حين سجّل اللاعب ياسين العيّاري الهدف الأول لمنتخب السويد في مرمى منتخب تونس، ولم يحتفل، عكس منظومة مركبة من المشاعر التي يمكن أن يواجهها لاعب في مثل حالته. وعندما سجّل الهدف الخامس في المباراة نفسها وانفجر محتفلًا، كان يعكس منظومة شعورية معاكسة، لكنها أيضًا حقيقية وصادقة فيما تطرحه على لاعب في مثل حالته.
يشكّل ياسين العيّاري نمطًا بات حضوره متكررًا في المشهد الكروي، عن اللاعبين ذوي الأصول المختلفة من أبناء المهاجرين، الذين يمثلون غالبًا منتخبات أوروبية. في المرة الأولى، لم يحتفل العيّاري لأن تونس بلد أبيه، وفي المرة الثانية احتفل لأنه يحقق حلم أبيه أيضًا؛ فأبوه رفض محاولات الاتحاد التونسي إقناعه بتمثيل تونس، واختار لابنه أن يلعب للبلد التي آوته، ردًا للجميل، على حد قوله.
ما يميز حالة العيّاري عن حالات سنسردها تباعًا أنه لم يتعرض لهجوم سياسي أو عنصري مباشر بعد هذا الهدف بشأن احتفاله، وتحولت القصة إلى احتفاء إعلامي بـ”الجذور المتعددة”، لكن تلك الحفاوة تكشف أمرًا مهمًا يتعلق بظاهرة اللاعبين من المهاجرين أو أبناء المهاجرين، إذ توضح أن التعاطي مع هذه الظاهرة يتفاوت بحسب اللحظة السياسية والنتيجة الرياضية، كما سنكشف لاحقًا.
فبعد مباراة تونس، كانت السويد، التي فازت بسهولة، ليست في حاجة إلى كبش فداء، لكن حين خسرت أمام المنتخب الألماني في كأس العالم 2018، كان على اللاعب جيمي دورماز، ذي الأصول الآشورية، أن يواجه اتهامات من نوع خاص، لتسببه في خطأ كلّف فريقه المباراة.
في بيان له، قال دورماز: “أنا سويدي، وفخور بهذه الكينونة، وأقصى ما يمكنك أن تحققه لتشعر بالفخر هو أن تلعب لمنتخب بلادك”. كان على دورماز أن يعلن فخره ووطنيته أمام هؤلاء الذين وصفوه بـ”الشيطان العربي” و”الإرهابي” و”طالبان”، ووصل بهم الأمر إلى حد تهديد أبنائه وزوجته وعائلته والتعرض لهم بالسوء.
كان دورماز ضحية مثالية للغوغاء، وقد دافع عنه الاتحاد السويدي لكرة القدم وفريقه ومدربه بالطبع، لكن وجهات النظر تلك، إن نطق بها العامة، فإنهم يشاركونها مع نخبة من الساسة. فقد سبق لزعيم اليمين الديمقراطي، جيمي أكيسون، أن وصف أسطورة الكرة السويدية زلاتان إبراهيموفيتش، ذا الأصول البوسنية، بأنه “مرتزق يلعب للمنتخب الوطني”، إذ لا يمكن للسويدية، في نظره، أن تكون هوية عامة إلى درجة أن أي شخص يصبح سويديًا.
في نظر أكيسون، لا يبدو أن لاعبي المنتخب الوطني مواطنون بالضرورة، بل مرتزقة، وهذا التوصيف يفتح النظر على زوايا كثيرة تساعدنا على فهم ظاهرة اللاعبين من أصل مزدوج.
من نحن؟
إذا أردنا أن ننظر إلى مسألة الانتماء الوطني في كرة القدم، يمكننا الاستعانة بالباحث ماكس ماورو، الذي يرى أن المنافسات الرياضية الدولية، كالألعاب الأولمبية وكأس العالم، أصبحت بمثابة عدسة مكبرة تبرز من خلالها حساسية مسألة الانتماء والتفسيرات النقدية لفكرة الأمة.
فالمنافسة بين الدول، بما فيها من أداء مصاحب يتمثل في تشجيع الوطن، وبكل ما تحمله هذه العناصر من سمات مسرحية، من ملاعب وأعلام وأبطال وخاسرين، توفر مؤقتًا وسيلة فعالة وفريدة لغرس المشاعر الوطنية وتعزيز الانتماء الوطني للمكان، أو ما يُعرف بـ”حب الوطن”.
وتوفر الرياضة الدولية، كما يرى المؤرخ الراحل إريك هوبسباوم في نظريته المهمة عن الأمم والقومية، أشكالًا من الفعل الرمزي الذي يُجسد قضية الأمة نفسها، فالرياضيون الذين يمثلون أمتهم أو دولتهم في المسابقات الرياضية الدولية يعبرون، بصورة أساسية، عن مجتمعاتهم المتخيّلة.
إن العرض الوطني التخيلي الذي تتيحه منافسة كرة القدم بين الدول، ويتجلى بوضوح في كأس العالم، يخلق واقعًا خياليًا مغريًا يحيط بالعالم الفوضوي أحيانًا وينظمه، حتى وإن كان ذلك مؤقتًا. كما يخلق شعورًا مسليًا واحتفاليًا بالترابط البريء ظاهريًا، ويصنع هذا المجتمع المتخيّل، على حد تعبير بندكت أندرسن في نظريته الشهيرة عن “الجماعات المتخيّلة”، شعورًا يجعل “نحن الأمة” تبدو شيئًا “حقيقيًا”، على الأقل لفترة من الزمن، شريطة أن يقدم المنتخب الوطني لكرة القدم أداءً جيدًا، إذ تبلغ نشوة الوحدة الوطنية ذروتها عند تحقيق النجاح، كما يرى الباحث فان هوتم، والعكس بالعكس عند الخسارة.
الـ”نحن”، أو سؤال ما الذي يحدد الحدود الرسمية للأمة الكروية ومن يحددها، يبدو ذا إجابة سهلة لدى “فيفا”، التي تدير عالم كرة القدم، والتي تطورت منظومتها القانونية بمرور العقود حتى بات غير ممكن للاعب أن يمثل منتخبين في المرحلة السنية الكبرى في الوقت نفسه.
لكن يمكن للاعب أن يلعب في منتخب الشباب ويتدرج في الفئات السنية لبلد ما، ثم يلعب لبلد آخر في المرحلة السنية الكبرى، التي لا يمكنه بعدها تغيير جنسيته الكروية. وبالنسبة إلى مزدوجي الجنسية، يؤثر هذا القرار بشكل جوهري في مسيرتهم الكروية بأكملها.
لقد اختبر كثير من اللاعبين هذا الشعور، الذي أثر في نظرتهم إلى أنفسهم وإلى العالم، ولو في نطاق كرة القدم على الأقل. فبينما ينشأون لاعبين في بلد ما خلال مراحل الشباب والفئات السنية، تدخل منتخبات الأصول التي ينحدرون منها في معركة مع منتخب النشأة أو الهوية المكتسبة، لإقناعهم باللعب لها، وهنا تضعهم أمام أزمة كبرى تتعلق بالهوية.
بطل وخائن في لعبة قذرة
لم تكن حالة العيّاري الأولى من نوعها، ففي كأس العالم الأخير عام 2022، لاحقت الكاميرات نظرات مهاجم سويسرا بريل إمبولو في المباراة التي جمعت المنتخب السويسري بنظيره الكاميروني، وكادت عيناه تدمعان أثناء أداء النشيد الوطني. لكن ما حدث خلال المباراة كان يحمل مشاعر أثقل من تلك اللحظة.
كان على إمبولو، الذي حاولت الكاميرون أن تجعل منه خليفة لأسطورتها الكروية صامويل إيتو وفشلت، أن يواجه الكاميرون، وهو الذي وُلد وعاش في ياوندي حتى السابعة من عمره. بل كان عليه أن يسجل هدف الفوز للمنتخب السويسري في مرمى بلاده الأصل، وهو ما حدث، ولم يحتفل رغم القيمة الثمينة للهدف.
بين تكوينه الكروي في السويد وأصوله العائلية.. اللاعب ياسين العياري يواجه منتخب بلده الأم تونس في لقاء يجمع بين الاحتراف والجذور. pic.twitter.com/CHqx1Rhq0g
— نون بوست (@NoonPost) June 14, 2026
في تصريحاته عقب المباراة، قال إمبولو: “بالتأكيد أنا سعيد وفخور، لكنني لم أقدر على الاحتفال أمام البلد التي وُلد فيها أبي وأمي وعائلتي، وأنا أيضًا”. لكن مشاعر إمبولو الحقيقية تجاه تلك اللقطة ظهرت لاحقًا في أحد لقاءاته ضمن عمل وثائقي. وكان إمبولو، في الفترة بين كأس العالم وإطلاق الوثائقي، قد واجه حكمًا قضائيًا عام 2023 في قضية مشاجرة تعود إلى عام 2018، ولم يجد دعمًا كافيًا رغم امتثاله للقضاء ودفع الغرامة المقررة عليه، ما عكس مدى هشاشة وضعية اللاعبين من أمثاله أمام زلات من هذا النوع.
في وثائقي “الانتماء The Belonging”، عبّر إمبولو عن مأزقه وتمزقه بعد تسجيل هدفه قائلًا: “إن المرء في تلك اللحظة يشعر بكونه بطلًا وخائنًا في آن واحد، وهذا ما يجعل تلك اللعبة قذرة أحيانًا”. وعبّر إمبولو عن متاهته الشعورية في بقية حديثه، موضحًا أن المرء في تلك اللحظة لا يستطيع الموازنة بين الطرفين، فقد هُوجم بشراسة من السويسريين والكاميرونيين، وللسبب نفسه: لأنه احتفل بطريقة متحفظة.
في تلك اللحظة، أُنكرت الأيادي البيضاء لإمبولو، وهو الذي كان دائمًا ما يُوصف بكونه نموذجًا إنسانيًا إيجابيًا، بعدما أسس مركزًا لإيواء اللاجئين في سويسرا واهتم بقضاياهم الإنسانية المختلفة، ليجد نفسه بلا انتماء كامل إلى أي من الطرفين.
لكن إمبولو، في أزمته، كان أكثر حظًا من غيره، فهو لم يواجه هجومًا شديدًا من أصحاب الأفكار اليمينية، ولم يتعرض للهجوم في لحظة خسارة، بل هوجم لأنه لم يحتفل، وكان ذلك كافيًا ليضعه أمام معضلته التي لا نعرف لها حلًا، خصوصًا حين تتكرر بشكل أكثر قسوة مع أمثال اللاعب زيون سوزوكي.
الـ”هافو” يبقى نصفًا للأبد
عادة، لا تواجه المنتخبات اليابانية في رياضاتها المختلفة أزمة من هذا النوع. ولأسباب تاريخية عدة، لم تكن اليابان، رغم تقدمها، حلمًا للهجرة أو الاندماج. ولذلك، وُلد زيون سوزوكي لأب أمريكي غاني وأم يابانية في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، لكنه عاد لينشأ في سايتاما اليابانية كـ”هافو”، وهو المصطلح الذي يطلقه اليابانيون على أصحاب الأصول المزدوجة بين الآسيوية وغير الآسيوية.
ببشرته السوداء، كان سوزوكي، بالطبع، مميزًا دائمًا، لكن بشكل مؤلم، إذ تعرض للتنمر والعنصرية منذ دراسته في المرحلة الابتدائية. لكنه قرر أن يستغل بروزه الشكلي والجسدي في التفوق كحارس مرمى.
كان على العالم أن يعرف قصته حين تجلت مأساته في كأس آسيا 2024 التي أقيمت في قطر، عندما ارتكب خطأ كلّف فريقه المباراة أمام منتخب العراق. فعلى وسائل التواصل الاجتماعي، قرأ سوزوكي كل الإساءات الممكنة، التي لم يستهدف أي منها خطأه كلاعب كرة قدم، بل “خطيئته” كونه يابانيًا أسود “هافو”، ما دفعه إلى إغلاق التعليقات على حساباته.
قدم المدرب هاجيمي مورياسو دعمه للاعبه قائلًا: “أنا أشعر بالخزي والصدمة، لن أسمح بتعرض لاعبي للعنصرية في عالم متنوع”. بينما طلب سوزوكي من الناس أن ينتقدوه، ولو بقسوة إن أرادوا، لكن في نطاق الكرة فقط، دون التعليق على عرقه.
إلى تلك اللحظة في كأس العالم، وبعد انتهاء الجولة الثانية، قدم المنتخب الياباني أداءً كرويًا راقيًا في مجموعة صعبة، ولم تخسر اليابان، بل انتصرت بنتيجة كبيرة على تونس. وتبعًا لذلك، لا يهتم أحد بلون سوزوكي الآن، فأسئلة الهوية عادة ما تتلاشى عند الفوز، كما ذكرنا.
لكن ما يهمنا في حالة سوزوكي أنها تضرب مثلًا مميزًا عن اللاعب ذي الأصول المختلفة. فمن ناحية، لا يخوض سوزوكي صراع اختيار بلد، لأنه لم يفكر يومًا في تمثيل غانا أو الولايات المتحدة، فصراعه أكثر داخلية وفردية، ويتمثل في كيف يعيش كـ”هافو” داخل مجتمع لا يزال يبحث عن مكان واضح لهذه الفئة.
ومن ناحية أخرى، يضرب سوزوكي مثلًا يكسر التصور السائد بأن هذه الحالة تبرز دائمًا في أوروبا ويمينها المتطرف، إذ يحضر في اليابان، المجتمع الذي يفتخر تاريخيًا بتجانسه العرقي، ليعيد إنتاج المعادلة نفسها التي تواجه اللاعب ذا الأصول المزدوجة، التصفيق عند الإنجاز، والتشكيك عند الخطأ.
وفي هذه المعادلة كذلك، تبرز حالة مسعود أوزيل كضحية مثالية، إذ تجمعت فيها عدة عوامل، مثل شعوره القلق بالانتماء، ولحظة الفشل للمنتخب الألماني، وتحوله إلى كبش فداء على مذبح اليمين المتطرف.
يمكن للغزالة أن تكون ذئبًا أيضًا..
شهيرة هي قصة مسعود أوزيل وصورته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتعود إلى مايو/أيار 2018، أي قبل أيام قليلة من انطلاق بطولة كأس العالم في موسكو، التي ستشهد خروجًا مدويًا، عُدّ فضيحة في تاريخ المنتخب الألماني، حامل لقب النسخة السابقة، من دور المجموعات.
حين التقط أوزيل الصورة مع الزعيم التركي، كان معه اللاعب الألماني من أصول تركية أيضًا، إلكاي غوندوغان. لكن الفرق بينهما في حجم الهجوم أن أوزيل، في ظل توتر العلاقة بين برلين وأنقرة في ذلك الوقت، نشر الصورة مع أردوغان معلقًا عليها بأنه “زعيمه”، بينما اكتفى زميله بالصمت.
ربما لو لم تخرج ألمانيا من دور المجموعات، لما تفاقمت الأزمة إلى حد اعتزاله مباشرة بعد نهاية البطولة، وهو في سن الـ29. لكن الأقل شهرة من تلك القصة أن مسعود نفسه كان قد حاز جائزة “بامبي” الألمانية عام 2010، وهي ليست جائزة رياضية ولا علاقة لها بكرة القدم، بل هي أرقى جائزة إعلامية تُمنح في ألمانيا منذ عام 1948.
وقد حاز أوزيل الجائزة عن فئة الاندماج، باعتباره النموذج الأنجح لتمثيل الاندماج والتنوع داخل المجتمع الألماني. وقد وصفته المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل لاحقًا بأنه أحد أبرز تجليات الاندماج الذي يمكن أن ينعكس من خلال التمثيل الرياضي المشرف والنجاح في المجتمع.
لم يكن كثيرون يتخيلون أن الرجل الذي كان يومًا “بامبي”، وهي جائزة تُمنح على هيئة تمثال لغزالة قدمتها ديزني في سلسلة أفلام شهيرة تحمل الاسم نفسه، سيتحول سريعًا في نظر بعض الألمان إلى “ذئب رمادي”، وهو الرمز المرتبط باليمين التركي المتطرف. ولم تكن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من بين هؤلاء، إذ دافعت عن مسعود في تلك الأزمة.
لكن رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم حمّل الصورة، بعد الخروج من كأس العالم، مسؤولية ما حدث، وهو ما أشعر أوزيل بالخيانة، وقدمه كبش فداء مثاليًا للمتطرفين الألمان. وفي أعقاب تلك الحادثة، كتبت زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا، أليس فايدل، أن حادثة أوزيل ليست إلا دليلًا آخر على فشل مسألة الاندماج.
إذا لجأنا إلى صياغة قضية هذه المقالة في مقولة بسيطة، فقد نجد أصدق ما يعبر عنها في الكلمات التي أعلن بها اللاعب الألماني مسعود أوزيل اعتزاله التمثيل الدولي لألمانيا، قائلًا: “ينادونني في الفوز ألمانيًا، وعند الهزيمة أنا مهاجر”.
تلك الجملة التي كتبها أوزيل تحت وطأة شعوره، لم تكن تعني أنه اختار التخلي عن ألمانيته، فقد ظل مرتبطًا بألمانيا حتى بعد اعتزاله، وبوسائل إعلامها، كما واصل التأكيد على ألمانيته في وثائقيات عدة، لكنه أكد أيضًا أنه يحمل “قلبين، أحدهما ألماني والآخر تركي”، مضيفًا: “لقد علمتني والدتي ألا أنسى أصلي أبدًا”.
وقد عمل الباحثان فان هوتم وفان كامبنهاوت على حالة أوزيل، وتتبعا تسلسلها من البداية، كما تتبعا تصريحاته، ليطرحا نظرية في استحقاق المهاجرين في عالم كرة القدم، تناقش سيكولوجية اللاعبين من هذا النوع.
وتوصلا إلى أن لاعبين من أمثال أوزيل يواجهون دائمًا أزمة انتماء متذبذب، إذ ينتقل اللاعب من موقع المواطن صاحب الإنجاز عند الفوز، إلى موقع الدخيل المشتبه به عند الخسارة، وذلك تبعًا للنتيجة فقط، لا للهوية الثابتة.
الفيل في الغرفة
بعد اعتزاله، انتقد طوني كروس تبريرات أوزيل لقراره، وبعد أن وصفه بأنه لاعب عظيم وزميل عظيم، قال إن تصريحاته عن العنصرية في المنتخب الألماني تحمل الكثير من الهراء والسخف. وبأشكال أقل حدة، وافقه مانويل نوير وتوماس مولر. وما يجمع الثلاثة أنهم ألمان أبًا عن جد، ولم يروا ألمانيا يومًا بنظارة المهاجر، كما رآها أوزيل.
وبينما يبدو تجاهل وجود المشكلة أو الاستخفاف بحجمها مشكلة بحد ذاتها، فإنه يبدو، من ناحية أخرى، حلًا مؤقتًا لأزمة لا يمكن حلها جذريًا، وكثيرًا ما يُلجأ إليه.
قبل أيام قليلة من انطلاق بطولة يورو 2024، التي استضافتها ألمانيا، أطلق المخرج الألماني فيليب أونو فيلمه الوثائقي، الذي يمتد إلى 45 دقيقة، تحت عنوان: Einigkeit und Recht und Vielfalt: Die Nationalmannschaft zwischen Rassismus und Identifikation.
وقد أثار الفيلم ضجة تسببت في تضارب آراء المواطنين الألمان، إذ قرر أونو، وهو أسود البشرة، أن يسأل في فيلمه عن القضايا التي يحملها عنوانه؛ فبينما يحتفي الشق الأول من العنوان، المقتبس من النشيد الألماني، بـ”الوحدة والعدالة والتنوع”، يشكك الشق الثاني في تلك المبادئ، إذ يقول: “المنتخب الوطني بين العنصرية والهوية”.
هاجم المدرب الألماني يوليان ناغلسمان الفيلم بسبب السؤال الذي بُني عليه، ففي استطلاع أجراه المخرج لصالح الفيلم، اكتشف أن 21% من الألمان يفضلون أن يرتدي مزيد من اللاعبين البيض قمصان المنتخب الألماني. وقد رأى المدرب الألماني أن طرح مثل هذا السؤال من الأساس سخيف، بقدر ما أن الإجابات عنه عنصرية ومقززة.
لكن رأي ناغلسمان، الناصح بتجاهل وجود الفيل في الغرفة، لا يعني أن آخرين لم يتحسسوا وجوده ويشعروا بثقله. فحتى هذه اللحظة، لا تزال بطولات كأس العالم، وبطولات المنتخبات الدولية المجمعة عمومًا، تأتي لتكشف لنا عن التوتر الكامن في تعريف الهوية، خاصة حين يتعلق الأمر بتمثيل أحد أبناء المهاجرين لمنتخب أوروبي.
ما يكشفه العرض الذي قدمناه لهذه القضية، والذي حاول أن يقدم مناظير مختلفة، من تأثير اليمين السياسي المتطرف إلى الحالة النفسية للاعب عند اختلاف اللون أو الاختيار بين بلدين، أن هذه القضية لا تزال سؤالًا مطروحًا، تُعقّد إجابته تعدد العوامل التي تتسبب فيه.
لكن علينا أيضًا أن نقول إن الأمر ليس نفاقًا كاملًا ولا كراهية على مداره، ففي بعض الحالات التي ذكرناها، تدخلت ميركل ومدرب المنتخب الياباني للدفاع عن قيم إنسانية سامية، وغيرهما كثيرون على أرض الواقع، ممن يحاولون جعل فكرة الاندماج، وفي مجالات أوسع من كرة القدم، أسهل وأيسر للمهاجرين وأبنائهم.
لكن ما تكشفه الظاهرة بصفة عامة، حتى هذه اللحظة، أن معايير النجاح والفشل والاندماج والغربة في حالة اللاعبين مزدوجي الهوية ليست معايير رياضية بحتة، بل معايير سياسية متحركة، يُعاد كتابتها مع كل صافرة نهاية مباراة ونتيجتها. فاللاعب نفسه، بجذوره ذاتها وجواز سفره، يمكن أن يكون نموذجًا للاندماج في صباح يوم النصر، ودخيلًا في مساء يوم الهزيمة.
هذا التناقض ليس جنينًا مشوهًا أنتجته الصدف العابرة، أو نبت كزرع شيطاني في صحراء، بل نتيجة مباشرة لحقيقة أن كرة القدم تحولت في الغرب إلى الفضاء العام الأكثر تنوعًا ديمغرافيًا، وسط مجتمعات تتشدد سياسيًا في خطابها عن الهجرة، فتصطدم رمزية المنتخب الوطني الموحد بواقع السياسة المنقسمة.
ففي سويسرا، كان 45% من المصوتين لا يريدون “إمبولو” جديدًا حين وافقوا على مقترح قانون يضع حدًا أقصى لعدد السكان عند 10 ملايين نسمة. وبينما يحاول لاعبون مثل عياري وإمبولو إيجاد لغة جسدية، كسجدة شكر أو يدين مرفوعتين دون احتفال، للتعبير عن شعورهم الداخلي بالتناقض والتهديد والانتماء القلق، يبقى السؤال الأعمق دون جواب، ورهينًا بإجابة سؤال مستقبل السياسة والثقافة في الغرب عمومًا: هل يمكن لمجتمع أن يحتفل بتنوع منتخبه الوطني، بينما يصوت في صناديقه لأحزاب تشكك في جدوى ذلك التنوع نفسه؟
تبقى الإجابة رهينة بنتيجة المباراة المقبلة.