ترجمة وتحرير: نون بوست
يبدو أنّ مذكرة التفاهم المبرمة بين الولايات المتحدة وإيران، قد أنهت الحرب بشروط تصب في صالح الجمهورية الإسلامية. فهي تفرج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، وتخفّف القيود على مبيعات النفط الإيراني، وترفع الحصار الأميركي عن مضيق هرمز مقابل إنهاء إيران إغلاقها للممر المائي. بمعنى آخر، تحصل إيران على مكاسب لم تكن متاحة لها قبل الحرب مقابل التخلّي عن أمر لم تكن تمارسه أساسًا قبل اندلاعها.
ورغم أنّ هذه الشروط تصب في صالح إيران، إلا أنّها أثارت جدلًا واسعًا داخل الجمهورية الإسلامية. ففي الأيام التي سبقت الاتفاق، شنّت مجموعة صاخبة من المتشددين حملة شرسة ضدّه. وقال نائب في البرلمان عن طهران إنّ توقيع الاتفاق سيحول إيران إلى “مستعمرة للولايات المتحدة”. فيما هتف متظاهرون متشدّدون بالموت للرجلين اللذين قادا المفاوضات مع واشنطن: محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وعباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني (الموصوفان على التوالي بـ”المساوم” و”عديم الشرف”).
يعارض المتشدّدون مذكرة التفاهم لأنّهم يرون أي اتفاق مع الولايات المتحدة بمثابة تطبيع للعلاقة مع “الشيطان الأكبر”. كما يخشون من نهاية العقوبات الدولية: فإذا لم تعد إيران وحيدة ومحاصرة، فما مصير أيديولوجيتها المعادية للغرب؟
ومع ذلك، مضى الاتفاق قدمًا لأنّه حظي بدعم معظم القادة العسكريين والسياسيين في إيران، إذ يضم المجلس الأعلى للأمن القومي، الهيئة التي تدير إيران بالفعل حاليًا، نحو اثني عشر رجلًا. ويُقال إنّ واحدًا فقط منهم عارض الاتفاق، ويرجح أنّه سعيد جليلي، المفاوض النووي السابق والزعيم غير الرسمي للتيار الأشدّ تطرفًا. ويبدو أنّ الحرس الثوري الإيراني قد ألقى بثقله المؤسسي خلف الاتفاق، إذ ظهر إسماعيل قآني، قائد فيلق القدس، على التلفزيون الرسمي ليؤيده قائلًا: “فريق التفاوض لا يختلف عن شبابنا الذين يعملون على منصات الصواريخ”.
وتعدّ المذكرة نصرًا لقاليباف وعراقجي، وللرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان الذي وقّعها باسم إيران. ويضم التحالف المؤيد للدبلوماسية قوى إصلاحية مثل حزب وحدة الأمة، الذي طالب بأن يتبع الاتفاق “عدالة إصلاحية” لضحايا قمع الاحتجاجات في يناير/ كانون الثاني الماضي، وتوسيع الحقوق والحريات. كما دعم الاتفاق رئيسان إصلاحيان سابقان هما محمد خاتمي وحسن روحاني.
لكن النظام الإيراني له تاريخ طويل من الشد والجذب بين معسكرين رئيسيين: “التنمويون”، المستعدون للتخلّي عن أيديولوجية الجمهورية الإسلامية التأسيسية لصالح التقدم الاقتصادي، و”الأيديولوجيون”، المتمسكون بالعداء لأميركا والسعي لتدمير إسرائيل. يعود هذا الصراع إلى التسعينيات، وقد خسر التنمويون معظم الجولات، لأسباب كثيرة على رأسها دعم علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران على مدى 37 عامًا، للأيديولوجيين. ورغم أنّه كان يوافق أحيانًا على الانخراط الدبلوماسي مع الغرب للحصول على متنفس اقتصادي، إلا أنّه عارض بشدة تطبيع العلاقات أو عقد محادثات رفيعة المستوى مع الأميركيين.
أمّا نجله وخليفته، مجتبى خامنئي، فهو ملتزم خطابيًا بالرؤية المتشددة ذاتها التي كان يتبناها والده. ففي رسالة مؤيدة للاتفاق، قال إنّه “يخالفه في الرأي من حيث المبدأ” لكنه اقتنع بضمانات بزشكيان. ومن خلال الإشارة إلى أنّ الاتفاق ليس خياره المفضل، منح القائد المتشددين شرعية لمعارضته. لكنّه في هذه الرسالة وافق أيضًا على لقاءات مباشرة مع الأميركيين، في خروج واضح عن نهج والده.
تكتسب هذه الديناميكيات أهمية خاصة بين المطلعين على شؤون النظام لأنّ المهمة الدبلوماسية الأصعب لم تبدأ بعد؛ فمذكرة التفاهم تمنح الولايات المتحدة وإيران 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق نووي. وهذا هو الترتيب الدبلوماسي الأوسع نطاقًا الذي قد يفتح الباب أمام رفع العقوبات ويحدث تحولًا اقتصاديًا كبيرًا في إيران. (وقد أثبتت مذكرة التفاهم بالفعل فائدتها في هذا الصدد: حيث يُباع الدولار الأمريكي الآن مقابل 1.56 مليون ريال إيراني، بعد أن كان سعره 1.75 مليون ريال الأسبوع الماضي).
لكن هذا المشهد ليس جديدًا، ففي التسعينيات، سعى الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الأب الروحي للتنمويين، إلى إعادة بناء العلاقات مع الغرب، لكنّه اصطدم بخامنئي من جهة وبشركاء أميركيين متقلبين من جهة أخرى. وبعد عقدين، عندما كان روحاني رئيسًا، تفاوضت إيران بصعوبة على اتفاق نووي مع إدارة أوباما، قبل أن تنسفه إدارة ترامب الأولى عام 2018.
يواجه قادة إيران الحاليون التباين نفسه داخل النظام، وسيصطدمون بلا شك بعقبات مماثلة من الخارج. لكنّهم ما زالوا يتعاملون بحذر إلى حدّ ما مع الانقسام الداخلي. يقدم قاليباف نفسه على أنّه رجل دولة على الساحة العالمية، إلا أنّه قدم الأسبوع الماضي أيضًا تعهدًا فارغًا بـ”تحرير القدس”. وإذا أراد هو وبقية القادة الجدد في إيران حقًا تغيير واقع بلدهم، فعليهم أن يغيروا هذه العقلية، ويتغلبوا على المتشددين، ويتخذوا خيارًا واضحًا: هل يريدون أن يقاتلوا أميركا وإسرائيل إلى الأبد، أم أن يطوروا اقتصاد إيران ويمضوا قدَمًا؟
سيشيّع الإيرانيون قريبًا علي خامنئي في جنازة عامة، وعليهم أيضًا أن يدفنوا تعنّته الثوري. وإلا فقد ينتهي بهم الأمر إلى تبديد حتى هذه الصفقة المغرية مع الولايات المتحدة.
المصدر: ذي أتلانتك