• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ترسيم مؤجل واقتصاد ظل عابر.. لماذا يستعصي ضبط الحدود بين سوريا ولبنان؟

حسن إبراهيم٢٧ يونيو ٢٠٢٦

ضبط دراجة نارية محمّلة بالذخائر في ريف حمص معدّة للتهريب نحو الأراضي اللبنانية، 24 آب/ أغسطس 2025 (محافظة حمص)

على امتداد 375 كيلومترًا من الجبال والوديان والسهول المتداخلة، لم تُحسم الحدود السورية-اللبنانية جغرافيًا بشكل كامل، ولم تُرسَّم سياسيًا بصورة نهائية، وظلت لعقود فضاءً مفتوحًا تتشابك فيه الروابط العشائرية والمصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ الأمنية والعسكرية، ومسارات العبور غير الشرعية.

خلال العقدين الأخيرين، تحولت هذه المنطقة الحدودية إلى واحدة من أكثر البقع حساسية في المشرق العربي، حيث نشأت إمبراطورية ظل عابرة للحدود، تدير شبكات تهريب السلاح والمخدرات والبشر والسلع، معظمها ارتبط مباشرة بنظام الأسد المخلوع وأذرع إيران في المنطقة، فيما عملت أخرى ضمن شبكات محلية أصغر استفادت من غياب الرقابة وسيولة الحدود.

مع تشديد العقوبات الدولية على نظام الأسد بعد عام 2011 لاستخدامه العنف وقتل المدنيين، برزت تجارة الكبتاغون كأبرز مصادر التمويل غير المشروع للنظام، فيما رسخت إيران استخدام الأراضي السورية ممرًا ضمن خط الإمداد العسكري الممتد إلى ذراعها في لبنان، “حزب الله”. وبالتوازي، تحولت الحدود إلى شبكة معابر مفتوحة لتهريب المخدرات والسلاح، أدارتها “الفرقة الرابعة” وشبكات تهريب مرتبطة بالنظام السابق و”حزب الله” وشبكات أخرى.

ورغم الضغوط الدولية والدعوات المتكررة إلى ترسيم الحدود وضبطها، بقي الخط الفاصل بين سوريا ولبنان غامضًا في أجزاء واسعة منه، في ظل مماطلة النظام السوري المخلوع ورفضه المضي في ترسيم نهائي، لتتحول الحدود إلى منطقة رخوة تنتشر فيها عشرات المعابر غير الشرعية، وبيئة لشبكات التهريب ومدخل للنفوذ السياسي والأمني والعسكري بين البلدين.

بعد سقوط نظام الأسد، تحرّك ملف ترسيم الحدود بإرادة سياسية معلنة من دمشق وبيروت، مع وصول أحمد الشرع إلى رئاسة سوريا وجوزاف عون إلى رئاسة لبنان، غير أن الطرفين يقران بأن ترسيم الحدود أكبر من رسم خطوط على الخرائط، ويتطلب تفكيك إرث عقود من الوصاية السورية على لبنان، وإنهاء واقع فرضه نفوذ “حزب الله” على جانبي الحدود، ومعالجة التداعيات التي خلّفتها سياسات نظام الأسد، وسط مخاوف من أن يثير الملف خلافات جديدة.

عقدة الجغرافيا من “سايكس بيكو” إلى “الحديقة الخلفية”

تعود جذور إشكالية الحدود إلى اتفاقية “سايكس بيكو” عام 1916، والتي نصت على تقاسم مناطق النفوذ بين فرنسا وبريطانيا، قبل أن تفرض فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان وترسم خطًا حدوديًا عامًا على الخرائط من دون استكمال تثبيت ميداني دقيق على الأرض.

ورغم بعض عمليات الترسيم الجزئي خلال ثلاثينيات القرن الماضي، بقيت قطاعات واسعة من الحدود مبهمة، خصوصًا في المناطق الجبلية والمعقدة جغرافيًا. وبعد الاستقلال، لم يُستكمل ترسيم شامل ونهائي للحدود، كما رفض النظام السوري لاحقًا الاعتراف الرسمي بلبنان كدولة مستقلة، واعتبرها جزءًا من “سوريا الكبرى”.

وخلال حكم آل الأسد في سوريا، تعمّق التدخل السوري في لبنان على المستويين السياسي والأمني لعقود، ما جعل ملف الحدود مرتبطًا بتوازنات النفوذ أكثر من كونه مسألة ترسيم تقني، وبات لبنان يوصف بـ”الحديقة الخلفية” لسوريا. ورغم قرارات دولية متكررة، أبرزها قرار مجلس الأمن رقم 1680 لعام 2006 الذي دعا إلى ترسيم الحدود، بقي التنفيذ متعثرًا.

فرق الإنقاذ المائي في “الدفاع المدني السوري” تبحث عن مفقودين جرفهم التيار في نهر الكبير الجنوبي على الحدود السورية اللبنانية أثناء محاولتهم العبور إلى سوريا، 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025 (الدفاع المدني السوري)

يمتد تعقيد الحدود إلى البعد الاجتماعي والعائلي المتداخل والمتشكّل عبر عقود طويلة، إذ توجد على جانبي الحدود عائلات وعشائر واحدة بين القرى السورية واللبنانية، تربطها صلات قرابة ومصاهرة وتاريخ مشترك. كما تتداخل الملكيات الزراعية والمراعي ومصادر المياه على نحو يصعب فصله وفق خطوط سيادية صارمة.

يصف الباحث والمحلل السياسي إبراهيم قيسون، في حديثه لـ”نون بوست”، ترسيم الحدود بأنه أحد أكثر الملفات تعقيدًا في العلاقة بين البلدين، نظرًا إلى حجم التداخل الاجتماعي والجغرافي، مشيرًا إلى وجود قرى وملكيات زراعية تمتد على جانبي الحدود، ولا سيما في منطقتي تلكلخ والقصير، حيث يملك بعض السوريين أراضي داخل لبنان والعكس، فضلًا عن آلاف العائلات التي تجمعها صلات قرابة، ومنهم أشخاص لأب سوري وأم لبنانية، ما يجعل الانتقال اليومي بين الجانبين جزءًا من حياتهم منذ عقود.

ويضيف قيسون أن لبنان يعتمد برًا على سوريا لأنها منفذه الوحيد إلى الدول العربية، مشيرًا إلى أن اختلاف الأنظمة الاقتصادية والرسوم والأسعار بين البلدين ساهم في تكريس حركة تهريب واسعة، كما أتاحت هشاشة الشريط الحدودي تنقل مطلوبين وفلول من النظام السابق، إلى جانب متهمين بجرائم مختلفة، مستفيدين من سهولة العبور بين الجانبين.

ويرى أن أحد أكبر تحديات الترسيم يتمثل في نفوذ “حزب الله” على جانبي الحدود، مستبعدًا أن يقبل الحزب بسهولة بإغلاق المعابر غير النظامية التي شكّلت لسنوات جزءًا من خطوط الإمداد العابرة لسوريا (من العراق وإيران وغيرها)، من أسلحة أو معدات لوجستية ووسائل اتصال، وهو ما يجعل أي ضبط كامل للحدود يصطدم بحسابات تتجاوز البعدين الإداري والجغرافي.

دمار واسع في مدينة القصير بريف حمص بعد تحويلها إلى ساحة معارك وممر حيوي لـ”حزب الله” اللبناني، 19 شباط/ فبراير 2025 (الدفاع المدني السوري)

ويوضح الباحث أن ملف مزارع شبعا المحتلة وحده يكشف حجم التعقيد، إذ ظل لعقود ورقة خلاف سياسي وأمني استُخدمت بين بشار الأسد و”حزب الله” في تجاذبات الصراع مع “إسرائيل”، وهو تعقيد ينطبق على بقية القرى والبلدات والملكيات المتداخلة على امتداد الشريط الحدودي، وبالتالي فإن الترسيم، برأيه، يفتح جميع هذه الملفات وكل منها بحاجة إلى معالجة وقراءة بشكل آني.

وخلصت دراسات وتقارير إلى أن مماطلة نظام الأسد في ترسيم الحدود ارتبطت برغبته في إبقاء الحدود أداة نفوذ داخل لبنان، والحفاظ على مرونة الحركة عبر الشريط الحدودي، بما في ذلك المعابر غير الشرعية. كما جرى توظيف ملف مزارع شبعا ضمن معادلة سياسية وأمنية مشتركة بين نظام الأسد و”حزب الله”، باعتباره ورقة تُستخدم في الصراع مع “إسرائيل” وتُبقي حالة التوتر قائمة بما يخدم توازنات الطرفين. وبعد عام 2011، تعزز هذا الواقع مع الاستفادة من تجارة الكبتاغون وشبكات التهريب والالتفاف على العقوبات.

سلاح ومخدرات وعبور بشري متواصل

منذ تحرير سوريا، بدأت تتكشف شبكات تهريب واسعة امتدت لسنوات على طول الحدود السورية – اللبنانية، إلى جانب ضبط أنفاق ومعامل لتصنيع الكبتاغون، وإحباط متكرر لعمليات تهريب السلاح والمخدرات، ما يعكس تنوع هذه الشبكات وقدرتها على إعادة التموضع والتكيف مع الضغط الأمني.

طبيعة المضبوطات من شحنات ضخمة من الحبوب المخدرة إلى أسلحة فردية وثقيلة مثل صواريخ “غراد” وصواريخ مضادة للدروع، مرورًا بوسائل تهريب بدائية كالدراجات النارية أو البالونات الهوائية، تعكس بنية تهريب متعددة المستويات تعمل على التمويه وتجزئة المسارات وتوزيع الأدوار.

مديرية الأمن العام في طرطوس تضبط سيارة أسلحة معدّة للتهريب إلى لبنان، 17 كانون الثاني/ يناير 2025 (وزارة الداخلية)

إلى جانب تهريب السلاح والمخدرات، تنشط حركة العبور غير النظامي للأشخاص عبر الحدود، باستخدام المعابر غير الشرعية والطرق الجبلية والنقاط النهرية كمسارات لتهريب البشر رغم المخاطر، إذ انتهت إحدى محاولات العبور من وإلى الأراضي اللبنانية بغرق عدد من الأشخاص في نهر الكبير الجنوبي قرب مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي، في كانون الثاني/ ديسمبر 2025.

تكشف شهادة أحد الأشخاص الذين سلكوا طرق التهريب عدة مرات من لبنان إلى سوريا أن العبور غير النظامي يبدأ من نقاط استراحة منتشرة قبل المعابر الرسمية على جانبي الحدود، حيث ينشط عشرات المهربين الذين يعرضون نقل الركاب بطرق غير نظامية.

وبحسب إفادة الشخص لـ”نون بوست”، تتم العملية عبر دراجات نارية تسلك طرقًا جبلية وعرة تتجنب نقاط التفتيش، في مسار يستغرق ما بين 15 إلى 20 دقيقة، بما يلتف فعليًا على المعابر الرسمية ويتجاوزها.

ويقول إن أي سائق على خط لبنان – سوريا يمكن أن يتولى تأمين عملية التهريب، إذ يعرض على الراكب خيار العبور النظامي أو غير النظامي في حال عدم امتلاكه أوراقًا ثبوتية، ليتم في الحالة الثانية نقله عبر الدراجات النارية قبل المعابر الرسمية باتجاه الأراضي السورية. كما تمتد هذه الشبكات إلى نقاط نهرية تُستخدم للعبور عبر مواقع أقل رقابة، يتم اختيارها وفق مستوى المياه وإمكانية المرور دون كشف.

وتتفاوت أجور التهريب بحسب المسار، إذ تتراوح بين 75 و100 دولار للشخص في حال تأمين العبور الكامل من لبنان إلى داخل سوريا، بينما تنخفض الكلفة في حال اقتصار دور المهرب على جزء من الطريق فقط.

إدارة مكافحة المخدرات ومديرية أمن حمص تضبطان معملًا لتصنيع الكبتاغون على الحدود السورية اللبنانية، 5 أيار/ مايو 2025 (وزارة الداخلية)

يشير الدكتور سمير العبد الله، وهو باحث أول في “المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة”، إلى أن استمرار محاولات تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود السورية – اللبنانية، رغم الإعلان المتكرر عن إحباطها، يعود إلى عوامل متداخلة في مقدمتها الطبيعة الجغرافية المعقدة للحدود، الممتدة عبر جبال ووديان وأراضٍ وعرة، إلى جانب انتشار عشرات المعابر غير الشرعية التي يصعب مراقبتها بشكل دائم، ما يجعل من إغلاق منافذ التهريب بشكل كامل مهمة شديدة التعقيد حتى في ظل انتشار أمني مكثف.

ويقول الباحث لـ”نون بوست” إن شبكات التهريب تطورت على مدى سنوات طويلة، مستفيدة من ظروف الحرب حتى أصبحت شبكات منظمة تمتلك خبرة واسعة في تغيير مساراتها وأساليب عملها، والقدرة على التكيف مع الإجراءات الأمنية الجديدة.

ويضيف أن العامل الاقتصادي يعد أحد أهم دوافع استمرار التهريب، في ظل أوضاع معيشية صعبة تعانيها المناطق الحدودية على جانبي الحدود، وارتفاع معدلات البطالة وضعف فرص العمل والاستثمار، ما يدفع بعض السكان إلى الانخراط أو التعاون مع هذه الشبكات مقابل عوائد مالية تفوق بكثير البدائل المشروعة، خصوصًا في تجارة المخدرات والأسلحة ذات الأرباح المرتفعة.

حراك بلا نتائج.. تحديات أمنية واقتصادية لضبط الحدود

تحركت عدة دول في ملف ترسيم الحدود السورية – اللبنانية، في محاولة لاحتواء خطٍّ سريع الاشتعال يتحول مرارًا إلى ساحة مواجهة عسكرية مباشرة، تعكسها التوترات وتبادل إطلاق النار بين الجيش السوري الجديد ومجموعات مرتبطة بـ”حزب الله”. فبعد ثلاثة أشهر على سقوط نظام الأسد، اندلعت اشتباكات في آذار/مارس 2025 أسفرت عن مقتل ثلاثة عناصر من الجيش السوري عقب اختطافهم وتصفيتهم داخل لبنان، قبل أن تُحتوى باتفاق لوقف إطلاق النار، لتعود التوترات بعد شهر واحد مع رد الجيش السوري على قذائف أُطلقت من الأراضي اللبنانية.

الاتفاق رعته السعودية آنذاك، حين استضافت اجتماعًا ضم وزيري الدفاع السوري مرهف أبو قصرة واللبناني ميشال منسى، بمشاركة وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان بن عبد العزيز، حيث جرى الاتفاق على إطلاق مسار لترسيم الحدود وتشكيل لجان قانونية وفنية، إلى جانب تفعيل آليات تنسيق أمني وعسكري للحد من التصعيد على طول الشريط الحدودي.

إدارة مكافحة المخدرات ومديرية أمن حمص تضبطان معملًا لتصنيع الكبتاغون على الحدود السورية اللبنانية، 5 أيار/ مايو 2025 (وزارة الداخلية)

من جانبها، سلّمت فرنسا لبنان وثائق وخرائط تاريخية من أرشيفها تعود لأكثر من قرن، تتعلق بتحديد الحدود مع سوريا، في خطوة اعتبرتها الخارجية اللبنانية مساندة لمسار الترسيم. كما أوضح وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي أن هذه الوثائق سرّية قُدمت إلى لبنان وسوريا، وتحتاج إلى قراءة تقنية متخصصة، مشيرًا إلى أن ملف الترسيم يبقى معقدًا ويتطلب لجنة تقنية مشتركة سورية – لبنانية لمعالجته.

كما حضر بند “ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا بشكل واضح ودائم” في ورقة توم برّاك مبعوث الرئيس الأمريكي إلى لبنان، والتي حملت عدة توصيات في هذا الشأن منها، تشكيل لجنة ثلاثية (لبنان، سوريا، خبراء خرائط من الأمم المتحدة) لتتولى عملية الترسيم الكامل للحدود البرية والبحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، بمساعدة الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة العربية السعودية، والأمم المتحدة، والاستعانة بالسجلات العقارية التاريخية وتقنيات رسم الخرائط بالأقمار الصناعية (GIS) لتحديد الحدود بدقة.

لم يُفضِ هذا الحراك حتى الآن إلى نتائج ملموسة، ما يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بملف ترسيم الحدود، وهو ما يؤكده الرئيس السوري أحمد الشرع، إذ توجد عقبات متعددة في مقدمتها تداعيات الحرب في لبنان، إضافة إلى أولوية إعادة بناء العلاقات الثنائية ومعالجة الملفات العالقة بين البلدين، معتبرًا أن الذهاب المباشر إلى خيار الترسيم قد يفتح نقاشات خلافية وإشكالية تتعلق بتداخل الحقوق والمصالح، ما يستدعي اتباع مقاربة تدريجية تبدأ بما يمكن الاتفاق عليه.

ويقول الشرع إن العلاقة بين البلدين يجب أن تنطلق من نقاط التلاقي، مثل وقف الحرب على لبنان وتعزيز الروابط الاقتصادية، على أن يتم التدرج لاحقًا نحو معالجة القضايا الأكثر حساسية، إذ يرى أن البناء على مساحات الاتفاق يشكّل مدخلًا لتفادي تعميق الخلافات، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيدًا ومنها ترسيم الحدود.

يرى الباحث سمير العبد الله أن التحدي الأول أمام الحكومة السورية يتمثل في استكمال فرض سيطرة أمنية فعلية على كامل الشريط الحدودي، وهو ما يتطلب منظومة مراقبة متكاملة تشمل تقنيات إلكترونية، وطائرات مسيّرة، وأجهزة استشعار، إلى جانب كوادر بشرية مدرّبة قادرة على العمل في بيئات حدودية معقدة.

قوات من الجيش السوري الجديد تجري مناورات في قرية حوش السيد علي بعد اشتباكات شهدتها الحدود السورية اللبنانية، 17 آذار/ مارس 2025 (أسوشيتد برس/ عمر البم)

أما التحدي الثاني، فيكمن في تفكيك شبكات التهريب ذاتها، إذ لا يقتصر الأمر على ضبط الشحنات عند الحدود، إنما يرتبط ببنية منظمة تمتد على جانبيها وتضم ممولين ووسطاء وناقلين ومستفيدين.

ويؤكد الباحث أن المعالجة الفعالة تتطلب تعاونًا أمنيًا وثيقًا بين الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية، يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في تنفيذ العمليات، وملاحقة قادة الشبكات ومصادر تمويلها، وعدم الاكتفاء بإيقاف المنفذين الميدانيين، مع الإشارة إلى أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهونًا بقدرة الجانب اللبناني على بسط سيطرته على كامل المناطق الحدودية.

ويشير العبد الله إلى أن الحلول الأمنية وحدها غير كافية لمواجهة التهريب، فمكافحته تتطلب أيضًا معالجة جذوره الاقتصادية والاجتماعية من خلال تنمية المناطق الحدودية، وتحسين الخدمات، وخلق فرص عمل ومشاريع إنتاجية توفر مصادر دخل للسكان، بما يقلل من اعتماد بعضهم على اقتصاد التهريب.

لذلك، فإن استمرار الإعلان عن ضبط شحنات أسلحة أو مخدرات يعكس استمرار وجود شبكات تهريب نشطة تحاول استغلال أي ثغرة متاحة، وفي المقابل، فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الشحنات المضبوطة فقط، وإنما بمدى قدرة الدولة على تفكيك البنية التنظيمية لهذه الشبكات، وتعزيز السيطرة على الحدود، وتوفير بيئة اقتصادية تقلل من دوافع الانخراط في أنشطة التهريب، وفق الباحث.

يبقى الانتقال من مرحلة الحدود الرخوة إلى مرحلة السيادة الكاملة في ملف الحدود السورية – اللبنانية معركة متعددة الجبهات، تفترض تفكيك منظومة اقتصاد الظل العابر التي تجذرت على مدى عقود، وتجاوز عقبة الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا التي وظّفها النظام السابق كحجة لإبقاء الحدود رمادية.

ومع أن العهد الجديد في كلا البلدين يبدي مرونة لإنهاء هذا الملف، فإن النجاح الحقيقي مرتبط بالقدرة على إيجاد بدائل تنموية لسكان تلك المناطق، وبسط سيطرة أمنية وعسكرية مشتركة وحاسمة تُغلق معابر الظل وتنهي نفوذ الميليشيات والشبكات العابرة.

علاماتالحدود اللبنانية السورية ، الحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري ، العلاقات اللبنانية السورية ، الكبتاجون
مواضيعالحدود اللبنانية السورية ، الشأن السوري ، العلاقات السورية اللبنانية ، المخدرات ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

سياسة

معركة سرديات في نيويورك بعد اكتساح مرشحي ممداني الانتخابات التمهيدية

آزاد عيسى٢٧ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

أنصار فلسطين يحققون مكاسب داخل الحزب الديمقراطي

بيتر بينارت٢٦ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

20% من الناتج القومي.. هل تنهي أتاوة ترامب الشراكة الخليجية الأمريكية؟

هبة بعيرات٢٦ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑