• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

المملكة المتحدة أخفقت في منع مجزرة الفاشر خوفًا من الإمارات

دانيال هيلتون٢٣ يونيو ٢٠٢٦

وزير الخارجية البريطاني آنذاك ديفيد لامي يلتقي بنائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان في سبتمبر/أيلول 2024 (منصة إكس)

ترجمة وتحرير نون بوست

كشفت شهادة مثيرة أمام لجنة برلمانية بريطانية أن المملكة المتحدة أخفقت في منع وقوع مجزرة مروعة بمدينة الفاشر السودانية، نتيجة ما وُصف بـ “الاستحواذ السياسي” لدولة الإمارات العربية المتحدة ورغبة لندن في النأي بعلاقاتها مع أبوظبي عن أي توتر.

وكان الخبير في مجال حقوق الإنسان الدولي، ناثانيال رايموند، قد مثل أمام لجنة التطوير الدولي بالبرلمان البريطاني، للإدلاء بشهادته حول طريقة تعاطي لندن مع الأزمة في عاصمة ولاية شمال دارفور، والتي شهدت مقتل نحو 60 ألف مدني في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 على أيدي ميليشيات مدعومة إماراتيًّا.

وفي مذكرة مكتوبة قدمها للنواب، أكد رايموند أن المملكة المتحدة بصفتها “الممسكة بالملف” السوداني في مجلس الأمن والمكلفة بقيادة الاستجابة الدولية كانت تمثل “الأمل الأخير” لوقف ما كان يُتوقع أن يصبح “إحدى أكبر الكوارث الإنسانية والمجازر الجماعية في القرن الحادي والعشرين”.

وأمام النواب، وجّه رايموند اتهامًا صريحًا لوزارة الخارجية والتنمية البريطانية بـ”تقديم المصالح الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية للمملكة المتحدة مع الإمارات” على حساب حماية الأرواح. وأكد أن لندن فضّلت حساباتها السياسية مع أبوظبي على التدخل لمنع خطط “التجويع المتعمد، والتهجير القسري، والمجازر الجماعية ذات الطابع الإبادي” التي طالت عشرات الآلاف من المدنيين في الفاشر والمجتمعات المحيطة بها.

وتعود جذور المخاوف المحيطة بمدينة الفاشر إلى صيف عام 2023، عقب ارتكاب قوات الدعم السريع شبه العسكرية مجازر وحشية أودت بحياة عشرات الآلاف من السودانيين من إثنية “المساليت” في مدينة الجنينة، العاصمة الأخرى لإقليم دارفور؛ وهي الفظائع التي صنفتها الحكومة الأمريكية وعدة منظمات حقوقية دولية كـ “إبادة جماعية”.

ووفقًا لرايموند؛ فقد بات واضحًا للمراقبين آنذاك أن الفاشر، بمخيماتها التي تؤوي مئات الآلاف من النازحين جراء حرب الإبادة التي شهدها الإقليم قبل عقدين، ستكون الهدف التالي للميليشيات.

وفي تلك الأثناء، نقلت صحيفة “ميدل إيست آي” تحذيرات أطلقها رايموند وخبراء آخرون، أكدوا فيها أن الفاشر في طريقها لتتحول إلى “سربرنيتسا” جديدة.

وبصفته مديرًا مؤسسًا لمختبر الأبحاث الإنسانية في كلية ييل للصحة العامة، دُعِيَ رايموند في يوليو/ تموز 2023 لتقديم أول إيجاز رسمي لوزارة الخارجية البريطانية، حيث حثّها حينها على الدفع نحو تدخل فوري لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

كواليس الضغوط الإماراتية على لندن

وبحلول أبريل/ نيسان 2024؛ أكدت مؤشرات مختبر الأبحاث الإنسانية أن الحصار قد طوق الفاشر بالفعل؛ وهي منطقة يضاهي ثقلها السكاني نحو ثلاثة أرباع سكان قطاع غزة. وأمام هذا المشهد القاتم، رأت مجموعة المراقبة الدولية أن الضغط عبر القنوات الدبلوماسية للحكومة البريطانية يمثل “الملاذ الأخير” لتفادي كارثة إنسانية محققة.

وفي هذا الصدد؛ عقد رايموند سلسلة اجتماعات مع مسؤولي الخارجية البريطانية في لندن يومي 15 و16 مايو/ أيار 2024، تزامنًا مع قيام المملكة المتحدة بصياغة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2736، الذي طالب بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار.

وخلال ذلك الاجتماع الذي نظمه فريق “منع الفظائع” مع المسؤولين البريطانيين المعنيين بالملف السوداني، قدّم رايموند أدلة دامغة استندت إلى تحليل سجلات الهواتف العامة؛ حيث كشفت البيانات عن تحركات مريبة لشبكة أفراد يتنقلون بين المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في السودان، ودولة الإمارات، وأديس أبابا، ومدينة بوساسو الصومالية.

وتبرز إثيوبيا وقاعدة عسكرية في بوساسو الصومالية منذ ذلك الحين كشرايين إمداد رئيسية تستخدمها أبوظبي لتدفق الأسلحة والمعدات والمرتزقة لدعم الميليشيات السودانية، وفقاً لما كشفته صحيفة”ميدل إيست آي” في تقارير سابقة.

ووفقًا لشهادة رايموند، فإن المسؤولين البريطانيين طلبوا منه بوضوح نشر هذا التحليل الحساس علنًا لربط المنشآت التي تتخذ من الإمارات مقرًّا لها بقوات الدعم السريع، وبرروا ذلك باعتراف صادم نقله للنواب قائلاً: “أخبروني صراحة أن المملكة المتحدة تواجه ضغوطًا إماراتية هائلة وراء الكواليس، وهي ضغوط تكبل قدرة لندن الدبلوماسية وتحد من قدرتها على التأثير في مجريات الوضع”.

واقتبس رايموند تفاصيل هذا الموقف أمام النواب قائلاً: “بمعنى آخر، كانت حكومة جلالة الملك تطلب من مختبر أبحاث خاص تابع لقسم الأوبئة في جامعة أمريكية وليس من وكالة الاستخبارات الحكومية أو جهاز الاستخبارات السرية توفير الغطاء السياسي والدعم اللازم لمواجهة الإمارات بشأن دعمها السري لقوات الدعم السريع”.

وأوضح رايموند أنه رفض الاستجابة للمطلب البريطاني بنشر التحليل علنًاً، معللاً ذلك بأن الخطوة كانت ستكشف نظام التتبع وتمنح الإمارات والميليشيات فرصة لسد تلك الثغرة الأمنية، في وقت كان المختبر بحاجة ماسة فيه لهذه البيانات للتنبؤ بالهجمات المستقبلية؛ قبل أن تنكشف آلية التتبع لاحقاً إثر تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” رصد تدريب مرتزقة كولومبيين في الإمارات لصالح الدعم السريع.

كواليس التراجع البريطاني وأوامر أبوظبي

وفي اليوم التالي، التقى رايموند وممثلو منظمات غير حكومية بمسؤولي الملف السوداني وفريق منع الفظائع بالخارجية البريطانية. ووفقاً لشهادته، وجّه المسؤولون صدمة للعاملين في المجال الإنساني حين أبلغوهم صراحة بأن بإمكانهم التحذير من سقوط الفاشر “لمرة واحدة فقط”، وإلا خاطروا باتهامهم بـ “إطلاق إنذارات كاذبة والمبالغة في تقدير المخاطر”.

كما أكد المسؤولون البريطانيون أن مساندة القرار رقم 2736 هي أقصى ما يمكن للندن الالتزام به، مشددين على أن القرار لن يتضمن فرض أي عواقب أو عقوبات على الأطراف الدولية الداعمة للميليشيات، في إشارة ضمنية لدور الإمارات.

وعقب اعتماد القرار الأممي في 13 يونيو/ حزيران 2024، شهدت الفاشر هدوءًا مؤقتًا إثر توقف هجمات قوات الدعم السريع.

وقال رايموند، في إشارة إلى محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع المعروف باسم حميدتي: “في ذلك الوقت تقريبًا، أبلغ مصدر مطلع بشكل مباشر على العمليات الداخلية لقوات الدعم السريع مختبر الأبحاث الإنساني أن أبوظبي وجهت حميدتي بوقف الهجوم على الفاشر مؤقتًا حتى تتمكن الإمارات من تقييم ما إذا كانت ستكون هناك أي عواقب سياسية خطيرة ناجمة عن صدور القرار”.

وأضاف أن مختبر الأبحاث الإنساني نقل هذه المعلومات إلى وزارة الخارجية والتنمية البريطانية، وحثها على فرض عواقب على الإمارات في حال انتهاك القرار.

وقال رايموند لأعضاء البرلمان: “أوضحت وزارة الخارجية والتنمية البريطانية أنه ينبغي عدم توقع أي عواقب محددة، سواء كانت أحادية أو متعددة الأطراف، لانتهاكات قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2736. وبمجرد أن قدرت أبوظبي أنه لن تكون هناك أي عواقب، استؤنف الهجوم”.

موظفو ديفيد لامي يطلبون المساعدة

وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، أبلغت دولة عضو في الأمم المتحدة رايموند بأن الإمارات منعتْه من التحدث عن أضرار القصف داخل قاعة الأمم المتحدة.

ووصف رايموند لأعضاء البرلمان كيف تلقى مكالمة هاتفية من موظفي وزير الخارجية آنذاك، ديفيد لامي، في يناير/كانون الثاني 2025.

وكان لامي ومساعدوه في نجامينا، بتشاد، بعد زيارة مخيمات اللاجئين المليئة بالسودانيين الذين فروا من الإبادة الجماعية في الجنينة، وسألوا عما إذا كان بإمكان رايموند تزويدهم برقم هاتف مكتب الشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض.

ويقول رايموند إنه انتهز الفرصة لشرح الوضع المأساوي في مخيم زمزم، وهو مخيم يقع خارج الفاشر ويضم مئات الآلاف من الأشخاص من عرقيات استهدفتها القوات التي سبقت قوات الدعم السريع في الإبادة الجماعية في دارفور بين عامي 2003 و2005.

وقال رايموند للجنة: “لقد حذرتُ من أن مخيم زمزم للنازحين، الواقع جنوب الفاشر مباشرة، والذي يبلغ عدد سكانه التقديري أكثر من 500 ألف شخص يعيشون حالياً في ظروف مجاعة، يتعرض للقصف بأنظمة أسلحة متطورة من الإمارات”.

وتابع: “لقد أوضحتُ أن هذا القصف يجب أن يُنظر إليه كمقدمة لشن قوات الدعم السريع هجوماً على مخيم النازحين”. وفي أبريل/نيسان 2025، وبينما كان لامي يستضيف مؤتمراً للمانحين بشأن السودان في لندن، استولت قوات الدعم السريع على مخيم زمزم.

وتذكر رايموند قائلاً: “أُجبر العاملون في المجال الإنساني والرعاية الصحية على التوسل من أجل حياتهم وأُعدموا أمام الكاميرات، واقتيدت النساء والفتيات كسبايا جنسياً وتعرضن للتعذيب، وأُحرقت أجزاء كبيرة من مخيم زمزم للنازحين بشكل منهجي”.

وأضاف: “لم تقل وزارة الخارجية والتنمية البريطانية شيئًا عن نهب وتدمير مخيم زمزم، على الرغم من استضافة وزير الخارجية مؤتمرًا متعدد الأطراف للمانحين بشأن السودان في اللحظة نفسها التي كانت تقع فيها هذه الفظاعة. ولا يعلم مختبر الأبحاث الإنساني عن صدور أي بيانات من المملكة المتحدة بهذا الشأن”.

الإبادة الجماعية في الفاشر

وبحلول سبتمبر/أيلول 2025، أظهر تحليل مختبر الأبحاث الإنساني لصور الأقمار الصناعية، والذي نشرته صحيفة “ميدل إيست آي”، أن قوات الدعم السريع قامت ببناء 31 كيلومترًا من السواتر الترابية حول الفاشر، مما خلق ما وصفه رايموند  بـ “صندوق القتل”.

ويقول رايموند إن مسؤولاً في وزارة الخارجية والتنمية البريطانية وصف له في ذلك الشهر يأسهم من غياب أي تحرك محتمل من جانب حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، في وقت كانت فيه المدينة على وشك السقوط في أيدي قوات الدعم السريع.

وبعد شهر من ذلك؛ اقتحمت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر. وأظهرت مقاطع الفيديو والصور الفوتوغرافية وصور الأقمار الصناعية مجازر واسعة النطاق ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر ضد المدنيين.

ووصف ناجون لصحيفة “ميدل إيست آي” مشاهدتهم لإعدامات ميدانية واغتصاب وأنواع مختلفة أخرى من الانتهاكات.

وقبل ساعات من سقوط الفاشر، انهارت محادثات وقف إطلاق النار في واشنطن بسبب رفض الإمارات معالجة الحصار الخانق المفروض على المدينة منذ 18 شهرًا.

ويشير تحليل مختبر الأبحاث الإنساني إلى أن 60 ألف شخص على الأقل قُتلوا على يد قوات الدعم السريع في ذلك الهجوم وتداعياته.

ووفقاً لرايموند؛ تواصل معه مسؤول في قسم منع الفظائع بوزارة الخارجية والتنمية البريطانية عبر تطبيق دردشة مشفر، وشكك فيما إذا كان عدد المدنيين الذين قُتلوا مرتفعاً للغاية، واستمرت المحادثة في مكالمة هاتفية.

وقال رايموند لأعضاء البرلمان: “في تلك المحادثة، تولد لدي اعتقاد بأن هذا التقدير لمقتل 60 ألف شخص على الأقل على يد قوات الدعم السريع كان يمثل مشكلة سياسية لوزارة الخارجية والتنمية البريطانية”.

وتابع: “طلب هذا المسؤول في الوزارة بعد ذلك ما إذا كان بإمكان مختبر الأبحاث الإنساني تقديم إيجاز للوزارة بشأن العدد المقدر للقتلى، وطلب من المختبر إشراك مسؤولين من الأمم المتحدة. لكن الوزارة لم تحدد موعدًا لذلك الإيجاز مطلقاً ولم يعقد”.

ويعتقد رايموند  أن المجزرة “ذات الطابع العرقي” في الفاشر كانت “أكثر الفظائع الجماعية التي تم التنبؤ بها بدقة في التاريخ البشري، وبشكل لا يقبل الجدل”.

وختم بالقول: “إن التوقيت المناسب، والتفاصيل الدقيقة، والدقة، وقابلية التنفيذ للمعلومات الاستخباراتية التي قدمها مختبر الأبحاث الإنساني وغيره لموظفي وزارة الخارجية والتنمية البريطانية في الوقت الفعلي كانت أكثر من كافية لدعم تطوير خيارات سياسية قوية كان بإمكانها منع مجزرة الفاشر. على سبيل المثال، كان من الممكن، كحد أدنى، استخدام عقوبات مباشرة ضد المسؤولين الإماراتيين لقطع خط الإمداد الإماراتي السري للأسلحة المتطورة المتدفقة إلى قوات الدعم السريع”.

المصدر: ميدل إيست آي

علاماتالانتهاكات في السودان ، التدخل الإماراتي في السودان ، الدعم الإماراتي للانقلابات ، قوات الدعم السريع
مواضيعالشأن الإماراتي ، سياسات الإمارات الخارجية ، قوات الدعم السريع

قد يعجبك ايضا

سياسة

عسكرة الدعوة في مصر.. حين يتحول الإمام إلى “مجند مدني”

فريق التحرير٢٣ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

ما الدروس التي ستستخلصها الصين من حرب إيران؟

جيمس بالمير٢٣ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

كيف ارتدت اللحظة الكبرى لبنيامين نتنياهو عكسيًا عليه؟

نيري زيلبار٢٣ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑