين بشكل مطرد. وبموافقة ضمنية من نتنياهو، عمل بن غفير على تحويل الشرطة إلى ما يشبه الميليشيا السياسية التي تعمل لصالحه، وغالبًا ضد معارضي الحكومة. ولا يقتصر تدخل بن غفير في تعيينات كبار ضباط الشرطة فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الرتب الأدنى أيضاً. فكل تعيين برتبة تعادل رتبة “قائد” يتطلب موافقته، وهو من يجري المقابلات الشخصية مع المرشحين بنفسه. وسبق أن ذكرت صحيفة “هآرتس” أن أيالا، زوجة بن غفير، كانت ضالعة في إقالة قائد منطقة تل أبيب، عامي إيشيد، لأنه لم يستخدم القوة الكافية ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة.
ونتيجة لذلك يستمر شعور الإسرائيليين بالأمن الشخصي في التآكل؛ في حين تركز الشرطة على استهداف النشطاء اليساريين ودعم نشطاء اليمين المتطرف الذين يضايقون المتظاهرين المناهضين للحكومة. وقد وصل معدل جرائم القتل في إسرائيل إلى مستوى قياسي جديد خلال العام الماضي، وكذلك الحال بالنسبة لعنف الشباب. كما تصاعد عنف المستوطنين إلى مستويات مخيفة وسط حالة من الشلل واللامبالاة التي تعتري قوات الشرطة. وكسياسة متبعة، تتجاهل الشرطة بشكل روتيني الهجمات العنيفة التي يشنها المستوطنون ضد المدنيين الفلسطينيين. وتنتهي العديد من هذه الحوادث بمقتل أو إصابة فلسطينيين على أيدي مستوطنين مسلحين.
وماذا عن نتنياهو؟ إنه يغض الطرف، ويلتزم الصمت تجاه بن غفير لأنه يفضل إبقاءه إلى جانبه بدلاً من تحويله إلى عدو حتى وهو يعلم حجم الضرر الذي يلحقه ذلك بإسرائيل، وحتى عندما يتضرر المواطنون الإسرائيليون أنفسهم؛ فبعد اجتياح حماس لإسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واختطاف 251 شخصاً إلى غزة، اتخذ بن غفير سلسلة من الإجراءات الاستفزازية التي أدت إلى تفاقم الأوضاع بالنسبة للسجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. وقد حذر رونين بار، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلية “الشاباك”، بن غفير من أن هذه التصرفات تلحق الضرر بالرهائن الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس، بل وتعرضهم لاعتداءات جسدية قاسية. وطلب منه بار التوقف عن ذلك. لكن بن غفير تجاهل التحذير، وكذلك فعل نتنياهو. ولاحقاً، عندما تم إطلاق سراح عدد من الرهائن الإسرائيليين من غزة، وصف بعضهم كيف تعرضوا للضرب المبرح والتعذيب بينما كان آسروهم من حماس يقولون لهم: “هذا بسبب بن غفير”.
في أي ديمقراطية فاعلة، كان من الطبيعي أن يقيل أي رئيس وزراء أو رئيس دولة وزيراً مثل بن غفير. وفي إسرائيل قبل 10 أو 20 عاماً، لم يكن ليُسمح لرجل مثل بن غفير بالاقتراب من غرفة اجتماعات مجلس الوزراء. إن حقيقة تسليم سلطات الشرطة لهذا البلطجي العنصري من قِبل نتنياهو تفصح عن حالة الديمقراطية والقيم السياسية في إسرائيل – وتحديداً عن قيم رئيس الوزراء – أكثر بكثير مما قد يود العديد من الإسرائيليين الاعتراف به. لكن رئيس وزرائنا هو شخص يُغلّب دائماً بقاءه السياسي على مصلحة البلاد. ومن الآمن الافتراض بأنه سيسمح لبن غفير بمواصلة إشعال النيران في البلاد من أجل تحقيق أهدافه البغيضة.
المصدر: ذي أتلانتك