ترجمة وتحرير: نون بوست
قبل أربعة أشهر فقط، شهد بنيامين نتنياهو تحقق حلمه السياسي الذي راوده لعقود: اندلاع حرب مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
لكن ما وُصف في إسرائيل بأنه المعركة “النهائية” ضد عدوها اللدود لم يجرِ وفقًا للرياح التي اشتهتها سفنه إذ قوبل الاتفاق المؤقت الذي أبرمه دونالد ترامب مع طهران بغضب عارم في الأوساط الإسرائيلية، حيث اعتبره النقاد فشلًا استراتيجيًا مدويًا جرى برعاية زعيم أمريكي افتقر إلى قوة الإرادة. وفي المقابل، ردت واشنطن بلهجة حادة؛ إذ حذر نائب الرئيس، جي دي فانس، إسرائيل بضرورة أن “تستفيق وتدرك حقيقة واقعها”.
وفي هذا السياق، علق دان شابيرو، المسؤول الأمريكي الرفيع والسفير السابق لدى إسرائيل، إشارةً منه إلى ترامب ونتنياهو قائلاً: “لقد أفرطا في تقدير قوتهما، ووقع كلاهما ضحية أوهامه الخاصة، فأخطآ في تقدير ما يمكنهما إنجازه… وتبديد الموقف الاستراتيجي الأكثر ملاءمة لهما”.
لقد حظي نتنياهو بحفاوة بالغة وتكريم متكرر في اجتماعاته مع ترامب بعد عودة الأخير إلى البيت الأبيض؛ إذ التقى القائدان سبع مرات على الأقل بين تاريخ تنصيب الرئيس الأمريكي واندلاع الحرب. غير أنهما لم يظهرا معًا في أي مناسبة منذ ذلك الاجتماع المصيري في فبراير/شباط، والذي مهد للصراع.
وكجزء من تفاهماتها مع إيران، سعت واشنطن أيضًا إلى فرض وقف لإطلاق النار في المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، مما فجر موجة احتجاجات غاضبة من سكان شمال إسرائيل ووزراء اليمين المتطرف، الذين اعتبروا الخطوة “مساسًا بالسيادة”.
وفي المقابل؛ تمسك نتنياهو بموقفه مؤكدًا أن قواته لن تنسحب من “المنطقة الأمنية” التي أعلنتها إسرائيل من طرف واحد، مما جعل الملف اللبناني ركيزة أساسية في محادثات السلام المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران.
وجاءت مذكرة التفاهم التي أُبرمت الأسبوع الماضي بين واشنطن وطهران لتقدم أوضح مؤشر حتى الآن على حدوث تباعُد جذري في المصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فإلى جانب شمول التفاهم لجبهة لبنان، خلت مسودة النص من أي إشارة إلى برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو دعم طهران للفصائل الموالية لها في المنطقة، وذلك رغم المطالب الإسرائيلية الملحة والقديمة بإدراج هذه الملفات في أي اتفاق.
وفي هذا الصدد، أشار مسؤول إسرائيلي رفيع سابق إلى أن “الملف النووي لم يُعالج إلا حبرًا على ورق”، دون أي التزامات صارمة من جانب إيران للتخلص من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.
وبناءً على مسار المحادثات والخطوات الإيرانية لإعادة فتح مضيق هرمز، يبدو أن طهران في طريقها للحصول على استثناءات أمريكية تتيح لها بيع النفط والوصول إلى أرصدتها المجمدة، في وقت لا يزال فيه النظام ذاته قابضًا على زمام السلطة هناك.
وأضاف المسؤول الإسرائيلي السابق: “من الصعب المبالغة في حجم هذه الكارثة الإستراتيجية”، معتبرًا أنه بمقارنة الوضع الحالي بما كان عليه قبل الحرب، فإن “المشهد اليوم يبدو أسوأ بكل تأكيد، لا سيما وأننا لم نعد على قلب رجل واحد مع الولايات المتحدة كما كنا في السابق”.
ويمثل هذا المشهد تراجعًا حادًا في أسهم نتنياهو مقارنة بنهاية العام الماضي، عندما وصفه الرئيس الأمريكي بـ “بطل” الحرب خلال لقاء جمعهما في منتجع “مارالاغو”، قائلًا حينها: “لولا قيادتك، لربما لم تعد هناك إسرائيل”.
وقد يثبت التاريخ أن تلك اللحظة كانت ذروة العقيدة الأمنية الهجومية لنتنياهو، والتي حصدت سلسلة من الانتصارات الميدانية في الشرق الأوسط – بتكلفة بشرية باهظة – ردًّا على هجوم حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2032.
ومن لبنان إلى غزة وسوريا، أُنهك أعداء إسرائيل بشدة مع مطلع هذا العام؛ إذ بسط الجيش الإسرائيلي سيطرته على عدة “مناطق عازلة” ووجه ضرباته أينما شاء، مستفيدًا في الغالب من مظلة اتفاقيات وقف إطلاق نار صبت بالكامل في مصلحته برعاية أمريكية. وفي المقابل، كان النظام الإيراني لا يزال يترنح جراء حرب الـ 12 يومًا التي خاضها ضد إسرائيل عام 2025، وسط اقتصاد متآكل.
وبعد ستة أشهر من وضع أوزار تلك الحرب، اندلعت احتجاجات شعبية عارمة هزت أركان النظام في إيران. وسرعان ما تحول وعد ترامب بمساندة الشعب الإيراني إلى هجوم عسكري شامل بتوجيه وتحفيز من نتنياهو، بعد أن دأب رؤساء أمريكيون سابقون على رفض دعوات الزعيم الإسرائيلي لشن حملة عسكرية ضد الجمهورية الإسلامية.
ويستذكر شابيرو، الذي يشغل حاليًا منصب زميل في معهد “المجلس الأطلسي”، تلك الفترة قائلاً: “اندلعت الاحتجاجات وبدا النظام على شفا الانهيار؛ وظن [نتنياهو وترامب] أن الأمر لا يتطلب سوى دفعة بسيطة لإسقاطه”.
بيد أن هذا الرهان قد فشل؛ فرغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها إيران، بدءًا من تصفية قادتها البارزين وتدمير بنيتها التحتية الحيوية وصولاً إلى سقوط آلاف الضحايا المدنيين، إلا أن النظام الإيراني، شديد العداء لإسرائيل، خرج من هذه الحرب بنخوة المنتصر، شاعرًا بأن المعركة قد عززت موقفه.
ولكن ربما يكون العبء الأكبر والمأزق الحقيقي لنتنياهو يكمن في فجوة الجفاء المتسعة بينه وبين ترامب، الذي نُقل عنه في الأسابيع الأخيرة وصفه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه “مجنون لعين”، وتصريحه لصحيفة فاينانشال تايمز قائلاً: “أنا صاحب القرار الأول والأخير، وهو [نتنياهو] لا يملك من أمره شيئًا”.
وتزامنًا مع ذلك، هبطت شعبية الرئيس الأمريكي بين الإسرائيليين – ولا سيما في صفوف القاعدة اليمينية لنتنياهو – إلى مستويات قياسية؛ إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته القناة 12 الإسرائيلية الخميس الماضي أن 13 بالمئة فقط من الإسرائيليين يثقون في قدرة ترامب (الذي كان يحظى بشعبية جارفة سابقًا) على حماية مصالح بلادهم.
وامتدت حالة الاحتقان إلى الشخصيات الإعلامية المقربة من نتنياهو، والذين وصفوا ترامب – الذي باهى يوماً بأنه “الرئيس الأمريكي الأكثر دعمًا لإسرائيل في التاريخ” – بأنه “فاشل”، ووجهوا انتقادات لاذعة وشتائم إلى فانس والمبعوثين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. وكتب الإعلامي ينون ماغال، المذيع في القناة 14 اليمينية المتطرفة والمقرب من رئيس الوزراء، تدوينة على منصة إكس الأسبوع الماضي، اعتبر فيها أن ترامب ركع أمام ضغوط فانس “المنحط”، متهمًا ويتكوف وكوشنر بأنهم “باعوا إخوتهم في إسرائيل”.
وفي المقابل، شن فانس يوم الخميس هجومًا لاذعًا على وزراء اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية لانتقادهم الاتفاق، قائلاً: “لو كنت عضوًا في الحكومة الإسرائيلية، لامتنعت عن مهاجمة الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في هذا العالم”.
وفي هذا الصدد، يرى نداف شتراوخلر، الخبير الإستراتيجي السياسي الذي عمل سابقًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، أن “هذا [الاتفاق مع إيران] ليس بالضربة الهينة لنتنياهو… ولو أُجريت الانتخابات غداً لواجه مأزقاً حرجاً للغاية”.
وفي غضون ذلك؛ يتخلف حزب “الليكود” الذي يتزعمه نتنياهو وحلفاؤه في معسكر اليمين عن ركب المعارضة في استطلاعات الرأي، دون بزوغ أي مسار واضح يضمن لهم تأمين أغلبية برلمانية جديدة. ومع ذلك، يرى شتراوخلر أنه في ظل تحديد موعد الانتخابات في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل كحد أقصى، لا يزال أمام رئيس الوزراء المخضرم متسع من الوقت لترميم الصدع وإصلاح الأضرار؛ مستدركاً بالتشديد على أن نتنياهو “لا يمكنه إسدال الستار على الموقف بهذا الشكل” سواء على الجبهة الإيرانية أو اللبنانية، نظرًا للفجوة الشاسعة بين الواقع الراهن والوعود البراقة التي أغدقها في بداية حملته ضد إيران.
وأضاف شتراوخلر: “الشارع الإسرائيلي لم يكن يتوقع بتاتًا أن تؤول الأمور إلى هذه النهاية”؛ إذ أظهر استطلاع الرأي الصادر عن القناة 12 أن 11 بالمئة فقط من الإسرائيليين يعتقدون أن بلادهم خرجت منتصرة من هذه الحرب. وفي المقابل، شارك ترامب يوم السبت مقالًا عبر منصته “تروث سوشيال” يحمل عنوانًا دلاليًّا: “ترامب يمسك بأوراق اللعبة في فرص إعادة انتخاب نتنياهو المهتزة”.
وفي قراءة للمشهد؛ لفتت شيرة إيفرون، الزميلة المقيمة في إسرائيل بمؤسسة “راند”، إلى أن حرب إيران الأخيرة تجتر سيناريو حملات إسرائيل الأخرى في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول، حيث غصّت بـ “توقعات غير واقعية” وانطوت على تركيز حصري على الحلول العسكرية لعلاج الأزمات كافة. وتابعت قائلة: “المنطلق الإسرائيلي كان يقوم على قاعدة: ‘ما لا يفلّه حد القوة، تفلّه قوة أكبر’؛ وبالتالي غابت الأدوات الدبلوماسية تماماً عن كل الجبهات، وهنا يكمن الإفراط في الطموح والاندفاع المتهور”.
وعلى الجانب الآخر، يصر نتنياهو على ركوب رأس الرفض لأي حديث يلمح إلى الفشل؛ إذ زعم في مؤتمر صحفي نادر عقده في 15 يونيو/ حزيران، أن ثمة “حملة ممنهجة تبخس إنجازات الحرب حقها”، مستفيضاً في استعراض ما اعتبره نجاحات جلية في إيران، ومنها: تدمير منظومات صاروخية، وقصف أهداف صناعية دفاعية “لا حصر لها”، وإلحاق خسائر اقتصادية بطهران تُقدر بمئات المليارات من الدولارات.
واستطرد نتنياهو مدافعاً بأن الحرب درأت عن إسرائيل خطر “الإبادة النووية” و”الموت الجماعي”، مجدداً مزاعمه بأن إيران تسابق الزمن لاقتناص سلاح نووي، وهو ادعاء لا تؤيده تقديرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أو الغربية.
ومن المفارقات الصارخة، أن جلّ “النجاحات” التي حرص نتنياهو على إبرازها — مثل استعادة الرهائن الإسرائيليين من غزة، وتقويض ترسانة حزب الله الصاروخية الضخمة وتصفية قيادته العليا، وحتى ضرب المنشآت النووية الإيرانية — هي إنجازات تعود إلى فترة ما قبل الحرب الأخيرة. وفي المقابل، لا تزال حركة حماس تبسط سيطرتها على نحو 40 بالمئة من قطاع غزة، فضلاً عن أن السلوك العملياتي لإسرائيل في القطاع دفع بها إلى عُزلة دولية خانقة غير مسبوقة.
وخلال المؤتمر الصحفي ذاته، تحاشى نتنياهو ذكر ترامب إلا لمامًا، مقللاً من شأن الخلافات العميقة ومدرجاً إياها في خانة التباينات التي “تحدث في أفضل العائلات”. وهنا يعلق شتراوخلر بالقول: “هناك إنجازات ملموسة يمكنه الاتكاء عليها بلا شك، لكن في عالم السياسة: إما أن تكون منتصرًا أو واقفًا في طابور المبررين. ونتنياهو قبل شهر من الآن لم يكن ليتمنى هذا الموقف أبدًا، بل كان سيفضل السير يدًا بيد مع ترامب نحو أفق الانتصار”.
ومع ذلك، لم ينفض حلفاء نتنياهو أيديهم من حبل الأمل بعد؛ إذ يلمحون إلى أن نيل “النصر المؤزر” لا يتطلب سوى قليل من الوقت الإضافي، وربما جولة هجومية أخرى. كما يعقد نتنياهو ومعسكره آمالاً مستمرة على إمكانية انهيار المحادثات بين ترامب “المتقلب” والنظام الإيراني المتشدد دون التوصل إلى صيغة اتفاق نهائي.
وفي هذا الصدد، صرح ميكي زوهر، الوزير البارز في حزب الليكود والمقرب من رئيس الوزراء، خلال مقابلة إذاعية الأسبوع الماضي قائلًا: “ترامب و[نتنياهو] يخبئان في جعبتهما مفاجآت ستذهل الجميع في قادم الأيام، حتى قبل انتخابات أكتوبر/تشرين الأول، صدقوني. وكل من يروج لفرضية أن رئيس الوزراء لم يحصد مكاسب مع ترامب، سيعض أصابع الندم قريبًا جدًّا”.
بيد أن المحللين في إسرائيل والولايات المتحدة يبدون أقل تفاؤلاً بكثير؛ فقد قطعت إيران الشك باليقين بإبداء استعدادها لعرقلة مسار المفاوضات الأوسع مع واشنطن رهنًا بمسار الصراع في لبنان، مما يضيق هامش المناورة المتاح لنتنياهو ويضعه أمام مجازفة صدام أشد ضراوة مع حليفه الأوحد والأكثر أهمية.
وفي هذا السياق، اعتبر شابيرو أن مرونة ترامب في تقليص خسائره والهرولة صوب إبرام صفقة مع طهران، تعد إشارة قاطعة على رغبته في “الانكفاء على الذات وتقليص الانخراط الأمريكي في معمعة الشرق الأوسط”.
وخلص شابيرو إلى أن الرؤساء الأمريكيين في المستقبل سيتجنبون على الأرجح مغبة التورط في مغامرات عسكرية مماثلة، في وقت تسعى فيه دول الخليج العربية — التي تجرعت المرارة الكبرى للهجمات الانتقامية الإيرانية — إلى تبريد الأجواء وتخفيف حدة التوترات مع إيران، بينما خرجت الأخيرة بنفوذ ومكاسب مالية متجددة. وختم قائلاً: “لقد كان ذلك خطأً إستراتيجيًّا فادحًا، يحمل في طياته درسًا جوهريًّا واحدًا: في عالم ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لم يعد هناك وجود لمصطلح ‘إنجاز المهمة'”.
المصدر: فاينانشال تايمز