• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تفكيك الغطاء السياسي لحزب الله: ماذا وراء العقوبات على فرنجية؟

عماد عنان٢٢ يونيو ٢٠٢٦

أثار قرار وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على الوزير اللبناني السابق ورئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية، على خلفية اتهامات تتعلق بارتباطه بحزب الله وعرقلة مسار الاستقرار السياسي في لبنان خلال السنوات الماضية، موجة واسعة من الجدل في الأوساط المتابعة للشأن اللبناني.

الجدل هنا لا يكمن في قرار العقوبات بحد ذاته، إذ سبق أن طالت العقوبات الأمريكية شخصيات لبنانية محسوبة على حزب الله أو قريبة من دائرته السياسية، بقدر ما يرتبط بحجم الشخصية المستهدفة وموقعها داخل معادلة التحالفات اللبنانية، ففرنجية لم يكن مجرد حليف تقليدي للحزب، بل أحد أبرز الوجوه السياسية التي وفّرت له غطاءً مسيحيًا مهمًا، ودعمت خياراته في أكثر من محطة مفصلية.

وبذلك، وجد فرنجية نفسه فجأة في موقع مغاير تمامًا؛ فالرجل الذي كان يُطرح مرشحًا جديًا لرئاسة الجمهورية بدعم واضح من المكون الشيعي، انتقل من خانة المرشح المحتمل لقيادة الدولة اللبنانية إلى خانة الشخصيات المدرجة على لوائح العقوبات الأمريكية، وهو تحول لا يُتوقع أن تنحصر تداعياته في طموحات الوزير السابق الرئاسية فحسب، بل قد يمتد أثره إلى حزب الله نفسه، وإلى شبكة تحالفاته الداخلية التي تبدو، يومًا بعد آخر، تحت ضغط أمريكي متصاعد.

وتفتح هذه الخطوة، بما تثيره من جدل ونقاشات سياسية مطولة، الباب أمام جملة من التساؤلات حول الدلالات السياسية وراء فرض عقوبات أمريكية على شخصية بوزن سليمان فرنجية، والرسائل التي تسعى واشنطن إلى توجيهها إلى الداخل اللبناني وخارجه، فضلًا عن انعكاسات القرار المحتملة على نفوذ حزب الله وقدرته على المناورة داخل المشهد السياسي اللبناني.

فرنجية تحديدًا.. ما أهمية القرار؟

لم يكن القرار الأمريكي بفرض عقوبات على فرنجية مجرد استهداف لقيادة مسيحية أو لزعيم حزب مسيحي متحالف مع حزب الله، إذ سبق لواشنطن أن اتخذت خطوات مشابهة بحق شخصيات مسيحية لبنانية، من بينها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، الذي فُرضت عليه عقوبات أمريكية عام 2020.

غير أن أهمية هذا القرار تكمن، هذه المرة، في خصوصية شخصية فرنجية نفسها وموقعه داخل المعادلة اللبنانية، فالرجل لم يكن مجرد حليف مسيحي تقليدي لحزب الله، بل كان مرشحًا رئاسيًا وأحد أبرز الرهانات السياسية للحزب في المرحلة الماضية، والتي خاض من أجله معركة سياسية امتدت لأكثر من عامين، منذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في أكتوبر/تشرين الأول 2022.

وخلال تلك المرحلة، تمسك الحزب بترشيح فرنجية رغم الانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية، معتبرًا أن وصوله إلى رئاسة الجمهورية يشكل مكسبًا استراتيجيًا يحفظ له حضوره السياسي داخل مؤسسات الدولة، غير أن هذه المعركة انتهت مع بداية عام 2025، بعدما تراجعت حظوظ فرنجية الرئاسية وانتُخب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية.

وحتى قبل أسابيع قليلة من صدور قرار العقوبات، ظل رئيس تيار “المردة” متمسكًا بخياراته السياسية وبتموضعه إلى جانب حزب الله، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية على الحزب للتخلي عن سلاحه وإنهاء نشاطه العسكري، حيث عبّر بوضوح عن هذا الموقف في حديثه إلى صحيفة «الجمهورية» اللبنانية في 8 أبريل/نيسان الماضي، حين قال: “إذا ربحت المقاومة سنربح وإياها، وإذا خسرت لا سمح الله نخسر معها بشرف، إنّما الأكيد أنّنا لا يمكن أن نحيد عن قناعاتنا..”.

من هنا، لا يمكن التعاطي مع قرار فرض العقوبات على فرنجية باعتباره إجراءً عابرًا أو مألوفًا ضمن سياسة العقوبات الأمريكية التقليدية التي تستهدف العشرات من الأشخاص والشركات والمؤسسات، بل بوصفه استهدافًا ممنهجًا يحمل دلالات سياسية بالغة في توقيت حساس، وبذلك يبدو القرار رسالة أوسع من مجرد معاقبة شخصية متحالفة مع حزب الله.

تطويق شبكة الحلفاء

لا يمكن قراءة قرار فرض العقوبات على فرنجية بمعزل عن السياق الأوسع للعقوبات الأمريكية التي طالت، خلال السنوات الأخيرة، شخصيات سياسية وعسكرية واقتصادية مرتبطة بحزب الله أو قريبة من دوائره، فقد بات واضحًا أن واشنطن تتجه إلى توسيع نطاق الضغط، بحيث لا يقتصر على الحزب بوصفه تنظيمًا سياسيًا وعسكريًا، بل يمتد إلى شبكة حلفائه ومناصريه، في محاولة لتطويق نفوذه وتقليص قدرته على الحركة داخل الساحة اللبنانية.

ومن هذه الزاوية، لم يكن استهداف فرنجية خطوة مفاجئة أو معزولة، بل جاء امتدادًا لمسار تصاعدي سبقته مؤشرات متعددة، لعل أبرزها العقوبات التي فرضتها واشنطن عام 2020 على الوزير السابق يوسف فنيانوس، القريب من تيار المردة، بتهم تتعلق بالفساد وتقديم دعم سياسي لحزب الله، وقد شكّلت تلك الواقعة إشارة مبكرة إلى توجه أمريكي نحو استهداف الدائرة السياسية المحيطة بفرنجية، باعتبارها جزءًا من البنية الحليفة التي يستند إليها الحزب في تثبيت حضوره داخل النظام اللبناني.

وبذلك، فإن العقوبات على المرشح الرئاسي السابق لا تبدو مجرد إجراء عقابي ضد شخصية سياسية بعينها، بل خطوة ذات دلالة أوسع في إطار استراتيجية أمريكية تستهدف تفكيك الغطاء السياسي المحيط بحزب الله، فالرسالة التي تبعث بها واشنطن هنا واضحة، مفادها أنه لم يعد الضغط منصبًا على حزب الله وحده كتنظيم مسلح أو كفاعل سياسي، وإنما بات يشمل أيضًا الحاضنة السياسية والتحالفات التي تمنحه هامشًا من الشرعية والقدرة على التأثير داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.

رسالة ترهيب: كلفة الاصطفاف باهظة

يمثل استهداف فرنجية رسالة مباشرة إلى القوى المسيحية وغير الشيعية التي قد تفكر في التحالف مع حزب الله، مفادها أن كلفة هذا التحالف باتت مرتفعة، فالقرار يوحي بأن العقوبات لم تعد تقتصر على الأعضاء التنظيميين داخل الحزب أو المرتبطين مباشرة ببنيته العسكرية والمالية، بل يمكن أن تطال شخصيات سياسية توفر له الغطاء أو الدعم أو الشرعية داخل النظام اللبناني.

في هذا السياق، لا تكمن أهمية فرنجية في كونه جزءًا من البنية التنظيمية لحزب الله، فهو ليس قياديًا في الحزب، بل في كونه حليفًا مسيحيًا استراتيجيًا وازنًا، ومن ثم، فإن استهدافه، رغم موقعه المسيحي وخروجه عن الإطار التنظيمي للحزب، يعكس توجّهًا أمريكيًا واضحًا لرفع كلفة الاصطفاف السياسي إلى جانب حزب الله، وإرسال إشارة تحذيرية إلى حلفائه بأن هذا التموضع قد تترتب عليه تبعات سياسية ومالية قاسية.

وتتجاوز دلالة القرار شخص فرنجية نفسه إلى محاولة أوسع لضرب شبكة الحلفاء المسيحيين وغير الشيعيين التي استند إليها حزب الله خلال السنوات الماضية، فالحزب سعى تاريخيًا إلى توسيع تحالفاته خارج بيئته الشيعية، ولا سيما باتجاه قوى مسيحية وبعض التيارات السنية، في محاولة لتقديم نفسه كفاعل وطني عابر للطوائف، لا كتنظيم طائفي معزول.

وعليه، يمكن فهم العقوبات على فرنجية والمقربين من تياره باعتبارها جزءًا من مسعى لإضعاف الغطاء الوطني والسياسي الذي منح حزب الله هامشًا واسعًا من الحركة داخل المؤسسات اللبنانية، فالهدف لا يقتصر على محاصرة الحزب في بيئته المباشرة، بل يمتد إلى تفكيك شبكة التحالفات التي ساعدته على ترسيخ حضوره السياسي وتحصين سلاحه ودوره داخل المعادلة اللبنانية.

تضييق هامش الحركة

لا شك في أن تطويق حزب الله اقتصاديًا وسياسيًا، عبر فرض عقوبات على الشخصيات المتحالفة معه والشركات المرتبطة به، وتجميد الأصول والحد من التعاملات البنكية، من شأنه أن يشكل ضغطًا كبيرًا على الحزب ويضيّق هامش حركته، ويبدو هذا الضغط أكثر وضوحًا على المستوى السياسي، إذ قد يجد الحزب صعوبة متزايدة في توظيف حلفائه من خارج المكوّن الشيعي كواجهة سياسية تمنحه غطاءً وطنيًا أوسع داخل المعادلة اللبنانية.

وفي هذا السياق، قد يجد الحزب نفسه أمام أزمة أكثر تعقيدًا في معاركه الداخلية الراهنة، ولا سيما تلك المرتبطة بملف نزع السلاح، فقد ربط بيان وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات صراحةً بعرقلة مسار السلام وتأخير نزع سلاح حزب الله، الأمر الذي يجعل هذه العقوبات جزءًا من ضغط سياسي أوسع، لا مجرد إجراء مرتبط بملفات فساد أو تمويل.

في المقابل، قد يسعى الحزب اللبناني إلى توظيف هذا التصعيد الأمريكي لصالحه داخليًا، عبر تصوير العقوبات باعتبارها استهدافًا للداخل اللبناني وتدخلًا في خياراته السياسية، لا سيما أنها ليست المرة الأولى التي تطال فيها العقوبات الأمريكية حلفاء الحزب، ومن ثم، قد يحاول تحويل المسألة إلى قضية سيادة وطنية، بما يعزز الالتفاف الشعبي حوله داخل بيئته، ويدفع بعض حلفائه إلى تثبيت مواقفهم بدل الرضوخ لرسالة الضغط والترهيب التي تحملها العقوبات.

العقوبات الأميريكية لا تعنينا لا من قريب ولا من بعيد خصوصاً وأنّ تهمتَنا أننا مع مكوّن من بلدنا ضدّ عدوّ صهيوني يحتلّ أرضنا ويقتل شعبنا. ونحن كنّا ولا نزال مع السلام ولكن ضدّ الاستسلام وهذا التصرّف لن يؤثّر على رأينا بل يزيدُنا قناعةً به.

— Sleiman Frangieh (@sleimanfrangieh) June 18, 2026

وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن المبالغة في تقدير أثر هذه العقوبات، باعتبارها معول هدم سريع لحزب الله، تمثل قراءة غير موضوعية، فالحزب واجه، على مدار سنوات، حزمًا متتالية من العقوبات الأمريكية والدولية، من دون أن تدفعه إلى التخلي عن مقارباته السياسية أو العسكرية، أو إعادة النظر جذريًا في تموضعه الداخلي والإقليمي، غير أن ما يمنح هذه العقوبات دلالة مختلفة هذه المرة هو توقيتها، فهي تأتي في لحظة حرجة يمر بها الحزب، بعد سلسلة من الخسائر والتحولات التي أصابت بيئته الاستراتيجية، بدءًا من تداعيات حرب غزة ، مرورًا بسقوط نظام الأسد الحليف، وصولًا إلى ارتدادات الحرب ضد إيران وما فرضته من ضغوط إضافية على محور حلفائه.

في المحصلة، يجد حزب الله نفسه، منذ بداية حرب غزة أكتوبر/تشرين الأول 2023، أمام مرحلة مفصلية في تاريخه السياسي والعسكري، تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية، وتتقاطع فيها معادلات السلاح والنفوذ والتحالفات، فالحزب يواجه اليوم ضغوطًا متصاعدة وغير مسبوقة، في وقت تتراجع فيه شبكة حلفائه تدريجيًا تحت وطأة التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، بينما يبقى الحليف الإيراني الحلقة الأكثر ثباتًا في منظومة الدعم التي يستند إليها حتى الآن.

وعليه، فإن العقوبات الأمريكية على سليمان فرنجية لا تبدو مجرد إجراء منفصل، بل حلقة ضمن مسار أوسع يهدف إلى تضييق الخناق على الحزب، سياسيًا واقتصاديًا، عبر استهداف بيئته الحليفة وشبكة الغطاء التي منحته هامشًا واسعًا من المناورة داخل لبنان، ليبقى السؤال: هل ينجح حزب الله في عبور هذه المرحلة الحرجة والحفاظ على موقعه داخل المعادلة اللبنانية، أم أن كلفة الصمود هذه المرة ستكون أعلى من قدرته على الاحتمال؟

مواضيعالشأن اللبناني ، الصراع العربي الإسرائيلي ، حزب الله

قد يعجبك ايضا

سياسة

جولة مظلوم عبدي الأوروبية.. بحث عن مكاسب أخيرة قبل اكتمال اندماج قسد

زين العابدين العكيدي٢٢ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

هل يُفسد التيار المتشدد صفقة إيران “المغرية” مع الولايات المتحدة؟

آراش عزيزي٢٢ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

معول الهدم: كيف يهدم بن غفير إسرائيل من الداخل بتفويض من نتنياهو؟

آفي إيساكاروف٢٢ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑